إدوارد سارد وصعود "اقتصاد الحرب الدائم"

إدوارد سارد وصعود "اقتصاد الحرب الدائم"
تحميل المادة

على سبيل التقديم..

يتناول مارسيل فان دير ليندن (MARCEL VAN DER LINDEN)[1] هذه المقالة المنشورة بعنوان Edward Sard and the Rise of the Permanent War Economy في مجلة Jacobin تحليلًا معمقًا لفكر إدوارد سارد، الاقتصادي الماركسي الذي صاغ مفهوم "اقتصاد الحرب الدائم" خلال الأربعينيات، وهو المفهوم الذي أصبح جزءًا أساسيًا من الجدل داخل اليسار الراديكالي حول العلاقة بين الرأسمالية والإنفاق العسكري. تسلط المقالة الضوء على حياة سارد، الذي كان ناشطًا في التيارات الاشتراكية الثورية وعمل في المؤسسات الحكومية الأمريكية خلال الحرب العالمية الثانية، مما أتاح له الاطلاع المباشر على البنية الاقتصادية للحرب. ورغم تأثير أفكاره، ظل شخصية غامضة، إذ كتب بعدة أسماء مستعارة، من بينها فرانك ل. ديمبي، ووالتر ج. أوكس، وتي. إن. فانس، وذلك للحفاظ على سرية نشاطه السياسي وتجنب التعرض للملاحقة أو التهميش في الأوساط الأكاديمية والسياسية.

تركز المقالة على فكرة اقتصاد الحرب الدائم التي قدمها سارد، والتي تفترض أن الرأسمالية الأمريكية لم تواجه أزماتها عبر الإصلاح الداخلي أو التحول الاشتراكي، بل تبنت استراتيجية قائمة على الإنفاق العسكري المستمر في وسيلة للحفاظ على تراكم رأس المال. ووفقًا لسارد، لم يكن خيار التحول إلى الفاشية مناسبًا للولايات المتحدة، كما حدث في بعض الدول الأوروبية، ولذلك وجدت الرأسمالية في اقتصاد الحرب الدائم بديلاً للفاشية، يحقق الاستقرار الاقتصادي دون الحاجة إلى قمع دكتاتوري مباشر. فبدلًا من سحق الحريات السياسية تمامًا، اعتمدت الرأسمالية الأمريكية على سباقات التسلح، والحروب المستمرة، ودعم الأنظمة الموالية لها، للحفاظ على دوران عجلة الاقتصاد وضمان استمرار أرباح الشركات الكبرى.

في هذا السياق، توضح المقالة كيف أن هذا النموذج الاقتصادي لم يَعُد مجرد حالة طارئة خلال الحروب، بل تحول إلى نظام دائم يُرسّخ من خلال التدخلات العسكرية، والحروب بالوكالة، والمساعدات العسكرية، والتوسع في الصناعات الدفاعية. وبذلك، أصبحت الولايات المتحدة تدير اقتصادها الداخلي والخارجي عبر الحرب، ما يفسر دورها في إشعال النزاعات حول العالم، سواء عبر التدخل المباشر كما في العراق وأفغانستان، أو عبر دعم حلفائها كما في أوكرانيا و"إسرائيل".

يمكن الاستفادة من نظرية سارد في توفير إطار مهمّ لفهم السياسات الأمريكية تجاه الشرق الأوسط، وخاصة دعمها المستمر لـ "إسرائيل"، وهذا أحد الأسباب الذي دعا إطار لترجمتها ونشرها بالعربية، فـ "إسرائيل" ليست فقط مستفيدًا من التمويل العسكري الأمريكي، بل هي جزء من المنظومة العالمية لاقتصاد الحرب الدائم، إذ تعمل قاعدة متقدمة لاختبار وتطوير التكنولوجيا العسكرية وتصديرها عالميًا، مما يعزز استمرار النزاعات في المنطقة. يمكن النظر إلى الدعم العسكري الأمريكي لـ "إسرائيل"، إلى جانب توسع برامج المساعدات العسكرية والتعاون في الصناعات الدفاعية، على أنه امتداد لهذا النموذج الذي وصفه سارد، إذ يجري تحويل الاحتلال والاستعمار العسكري إلى مصدر دائم للربح وضمان لاستقرار الرأسمالية العالمية، فالمجمع الصناعي العسكري الأمريكي أكبر الرابحين من ذلك.

على الرغم من أهمية تحليل سارد، لم تسلم نظريته من النقد. تشير المقالة إلى أن تحسن مستويات المعيشة في أمريكا بعد الحرب العالمية الثانية لم يكن متوافقًا مع افتراضاته حول التدهور الحتمي لأوضاع الطبقة العاملة، كما أن نظريته لم تستوعب التحولات التي طرأت على الرأسمالية العالمية، خاصة مع صعود العولمة والنيوليبرالية التي جعلت الاقتصاد أقل اعتمادًا على التصنيع العسكري المباشر. ومع ذلك، يظل مفهوم "اقتصاد الحرب الدائم" ذا أهمية كبيرة في تفسير استمرار الحروب الأمريكية، ودورها في تمويل وتسليح "إسرائيل" في إطار هذه الاستراتيجية.

