الإدارة المدنية الإسرائيلية في قبضة الصهيونية الدينية .. تسريع الضّم المؤدلج

الإدارة المدنية الإسرائيلية في قبضة الصهيونية الدينية .. تسريع الضّم المؤدلج
تحميل المادة

على سبيل التقديم

تمثّل مستوطنات الضفة الغربية الثقل البشري الأكبر لتيار الصهيونية الدينية، وهو ما تشير إليه نتائجها في انتخابات الكنيست المتتالية [1]، كما تمثّل الضفة الغربية، لا سيما جبالها الممتدة من مناطق رام الله إلى نابلس جغرافيا مركزيةً في تنظيراتها، فهذه المناطق المسماة "السامرة" حسب المصطلح التوراتي، هي بالنسبة لهم "أرض وقف" يهودية، وهي مسرح الأحداث التاريخية الكبرى حسب بعض التفسيرات التوراتية، وعليه فإن السيطرة على هذه المناطق، والبناء فيها، ركيزةٌ أساسيةٌ لمقولات الصهيونية الدينية[2].

مثّل الاستيطان في الضفة الغربية ثابتًا استراتيجيًا في سياسات الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، غير أن الاستيطان فيها بحسب الصهيونية الدينية يكتسب بعدًا آخر هو البعد الديني، يُضاف إلى ذلك ضمان استمراريّة الثقل في "إسرائيل" مع كون توسّع الاستيطان، وزيادة المستوطنين يُنتظر أن يمنح الصهيونية الدينية المزيد من الأتباع والمصوتين.

جرى التعامل مع المستوطنين في الضفة (والقطاع سابقًا) بوصفهم مواطنين في "دولة إسرائيل"، لكنّ البناء في المستوطنات لم يتبع وزارات الحكومة المعتادة بل ظلّ تابعًا لوزارة حرب الاحتلال وإدارته المدنية، بخلاف البناء في الأراضي المحتلة عام 1948، وهو ما تعدّه الصهيونية الدينية نوعًا من الظلم والتفريق، وهي التي ترى الضفة مركزًا أساسيًا لثقلها ومقولاتها الأيديولوجية والسياسية. وعليه فإن سياستها تهدف إلى التعامل مع المستوطنين والمستوطنات في الضفة تعاملًا مماثلًا لمدن الداخل المحتل، انتهاءً بضمّ الضفة بشكل كامل، وبسط السيطرة الإسرائيلية عليها قانونيًا.

من المعلوم أن مثل هذه التوجهات قد تدفع بالمنطقة إلى مزيدٍ من التوتّر، وقد تقود إلى تصاعد المقاومة وصولًا إلى انتفاضة جديدة مثلًا، غير أن هذا ليس شيئًا يمكن أن يدفع الصهيونية الدينية إلى مراجعة موقفها، بل هو مما يدفعها للتشبث به أكثر، ونشوب الحرب والقتال هو ضرورةٌ لقدوم "المسيح المخلص"، وفق معتقدهم التوراتي.

تلقي هذه المادة المزيد من الضوء على السيرورة التاريخية لتعامل الاحتلال مع الاستيطان في الضفة الغربية، ومناطقها المحتلة حسب تصنيفاتها المختلفة وفق اتفاق أوسلو، ومشاريع الاحتلال فيها بعد عام 1967، من الحكم العسكري، والإدارة المدنية، وروابط القرى. وتدرس أسباب تشبّث الصهيونية الدينية بالإدارة المدنية، والتداعيات المتوقعة من توليها لها.

التحرير

 

ملخص

تهتم هذه المقالة بمعالجة موضوع سيطرة حزب الصهيونية الدينية على الإدارة المدنية، من خلال طرح سؤال سبب اهتمام الصهيونية الدينية بالإدارة المدنية من حيث الأصل. مع السعي للاطلاع على خلفية تأسيس الإدارة المدنية والفلسفة التي تحكمها، ومحاولة استشراف تبعات سيطرة الصهيونية الدينية على الإدارة المدنية، وتقصّيها. وذلك من خلال تتبع الأدبيات التي اهتمت بالموضوع.

