الإمبريالية والاستعمار الاستيطاني الأبيض في النظرية الماركسية

الإمبريالية والاستعمار الاستيطاني الأبيض في النظرية الماركسية
تحميل المادة

على سبيل التقديم..

في مقالته Imperialism and White Settler Colonialism in Marxist Theory (الإمبريالية والاستعمار الاستيطاني الأبيض في النظرية الماركسية)، المنشورة في Monthly Review (المراجعة الشهرية) (شباط/ فبراير 2025)، يقدم John Bellamy Foster (جون بيلايمي فوستر) تحليلًا مُهمًّا للعلاقة بين الاستعمار الاستيطاني، والإمبريالية، والرأسمالية العالمية، منتقدًا المحاولات الأكاديمية الحديثة لفصل الاستعمار الاستيطاني عن جذوره الإمبريالية والطبقية.

يشير فوستر إلى أن مصطلح "الاستعمار الاستيطاني" قد انتشر بنحو واسع في الخطاب الأكاديمي والشعبي خلال العقود الأخيرة، خاصة منذ العدوان الإسرائيلي الإبادي على فلسطين في تشرين الأول/ أكتوبر 2023. في هذه المادة، يربط فوستر القرّاء بمفكرين من مختلف العصور والجغرافيات، ليظهر أن الاستعمار الاستيطاني ليس مجرد هيكل مستقل، بل هو جزء من الإمبريالية والرأسمالية، مدفوع بمنطق استغلالي يهدد البشرية جمعاء.

يعارض فوستر أطروحات باتريك وولف ولورنزو فيراتشيني، اللذين قدّما الاستعمار الاستيطاني كـ "منطق إبادة" مستقل، متجاهلين ارتباطه بالبنية الإمبريالية. وفقًا لهذا النموذج، تُعَدّ مستعمرات مثل الولايات المتحدة، وكندا، وأستراليا، ونيوزيلندا، و"إسرائيل" حالات نموذجية، بينما تُستبعد مستعمرات أخرى مثل الجزائر، وجنوب إفريقيا، وكينيا لأنها اعتمدت على استغلال العمالة الأصلية بدلًا من إبادتها. يرى فوستر أن هذا الفصل يطمس حقيقة أن الاستعمار الاستيطاني كان دومًا جزءًا من مشروع رأسمالي عالمي مدعوم إمبرياليًا.

يخصص فوستر جزءًا مهمًا من مقاله لمناقشة الاستعمار الاستيطاني في فلسطين، رافضًا الفكرة القائلة بأن "إسرائيل" "حالة خاصة" غير مرتبطة بالإمبريالية العالمية. على العكس، يرى أن "إسرائيل" ليست مجرد كيان استيطاني، بل قاعدة عسكرية للإمبريالية الأمريكية، تعمل ضمن استراتيجية أوسع للهيمنة على الشرق الأوسط وآسيا الوسطى.

ترى إطار أن ترجمة هذه المادة ونشرها بالعربية مفيد لأجل تفكيك الروايات الأكاديمية الغربية التي تفصل "إسرائيل" عن الإمبريالية، وتصوّرها كيانًا مستقلاً يدافع عن نفسه، كذلك يساهم هذا النقاش في إعادة القضية الفلسطينية إلى سياقها الصحيح، من حيث هي نضال ضد الاستعمار الاستيطاني والإمبريالية الرأسمالية، وليست مجرد صراع عرقي، وذلك بالاستفادة من الفهم الماركسي للمقاومة الفلسطينية، وربطها بالنضالات العالمية ضد الاستغلال والاستعمار، وبكلمة أخرى تمثل هذه المادة أداة فكرية مهمة لفهم أعمق للصراع في فلسطين، ولمواجهة الروايات الليبرالية التي تحاول تطبيع الاستعمار الصهيوني عبر فصله عن جذوره الإمبريالية.

تنشر إطار هذه المادة التزامًا منها بنشر المعرفة الرصينة التي تتجاوز التبسيط والاختزال، وبالرغم من أنّ المنصة مفتوحة للمساهمات الأقصر والأسرع وصولاً، وتوفر مساحة للمحاولات الجديدة، فإنّ نشر المواد الطويلة التي تتسم بالتأني والبحث الجاد يبقى من ضمن انشغالات المنصة.

