"أيلول الأسود".. عن الصدام الأوّل مع النظام الرسمي العربي

"أيلول الأسود".. عن الصدام الأوّل مع النظام الرسمي العربي
تحميل المادة

على سبيل التقديم..

يعرض عوني فارس في هذه المادة، وبمناسبة ذكراها الثانية والخمسين، لمجريات أحداث أيلول (1970)، بين النظام الأردني والمقاومة الفلسطينية في حينه، من حيثياتها الميدانية والسياسية، وبعض مقدّماتها، ومساراتها ومآلاتها، وأخيرًا يقيّم تلك المواجهة من زواياها العسكرية والسياسية بالنظر إلى الظرف الإقليمي حينها وكفاءة القيادة الفلسطينية وقتها، والأنماط التنظيمية السائدة في أوساط فصائلها.

ينبغي القول إنّ هذه الأحداث مؤسِسة في المسار النضالي الفلسطيني، وتداخلاته العربية والإقليمية، وتصلح أداة لتحليل أوضاع المقاومة الفلسطينية، مهما تغيّرت أماكنها، وتبدّلت قواها، وانقلبت ظروفها، وذلك للعلاقة الجدلية التاريخية بين الوضع الفلسطيني والأوضاع العربية المحيطة، ولكون مشكلات المقاومة الفلسطينية الموضوعية لم تتغير، من قبيل جغرافيا التحرك الفلسطيني في الداخل التي يتغلّب الاحتلال فيها موضوعيًّا من النواحي العددية والأمنية والعسكرية، ومن قبيل امتناع المحيط العربي عن أن يكون منطلقًا مباشرًا، ونقاط ارتكاز، للمقاومة الفلسطينية، وبينما اشتبكت المقاومة، عسكريًّا أو سياسيًّا، مع دول الطوق، في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، فإنّ المقاومة الفلسطينية اليوم، في الداخل، تعاني الحصار، من الخارج، الذي يصل حدّ التنسيق الكامل مع الاحتلال، كما أنّها تعاني، الانقسام الفلسطيني الداخليّ نفسه.

يدعو ذلك للقول، إنّه وفي حال كان تغيير الظروف الموضوعية فوق طاقة الفلسطينيين، فإنّ الأسباب الذاتية تبقى بمقدورهم دائمًا، سواء في علاقات قواهم وفصائلهم البينية، أم داخل كلّ فصيل من فصائلهم، وإن لم يُستفد من هذه الحوادث الكبرى في التاريخ الفلسطيني، فلا حاجة لكتابة التاريخ حينئذ، لكن يبقى القول أيضًا، إنّ الظروف الموضوعية وإن صعب تغييرها، فإنه لا يصعب فهمها، لإدارة السياسة والمقاومة على نحو يتكيّف معها ولا يخضع لها.

·     التحرير

 

تسعى هذه المقالة إلى استرجاع أحداث المعركة الدامية التي وقعت بين النظام الأردني والمقاومة الفلسطينية في الفترة ما بين 17-27 أيلول/ سبتمبر عام 1970، وتستعرض جذورها وأسبابها، وتتتبع تفاصيلها، وما ترتَّب عليها من نتائج.

 

في البدء كان التناقض

حكم التناقض العلاقة بين النظام الأردني والمقاومة الفلسطينية، وقد شمل ذلك المستويات الاستراتيجية والسياسية والميدانية. نظر النظام للمقاومة بوصفها مُعيقًا لتحقيق رؤيته لحل القضية الفلسطينية، واستقرار حكمه، لذا لابد من التخلص منها أو على الأقل ضبط إيقاع عملها بما يخدم مصالحه، بينما عدّت المقاومة الأردن قاعدةً أساسيةً لانطلاق فعلها المسلح ضد العدو الصهيوني، ولنشاطها السياسي والثقافي ونضالها النقابي، مع وجود تباين في موقف فصائلها من النظام، إذ تبنت حركة فتح استراتيجية عدم المساس بشرعية النظام، على قاعدة عدم التدخل في شؤون الدول العربية، والاستعداد للدفاع عن النفس أمام محاولاته استئصال المقاومة، في حين أظهرت قوى اليسار عداءً واضحًا له، ولم تستبعد فكرة تغييره.