 

مدخل

ظهر مسمى "الإدارة المدنية" سنة 1981 بالتزامن مع توقيع اتفاقية كامب ديفيد مع مصر، والحديث عن إقامة حكم ذاتي للفلسطينيين، وقد تضمّن الأمر العسكري الإسرائيلي رقم 947 الصادر سنة 1981 عن وزير الحرب[3] الإسرائيلي.. إقامة إدارة مدنية تابعة للوزير، ونصّ البند الثاني من الأمر العسكري: "تدير الإدارة المدنية الشؤونَ المدنيةَ في المنطقة طبقًا لتعليمات هذا الأمر لرفاهية ومصلحة السكان ومن أجل تزويد الخدمات العامة وإدارتها".[4] نلاحظ هنا تعمّد عدم الإشارة إلى طبيعة السكان في المنطقة، مما يسمح بتفسير صلاحيات الإدارة المدنية بأنها تتعدى رعاية شؤون السكان الأصلانيين من الفلسطينيين، لتشمل رعاية جميع السكان بما فيهم المستعمرين اليهود.

البحث في طبيعة الإدارة المدنية والفكرة من وجودها يلزمنا بالعودة إلى بداية احتلال سنة 1967، وذلك للتعرف على البيئة التي انتجت هذه المؤسسة والفلسفة التي تحكم وجودها.

سعى الحكم العسكري مع بداية احتلال سنة 1967 إلى رفع المستوى المعيشي للمناطق المحتلة، حتى لا تندلع اضطرابات اجتماعية. ومن اليوم الأول كان هنالك سعي لجعل الحياة "طبيعية"، والرجوع لنمط حياة ما قبل الحرب، وقد تمظهر التعبير عن هذه السياسة في ثلاثة مجالات: عدم الظهور، عدم التدخل، الجسور المفتوحة. بحسب وزير حرب الاحتلال موشي ديان يتمثل عدم الظهور في تقليص الإشارات الدالة على الوجود الإسرائيلي، كاليافطات، ودوريات الجيش، ورفع الأعلام الإسرائيلية. أمّا المظهر الثاني لسياسة الحكم العسكري فيتمثل بعدم التدخل في إدارة السكان المحليين لشؤونهم الحياتية، فيما عدا المجالات التي تؤثّر بشكل مباشر على "إسرائيل" كالصحة والمشاكل الاقتصادية. وفيما يتعلق بسياسة الجسور المفتوحة فهي تعبير عن السعي إلى تطبيع الحياة تحت إدارة الحكم العسكري، وإزالة الحواجز النفسية بين اليهود والعرب.

         كان للبلديات دور أساسي في إدارة الحياة اليومية للسكان في مناطق 1967، علاوةً على التمثيل السياسي للسكان، أجرت "إسرائيل" انتخابات للبلديات في 1972 و1976، والتي أفرزت قيادات وطنيةً رافضةً للاحتلال الإسرائيلي، وبدل أن تنشأ قيادات "متعاونة" كما كان يتوقع الحكم العسكري الإسرائيلي، برزت قيادات مقاومة لوجوده.

أدرجت "إسرائيل" إقامة حكم ذاتي في الضفة الغربية وقطاع غزة ضمن خطتها للسلام بالشرق الأوسط، وذلك بعد زيارة الرئيس المصري أنور السادات للقدس في أواخر 1977. رفض رؤوساء البلديات مشروع الحكم الذاتي المقترح في المفاوضات المصرية الإسرائيلية سنة 1978. هذا الرفض دفع وزير الحرب الليكودي عيزر وايزمن للتحول نحو فكرة "روابط القرى" التي تقدّم بها مناحم ميلسون (المقرّب من حزب العمل) أثناء خدمته بالجيش سنة 1976، مستشارًا للحكم العسكري للشؤون العربية، وهو الرجل الذي سيتولى فيما بعد منصب أول مسؤول للإدارة المدنية.