يأتي نشر هذه المادة مع التنويه إلى أنّ جميع الهوامش هي من صنع الكاتب، وأكثرها العناوين المرجعية لمادته، والتي اجتهدنا في ترجمتها إلى العربية، بقطع النظر إن كانت تُرجمت تلك الكتب والمقالات إلى العربية ونشرت بها أم لا.

هيئة التحرير

كان مفهوم الاستعمار الاستيطاني دائمًا عنصرًا رئيسًا في النظرية الماركسية حول الإمبريالية، وهو مفهوم تطوّر معناه تدريجيًا على مدى قرن ونصف. واليوم، أعادت الحركات الأصلية القوية ظهورها في سياق النضال من أجل البقاء الثقافي، والأرض، والسيادة، والاعتراف، إلى جانب المقاومة ضدّ الإبادة الجماعية التي تمارسها إسرائيل بحق الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة، مما جعل مفهوم الاستعمار الاستيطاني يحتل موقعًا بارزًا في الجدل العالمي. في ظل هذه الظروف، فإن استعادة وإعادة بناء الفهم الماركسي للعلاقة بين الإمبريالية والاستعمار الاستيطاني يُعَدّ خطوة ضرورية لدعم الحركات الأصلية والثورة العالمية ضِدّ الإمبريالية.

وتزداد أهمية هذه الاستعادة وإعادة البناء للتحليلات الماركسية في هذا المجال نظرًا لظهور نموذج جديد لدراسات الاستعمار الاستيطاني، والذي جرى التأسيس له في أستراليا على يد شخصيات فكرية بارزة مثل باتريك وولف ولورنزو فيراشيني، على مدى الربع قرن الماضي. أصبح هذا النموذج الآن مجالًا أكاديميًا مستقلاً على مستوى العالم، وهو مجال، في شكله السائد حاليًا في الأوساط الأكاديمية، يركز على "منطق الإبادة" الصرف. وبهذه الطريقة، يُفْصَل الاستعمار الاستيطاني، باعتباره فئة تحليلية قائمة على جماعات مستقلة من المستوطنين، عن الاستعمار بشكل عام، وكذلك عن الإمبريالية والاستغلال والطبقية.[1] ووفقًا لهذا الطرح، يُقال إن الاستعمار الاستيطاني يشكل قوة كوكبية مهيمنة بحد ذاته. وكما يقول فيراشيني: "لقد أصبحت قوة استعمارية استيطانية هي المهيمنة عالميًا… فالعديد من الاحتلالات الأمريكية حول العالم هي احتلالات استيطانية." وفي الوقت الحالي، لا يقتصر تصنيف المستعمرات الاستيطانية على الحالات "النقية" أو المثالية مثل الولايات المتحدة وكندا وأستراليا ونيوزيلندا وإسرائيل، كما تصورها وولف في الأصل، بل يُقال أيضًا إن "كل إفريقيا"، بالإضافة إلى أجزاء كبيرة من آسيا وأمريكا اللاتينية، قد جرى "تشكيلها" إلى حد كبير بواسطة "منطق الإبادة" أكثر من منطق الاستغلال. بدلاً من النظر إلى الاستعمار الاستيطاني باعتباره جزءًا لا يتجزأ من تطور النظام الإمبريالي العالمي، فقد أصبح، في بعض الروايات، تفسيرًا شاملاً بحدّ ذاته.[2]