 

الطريق إلى أحداث أيلول

بدأت المواجهات بين النظام والمقاومة في فترة مبكرة من الوجود الفلسطيني المقاوم في الأردن، وكان تطويق القوات الأردنية لمخيم الكرامة في الثاني من شهر شباط/ فبراير عام 1968 بحثًا عن الفدائيين أولى فصولها، ثمَّ توالت بعدها الصدامات المتقطعة حتى خروج المقاومة من الأردن، وقد ارتقى خلال ذلك آلاف الشهداء، وأصيب الآلاف بجراح، وشُرّد كثيرون من بيوتهم، واعتُقل عشرات الآلاف، كما وقعت خسائر مادية كبيرة. 

نظر النظام للمقاومة بوصفها مُعيقًا لتحقيق رؤيته لحل القضية الفلسطينية، واستقرار حكمه، لذا لابد من التخلص منها أو على الأقل ضبط إيقاع عملها بما يخدم مصالحه، بينما عدّت المقاومة الأردن قاعدةً أساسيةً لانطلاق فعلها المسلح ضد العدو الصهيوني، ولنشاطها السياسي والثقافي

اتجه النظام بتسارع كبير نحو المواجهة النهائية مع المقاومة، خصوصًا بعد موافقته على مشروع روجرز للسلام، وقد خطا خطوات عملية في هذا الاتجاه، إذ أنشأ قوات الأمن الخاص عام 1969، بهدف تتبع فصائل المقاومة، وقام بتحشيد الجيش والأمن والعشائر والمواطنين ضدها، مستغلاً السلوك الميداني المنفلت لبعض قطاعاتها، وبعض استراتيجياتها التي مسَّت هيبة النظام ومكانته.

تصاعدت المواجهة منذ النصف الأول من عام 1970، وحدثت اشتباكات بين الطرفين بعد قرار الحكومة الأردنية في 10 شباط/ فبراير منع حمل السلاح في العاصمة، ومنع تخزين المتفجرات والذخائر، ثمَّ اندلعت أزمة حزيران/ يونيو، وجرى اختطاف الجبهة الشعبية للدبلوماسي الأمريكي موريس درايبر Morris Draper، واحتجاز 88 شخصًا رهائن في فندقي أنتر كونتيننتال وفيلادلفيا في عمان من بينهم عدد من الأمريكان والبريطانيين والألمان، وزادت حدة الاحتقان مع الإعلان عن نجاة الملك من محاولة اغتيال، وحدثت اشتباكات في 30 آب/ أغسطس، وشُنَّت هجمات على مراكز الفدائيين جنوب الأردن في أوائل أيلول/ سبتمبر، بالإضافة إلى الاشتباكات اليومية في العاصمة، وهاجم الجيش وقوى الأمن الشمالَ في التاسع من أيلول/ سبتمبر، وقصفوا الأغوار، كما صبَّت حادثة خطف الجبهة الشعبية للطائرات وهبوطها في الأردن الزيت على النار، بالإضافة إلى دعوة الاتحاد العمالي الأردني والمجلس المركزي لقوى المقاومة إلى الإضراب العام والتلويح بتطوير الحالة إلى عصيان مدني.

اتجه النظام بتسارع كبير نحو المواجهة النهائية مع المقاومة، خصوصًا بعد موافقته على مشروع روجرز للسلام، فأنشأ قوات الأمن الخاص عام 1969، بهدف تتبع فصائل المقاومة، وقام بتحشيد الجيش والأمن والعشائر والمواطنين ضدها، مستغلاً السلوك الميداني المنفلت لبعض قطاعاتها، وبعض استراتيجياتها التي مسَّت هيبة النظام ومكانته.