إن نشر إطار لهذه المقالة يساعد على كشف الروابط بين الرأسمالية العالمية، واقتصاد الحرب، واستمرار الاحتلال الإسرائيلي. فالحروب ليست مجرد صراعات سياسية أو عسكرية، بل هي امتداد لبنية اقتصادية تضمن استمرارية الرأسمالية الأمريكية وتحافظ على سيطرة القوى الكبرى على الدول الضعيفة. نشر هذه المادة يثري النقاش حول كيف يجري تمويل الاحتلال الإسرائيلي وكيف يُستخدم الاقتصاد الحربي أداة للسيطرة الاستعمارية، ما يوفر منظورًا جديدًا لفهم طبيعة "إسرائيل" من حيث كونها جزءًا من منظومة الحرب الدائمة التي تديرها الولايات المتحدة عالميًا. وتحسن الإشارة إلى كون مقالة الكاتب مضمنة بروابط تشعبية، بينما الهوامش من صنع إطار، لتوضيح بعض ما قد يكون مفيدًا توضيحه للقارئ.

التحرير

أصبحت الصناعة الحربية عنصرًا دائمًا في الرأسمالية الأمريكية، فهي تُستخدم لتوجيه إعانات عامة ضخمة إلى الشركات الخاصة. وكان أوّل من حلل هذا المفهوم، المعروف بـ "اقتصاد الحرب الدائم"، هو إدوارد سارد، وهو اقتصادي ماركسي بارع نشط في أربعينيات القرن العشرين.

نظرية "اقتصاد الحرب الدائم" لعبت دورًا مهمًا في النقاشات داخل اليسار الراديكالي منذ أواخر الأربعينيات فصاعدًا. طوّرت عدة أجيال من المفكرين الراديكاليين الحجة القائلة بأن الطبقة الحاكمة الأمريكية استخدمت إنتاج الأسلحة لتعويض الاختلالات والأزمات المتأصلة في الرأسمالية، مما أدى إلى بناء مجمع صناعي-عسكري ضخم، كما سماه دوايت أيزنهاور، وقد أصبح هذا المجمع كيانًا مستقلًا بذاته.

مؤسس هذه النظرية كان إدوارد ل. سارد. كان سارد اقتصاديًا ماركسيًا بارعًا عمل لصالح الحكومة الأمريكية خلال الحرب العالمية الثانية، مما منحه رؤية مباشرة لتطور الصناعة الحربية. سارد أراد أن يظل شخصية غير مرئية للجمهور الأوسع، وكتب باستخدام خمسة أسماء مستعارة مختلفة. هذا يفسّر سبب بقائه شخصية غير معروفة نسبيًا، رغم التأثير الواسع لأفكاره. ستشكل أسماؤه المستعارة المتعاقبة وسيلة لرسم تطوره الفكري.

فرانك ل. ديمبي

وُلد إدوارد سارد عام 1913 في بروكلين باسم إدوارد سولومون، وكان ابنًا لكل من تشارلز سولومون وأوغوستينا هيس سولومون، وهما خريجا جامعات عملا في المدارس الثانوية في مدينة نيويورك. كانت تينا سولومون ناشطة في حركة حق المرأة في التصويت، وقد شاركت في تأسيس جمعية نسائية خلال دراستها في كلية بارنارد. من خلال تأثيرها، تلقى إدوارد وشقيقه الأصغر يوجين (المولود عام 1923 وسُمي تيمنًا بيوجين دبس) تعليمًا يساريًا.

كان إدوارد تلميذًا متفوقًا، كما لعب الشطرنج على أعلى المستويات. في عام 1929، حصل على منحة دراسية وأصبح طالبًا في الاقتصاد، وبدأ دراسته في جامعة كورنيل ثم انتقل إلى جامعة كولومبيا. بعد بداية الكساد الكبير، أصبح سولومون مهتمًا بالاشتراكية الثورية. في عام 1934، انضم إلى مجموعة تروتسكية صغيرة يقودها المحلل السابق في وول ستريت ماكس غولد (المعروف باسم بي. جي. فيلد)، الذي وصفه ليون تروتسكي بأنه "راديكالي برجوازي اكتسب وجهات النظر الاقتصادية للماركسية."

أصبح سولومون ناشطًا للغاية. في يناير 1935، بدأ في نشر مقالات مطولة في مجلة المجموعة "جبهة العمال"، بالإضافة إلى إلقاء محاضرات حول مواضيع مثل كومونة باريس وصعود الفاشية. ولأول مرة، استخدم الاسم المستعار فرانك ل. ديمبي.

في عام 1936، ووفقًا لنصيحة تروتسكي، قرر حزب العمال، وهو أكبر منظمة تروتسكية في الولايات المتحدة، الدخول إلى الحزب الاشتراكي الأمريكي (SP). شكلوا فصيلًا حول صحيفة "نداء الاشتراكية"، وحصلوا على دعم قوي من العديد من أعضاء رابطة الشباب الاشتراكي (YPSL)، الجناح الشبابي للحزب الاشتراكي. ومع ذلك، رفض فيلد أن يسير على خطى حزب العمال.

أدّى قراره إلى صراع داخلي. قاد سولومون وستانلي بلاستريك المعارضة، ومع تصاعد التوترات، تعرضا لاعتداء جسدي من قبل فيلد وأعوانه. بعد طردهم، انضموا فورًا إلى مجموعة "نداء الاشتراكية" بقيادة جيمس بي. كانون وماكس شاختمان، واستُقبلوا بحفاوة.

لم يدم "الاندماج" في الحزب الاشتراكي طويلًا. في عام 1937، طُرِد التروتسكيون ومؤيدوهم، ومع بداية العام التالي، شكلوا منظمة جديدة، حزب العمال الاشتراكي. خلال هذه التقلبات، بدأ نجم سولومون في الصعود. في مؤتمر رابطة الشباب الاشتراكي في فيلادلفيا في سبتمبر 1937، انتُخِبَ مسؤولًا وطنيًا عن التعليم.