لا يمكن إنكار أهمية أعمال شخصيات مثل وولف وفيراشيني، أو قيمة النموذج الجديد لدراسات الاستعمار الاستيطاني. وكما تقول روكسان دانبار-أورتيز في كتابها Not "A Nation of Immigrants": Settler Colonialism, White Supremacy, and a History of Erasure and Exclusion (ليس "أمة من المهاجرين": الاستعمار الاستيطاني، تفوق العرق الأبيض، وتاريخ المحو والإقصاء)، فإن وولف أجرى "بحثًا رائدًا" أظهر أن "الاستعمار الاستيطاني كان بنية وليس حدثًا". لقد أسدى خدمة كبيرة بجعل مفهوم الاستعمار الاستيطاني وقضية الشعوب الأصلية في صميم النقاشات الفكرية. ومع ذلك، وفيما يخص الولايات المتحدة، تضيف دانبار-أورتيز، في تصحيح لرؤية وولف، أن المؤسسين لم يكونوا مجرد مستعمرين استيطانيين، بل كانوا "إمبرياليين تصوروا غزو القارة والوصول إلى المحيط الهادئ والصين". لم يكن للتوسع الإمبريالي الأمريكي منذ البداية أي حدود إقليمية، وكان موجهًا نحو إمبراطورية غير محدودة. عزز الاستعمار الاستيطاني هذا التوجه الإمبريالي العالمي، لكنه لم يكن هو المحدد له، إذ كانت جذوره ممتدة في النظام الرأسمالي ذاته. وهذا يشير إلى وجود مقاربة تاريخية-مادية للاستعمار الاستيطاني تراه في ارتباط جدلي مع الرأسمالية والاستعمار والإمبريالية، بدلاً من اعتباره فئة مستقلة بذاتها.[3]

ماركس والاستعمار الاستيطاني

من المُعترف به اليوم على نطاق واسع في الأبحاث حول الاستعمار الاستيطاني أن كارل ماركس كان المفكر المؤسس في هذا المجال من خلال مناقشته لـ "التراكم البدائي المزعوم"، وإشاراته إلى الاستعمار بشكل عام أو الاستعمار الاستيطاني، وتحليله لإدوارد جيبون ويكفيلد و"النظرية الحديثة للاستعمار"، التي اختتم بها المجلد الأول من رأس المال.[4] ومع ذلك، نادرًا ما تتعمق هذه الاعترافات في كشف العمق الكامل لتحليل ماركس في هذا الصدد.

بوصفه متخصصًا في الفلسفة اليونانية القديمة، كتب ماركس أطروحته حول الفيلسوف المادي القديم إبيقور، وكان على دراية تامة بـ "الكليروشيا" (Cleruchy) اليونانية القديمة، أو المستعمرة الاستيطانية التي أُنشئت امتدادًا للمدينة- الدولة المؤسسة لها. ومن نواحٍ عديدة، كانت أبرز كليروشيا أثينية هي جزيرة/ مدينة ساموس، مسقط رأس إبيقور، حيث كان والداه من المستوطنين الاستيطانيين. وقد أنشئت الكليروشيا في ساموس عام 365 قبل الميلاد، عندما قامت أثينا بطرد سكان الجزيرة قسرًا واستبدالهم بمواطنين أثينيين فقراء من سكان أثينا المكتظة، مما حوّل ساموس ليس فقط إلى مستعمرة استيطانية، بل أيضًا إلى قاعدة عسكرية داخل الإمبراطورية الأثينية. وقد كانت النزاعات في العالم اليوناني حول الكليروشيا في ساموس في قلب حربين رئيستين خاضتهما أثينا، مما أدى في النهاية إلى سقوطها كقوة كبرى بهزيمتها أمام مقدونيا عام 322 قبل الميلاد. وقد أدى ذلك إلى تفكيك الكليروشيا في ساموس (امتثالًا لمرسوم أصدره الإسكندر الأكبر قبل وفاته بفترة وجيزة)، وإزالة المستوطنين الأثينيين، وعودة السكان الأصليين إلى الجزيرة.[5]

بالنسبة لماركس والمفكرين الآخرين المتعلمين في الكلاسيكيات في القرن التاسع عشر، مثلت الكليروشيا الأثينية في ساموس نموذجًا خالصًا للاستعمار. وعلى الرغم من أن الاستعمار الاستيطاني اتخذ أشكالًا جديدة وأكثر وحشية تحت الرأسمالية، مدعومًا بالدين والعنصرية، فإن الظاهرة الأساسية كانت معروفة جيدًا في العصور القديمة وكانت مألوفة للباحثين في القرن التاسع عشر. في تحليله للاستعمار في رأس المال وفي مواضع أخرى، أشار ماركس إلى ما يُعرف اليوم باسم "الاستعمار الاستيطاني" على أنه "الاستعمار بالمفهوم الدقيق"، وهو الاستخدام الذي تبناه لاحقًا فريدريك إنجلز وفلاديمير لينين.[6] وكان هذا المفهوم يعكس بوضوح وجهة النظر الكلاسيكية المتمركزة حول العصور اليونانية القديمة. علاوة على ذلك، فإن أي استخدام لمصطلح "استيطاني" محددًا لكلمة "استعمار" كان سيُعدُّ زائدًا عن الحاجة في القرن التاسع عشر، حيث إن الجذر اللغوي لـ "الاستعمار"، المشتق من اللاتينية واللغات الرومانسية، هو colonus/colona، والذي يعني "فلاح" أو "مستوطن".[7] ومن ثم، فإن المعنى الأصلي لكلمة الاستعمار كان حرفيًا "الاستيطان". ولكن بحلول القرن العشرين، اتسع نطاق معنى الاستعمار إلى درجة لم يعد يرتبط بأصوله التاريخية الكلاسيكية أو بجذوره اللغوية، مما جعل استخدام مصطلح "الاستعمار الاستيطاني" أكثر قبولًا.