 أسفرت الاتصالات والاجتماعات بين مصطفى دودين (الوزير السابق في الحكومة الأردنية) ويغئال كرمون (الحاكم العسكري الإسرائيلي للخليل) وشمعون بيرس (وزير الحرب الإسرائيلي اللاحق لوايزمان) عن الإعلان عن تشكيل "رابطة قرى الخليل"، بتاريخ 20/7/1978[5]، لتكون باكورة "روابط القرى. وعلى الرغم من الاستثمار الإسرائيلي المكثف في الروابط خلال السنوات التالية، إلا أنّ الفلسطينيين رفضوا بشدة التعاون معها وقاوموا محاولة فرضها سلطةً محليةً،  بل تطور الأمر إلى تنفيذ سلسلةٍ من الاغتيالات ومحاولات الاغتيال لرموز الروابط كان من بينها قتل رئيس رابطة القرى في رام الله يوسف الخطيب بتاريخ 17 /11/1980، إضافةٍ إلى الرفض الشعبي الذي تجلّى في المظاهرات، ومحاولة خلق بدائل عن الروابط كلجان العمل التطوعي. وبالفعل أثمر هذا الرفض والمقاومة لمشروع روابط القرى عن فشله.

أعلن الاحتلال عن تشكيل "رابطة قرى الخليل"، بتاريخ 20/7/1978 ، لتكون باكورة "روابط القرى. وعلى الرغم من الاستثمار الإسرائيلي المكثف في الروابط خلال السنوات التالية، إلا أنّ الفلسطينيين رفضوا بشدة التعاون معها وقاوموا محاولة فرضها سلطةً محليةً،  بل تطور الأمر إلى تنفيذ سلسلةٍ من الاغتيالات ومحاولات الاغتيال لرموز الروابط، وبالفعل أثمر هذا الرفض والمقاومة لمشروع روابط القرى عن فشله.

حَلَّتِ "الإدارة المدنية" محل الحكم العسكري في الضفة الغربية وقطاع غزة عقب توقيع اتفاق كامب ديفيد مع مصر، وتحديدًا بعد سنة 1981، في تغيير للمسمى دون تغيير للمحتوى، فقد تولت الإدارة المدنية المسؤولية عن كل جانب من جوانب الحياة اليومية تقريبًا. شكّلت الإدارة المدنية فرعًا للجيش الإسرائيلي، وقامت بتنظيم الأمور بواسطة الأوامر العسكرية، فيما عدّها الفلسطينيون تمثيلًا خادعًا للاحتلال العسكري. قمعت الإدارة المدنية كل مبادرة اجتماعية واقتصادية محلية وحظرت المجموعات التمثيلية ومنظمات المجتمع المدني، (علاوة على إقالة رؤوساء البلديات الرافضين للإدارة المدنية)، في المقابل نمت وشجّعت روابط القرى لتكون جسمًا محلّيًا يعمل بالوكالة وتحت الإشراف المباشر للسلطات الإسرائيلية. لكنّ رفض معظم الشعب الفلسطيني لروابط القرى، واستهداف قادتها بالاغتيال على يد الحركة الوطنية، حال دون تطور هذا النموذج.

يجادل الباحث الصهيوني هلل كوهين بأنّ روابط القرى بصفتها إطارًا تنظيميًا قد فشلت، لكنها نجحت بوصفها فكرةً ونظرية، فبحسب هلل يعود فشل إطار (روابط القرى) إلى عدة أسباب من بينها وجود رفض للفكرة من بعض قيادات الحكم العسكري، وكذلك رفض اليسار والمستوطنين للفكرة، فاليسار رفضها لأنها ترسخ كولونيالية "إسرائيل"، والمستوطنون رفضوها خشيةً من أن تؤثر على مشاريعهم الاستيطانية. أمّا على الصعيد الفلسطيني فقد فشلت الروابط بسبب الخلافات الداخلية بين قياداتها وفسادهم، وبسبب تعامل الفلسطينيين معها على أنها كيان عميل للاحتلال. لكن فكرة وجود ممثلين للفلسطينيين يديرون الحياة اليومية ويحافظون على الأمن بقيت قائمةً، وجاء اتفاق أوسلو لينتج سلطةً فلسطينيةً يوجد تشابه كبير بينها وبين روابط القرى، بل إنّ "هلل" يستشهد بآراء بعض الأكاديمين كأسعد غانم الذي يجادل بأن السلطة الفلسطينية أسوأ من روابط القرى.

