أسيرةٌ تحكي عن رمضانها.. الأمل والهمة في وجه البعد

أسيرةٌ تحكي عن رمضانها.. الأمل والهمة في وجه البعد
تحميل المادة

في سجن الدامون، قبل أعوام مضت، عندما اقتُلعنا من حيواتنا وغُرسنا فيه، مرت الأيام كدهر، حتى أراد الله أن تتغير معالم الحكاية، عندما قررت مجموعة من الأسيرات تحويل السجن إلى ساحة للعلم والتعلم، والتّحاب والتآلف، فانطلقت كل منهن تقدم أفكارًا لما يمكن أن تخدم بها أخواتها، بين عرض للسيرة النبوية، وتعليم لأحكام التجويد، وتصحيح للتلاوة، إلى ورشات ومسابقات ثقافية، وإعداد للثانوية العامة، وفتاوى خاصة بالسجن والنساء، ومكتبة تتجول كتبها بين أيدي الأسيرات؛ تُغذّى بما تيسر مع كل زيارة يتاح فيها إدخال كتب وإخراج أخرى، إضافةً إلى ترتيب عدد من اللجان: الثقافية، والاستقبال، والاجتماعية.

في إشراقة حياة تزيل شيئًا من عتمة السجن، وتزيح بعضًا من سِتار الألم، وتدفع بالحزن إلى أغوار النفس؛ يأتي رمضان ليجدد الطاقات، ويبعث الهمم، ويوحّد القلوب، ويفتح مساحات جديدةً للأُلفة، وصناعة التأثير.

 

في الطريق إلى الشهر

الاستعدادات لاستقبال رمضان تتمثّل في توفير ما يُحتاج إليه من "كنتينة" الأسيرات كالأدوات البلاستيكية، وبعض المواد التموينية التي لا تغطّى من مطبخ السجن ولا تتوافر في "كنتين" القسم قبل الشهر، إضافةً إلى توزيع الأعمال اليومية بين الأسيرات في كل زنزانة، أو في القسم كله.

ضمن الاستعدادات، بادرت مجموعة من الأسيرات ضمن اللجنة الثقافية بإعداد رزنامة رمضانية بعنوان "نسائم الأحرار" بحجم A4، شارك في تحضيرها فريق عمل من 15 أسيرة بالإضافة إلى الأسيرة إسراء الجعابيص التي رسمت في ختام الرزنامة تهنئة بعيد الفطر، وجدولًا للعبادات، وتأملًا في آية، وبعد إعداد النسخة الأولى قمن بنسخها إلى 11 نسخة بعدد زنازين الأسيرات، ووُزعت الرزنامة في لقاء عام في إطار التحضير لاستقبال شهر رمضان.

بعد انتهاء التحضيرات عَقدت الأسيرات اجتماعًا وورشةَ عمل خفيفةً لاستقبال شهر رمضان، وأعدت كاتبة المقال جدولًا للعبادات، وتحدثتْ في اللقاء عن أجور العبادات، وفي الجدول مساحة لتكتب كل أسيرة اختياراتها من عبادات وهدايا وأعمال تجعل من رمضان جميلًا بالعطاء.

في الزنزانة التي كنتُ فيها، اتفقنا على توزيع مهمة إعداد السحور، ومهمة إعداد الفطور، وكذلك أعددنا قوائم مقترحة للسحور، ووجبات الفطور، مع إجراء مواءمة للوجبات بحسب المواد المتوفرة والبدائل، لأن هناك مواد لا تتوفر بالمطلق في السجن ومنها الطحين، كما جرى توزيع إمامة التراويح اليومية، وهذا كان في عدة زنازين، فمساحة التنفس للأسيرات بالخروج من الزنازين إلى ساحة السجن تنحصر بين الظهر والمغرب فقط، ومن غير المتيسر جمع الأسيرات لأداء صلاة تراويح جامعة في ساحة السجن مثلًا.