في تصور ماركس، اتخذ الاستعمار بالمفهوم الدقيق شكلين، وكلاهما كان مشروطًا بمنطق الإبادة، وفقًا لمفهوم القرن التاسع عشر للإبادة، والذي كان يعني كلًا من الاستئصال القسري والطرد.[8] تمثّل "النوع الأول" في "الولايات المتحدة وأستراليا، وما شابه"، حيث كان شكل الإنتاج يعتمد على "جماهير المستوطنين الزراعيين" الذين سعوا إلى "إنتاج معيشتهم الخاصة"، وبالتالي لم يكن نمط إنتاجهم رأسماليًا بشكل مباشر. أما "النوع الثاني" فقد تمثل في "المزارع؛ حيث تظهر المضاربات التجارية منذ البداية، ويكون الإنتاج موجهًا للسوق العالمية". وقد كان هذا النوع جزءًا من "نمط الإنتاج الرأسمالي، وإن كان فقط بالمعنى الشكلي، لأن استعباد السود [في مزارع العالم الجديد] كان يمنع وجود العمل المأجور الحر، الذي يُشَكِّل أساس الإنتاج الرأسمالي. ولكن الأعمال التي كان يُستخدم فيها العبيد كانت تُدار من قِبَل الرأسماليين".[9]

كان الاستعمار الاستيطاني من النوع الأول، أي استعمار المستوطنين الزراعيين، هو السائد في شمال الولايات المتحدة، في حين كان النوع الثاني من المستعمرات الاستيطانية، القائمة على مزارع العبيد، هو المسيطر في جنوب الولايات المتحدة. وكان النوع الثاني، الذي أشار إليه ماركس أيضًا باسم "الاستعمار الثاني"، متجذرًا في عمالة العبيد واقتصاديات المزارع التي كان يديرها رأسماليون كانوا أيضًا من كبار ملاك الأراضي، حيث كانت العلاقات الرأسمالية "مطعّمة" على العبودية. أما المستعمرات الاستيطانية في الجنوب الأمريكي قبل الحرب الأهلية، فبينما كانت تعتمد بشكل أساسي على العبودية في المزارع، فقد تضمنت أيضًا أعدادًا كبيرة نسبيًا من "المزارعين المستوطنين" الذين كانوا يعيشون بالكاد على مستوى الكفاف، وذلك لأن ملاك المزارع المستعبِدين استحوذوا على أكثر الأراضي خصوبة.[10]

بهذه الطريقة، لم يقتصر نهج ماركس في تناول الاستعمار الاستيطاني على منطق الإبادة الموجّه ضد الشعوب الأصلية، بل شمل أيضًا الشكلين المزدوجين للإنتاج (المزارعين الأحرار وعبودية المزارع) اللذين نشآ داخل الهيكل الاستيطاني الاستعماري الناتج. ومع ذلك، فإن الجدل الديالكتيكي العام للاستعمار الاستيطاني كان مشروطًا بالإبادة (بما في ذلك الطرد) للسكان الأصليين. وكما عبّر ماركس عن ذلك في المجلد الأول من رأس المال:

 "إنّ اكتشاف الذهب والفضة في أمريكا، والاستئصال والاستعباد ودفن السكان الأصليين في مناجم تلك القارة، وبدايات الغزو والنهب في الهند، وتحويل إفريقيا إلى محمية للصيد التجاري على البشر ذوي البشرة السوداء، كلها أمور تميز فجر عصر الإنتاج الرأسمالي. هذه الإجراءات «الهادئة» تمثل اللحظات الرئيسة للتراكم البدائي…