عَكَسَ التقسيم الإقليمي للأراضي المحتلة عام 1967 بعد أوسلو نسخةً مطورةً من المخططات الإسرائيلية الاستيطانية، لا سيما فيما يتعلق بإعادة رسم الخرائط المعقدة والمجزأة للأراضي الفلسطينية المحتلة، تجلت هذه السياسة في البناء المكثف للكتل الاستيطانية الكبيرة في المواقع الاستراتيجية، وضم القدس الشرقية، واستعمار غور الأردن، وحصار المناطق المأهولة بالسكان؛ ما ضمن سيطرة "إسرائيل" الكاملة على الأرض الفلسطينية المحتلة، مع الاستبعاد المادي والقانوني للسكان الفلسطينيين من الجنسية المستقلة أو نظام المواطنة الإسرائيلي، فأضحوا –على الحقيقة- بلا جنسية. وقد منح التقسيم الإقليمي لأوسلو "إسرائيل" السيطرة الكاملة على أكثر من 60% من الأرض، والمعروفة باسم المنطقة ج (C)، وهي مناطق تتميز بالوفرة الطبيعية، وأنها صالحةٌ للزراعة، فيما مُنحت السلطة الفلسطينية مسؤوليات مدنيةً وأمنيةً في المناطق المكتظة بالسكان والمصنفة (أ)، التي تشكل حوالي 18%من الضفة الغربية. أما المناطق المتبقية، والمسماة مناطق "ب"، فتسيطر عليها قوات الأمن الإسرائيلية بينما تُترك السيطرة المدنية للسلطة الفلسطينية. مع الأخذ بعين الاعتبار أنّ المنطقة (أ) و(ب) غير متجاورتين.

قام اتفاق اوسلو على عدة أسس من بينها "التنسيق الأمني"، مما دفع العديد من الفلسطينيين إلى اعتبار السلطة الفلسطينية "نسخةً مجددةً من روابط القرى". وهذا ما يؤكد عليه ناصر القدوة (العضو السابق للجنة المركزية لحركة فتح) بقوله: "ما لدينا الآن لا علاقة له بأوسلو، لأن أوسلو كان فكرة ترتيبات حكم انتقالي تتخللها مفاوضات للحل النهائي، ما لدينا شيء جديد يمكن أن نسميه روابط مدن". وذلك على ضوء وصول "عملية السلام" إلى طريق مسدود عقب فشل مفاوضات كامب ديفيد 2000، وعدم تحقيق منظمة التحرير الهدف من إنشاء السلطة وهو التمهيد لإقامة الدولة على مناطق 67. [6]

عقب اتفاقيات أوسلو، جرى نقل بعض مسؤوليات الإدارة المدنية إلى السلطة الفلسطينية، بما في ذلك جميع السلطات المدنية في المنطقتين (أ) و(ب)، بالإضافة إلى الصلاحيات المدنية المتعلقة بالفلسطينيين في المناطق (ج) (الصحة والتعليم والرفاهية). تُعَدّ الإدارة المدنية مسؤولةً عن إدارة حياة السكان في المناطق (ج)، بواقع 400 ألف مستعمر إسرائيلي ونحو 280 ألف فلسطيني، وهي مسؤولة عن جميع الصلاحيات المتعلقة بالبنية التحتية في المناطق (ج) - بما في ذلك تنظيم شؤون الأراضي والتخطيط والبناء، وإمدادات الكهرباء والطاقة؛ وقطاع النقل؛ وحماية البيئة، إلخ... بالإضافة إلى ذلك، فإن الإدارة المدنية مسؤولة عن التنسيق الأمني ​​والمدني مع السلطة الفلسطينية وعن تصاريح العمل والموافقات على دخول الفلسطينيين إلى مناطق الخط الأخضر.[7]