كان الميزان العسكري عشية معركة أيلول/ سبتمبر مائلاً لصالح النظام الذي امتلك في حينه 65 ألف مقاتل، و10 آلاف عنصر رديف من الشرطة والأمن، و330 دبابة، و350 ناقلة مدرعة، و270 عربة مصفحة، و1500 مدفع هاون، و150 مدفع ميدان، و32 طائرة، بينما كان لدى المقاومة 20 ألف مقاتل، منهم 5000 مقاتل فتحاوي، و1500 مقاتل من الجبهة الشعبية، مع 25 مدفعًا، و150 قاذف صواريخ مضاد للدبابات، و150 مدفع هاون، و50 مدفع رشاش[1]، وقد امتلك الفلسطينيون بعض المزايا، منها التحامهم مع الجماهير، وتمركزهم في قلب المدن التي كان من الصعب على الجيش اقتحامها وإحكام السيطرة عليها دون وقوع خسائر بشرية ومادية كبيرة. 

جهَّز الجيش الأردني 30000-35000 جنديًا للسيطرة على العاصمة، وتمركزت داخل عمان وفي محيطها أواخر آب/ أغسطس عام 1970. انتظم الجنود في "3 أولوية و9 كتائب وسريتي دبابات"[2]، ونُقلت قوات كبيرة إلى الزرقاء وإربد، وعُيِّن في مراكز متقدمة في الجيش عدد من كبار الضباط والمسؤولين المؤيدين للصّدام مع المقاومة مثل زيد بن شاكر الذي عُيِّن مساعدًا لقائد الأركان، وحابس المجالي الذي أصبح حاكمًا عسكريًا للأردن، بالإضافة إلى 5 حكام محليين (محافظين)، وشُكِّل مجلسٌ خاص للملك، ثمَّ أُعلن عن تشكيل حكومة عسكرية برئاسة محمد داود العباسي في 15 أيلول/ سبتمبر، وأُعلنت الأحكام العرفية.  

اشترطت الحكومة الجديدة خروج المقاومة من العاصمة فورًا قبل إجراء أي حوار مع المقاومة، والتقى أعضاء اللجنة المركزية للمقاومة في جبل الحسين، وناقشوا سيناريوهات المواجهة القادمة، وتبع ذلك تشكيل غرفة عمليات أساسية في جبل الحسين مكونة من عبد الرزاق اليحيى وأبو جهاد وأحمد عفانة ونهاد نسيبة وجواد عبد الرحيم (فتح وجيش التحرير)، ومسؤولين من الفصائل، وتمت تسمية "أبو عمار" قائدًا عامًا لقوات الثورة الفلسطينية[3].

 

اندلاع المواجهة

بدأت مدفعية الجيش بضرب مخيم الوحدات وجبل الحسين في الرابعة وخمسين دقيقة فجر الخميس 17 أيلول/ سبتمبر، وتقدمت عشرات الدبابات نحو مخيم الوحدات والمدينة الرياضية وجبل عمان وجبل الحسين وغيرها، وأعلن الجيش الأردني منع التجول في العاصمة، وأخذت التعزيزات العسكرية تأتي إلى العاصمة تباعًا، وزُجَّ بعدد كبير من وحدات المشاة، بالإضافة إلى فرق القناصة في المعركة في 19 أيلول/ سبتمبر.

كان تقدم الجيش الأردني بطيئًا في بداية المعركة، وأعلن عن اعتقال بعض قادة المقاومة منهم صلاح خلف وفاروق القدومي وبهجت أبو غربية وإبراهيم بكر بعد مرور ثلاثة أيام على بدء الهجوم، وتمكَّن من السيطرة على بعض المواقع في عمان والزرقاء حتى 22 أيلول/ سبتمبر، ثمَّ استولى على مخيم الحسين ومخيم الوحدات وجبل التاج وجيل الأشرفية في 25 أيلول/ سبتمبر، وسيطر على الزرقاء ومخيماتها في 26 أيلول/ سبتمبر، وتم إخراج عناصر المقاومة من ماركا وجبل الهاشمي في العاصمة، وتراجع المقاومون عن جزء كبير من الطريق بين عمان والرمثا.