لقد كان التعامل مع السكان الأصليين أكثر وحشية بطبيعة الحال في المستعمرات الزراعية التي أُقيمت حصريًا لأغراض التجارة التصديرية، مثل جزر الهند الغربية، وكذلك في البلدان الغنية والمكتظة بالسكان مثل المكسيك والهند، التي خضعت للنهب. ولكن حتى في المستعمرات التي كانت تُعرف بالاستعمار بالمفهوم الدقيق، لم يتناقض الطابع “المسيحي” للتراكم البدائي مع هذه الممارسات. ففي عام 1703، أصدر أولئك الممثلون المتشددون للبروتستانتية، أي البيوريتانيون في نيو إنجلاند، مرسومًا يحدد مكافأة قدرها 40 جنيهًا إسترلينيًا لكل فروة رأس هندية ولكل أسير من السكان الأصليين؛ وفي عام 1720 رُفِعَت المكافأة إلى 100 جنيه لكل فروة رأس؛ وفي عام 1744، بعد أن أعلنت مستعمرة ماساتشوستس باي أن إحدى القبائل متمردة، جرى تحديد الأسعار التالية: 100 جنيه إسترليني جديدة مقابل فروة رأس رجل يبلغ من العمر 12 عامًا أو أكثر، و105 جنيهات للأسير الذكر، و50 جنيهًا للأسرى من النساء والأطفال، و50 جنيهًا مقابل فروات رؤوس النساء والأطفال."[11]

كان المغزى الحقيقي لهذا التسعير البربري، كما ألمح إليه ماركس، هو الإبادة، فلم تكن قيمة الأسرى الذكور سوى هامشية مقارنة بفروات رؤوسهم، التي كانت بمثابة رموز لموتهم؛ في حين أن حياة النساء والأطفال لم تكن تُقدّر إلا بقيمة فروات رؤوسهم.

كان المصدر الأساس لماركس حول الاستعمار ومعاملة السكان الأصليين في مختلف أنحاء العالم، أثناء كتابته رأس المال، هو كتاب ويليام هاويت Colonization and Christianity: A Popular History of the Treatment of the Natives by the Europeans in All Their Colonies (1838) (الاستعمار والمسيحية: تاريخ شعبي لمعاملة الأوروبيين للسكان الأصليين في جميع مستعمراتهم) كان الموضوع الأساس لهاويت فيما يتعلق بالمستعمرات البريطانية في أمريكا الشمالية هو الإبادة (الاستئصال والطرد) للسكان الأصليين. وبينما كان يكتب خلال فترة درب الدموع في الولايات المتحدة، وصف "حملات الإبادة التي قادها الجنرال جاكسون". وفي هذا السياق، نقل عن أندرو جاكسون تصريحه في 27 آذار/ مارس 1814 بأنه كان "مصممًا على إبادتهم جميعًا". وأشار هاويت إلى أن الشعوب الأصلية دُفِعت إلى أراضٍ قاحلة [أراضٍ غير قابلة للزراعة] أو إلى الإبادة".[12]

وفيما يتعلق بأوضاع الشعوب الأصلية في الجنوب الشرقي، التي كانت تواجه زحف المستوطنين البيض، أوضح هاويت:

"لن يكون هناك ما يمنع التهجير النهائي لهذه القبائل الجنوبية: يجب أن يعبروا نهر المسيسيبي حتى يزداد عدد السكان البيض بدرجة كافية ليجبرهم على عبور نهر ميسوري؛ وحينها لن يبقى سوى حاجزين بينهم وبين الإبادة—جبال الروكي والمحيط الهادئ. كلما سمعنا عن هذه القبائل الآن، يكون ذلك بسبب عمل عدواني جديد ضدهم—طرد جديد لجزء منهم—وأخبار عن هنود كئيبين يسيرون نحو البراري الغربية."[13]