تعدّ الإدارة المدنية مسؤولةً عن إدارة حياة السكان في المناطق (ج)، بواقع 400 ألف مستعمر إسرائيلي ونحو 280 ألف فلسطيني، وهي مسؤولة عن جميع الصلاحيات المتعلقة بالبنية التحتية في المناطق (ج) - بما في ذلك تنظيم شؤون الأراضي والتخطيط والبناء، وإمدادات الكهرباء والطاقة؛ وقطاع النقل؛ وحماية البيئة، إلخ...بالإضافة إلى ذلك، فإن الإدارة المدنية مسؤولة عن التنسيق الأمني والمدني مع السلطة الفلسطينية وعن تصاريح العمل والموافقات على دخول الفلسطينيين إلى مناطق الخط الأخضر

 

الصهيونية الدينية والإدارة المدنية

أصّر حزب الصهيونية الدينية بقيادة بتسلئيل سموتريتش في مفاوضاته للدخول في ائتلاف حكومي، عقب انتخابات الكنيست الأخيرة التي أفرزت فوز اليمين بقيادة الليكود، على توليه مسؤولية الإدارة المدنية. فما الهدف من ذلك؟ ولماذا وضعت الصهيونية الدينية في برنامجها الانتخابي بندًا ينص على السعي لحلّ الإدارة المدنية؟ وما هي طبيعة الاتفاق الذي أبرمته مع نتنياهو؟

مَنْحُ مسؤول الإدارة المدنية، التابع وإدارته لوزارة الحرب الإسرائيلية، رتبة وزير ليس شيئًا جديدًا، كان هناك مثل هذا الوزير بالفعل سابقًا وهو ميخائيل بيتون من حزب أزرق أبيض، في حكومة نتنياهو - غانتس. لكن الفارق هذه المرة أنّ بيتون كان عضوًا في حزب غانتس، في حين أن سموتريتش (أو أحد أعضاء حزبه) سيعين وزيرًا مسؤولًا عن الإدارة المدنية، بينما سيرأس وزارة الحرب وزير من حزب آخر، يُضاف إلى ذلك، وهو الأهم، أن الإدارة المدنية ستتبع مباشرةً لرئاسة الوزراء لا إلى وزارة الحرب كما كان الحال سابقًا. ومع الصلاحيات المستقلة التي لا تتطلب موافقة وزير الحرب، فإنّه يمكن لوزير الصهيونية الدينية المسؤول عن الإدارة المدنية أن يعزّز سياساتٍ يتبنّاها حزبه.

يندرج تحت صلاحيات الإدارة المدنية منح التراخيص للبناء في المستوطنات، والمسؤولية المباشرة عن مناطق (ج) فيما يتعلق بإدارة شؤون السكان الفلسطينيين، (كما المستعمرين اليهود). فعلى المستوى العملي، يعمل المستوطنون في معظم مجالات الحياة ضمن إطار قانوني مماثلٍ للوضع في "إسرائيل" (الأراضي المحتلة عام 1948) بحيث تتبعت معاملاتهم للوزارات الحكومية الإسرائيلية، أما الاستثناء الرئيسي من ذلك، فهو في مجال السيطرة على العقارات والتخطيط والبناء والبنية التحتية، الذي لا يخضع لوزارات حكومية، ولكن للمجلس الأعلى للتخطيط التابع للإدارة المدنية، وهذا يعني أن عمليات التخطيط والبناء وتطوير البنية التحتية تتم بشكل مختلف عنها داخل "إسرائيل". وبحسب المستوطنين فإنهم يخضعون لإرباك بيروقراطي يتطلب أيضًا موافقة وزير الحرب لا مجلس التخطيط التابع للإدارة المدنية فحسب.