في وقت سابق، عام 1936، تخرج سولومون من جامعة كولومبيا بعد أن قدَّم أطروحة ماجستير رصينة بعنوان "تاريخ نظرية القيمة العمالية". في هذا العمل، وصف الاتحاد السوفييتي بأنه "لا يزال دولة عمالية"، وسلط الضوء على خطر الفاشية:

"يُعَتَقد عمومًا أنّ الطبقة الرأسمالية تلجأ إلى الفاشية فقط عندما يكون هناك تهديد بثورة بروليتارية. إلا أن التجربة في النمسا تثبت عكس ذلك تمامًا. إن الضرورة الاقتصادية للفاشية تستند إلى انخفاض متوسط معدل الأرباح إلى مستوى منخفض للغاية، بحيث يصبح من الضروري دفع سعر قوة العمل (الأجور) إلى ما دون قيمته. ولتحقيق ذلك، لا بد من سحق جميع المنظمات التي تساعد في الحفاظ على مستويات الأجور (النقابات العمالية، التعاونيات، الأحزاب السياسية). هذه هي الخطوة الأولى لكل حكومة فاشية، مما يوضح أنه، بينما قد يكون تهديد الثورة البروليتارية عاملاً ثانويًا، فإن الرأسمالية لن تلجأ إلى الفاشية إلا إذا كان ذلك ضرورة اقتصادية للحفاظ على الأرباح، والتي بدونها تتوقف الرأسمالية عن الوجود."

ابتداءً من عام 1937، كان سولومون يعيل نفسه من خلال عمله مدرسًا في مدرسة أبراهام لنكولن الثانوية في بروكلين. في الوقت نفسه، حاول العمل على أطروحة دكتوراه، لكن أنشطته السياسية العديدة جعلت من المستحيل عليه تنفيذ هذا المخطط.

خلال أشهر الصيف، كان سولومون يسافر بانتظام إلى أوروبا. في عام 1936، التقى بتروتسكي في النرويج، وظل على تواصل معه بعد ذلك. خلال رحلاته، كان يزور المنظمات التروتسكية الشقيقة. في عام 1937، ذهب إلى سويسرا وساهم أيضًا في تنسيق إنتاج النسخة الإنجليزية من النشرة الدولية في باريس.

في العام التالي، سافر سولومون إلى أوروبا مجددًا. وبالتعاون مع معاصره ناثان غولد، ساعد زعيم حزب العمال الاشتراكي (SWP) جيمس بي. كانون، الذي حاول، بناءً على إلحاح تروتسكي، توحيد عدة مجموعات تروتسكية بريطانية تضم شخصيات مثل سي. إل. آر. جيمس وهاري ويكس. بعد ذلك، سافر كانون وغولد إلى باريس لحضور تأسيس الأممية الرابعة في أيلول/ سبتمبر.

بقي سولومون في أوروبا أيضًا، لكنه لم يشارك على ما يبدو في الحدث الذي جرى في باريس. زار رفاقه التروتسكيين في فرنسا وتشيكوسلوفاكيا وبلجيكا وهولندا، وأعد تقريرًا عن ذلك. في حزب العمال الاشتراكي، شغل عدة مناصب مهمة. لكن بحلول عام 1940، غادر أنصار شاختمان الحزب وأسسوا حزب العمال الجديد. لم يعودوا يعتبرون الاتحاد السوفييتي دولة عمالية متدهورة، كما كان يرى تروتسكي، بل رأوا فيه شكلًا من أشكال الجماعية البيروقراطية. تبع سولومون شاختمان وأصبح رئيس قسم المالية في التنظيم الجديد.

في عام 1940 أو 1941، قام كل من إدوارد ويوجين سولومون بتغيير اسم عائلتهما إلى سارد. كان يوجين يرغب في الدراسة في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، رغم أن إدارته المعادية للسامية كانت تحاول الحد من عدد الطلاب اليهود المقبولين. ولكي يتمكن من اجتياز إجراءات الاختيار، اضطر إلى تبني اسم عائلة غير يهودي. وقف شقيقه إدوارد إلى جانبه، وقررا معًا أن يطلقا على نفسيهما اسم "سارد"، مستلهمين ذلك من بعض أفراد العائلة الذين قاموا بالفعل بهذه الخطوة.

بعد انضمام الولايات المتحدة إلى الحرب ضد اليابان وألمانيا، تولى سارد منصبًا في الإدارة الفيدرالية وانتقل مع زوجته وطفلهما الأول، المولود عام 1941، إلى واشنطن. من كانوا الأول/ ديسمبر 1942 إلى آب/ أغسطس 1943، كان يعمل في مكتب إدارة الأسعار. ثم عمل بعد ذلك في مجلس إنتاج الحرب، حيث شغل منصب محرر إحصائيات إنتاج الحرب من آب/ أغسطس 1943 حتى تشرين الأول/ أكتوبر 1944، وهو منصب أتاح له، كما ذكر لاحقًا، الوصول إلى "بيانات سرية تتعلق بجميع جوانب برنامج إنتاج الحرب لاستخدامها من قبل 300 من كبار صانعي السياسات في الحكومة."