عوَّلت المقاومة على حدوث انشقاقات داخل الجيش تساعد في كسب المعركة لصالحها، وقد وقع بعضها، لكنَّها كانت دون المستوى المطلوب، ولا شك بأن رفض حاكم القطاع الشمالي اللواء بهجت المحيسن تنفيذ أوامر قادته، وانضمام العقيد سعد صايل قائد لواء الحسين وعدد من ضباطه إلى قوى المقاومة، بالإضافة إلى ضابطين برتبة رائد وضابط برتبة مقدم، والضابط سعيد موسى أبو موسى، وأكثر من 500 جندي، صبَّ كله في مصلحة المقاومة، لكنَّه لم يُحدث تغييرًا استراتيجيًا في واقع المعركة ونتائجها، ولم يكن لتخلي انطوان عطا الله رئيس البعثة الأردنية في الأمم المتحدة عن مهامه في 19 أيلول/ سبتمبر، واستقالة رئيس الوزراء من منصبه في 24 أيلول/ سبتمبر، صدىً كبيرٌ في الميدان.

استولى على مخيم الحسين ومخيم الوحدات وجبل التاج وجيل الأشرفية في 25 أيلول، وسيطر على الزرقاء ومخيماتها في 26 أيلول، وتم إخراج عناصر المقاومة من ماركا وجبل الهاشمي في العاصمة، وتراجع المقاومون عن جزء كبير من الطريق بين عمان والرمثا.

 

مفاوضات تحت النار

أجرى النظام مفاوضات مع قيادة المقاومة المعتقلة، وبُثت رسالة مسجلة عبر الراديو بصوت صلاح خلف في 23 أيلول/ سبتمبر طالب فيها بوقف إطلاق النار، والانسحاب المتبادل، ونقل الفدائيين من المناطق السكنية، وتعهدِ المنظمة بالالتزام بالقانون الأردني، وهي صيغة شبيهة ببنود اتفاق 15 أيلول/ سبتمبر الذي تنكَّر له النظام، وكان انطلق في 20 أيلول/ سبتمبر حوار بين الطرفين المتحاربين عقد في فندق الأردن، وكان مشكلاً من وفدين أمنيين وسياسيين فلسطيني وأردني، حيث ترأس الوفد الأمني الفلسطيني عبد الرزاق اليحيى والوفد الأردني زيد بن شاكر، وترأس الوفد السياسي الفلسطيني إبراهيم بكر والوفد الأردني راضي العبد الله، وانضم كمال عدوان للحوار في وقتٍ لاحق، وقد طرح الجانب الأردني، انسحاب المقاتلين من عمان وجرش والشمال وأي مناطق مأهولة، ووضعهم في منطقة الأحراش بين جرش والسلط، في حين طلب الوفد الفلسطيني توفير سلامة المقاتلين أثناء الانسحاب، والإفراج عن المعتقلين الفلسطينيين[4].

 

موقف النظام الرسمي العربي

اتخذ التدخل الرسمي العربي لوقف معركة أيلول طابعًا دبلوماسيًا وإعلاميًا، تبعه تدخل عسكري محدود جدًا، وسبق أن سعى العرب للصلح بين الطرفين قبل ذلك، وتمكَّنوا من دفعهما إلى توقيع اتفاق 15 أيلول/ سبتمبر.