بالنسبة لماركس، كان منطق الإبادة الذي أدخله الاستعمار الاستيطاني الإنجليزي في الأمريكيتين مرتبطًا تاريخيًا بالغزو والنهب المستمرين لأيرلندا، فقد كانت إنجلترا تستنزف مواردها الطبيعية بشكل متواصل. وجادل بأنّ "الخطة للإبادة" نفسها، التي استُخدمت بأقصى درجات الوحشية من قبل الإنجليز والاسكتلنديين ضد الأيرلنديين، طُبِقت لاحقًا في المستعمرات البريطانية في أمريكا الشمالية "ضد الهنود الحمر".[14] في أيرلندا، ما كان يُطلق عليه غالبًا "سياسة الإبادة"، التي وقعت بالتزامن مع عمليات الإحاطة في إنجلترا، أدى إلى خلق فائض سكاني نسبي هائل لم يتمكن الاقتصاد الصناعي الناشئ في إنجلترا من استيعابه، مما أدى إلى تدفق مستمر من المستوطنين الاستيطانيين الإنجليز والأيرلنديين والاسكتلنديين الأيرلنديين إلى أمريكا الشمالية، حيث سعوا إلى القضاء على السكان الأصليين لإفساح المجال لتوسعهم. وقد حدثت عملية مماثلة في نيو ساوث ويلز (التي كانت في الأصل مستعمرة عقابية في أستراليا) فيما يتعلق بمعاملة السكان الأصليين الاستيطانية، كما وصفها هاويت.[15]

كان ماركس وإنجلز أيضًا مهتمين بشدة بالاستعمار الاستيطاني الفرنسي في الجزائر، الذي كان يحدث في زمانهم، ووقفوا إلى جانب المقاومة الجزائرية الأصلية.[16] كان عدد السكان الأصليين في الجزائر يقارب 6 ملايين نسمة عام 1830، ولكن بحلول عام 1852، وبعد حرب الإبادة الفرنسية الشاملة، بما في ذلك سياسة الأرض المحروقة والمجاعة التي أعقبتها، انخفض العدد إلى 2.5 مليون نسمة.[17] وفي الوقت نفسه، استُخدِمت وسائل "قانونية" أيضًا للاستيلاء على الأراضي الجماعية، التي حُوِّلت إلى ممتلكات خاصة للمستوطنين. في مقتطفاته خلال سبعينيات القرن التاسع عشر من أعمال عالم الإثنولوجيا الروسي م. م. كوفاليفسكي، جمع ماركس تحليلًا تفصيليًا عن "زرع المستوطنين الأوروبيين" في الجزائر و"مصادرة أراضي السكان الأصليين من قبل المستوطنين الأوروبيين والمضاربين". وبعد إقامته لفترة وجيزة في الجزائر قرب نهاية حياته، كجزء من علاج طبي نصحه به طبيبه، جادل ماركس بأنه لا أمل للسكان الأصليين الجزائريين "دون حركة ثورية".[18]

في عام 1882، تناول إنجلز موضوع المستعمرات الاستيطانية الإنجليزية في رسالة إلى كارل كاوتسكي، كتب فيها:

"كما أراها، فإن المستعمرات بالمعنى الدقيق للكلمة، أي البلدان التي احتلها المستوطنون الأوروبيون، مثل كندا، والكيب [جنوب إفريقيا]، وأستراليا، ستصبح جميعها مستقلة؛ أما البلدان التي تخضع للحكم الاستعماري فقط ويسكنها السكان الأصليون، مثل الهند، والجزائر، والممتلكات الهولندية والبرتغالية والإسبانية، فسيكون على البروليتاريا تولي إدارتها مؤقتًا وتوجيهها نحو الاستقلال بأسرع ما يمكن. من الصعب تحديد كيف سيتطور هذا المسار. قد تبدأ الهند، بل ومن المرجح جدًا أن تبدأ، ثورة… الشيء نفسه قد يحدث أيضًا في أماكن أخرى، مثل الجزائر ومصر، وهذا سيكون بلا شك في صالحنا [أي في صالح النضال الاشتراكي في أوروبا]."[19]

 