شهد رمضان استمرارًا للبرامج التي انطلقت قبل حلوله ضيفًا، فتجدد لقاء الأسيرات الأسبوعي كل سبت مع السيرة النبوية، كما استمرت دورات تعليم التجويد بإشراف أسيرتين متقنتين، لِتُوَزع الأسيرات لاحقًا إلى 6 مجموعات، كل مجموعة تتكون من أسيرتين ومقرِئة، فكانت كاتبة السطور تجلس في فورة[1] العصر مع الأسيرات اللاتي يقرأن معها، وكانت فرصةً لعلاقة طويلة الأمد امتدت إلى حين كتابة هذه السطور بعد 4 سنوات من تلك اللحظات.

 

همّة رمضانية

أضافت الأسيرات أفكارًا جديدةً لرمضان، فكانت صلاة العصر تؤدّى جماعةً في إحدى الزنازين الكبيرة، بنداء واحد في الساحة يجمعهن لأداء الصلاة، "صلاة العصر جماعةً في غرفة 10 أو 11 أو 4" وهكذا، والغرفة هنا مجاز، فهي زنزانة كنا ندللها بمناداتها غرفة!

أما موعظة العصر وهي موعظة قصيرة في دقيقتين كانت موزعة على عدد من الأسيرات يقدمنها فور انتهاء الصلاة بشكل دوري، وقد شاركت فيها نحو 14 أسيرة، منهن أسيرات يقفن للمرة الأولى ليقدمن موعظة، وقد حصلن على التوجيه من رفيقاتهن في الزنزانة، وجرى اقتناص العناوين من واقع الحاجة في السجن، وتنوعت المواضيع من بر الوالدين إلى الصبر، والدعاء، والأخوة، والحِلم، وغيرها، كما كانت تجلس الأسيرات لختمة قرآن أسبوعيًّا، كلّ جمهة، بعد العصر، وتوزع الأجزاء على مَن تحضر، ويختمن بالدعاء.

كذلك أُعلن بداية رمضان عن مسابقة حفظ سورة الكهف، والتي شاركت فيها نحو 10 أسيرات، وعُقدت جلسة امتحان، بتحديد 3 خيارات لكل خَيار 3 مقاطع، وكان أداء الأسيرات جميلًا، أما الجائزة فكانت علبة شوكولاتة حمراء على شكل رأس قلب، فقد كانت أفخم هدية ممكنةٍ في السجن، يمكن أن تصلح تكريمًا على الحفظ، وجرى التكريم في احتفالية عيد الفطر.

إضافة إلى مسابقة سؤال "جزء اليوم" من خلال جولة على الأسيرات أثناء فترة إعداد الفطور مكونة من 5 إلى 7 أسئلة من جزء اليوم من القرآن الكريم، وجرى تكريم الأسيرة صاحبة أكبر عدد من الإجابات الصحيحة في احتفالية عيد الفطر مع الأسيرات اللاتي أنهين حفظ سورة الكهف، وشاركن في المسابقة في رمضان.

 

مائدة في الأسر

في كل يوم كان هناك رصد لتفاصيل سُفرة الفطور لكل زنزانة، وهو ما كان يُنبّه إلى نقص أحيانًا في توفر المواد فيُجبَر من زنزانة أخرى، ويَمنح فرصةً للتعرف على الخيارات التي يمكن أن تضاف إلى برامج وجبات الفطور، التي كانت تحاول أن تصنع من الأشياء البسيطة كل ما يقربك إلى سُفرة الفطور مع أهلك، إضافة إلى توفر فرصة لتعلم طرق جديدة للاستثمار الأمثل للموجودات، وإعادة تدوير الأطباق، وابتكار أنواع جديدة، وتعلم طرائق تحضير جديدة. فرغم قلة الإمكانيات، وتشابه المواد الموزعة من إدارة السجن على الزنازين؛ إلا أن الأسيرات اختلفن في إعداد الأطباق، حتى كان لطبق رمضان الدوار، "طبق الخير"، نكهة أخرى.