بعد ذلك، رُقِّيَ إلى رئيس مكتب تقارير المكونات، مما جعله مسؤولًا عن "تطوير تقديرات متطلبات الإمداد للمكونات الحيوية لاستخدامها من قبل لجنة المتطلبات والمستويات المعنية بصنع السياسات في مجلس إنتاج الحرب (WPB) ومتطلبات المواد الحربية الأخرى (OWMR)." شغل هذا الدور من تشرين الثاني/ نوفمبر 1944 حتى أيلول/ سبتمبر 1945. من خلال هذه الأنشطة، اكتسب سارد فهمًا عميقًا لاقتصاد الحرب الأمريكي.

خلال "فترة ديمبي"، كان سولومون/ سارد يكتب بنحو متكرر في صحيفة "عمل العمال" (Labor Action) الأسبوعية التابعة لحزب شاختمان. كانت مقالاته القصيرة تستند إلى معرفة دقيقة بالحقائق ولم تتردد في استخدام التحليل الإحصائي. في عام 1940، جادل بأن "الولايات المتحدة، على خطى أوروبا، دخلت في اقتصاد تسليحي"، وأن "وول ستريت تدرك تمامًا أن «الازدهار» في هذا البلد قائم على الحرب واستمرار الحرب."

بالنسبة لـ سارد، كان إنتاج الطائرات يتطور بسرعة ليصبح "الصناعة الرئيسة في الحرب"؛ وكان توسعها "استثنائيًا تمامًا، أكثر من أي صناعة أخرى في تاريخ الرأسمالية الأمريكية." وأشار إلى أن أرباح الشركات كانت ترتفع، ومع ذلك، انخفضت القوة الشرائية للسكان مع تآكل الأجور الحقيقية بسبب التضخم. كان اقتصاد الحرب مرتبطًا بارتفاع معدل الربح ومعدل فائض القيمة.

كل هذا، في رأي سارد، غيّر ملامح الرأسمالية الأمريكية:

"ما يقرب من 70 بالمئة من الميزانية المالية لعام 1942 سيُخصص للتحضيرات الحربية… لقد دخلت الولايات المتحدة بالفعل في فترة طويلة من اقتصاد الحرب. لقد كان ممثلو الحكومة والصحافة الرأسمالية يصرخون في وجوهنا خلال الأشهر القليلة الماضية حول ما سيعنيه ذلك للطبقة العاملة في البلاد، أيام الأحد بلا وقود، تقليص استخدام الكهرباء في المنازل، عدم توفر أواني الطهي المصنوعة من الألمنيوم، وما إلى ذلك. ولكن الأمر سيكون أكثر من مجرد بعض الإزعاجات في عاداتنا الاستهلاكية العادية. العبء الحقيقي لاقتصاد الحرب سيُحمَّل على كاهل أولئك الذين يكدحون ويعرقون من أجل لقمة العيش، وهذا هو المعنى الحقيقي لهذه الميزانية الحربية."

أصبحت الشركات الكبرى بنحو متزايد تجمع رأس مال إضافيًا من خلال احتياطياتها المتراكمة من فائض رأس المال والأرباح غير الموزعة. في كثير من الأحيان، لم يُدفَع جزء كبير من الأرباح للمساهمين، بل احتُفِظَ بها لتتمكن الإدارة ومجلس الإدارة من التصرف بها كما يشاؤون.

هذا غيّر هيكلة الطبقة الرأسمالية. كان التمويل الذاتي يعني "المزيد من تركيز السيطرة على الشركات الضخمة في أيدٍ أقل فأقل" ونزعة اقتصادية محافظة متزايدة لدى الإدارة: "عصر الرأسمالية التنافسية الحرة قد انتهى. إنه لا يوشك على الموت فحسب، بل هو ميت بالفعل. لا يمكن إحياؤه، مهما أصدر السيدان روزفلت وتشرشل من بيانات تقوية جوفاء." ربحية اقتصاد الحرب أوضحت بالنسبة لسارد أن الحفاظ على الأرباح لا يستلزم بالضرورة اللجوء إلى الفاشية، كما كان يعتقد سابقًا في أطروحة الماجستير الخاصة به.

والتر ج. أوكس

على حد علمي، ظهر مفهوم اقتصاد الحرب الدائم لأول مرة في قرار تبنته اللجنة السياسية لحزب العمال في 5 أيلول/ سبتمبر 1941، أي قبل حوالي ثلاثة أشهر من انضمام الولايات المتحدة رسميًا إلى الحرب العالمية الثانية. أولى القرار اهتمامًا كبيرًا للجوانب الاقتصادية، ويبدو أن له بصمة إدوارد سارد جزئيًا. أشار النص إلى أن الولايات المتحدة، دون أن تعلن الحرب على ألمانيا، أصبحت بالفعل "ترسانة ومخزنًا غذائيًا" لبريطانيا وحلفائها الغربيين الآخرين. على خطى ألمانيا النازية، أجبرت الرأسمالية الأمريكية الناس على استبدال البنادق بالزبدة:

"يجري تقليص إنتاج السلع الاستهلاكية بنحو منهجي لصالح إنتاج وسائل التدمير. حتى عندما يؤدي ازدهار الحرب إلى زيادة القوة الشرائية الاسمية للجماهير أو لبعض فئاتها، تتدخل الحكومة، كما هو الحال في ألمانيا، لتقليل أو حظر شراء السلع الاستهلاكية (قيود على الشراء بالتقسيط، إلخ.) ولفرض «ادخار» إجباري، أي خفض فعلي لمستوى معيشة الجماهير من خلال تحويل جزء من دخلهم لتغطية الميزانيات الحربية الفلكية للحكومة. المحاولات المحمومة لمنع التضخم بهذه الوسائل وغيرها قد تؤدي في أفضل الأحوال إلى تأجيله، لكنها في النهاية ستؤدي إلى تضخم بآثار كارثية هائلة. إذا كانت البرجوازية ستمنع مثل هذا التضخم بأي شكل من الأشكال، فلن يكون ذلك ممكنًا إلا إذا أُنشئ اقتصاد حرب دائم أو إذا فرض نظام فاشي في هذا البلد «اقتصاده المنظم»."