 اندلعت معركة أيلول، وبدأ التحرك الرسمي العربي لوقفها، حيث أذاع أمين شبلي ممثل السودان في اللجنة الخماسية العربية بيانًا يدعو فيه إلى وقف العنف والعودة للحوار، وأرسل جمال عبد الناصر محمد أحمد صادق رئيس هيئة الأركان في الجيش المصري إلى الأردن ممثلاً عنه بعد اليوم الأول من القتال، ثم أمر في وقت لاحق قوات جيش التحرير الفلسطيني بالتحرك نحو سوريا لمساعدة الفدائيين، أمَّا القوات العراقية فلم تتحرك لمساعدة الفلسطينيين، بل "سمح العراقيون لوحدات أردنية كبيرة للعبور عبر خطوطها لمهاجمة معاقل الفدائيين في الزرقاء ومحيطها يومي 17 و18 أيلول/ سبتمبر"[5]، في المقابل حشد السوريون قواتهم على الحدود مع إربد، واشتبكوا مع القوات الأردنية عند الرمثا، ثم انسحبوا في 22 أيلول/ سبتمبر، وأعلنت ليبيا قطع المساعدات عن الأردن.

ثمَّ وصلت بعثة سلام عربية إلى الأردن في 22 أيلول/ سبتمبر، وضمت جعفر النميري رئيس السودان، ورئيس هيئة الأركان المصري محمد صادق، ووزير الخارجية التونسي الباهي الأدغم، ووزير الخارجية الكويتي سعد السالم الصباح، وأجرت البعثة اتصالات مكثفة بين الطرفين؛ أفضت إلى توقيع اتفاق لوقف إطلاق النار في القاهرة في 27 أيلول/ سبتمبر، وتضمن الإعلان إنهاء كافة العمليات العسكرية والحملات الإعلامية بين الأردن والمقاومة، والسحب السريع للقوات الأردنية من عمان، وإطلاق سراح المعتقلين من الجانبين، وتحمل سلطات الأمن الداخلي حفظ الأمن تحت الإدارة المدنية، وتشكيل لجنة عليا للمتابعة برئاسة الباهي الأدغم رئيس وزراء تونس، بالإضافة إلى عضوين ممثلين للأردن والمقاومة، وتكون قراراتها ملزمة للطرفين[6]، وقد تبع هذا الاتفاق توقيع اتفاق آخر بعمان في 13 تشرين أول/ أكتوبر عام 1970 الذي تضمن منح الفدائيين الحرية السياسية والإدارية، وسمح لهم باستئناف هجماتهم ضد الاحتلال.

 

وقع اتفاق لوقف إطلاق النار بالقاهرة في 27 أيلول، وتضمن الإعلان إنهاء كافة العمليات العسكرية والحملات الإعلامية بين الأردن والمقاومة، والسحب السريع للقوات الأردنية من عمان، وإطلاق سراح المعتقلين من الجانبين، وتحمل سلطات الأمن الداخلي حفظ الأمن تحت الإدارة المدنية

معركة أيلول... تقييم عام

نتج عن معركة أيلول خسائر بشرية ومادية كبيرة وقاسية، حتى أن زعيم أكبر الفصائل الفلسطينية آنذاك وصف ما جرى بأنَّه "كربلاء القرن العشرين"، فقد استشهد من حركة فتح 400 عنصر، ومن جبهة تحرير فلسطين 200 عنصر، ومن الشعبية 80 عنصرًا، ومن الديمقراطية 45 عنصرًا، وارتقى من المدنيين ما يزيد عن 2000 شخص[7]، وبلغ عدد الجرحى من الجانبين 18140 جريحًا، بالإضافة إلى 50 ألف مهجر[8]، لكنَّ الخسارة الأعمق والأكثر تأثيرًا تمثَّلت في انحسار الوجود المقاوم شرقي النهر، ثمَّ خروج المقاومين من الأردن بشكل نهائي.

أكَّدت معركة أيلول على تصميم النظام على المضي قُدمًا في تحقيق هدفه بإخراج المقاومة من الأردن مهما كلف الأمر، وهو بذلك تماهى مع جوهره ووظيفته وتاريخ علاقاته مع القوى الوطنية، وقد ساعده في تنفيذ مخططه هذا عدد من العوامل منها التباين في مواقف فصائل المقاومة منه، وتواضع فهمها للواقعين المحلي والإقليمي.