وعلى قاعدة "جود من الموجود" وفي العشرة الأولى من رمضان استمرت الزنازين بإرسال "سَكبة" لأفضل ما تحضره وإهدائها لمن ترغب من الزنازين، حتى وصلنا إلى مرحلة نطلب فيها من بعضنا ألا نرسل الأطباق كي لا تتكدس على الطاولة فيكون مصيرها الإتلاف، ومن ناحية أخرى حتى لا تبور الطبخة المُعدة في الزنزانة، وجرى الاتفاق على السؤال مسبقًا، بحيث يحصل مقايضة أو تبادل عن حب ورغبة فنحصر حجم المُتلف، ونستمتع بالموجود ونحمد الله عليه، ونشكر مَن أعدته دون الحرج من إتلافه والتلكؤ في الإجابة عن طعمه وجودته.

 

يوم رمضاني

يظلّ ثابتًا لا يتغيّر في يوم الأسيرة، متابعة برامج الأسرى عبر الإذاعات المحلية: أجيال، والقرآن الكريم، وفلسطين، والأسرى، خاصةً برنامج إذاعة الأسرى اليومي قبل الفطور، وما يخلقه ذلك من أجواء مشتركة في ترقب الرسائل، أو محاولات التقاط إشارة البث، وتدوين رسائل الأهل لنقلها لمن لم تسمعها من الأسيرات. هذه الأجواء الجماعية رغم افتراق الزنازين توطد العلاقات أكثر.

أما من أهم مميزات شهر رمضان حصول الأسيرات على فرصة لمن ترغب بزيارة زنزانة أخرى خلال إحدى الفورات، أو ترغب بالمبيت عند زنزانة ما، بعد تقديم طلب لإدارة السجن، وكانت هذه فرصةً للزيارة والمشاركة، وتجديد النفسية، والتعرف على أجواء أخرى مختلفة قد لا تراها الأسيرة في زنزانتها.

وقد تتفق معي الأسيرات اللاتي عشن أجواء رمضان في السجن أو عشنه معنا أن فترة العصر، وهي فورة التنفس الأخيرة كانت أجمل فورة، وكانت تمنحنا أجواء رمضانيةً مكثفةً، مليئةً بالحيوية، والهدوء، والإقبال على الطاعات.

رمضان في السجن يضيف الكثير، ولكن روتين السجن اليومي لا يتغير: العدد، والتفتيش، والفورات، وزيارات المحامين، و"بوسطات" المحاكم، وزيارات الأهالي -وما يتخلل ذلك من إدخالات لملابس أو كتب، أو صور- وترقب الأخبار، ومتابعة برامج الأسرى، والعبء الأكبر يكون دائمًا على ممثلة الأسيرات ونائبتها، والأسيرات اللاتي يُنتدبن للقيام بمهام خدمة القسم، كتوزيع الوجبات، والغسيل، وتنظيف حمامات الاستحمام، والساحة، وجمع القمامة، وتلبية كل حاجات الزنازين بإحضارها من كنتين القسم، أو المطبخ المشترك العام.

للأسير مع إخوانه دومًا بصمة، وهي في رمضان أكبر تأثيرًا، وأكثر عمقًا، والأسرى أصحاب المحكوميات الأعلى هم الأقدر دومًا على ترك بصمة في كل جيل يدخل إليهم، أما العابرون أمثالنا فإن أثرهم محدود، ومع استمرار وجود الاحتلال، وتواصل عمليات الاعتقال تغدو البصمات القديمة أثرًا بعد عين لاتصالها بشخص الأسير المبادِر.

مضى رمضان السجن، وفي إثره رمضانات أخرى، لكنه ترك فينا أشياء لا تمحوها الذاكرة، ونحتاج دومًا أن ننعش الذاكرة بمحاولات التذكر لما تتركه فينا من أمل وجمال.



[1] مساحة التنفس خارج الغرف