بالنسبة للرأسمالية، أصبح اقتصاد الحرب الدائم بديلًا عن الفاشية. في كلتا الحالتين، كانت الجماهير ستعاني من تراجع عنيف في مستويات المعيشة.

خلال سنوات الحرب، طور سارد هذا التحليل. فعل ذلك في عزلة نسبية، فقد أصبح منفصلًا إلى حدّ ما عن حزب العمال. ربما لعبت ثلاثة عوامل دورًا في ذلك. لم يكن لحزب العمال وجود يُذكر في واشنطن، حيث كان الغالبية العظمى من أعضائه يعيشون في منطقة نيويورك، وكان سارد وزوجته شبه معزولين سياسيًا.

ثانيًا، كان على سارد، لكونه موظفًا مدنيًا، الامتناع عن النشاط السياسي. أخيرًا، لم يكن تحليل سارد لتطور الرأسمالية متوافقًا مع رؤية حزب العمال؛ إذ بدت فرضيته بأن الرأسمالية يمكن أن تحيا مؤقتًا عبر اقتصاد الحرب متناقضة مع طرح فلاديمير لينين، وليون تروتسكي، وغيرهم، بأن الرأسمالية كانت تعيش سكرات الموت منذ الحرب العالمية الأولى.

في هذا السياق، ظهرت مقالة سارد الشهيرة "نحو اقتصاد حرب دائم؟" في العدد الأول من مجلة Politics (شباط/ فبراير 1944)، التي أصدرها دوايت ونانسي ماكدونالد. كان دوايت ماكدونالد قد غادر حزب العمال عام 1941، ويبدو أن اختيار سارد للنشر في مجلة محررها تروتسكي سابق يؤكد ابتعاده السياسي عن المجموعة في ذلك الوقت. ربما يدعم هذا الادعاء أيضًا استخدامه اسمًا مستعارًا جديدًا في Politics (والتر ج. أوكس).

في مقالته، افترض سارد أنه بمجرد انتهاء الحرب العالمية الثانية، ستبدأ الاستعدادات للحرب العالمية الثالثة. "الحرب العالمية الثالثة ليست مجرد احتمال قائم، بل هي حتمية طالما ظل الهيكل الاجتماعي العالمي قائمًا على الإمبريالية الرأسمالية." أظهر مشروع القانون رقم 1582 في مجلس الشيوخ، الصادر في كانون الأول/ ديسمبر 1943، أن الدوائر الحاكمة في الولايات المتحدة كانت تتوقع "حربًا شاملة جديدة تستمر ثلاث سنوات، أو حالة طوارئ مكافئة."

كان الغرض المعلن من مشروع القانون هو "ضمان إمداد كافٍ من المعادن الاستراتيجية والحرجة لأي حالة طوارئ مستقبلية، من خلال الإبقاء على جميع المخزونات المتبقية من الحرب الحالية التي تمتلكها الوكالات الحكومية، وتعزيزها بنحو ضروري، وخاصةً من المصادر المحلية."

النتيجة ستكون اقتصاد حرب دائم، وهو ما عرّفه سارد على النحو التالي:

"يوجد اقتصاد حرب كلما أصبحت نفقات الحكومة على الحرب (أو «الدفاع الوطني») غاية مشروعة وأساسية للنشاط الاقتصادي. إن مقدار النفقات الحربية المطلوبة قبل أن تصبح هذه الأنشطة ذات أهمية يختلف بطبيعة الحال حسب حجم وتركيب الدخل القومي ومخزون رأس المال المتراكم. ومع ذلك، فإن هذه المسألة قابلة للتحليل النظري والقياس الإحصائي."

وفقًا لسارد، مثّل اقتصاد الحرب الدائم مرحلة جديدة من تطور الرأسمالية. في السابق، كانت الأنشطة الاقتصادية في زمن السلم تُركّز أساسًا على إنتاج السلع الاستهلاكية والسلع الرأسمالية التي يمكن استخدامها لإنتاج السلع الاستهلاكية. لكن من الآن فصاعدًا، ستصبح النفقات الضخمة في زمن السلم على الحرب أمرًا طبيعيًا.

قدّر سارد أن الولايات المتحدة ستحقق اقتصاد حرب دائم من خلال نفقات حربية سنوية تتراوح بين 10 و20 مليار دولار. وهذا من شأنه أن يغير جذريًّا الآليات الداخلية لعمل الرأسمالية الأمريكية:

"تؤدي النفقات [الحربية] نفس الغرض الذي تؤديه الأشغال العامة، ولكن بطريقة أكثر فاعلية وقبولًا بوضوح (من وجهة النظر الرأسمالية) … في الواقع، أصبحت النفقات الحربية البديل الحديث للأهرامات. فهي لا تنافس الصناعة الخاصة، وتسمح بسهولة بتوظيف جميع من يُعَدّ توظيفهم ضروريًا. صحيح أن هذا النوع من الاستهلاك (الهدر) لفائض العمل يجلب معه سلسلة من المشكلات السياسية والاقتصادية الصعبة. ومع ذلك، يبدو أن هذه المشكلات قابلة للحل؛ وفي جميع الأحوال، يمكن تأجيلها. قد يأتي الطوفان، لكن الجيل القادم، وليس الجيل الحالي، هو من سيتعين عليه مواجهته."