لقد أخطأت فصائل المقاومة حين اعتقد جزء منها أن بالإمكان إسقاط النظام عسكريًا، وحين تصرفت باعتبارها بديلاً عن الحركة الوطنية الأردنية، وأخطأت في فهم المعادلة الإقليمية بما فيها قدرة خصمها على توفير غطاء سياسي لتحركاته ضد المقاومة، مقابل محدودية الدعم العسكري والسياسي الذي يمكن أن تتلقاه من حلفائها، وساهم سلوكها أثناء المواجهة في خسارة المعركة، خصوصًا عندما أهملت خطة الدفاع الشاملة التي أقرتها القيادة العسكرية، وجعلت التنسيق بين فصائلها دون المستوى، حتى أخذ "كل تنظيم فدائي على عاتقه مسؤولية جزء معين من خط الدفاع، الأمر الذي أدى إلى تباين واضح في التسليح والتدريب والأداء القتالي الحقيقي"[9] ، كما لعب الارتجال والمراهقة السياسية والعسكرية وطغيان الاعتزاز الزائد بالنفس لدى قادتها وعناصرها دورًا في تحديد مآلات المعركة.

نتج عن معركة أيلول خسائر بشرية ومادية كبيرة وقاسية، فقد قتل آلاف الفلسطينيين مقاومين ومدنيين، وأصيب مثلهم، وشرّد ما يزيد عن 50 ألفًا، لكنَّ الخسارة الأعمق والأكثر تأثيرًا تمثَّلت في انحسار الوجود المقاوم شرقي النهر، ثمَّ خروج المقاومين من الأردن بشكل نهائي.

بقي أن نقول كلمة أخيرة، وهي أنَّه لم يكن بالإمكان تجنب المواجهة الشاملة بين النظام والمقاومة، لكن كان متاحًا للمقاومة تأخيرها، وجعلها أقل تكلفة، خصوصًا لو كانت راعت قدرة النظام المحدودة على تحمل تبعات الوجود المقاوم في الأردن، ولو بذلت جهدًا أكبر في تعزيز العمل المقاوم داخل الأرض المحتلة، على قاعدة "الداخل أساس والخارج مكمل"، وكثَّفت من جهودها في إيجاد ساحات عمل خارجية رديفة، وتمتين تحالفاتها مع بعض القوى الإقليمية المناصرة لها.

 

المصادر والمراجع

1.   أبو داود، من فلسطين حتى ميونخ، بيروت، دار النهار للنشر، 1999.

2.   بلال الحسن، أحداث أيلول ومسؤولية النظام الأردني، مجلة شؤون فلسطينية، العدد 1، آذار/ مارس 1971.

3.   الثورة الفلسطينية بين مذبحة أيلول 1970 وهجمة كانون الثاني 1971، حركة فتح، وثائق (1).

4.   صلاح خلف، فلسطيني بلا هوية.

5.   عبد الرزاق اليحيى، عبد الرزاق اليحيى بين العسكرية والسياسة، رام الله، شمل- مركز اللاجئين والشتات الفلسطيني، 2006.

6.   يزيد الصايغ، الكفاح المسلح والبحث عن الدولة الحركة الوطنية الفلسطينية 1949-1993، بيروت، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1996.

7.    "يوميات أكرم زعيتر سنوات الأزمة 1967-1970"، إعداد معين الطاهر ونافذ أبو حسنة وهبة إمارة، الدوحة، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2019.



[1] يزيد صايغ، ص390

[2] بلال الحسن، ص 51

[3] عبد الرزاق اليحيى، ص 169

[4] عبد الرزاق اليحيى، ص 174-179

[5] يزيد صابغ، ص 391

[6] أكرم زعيتر، ص 510-511

[7] يزيد صايغ، ص 397

[8] أبو داود، ص 281

[9] يزيد الصايغ، ص 389