اتفاق الائتلاف الحكومي الحالي يلغي صلاحياتٍ من وزير الحرب وينقلها إلى وزير شؤون الاستيطان، الذي يمتلك معظم الصلاحيات الإدارية المتعلقة بمعالجة طلبات السكان اليهود. بينما ينص الاتفاق على أن إدارات التنسيق والارتباط مع السلطة الفلسطينية وآليتها ستبقى تابعةً لقائد المركز ووزير الدفاع. [8]

وفقًا للاتفاق بين نتنياهو وسموتريتش سيتم نقل معظم صلاحيات الإدارة المدنية التي تتعلق بمعالجة طلبات السكان اليهود، إلى الوزارات الإسرائيلية. فقد كان يشترط سابقًا موافقة وزير الحرب على هدم المباني "غير القانونية" أو بناء المستوطنات، لكن وبحسب الاتفاق الحالي فإن سموتريتش بصفته الوزير المتوقع مسؤولاً للإدارة المدنية سيكون له سلطة - بالتنسيق مع نتنياهو - للاجتماع مع اللجنة المسؤولة عن تصاريح البناء في الضفة الغربية، وسيكون بيده القرار في هذا الموضوع. كما سيتم تحويل جميع الأموال التي تذهب للإدارة المدنية إلى وزارة المالية الإسرائيلية. وقد خصص حزب الصهيونية الدينية (في برنامجه الانتخابي) سنتين لتنفيذ الخطة، بحيث يتم حلّ الإدارة المدنية وتحويل الاستيطان إلى مكاتب حكومية.[9]

يعود اهتمام الصهيونية الدينية بالإدارة المدنية إلى مطالبة رؤساء مجلس المستوطنات "يشع" في زمن وزير الحرب (المنتهية ولايته) بيني غانتس؛ بانعقاد مجلس التخطيط الأعلى للإدارة المدنية، والمصادقة على البناء في المستوطنات. لكن غانتس الذي وعد رؤساء "يشع" بذلك، لم يلتزم بوعده، بسبب الضغط الأمريكي. وكانت آخر مرة انعقد فيها المجلس في أيار (مايو) 2022، ومنذ ذلك الحين - في الأشهر الستة الماضية - لم تتم الموافقة (رسميًا) على أي بناء في المستوطنات.[10]

 

تداعيات تولي الصهيونية الدينية للإدارة المدنية

من وجهة نظر الصهيونية الدينية فإن السيطرة على الإدارة المدنية يهدف إلى "تصحيح الظلم" الذي لحق بالمستوطنين، وتطبيق القانون الإسرائيلي في مستوطنات الضفة الغربية. فقد امتنعت "إسرائيل" منذ عام 1967عن إعلان سيادتها على أراضي الضفة الغربية مدعيةً بأنّها تديرها وفقًا لقوانين الاحتلال في القانون الدولي. وبالتالي يُتوقع أن يتم التحول من "الضم الزاحف" إلى "الضم السريع" للأراضي.

من وجهة نظر الصهيونية الدينية فإن السيطرة على الإدارة المدنية يهدف إلى "تصحيح الظلم" الذي لحق بالمستوطنين، وتطبيق القانون الإسرائيلي في مستوطنات الضفة الغربية. فقد امتنعت "إسرائيل" منذ عام 1967عن إعلان سيادتها على أراضي الضفة الغربية مدعيةً بأنّها تديرها وفقًا لقوانين الاحتلال في القانون الدولي. وبالتالي يُتوقع أن يتم التحول من "الضم الزاحف" إلى "الضم السريع" للأراضي.

على الصعيد الآخر، يَتوقع الباحث في معهد الأمن القومي (أودي ديكل) أن يقود استلام الصهيونية الدينية للإدارة المدنية إلى عدة أمور من بينها: تسريع عمليات ضم الأراضي الفلسطينية، وإمكانية تقويض الوضع الأمني الحالي​​، وقيام تحركاتٍ ضد دولة "إسرائيل" على الساحة الدولية. وبحسب ديكل فإن التحركات لتطبيق القانون الإسرائيلي على المستوطنات، إلى جانب نقل الصلاحيات من وزارة الحرب والقيادة المركزية إلى الوزارات الحكومية، سيعزز الادعاءات التي يتم الاستماع إليها بالفعل ضد دولة "إسرائيل" في الساحة الدولية فيما يتعلق بعدم شرعية المستوطنات، وقيادة "إسرائيل" لنظام الفصل العنصري (الأبارتهيد). لأن "إسرائيل" ستؤسس نظامين قانونيين مختلفين يديران حياة السكان اليهود والفلسطينيين في المناطق المتنازع عليها، دون عملية سياسية تهدف إلى التوصل إلى اتفاق حول مستقبلهم. ومن شبه المؤكّد أن تكون هذه الادعاءات راسخةً في الفتوى التي يتوقع طلبها قريبًا من محكمة العدل الدولية. [11]