ستُلغى التقلبات الدورية في دورة الأعمال. ومع تزايد تدخل الدولة في الاقتصاد، لن يكون تراكم رأس المال مصحوبًا بزيادة في جيش الاحتياط الصناعي، كما كان كارل ماركس يعتقد:

"إذا نجح اقتصاد الحرب الدائم في تحقيق استقرار الاقتصاد عند مستوى مرتفع، فسيُقضى على البطالة، ولكن فقط من خلال خلق وظائف في مجالات غير منتجة اقتصاديًا. وهكذا، بدلاً من أن يؤدي التراكم الرأسمالي إلى زيادة البطالة كما توقع ماركس، ستكون النتيجة الأساسية لذلك هي انخفاض في مستوى معيشة الطبقات العاملة، إذ لن تتحقق العمالة الكاملة إلا من خلال وظائف غير مجدية من الناحية الإنتاجية."

سيكون التراجع في متوسط مستوى معيشة العمال في البداية نسبيًا، لكنه سرعان ما سيصبح مطلقًا، "لا سيما على نطاق عالمي، حيث تتكيف جميع الدول مع متطلبات النظام الجديد القائم على اقتصاد حرب دائم دولي."

رأى سارد في اقتصاد الحرب الدائم بديلاً رأسماليًا عن الفاشية، إذ اعتقد أن الطبقة الحاكمة ستفضل "تأجيل ظهور الفاشية لأطول فترة ممكنة." لكنه كان مقتنعًا بأن هذا ليس حلًا دائمًا للبرجوازية: "لا أعتقد أن اقتصاد الحرب الدائم سيشكل حلًا دائمًا للرأسمالية. لكنه يمكن أن يعمل خلال الفترة قيد النظر."

ستصبح الزيادات الضخمة في الضرائب أمرًا لا مفر منه، مما سيؤدي إلى تصاعد الصراع السياسي والطبقي. وإذا أدى ذلك إلى أوضاع قابلة للانفجار، فمن الممكن تحميل عبء التسلح على الطبقة العاملة عبر التضخم المتعمد وغير المنضبط. لكن ذلك سيعني في المقابل أن "الفصيل الحاسم من الطبقة الحاكمة قد قرر فرض الفاشية في أقرب وقت ممكن. ومع ذلك، لا أرى أي دليل يبرر هذا الاعتقاد، رغم وجود العديد من أوجه التشابه بين الفاشية واقتصاد الحرب الدائم."

رأى سارد أن "احتمال حدوث التضخم الكارثي يبدو أكثر ترجيحًا بعد الحرب العالمية الثالثة منه في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية." في رأيه، لم يكن هناك سوى الحركة العمالية قادرة على منع مثل هذه النتيجة الكارثية. ولتحقيق ذلك، كان على الولايات المتحدة أن تؤسس حزبًا عماليًا مستقلًا عن الآلات السياسية الرأسمالية، وقائمًا على النقابات العمالية."

بهذا التحليل، لم يكن سارد يعارض فقط الكينزيين[2]، بل أيضًا الماركسيين الذين كانوا لا يزالون يفترضون أن البديل التاريخي هو إما الثورة البروليتارية أو الفاشية. لكن حججه لم تلقَ آذانًا صاغية بين رفاقه في حزب العمال، حيث استمر الشاختمانيون[3] في الاعتقاد بأن الرأسمالية الأمريكية في حالة تراجع مستمر.

تي. إن. فانس

كانت السنوات الخمس الأولى بعد الحرب فترة انعدام استقرار لسارد وزوجته دوروثي. ساهمت في ذلك ضغوط الأسرة الجديدة، مع ولادة طفلهما الثاني عام 1947. شهدت مسيرته المهنية تغيرات مستمرة، فقد تنقل بين عدة مناصب متتالية بسرعة بين عامي 1945 و1950. في عام 1951، أصبح أخيرًا مديرًا للرابطة الوطنية لشركات البيع بالتقسيط المباشر للمنازل، Inc.[4]، والتي أُعيدت تسميتها لاحقًا إلى الرابطة الوطنية لشركات البيع بالتقسيط. بقي في هذا المنصب حتى تقاعده عام 1984.

بعد انقطاع دام خمس سنوات، عاد سارد إلى النشر، هذه المرة باستخدام الاسم المستعار الثالث: تي. إن. فانس. كانت منصته مجلة "العالم الجديد" (New International)، وهي مجلة رابطة الاشتراكيين الدوليين (ISL)، التي أصبحت منذ عام 1949 الخليفة لحزب العمال. بقي سارد متعاطفًا مع هذا التيار، لكنه لم يكن عضوًا فيه. بحلول هذا الوقت، أصبح التيار الاشتراكي الدولي يقدّر فكرة "اقتصاد الحرب الدائم"، التي أصبحت جزءًا أساسيًا من برنامجه.

في سلسلة طويلة من المقالات، طور سارد نظريته. في أول مساهمة له بعنوان "بعد كوريا — ماذا بعد؟"، وصف سباق التسلح بعد الحرب العالمية الثانية. منذ عام 1945، كان نوعان مختلفان من الإمبريالية يواجهان بعضهما البعض. على الجانب الروسي، كان هناك "الجماعية البيروقراطية"، مع الملكية المؤممة، والعبودية، ونظام العمل القسري، وهي إمبريالية قائمة على "الاستيراد"، تعتمد "على الحاجة الاقتصادية المستمرة لاكتساب مصادر جديدة لقوة العمل، سواء كانت ماهرة أو عبيدًا، وإضافة المزيد من السلع الإنتاجية والاستهلاكية إلى مخزونها."

على الجانب الأمريكي، كان هناك رأسمالية عدوانية، "إمبريالية قائمة على التصدير"، مدفوعة بلا هوادة بأسرع تراكم لرأس المال في تاريخ الرأسمالية لتصدير رأس المال بجميع أشكاله بكميات متزايدة باستمرار." لم يكن هذا التناقض سيؤدي فورًا إلى اندلاع الحرب العالمية الثالثة، لكنه كان سببًا لحالة عالمية يمكن وصفها بأنها "ليست سلمًا ولا حربًا." في الولايات المتحدة، استمر "التوسع الاستثنائي للقوى الإنتاجية خلال الحرب العالمية الثانية" بعد عام 1945، وهو تطور "لم يكن مخالفًا فقط لتوقعات البرجوازية، بل كان أيضًا، لنعترف بذلك، غير متوقع من قبل معظم الماركسيين."

في سلسلة من ست مقالات، واصل سارد استكشاف طبيعة اقتصاد الحرب الدائم وتأثيره. قام بمدح وانتقاد "مساهمات" و"أخطاء" سلفه والتر ج. أوكس، مستخدمًا عبارات مثل "نحن لا نتفق تمامًا مع استنتاج أوكس"، مما ساعده في إخفاء هويته بنحو أكبر. بقيت الأطروحة المركزية لسارد هي أن "نمط الإنتاج الرأسمالي—وهو نظام تجاوز فائدته التاريخية منذ فترة طويلة—لا يمكن أن يستمر إلا من خلال تدخل الدولة المتزايد باستمرار."

استنادًا إلى مواد إحصائية واسعة النطاق، كشف سارد أن الإنفاق العسكري المباشر لم يصبح فقط دائمًا وضخمًا، بل إن الإنفاق العسكري غير المباشر (مثل المساعدات العسكرية للدول الأخرى، إلخ) قد نما بوتيرة أسرع من إجمالي الناتج كذلك. بالإضافة إلى ذلك، ازدادت سيطرة الدولة في مجالات أخرى مثل التحكم في الأسعار، فقد أحدثت التوازن المطلوب بين القطاعين العسكري والمدني في الاقتصاد. في الوقت نفسه، جعل التسلح المستمر تقليل البطالة إلى مستويات غير ذات أهمية أمرًا ممكنًا.

مع ذلك، لم يكن اقتصاد الحرب الدائم، بوصفه مزيجًا من تراكم رأسمالي مزدهر وتوظيف شبه كامل، يخلو من التناقضات. أولًا، في هذه المرحلة المتقدمة من الرأسمالية، يظهر "قانون جديد وأساسي للحركة"، وهو تراجع مستوى المعيشة.

لم يكن هذا التراجع يقاس بمصطلحات مطلقة؛ فكما لاحظ سارد، حدثت "زيادة كبيرة لا جدال فيها في نفقات الاستهلاك الشخصي". لكن ما قصده سارد كان تراجعًا نسبيًا في مستوى المعيشة مقارنةً بزيادة الإنتاج الكلي. فقط بالنسبة للفئات الدنيا من الطبقة العاملة، انخفض مستوى المعيشة بنحو مطلق: "لا يزال وضعهم أسوأ مما كان عليه في عام 1939."

ثانيًا، أدى التدخل المتزايد للدولة إلى نمو كبير في البيروقراطية الحكومية. فقد تضاعف حجم الجهاز البيروقراطي المدني الفيدرالي ثلاث مرات، من 571,000 موظف في عام 1939 إلى نحو 1,568,000 موظف في عام 1950، بينما زاد عدد الموظفين في البيروقراطية العسكرية خلال الفترة نفسها من 342,000 إلى نحو 1,500,000 موظف. أدى التسلح والبيروقراطية إلى استهلاك متزايد لفائض القيمة من قبل الدولة على شكل ضرائب متزايدة. ولم يكن العبء مقتصرًا على الطبقات العاملة فحسب، بل طال أيضًا البرجوازية، مما جعل التمويل العام ساحة رئيسة للصراع الطبقي.

ثالثًا، أسفر اقتصاد الحرب الدائم عن طفرة ربحية هائلة. فقد قدر سارد أن معدل فائض القيمة ارتفع من 92% في عام 1939 إلى 123% في عام 1950، بينما انتقل متوسط معدل الربح في جميع الصناعات من 25.6% في عام 1939، إلى 33.4% في عام 1944، ثم انخفض إلى 27.7% في عام 1950.

رابعًا، كانت النزعات البونابرتية تتطور: "التحالف بين البرجوازية الكبرى والطبقات العليا من البيروقراطية العسكرية كان سمة أساسية لاقتصاد الحرب الدائم." وفي أعقاب ذلك، تعاظمت قوة الشرطة، وتدخلت الدولة بنحو متزايد في الإضرابات والنزاعات العمالية:

"لا توجد، بطبيعة الحال، ديكتاتورية بيروقراطية-عسكرية في واشنطن حتى الآن، رغم وجود اتجاهات محتملة في هذا الاتجاه. كما أنه لا يمكن تصنيف النظام الحالي، بالنظر إلى الوتيرة التي تتحرك بها أحداث التاريخ العالمي، كنظام مؤقت."