من المرجح ألا تلجأ الحكومة الإسرائيلية إلى تنفيذ ضم كامل للإراضي الفلسطينية، فهذا قد يوقعها في شقاق مع الإدارة الامريكية وحلفائها في المنطقة، ولربما ستأخذ بخيار ضم منطقة الأغوار والمستوطنات القائمة، (وهذا ما يدعو له بعض المنتسبين للتيار الديني القومي) [12]. فخطط السيادة المطروحة من قبل المستوطنين تقسم منطقة الضفة الغربية إلى ثلاثة أقسام، أولها: السيادة الكاملة على الضفة الغربية بأكملها، وهذا يعني تحمل عبء إدراة السكان، وتثوير المجتمع الدولي، وهو ما لا ترغب به "إسرائيل". وثانيها السيادة في المناطق (ج) فقط، وهذا سيقلل من احتجاج المجتمع الدولي لكنه يحمل المخاطر نفسها تقريبًا. وثالثها: السيادة على وادي الأردن وجميع المستوطنات القائمة، وهذا ما يتوافق مع خطة "صفقة القرن" الأميركية.

من المرجح ألا تلجأ الحكومة الإسرائيلية إلى تنفيذ ضم كامل للإراضي الفلسطينية، فهذا قد يوقعها في شقاق مع الإدارة الامريكية وحلفائها في المنطقة، ولربما ستأخذ بخيار ضم منطقة الأغوار والمستوطنات القائمة، (وهذا ما يدعو له بعض المنتسبين للتيار الديني القومي)

على الرغم من أن كل شيء يخضع لرئيس الوزراء المعين نتنياهو، فإن سموتريتش سيكون لديه القدرة على دفع الأمور إلى الأمام، تحت ذرائع "إنسانية"، فعلى سبيل المثال من المتوقع شرعنة العشرات من البؤر الاستيطانية "غير القانونية" التي لم يتم تنظيم وضعها. وسيتم تبرير ذلك، بأنّ هذا لا يسبب أي تغيير في المنطقة لأن السكان اليهود يعيشون هناك بالفعل. أيضًا من المتوقع تعزيز تنفيذ أوامر الهدم التي لا تزال عالقةً في الإدارة المدنية وبالتالي تدمير المزيد من البناء الفلسطيني "غير المرخص".[13] وتزايد هدم البناء الفلسطيني، إلى جانب توسع المشروع الاستيطاني، سيعزز بروز مقاومة فلسطينية عنيفة تؤدي إلى تصعيد أمني قد يخرج عن السيطرة. مثل هذا التصعيد يمكن أن يخلق توترًا في العلاقات بين "إسرائيل" وحلفائها وكذلك في العلاقة الجديدة مع دول "اتفاقية إبراهيم"، لا سيما مع حقيقة أنه سيكون هناك العديد من الضحايا في الجانب الفلسطيني.[14]

سيكون لدى سموتريتش القدرة على دفع الأمور إلى الأمام، فعلى سبيل المثال من المتوقع شرعنة العشرات من البؤر الاستيطانية "غير القانونية"، وتعزيز تنفيذ أوامر الهدم للبناء الفلسطيني "غير المرخص". وهو ما سيعزز بروز مقاومة فلسطينية عنيفة تؤدي إلى تصعيد أمني قد يخرج عن السيطرة. مثل هذا التصعيد يمكن أن يخلق توترًا في العلاقات بين "إسرائيل" وحلفائها

 

خاتمة

قد يكون هنالك بعض الخير في الشر، فتولي الصهيونية الدينية للإدارة المدنية سيعزز كشف الوجه المزيف للاحتلال، وتفنيد ادعائه باحترام القانون الدولي، عدا عن ترسيخ نظام الفصل العنصري الإسرائيلي (الابارتهيد) الذي تجتهد "إسرائيل" في محاولة إخفائه. ولربما سيعزز تولي الصهيونية الدينية للإدارة المدنية من قناعة القيادة الفلسطينية "الرسمية" بعبثية البحث عن شريك للمفاوضات، وعدم قابلية نموذج "حل الدولتين" للتطبيق. يضاف إلى ذلك احتمالية أن يدفع هذا الوضع القيادة الفلسطينية إلى إعادة ترتيب أوراقها والبيت الداخلي الفلسطيني، والتوجه نحو تبني برنامج وطني جامع لمقاومة المخاطر الوشيكة على القضية الفلسطينية، وحتى على وجود السلطة الفلسطينية.

 



[1]  https://bit.ly/3Yu2Pvz

[2]  https://bit.ly/3PwEGjX

[3]  تستخدم إطار مصطلح "وزير/ وزارة الحرب" للدلالة على ما تسمّيه "إسرائيل" بـ "وزارة الدفاع"

[4] موقع المقتفي (معهد الحقوق بجامعة بيرزيت)، نص الأمر العسكري رقم 947، لسنة 1981، أمر بشأن إقامة ادارة مدنية. https://bit.ly/3Ydt2i9

[5] مختار البعباع، حول أزمة البلديات في الأرض المحتله وأثرها على عملية الصمود، مجلة صامد الاقتصادي، عدد 49، 1984، ص: 124.

[6] الفقرات السابقة مقتبسة من مقالة: أشرف بدر، تقليص الصراع والتحول من "الضم الزاحف" إلى "الانفصال الزاحف" في منظومة الاستعمار الاستيطاني الصهيوني بالضفة الغربية، مركز الزيتونة، 2021. https://bit.ly/3Bv1WsS

[7] أودي ديكل، نزع ملكية الإدارة المدنية من وزير الدفاع إلى وزير المستوطنات: من "الضم الزاحف" إلى "الضم السريع"، معهد الأمن القومي، مجلة مباط عل، 8/12/2022. (بالعبرية). https://bit.ly/3FowBJJ

[8] أودي ديكل، نزع ملكية الإدارة المدنية من وزير الدفاع إلى وزير المستوطنات: من "الضم الزاحف" إلى "الضم السريع"، معهد الأمن القومي، مجلة مباط عل، 8/12/2022. (بالعبرية). https://bit.ly/3FowBJJ

[9] يسرائيل هيوم، بعد الاتفاق مع سموتريتش: هل ستحل الإدارة المدنية حقًا؟، 4/12/2022. (بالعبرية). https://bit.ly/3PiUJ4U

 

[10] أليشع بن كيمون، وزير المستوطنين والفلسطينيين: القوة التي حصل عليها سموتريتش من نتنياهو وأهميتها،، موقع واي نت، 3/12/2012. (بالعبرية) https://bit.ly/3hlJCM1

[11] أودي ديكل، نزع ملكية الإدارة المدنية من وزير الدفاع إلى وزير المستوطنات: من "الضم الزاحف" إلى "الضم السريع"، معهد الأمن القومي، مجلة مباط عل، 8/12/2022. (بالعبرية). https://bit.ly/3FowBJJ

[12] مكور ريشون، هنالك حاجة إلى حل آخر: إعلاق الإدارة المدنية قد يضر بالاستيطان في يهودا والسامرة، 28/11/2022. (بالعبرية). https://bit.ly/3FlJPGR

 

[13] أليشع بن كيمون، وزير المستوطنين والفلسطينيين: القوة التي حصل عليها سموتريتش من نتنياهو وأهميتها،، موقع واي نت، 3/12/2012. (بالعبرية) https://bit.ly/3hlJCM1

[14] أودي ديكل، نزع ملكية الإدارة المدنية من وزير الدفاع إلى وزير المستوطنات: من "الضم الزاحف" إلى "الضم السريع"، معهد الأمن القومي، مجلة مباط عل، 8/12/2022. (بالعبرية). https://bit.ly/3FowBJJ