خامسًا، كانت هناك نزعة نحو الإمبريالية العسكرية-الاقتصادية. فقد أدّت "الشهية التي تكاد لا تشبع" لاقتصاد الحرب الدائم إلى استنزاف سريع للموارد الطبيعية (مثل خام الحديد والبترول) داخل الولايات المتحدة، مما جعل الإمبريالية الأمريكية تعتمد بنحو متزايد على المواد الخام من مصادر خارجية.

أخيرًا، أصبحت ظاهرة التضخم مستمرة ودائمة:

"كلما زادت نسبة النفقات الحربية إلى إجمالي الإنتاج، زادت حدة التضخم. لا يوجد في ظل الرأسمالية أي وسيلة يمكن من خلالها ضبط واستيعاب القوة الشرائية التي تُخلق من خلال الإنتاج المُهدِر (الحربي) بحيث يتم القضاء على التضخم."

بنحو عام، منح اقتصاد الحرب الدائم الرأسمالية "فترة راحة مؤقتة، بينما فاقم كل مرحلة من مراحل الصراع الطبقي." بالنسبة إلى سارد، كانت "المهمة التاريخية للطبقة العاملة" هي "إنهاء اقتصاد الحرب الدائم دون السماح للبرجوازية والستالينيين بإشعال الحرب العالمية الثالثة."

كانت سلسلة المقالات حول اقتصاد الحرب الدائم بمثابة العمل الأهم لسارد. في السنوات التي تلت ذلك، واصل نشر مقالاته في مجلة العالم الجديد حتى حلِّ رابطة الاشتراكيين الدوليين (ISL) في عام 1958. عندما ارتفعت البطالة في الولايات المتحدة في منتصف الخمسينيات، تمكن بسهولة من تفسير ذلك من خلال التراجع المؤقت في نسبة النفقات الحربية خلال تلك السنوات.

لكن كان من الصعب عليه تفسير تحسن مستوى المعيشة. ففي عام 1957، اعترف سارد بأن "متوسط مستوى معيشة الطبقة العاملة الموظفة اليوم أعلى مما كان عليه، لنقل، قبل عقدين أو ثلاثة أو أربعة عقود." ومع ذلك، جادل بأن هذا الاتجاه يجب أن يُنظر إليه ضمن إطار "البؤس الكلي، وضحايا زمن الحرب، سواء في الحرب أو السلم، والتأثير النفسي على الإشباع المادي في عالم يعيش تحت التهديد المستمر بالإبادة التامة." من الواضح أن هذا كان حجة ضعيفة؛ فقد كشفت نقطة ضعف جوهرية في نظريته.

للأسف، لم يطور سارد أفكاره إلى أبعد من ذلك، رغم أنه قدم بعض الإشارات إلى كيفية القيام بذلك. فقد لاحظ، على سبيل المثال، أن "الرأسمالية قد تجاوزت بوضوح، وأمام أعيننا، إطارها القومي، ويجب أن تحطم هذا الغلاف بطريقة أو بأخرى." من خلال هذا التصريح، شكّك ضمنيًا في النزعة القومية المنهجية التي كانت جزءًا من نظريته. لكن هذا موضوع آخر.

الإرث

في عام 1958، انسحب سارد من العمل السياسي. لكنه ظل صديقًا مقربًا لماكس شاختمان، فقد كانا يتشاركان الاهتمام بزراعة النباتات الزخرفية، وذلك حتى وفاة شاختمان عام 1972، رغم اختلافهما حول التوجه المحافظ الذي تبناه شاختمان منذ الستينيات. أصبح سارد مزارعًا حائزًا على جوائز لنباتات البروميليا، واستمتع مع زوجته برحلات إلى أوروبا وأجزاء أخرى من العالم.

في عام 1970، نُشرت سلسلة مقالات سارد لعام 1951 في كتاب، كما قام آخرون بتطوير نظريته أكثر وإثارة حجج مضادة لها. لكن سارد قضى بقية حياته متخفيًا وراء المجهولية السياسية التي كان يعتز بها طوال سنوات نشاطه السياسي وكتاباته. ومع ذلك، ستظل نظريته حول اقتصاد الحرب الدائم ذات أهمية دائمة.


[1]. مارسيل فان دير ليندن هو باحث أول في المعهد الدولي للتاريخ الاجتماعي. وهو مؤلف كتاب "الماركسية الغربية والاتحاد السوفيتي: استعراض للنظريات النقدية والمناظرات منذ عام 1917" (2007) وكتاب "عمال العالم: مقالات نحو تاريخ عالمي للعمل" (2008).

[2]. الكينزيون هم الاقتصاديون الذين يتبعون نظريات الاقتصادي البريطاني جون ماينارد كينز (John Maynard Keynes)، والتي ترتكز على فكرة أن الدولة يجب أن تلعب دورًا نشطًا في الاقتصاد، خاصة خلال فترات الركود، من خلال زيادة الإنفاق العام وتحفيز الطلب الكلي. (أطار).

[3]. الشاختمانيون هم أتباع المفكر الماركسي الأمريكي ماكس شاختمان (Max Shachtman)، الذي كان في البداية تروتسكيًا لكنه انفصل عن التروتسكيين وطور مواقفه السياسية الخاصة، مما أدى إلى تأسيس تيار “الشاختمانية” داخل الماركسية الثورية. (إطار).

[4]. Inc  تعني أن المنظمة مسجلة كشركة وفق القوانين الأمريكية. (إطار).