الإمبريالية والاستعمار الاستيطاني

في عام 1916، اقتبس لينين من رسالة إنجلز إلى كاوتسكي عام 1882، متضمنًا الإشارة إلى "المستعمرات بالمفهوم الدقيق"، وكان من الواضح أنه يتفق مع تحليل إنجلز.[20] ومع ذلك، كانت الأممية الشيوعية (الكومنترن) بطيئة في تناول مسألة الاستعمار الاستيطاني. ولم يحدث ذلك إلا في المؤتمر الثاني حول المسائل الوطنية والاستعمارية عام 1928، في أطروحات حول الحركة الثورية في المستعمرات وشبه المستعمرات، التي كانت تهدف إلى تقديم نقد شامل لـ "النظام الإمبريالي العالمي"، حيث اعتُبر الاستعمار الاستيطاني جزءًا أساسيًا منه. وقد وُضِعَ تمييز واضح بين المستعمرات الاستيطانية والمستعمرات الأخرى. كما ورد في وثيقة الكومنترن:

"فيما يتعلق بالدول المستعمرة، من الضروري التمييز بين تلك المستعمرات التابعة للدول الرأسمالية، التي استُخدمت كمناطق استيطان لفائض سكانها، وأصبحت بذلك امتدادًا لنظامها الرأسمالي (أستراليا، كندا، إلخ)، وبين تلك المستعمرات التي يجري استغلالها من قبل الإمبرياليين أساسًا كأسواق لبضائعهم، ومصادر للمواد الخام، ومجالات لتصدير رأس المال. لا يحمل هذا التمييز أهمية تاريخية فحسب، بل له أيضًا دلالة اقتصادية وسياسية كبيرة.

 فالمستعمرات من النوع الأول تصبح، على أساس تطورها العام، «دومينيونات»، أي أعضاء في النظام الإمبريالي المعني، مع حقوق متساوية أو شبه متساوية. وفي هذه المستعمرات، يعيد التطور الرأسمالي إنتاج البنية الطبقية للمدينة الأم بين السكان البيض المهاجرين، في الوقت الذي أُبيد فيه السكان الأصليون إلى حد كبير. وبالتالي، لا يمكن الحديث عن نظام استعماري خارجي بالشكل الذي يظهر في المستعمرات من النوع الثاني.

وبين هذين النوعين، يوجد نوع انتقالي (بأشكال متنوعة)، حيث يوجد إلى جانب السكان الأصليين أعداد كبيرة من المستوطنين البيض (جنوب إفريقيا، نيوزيلندا، الجزائر، إلخ). البرجوازية التي جاءت من المدينة الأم تمثل في هذه الدول (المستعمرات المهاجرة) مجرد «امتداد» استعماري للبرجوازية في المدينة الأم".[21]

واختتمت الأممية الشيوعية تحليلها بالقول:

"إن المدينة الأم معنية إلى حد ما بتعزيز فرعها الرأسمالي في المستعمرات، لا سيما عندما ينجح هذا الفرع الإمبريالي في استعباد السكان الأصليين أو حتى إبادتهم بالكامل. من ناحية أخرى، فإن التنافس بين الأنظمة الإمبريالية المختلفة على النفوذ في الدول شبه المستقلة [التي تضم أعدادًا كبيرة من المستوطنين] قد يؤدي أيضًا إلى انفصالها عن المدينة الأم."[22]

ما برز في تحليل الكومنترن بحلول عام 1928، إذن، استنادًا إلى الأعمال السابقة لماركس وإنجلز ولينين، هو تصورٌ للاستعمار الاستيطاني كجزء لا يتجزأ من النظرية العامة للنظام الإمبريالي العالمي. في نظر الكومنترن، لم يعد يُنظر إلى العرق في المقام الأول من منظور بيولوجي، بل أصبح يُنظر إليه بشكل متزايد من خلال عدسة المقاومة الثقافية، كما في أعمال دبليو. إي. بي. دو بوا، وقد جرى دمجه بشكل أكثر وضوحًا في النقاش من خلال مفهوم "البياض"، مع التأكيد على أن هذه كانت مستعمرات استيطانية "بيضاء".[23] وقد تزامن إعلان الكومنترن عن الاستعمار الاستيطاني مع أولى المعالجات الفلسطينية لهذا الموضوع في عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين.[24]

كذلك، في عشرينيات القرن العشرين، كتب الماركسي البيروفي خوسيه كارلوس مارياتيغي عن "ممارسة الإسبان إبادة السكان الأصليين وتدمير مؤسساتهم… المستعمرون الإسبان"، كما لاحظ، "أدخلوا إلى بيرو مخططًا لخفض عدد السكان". ومع ذلك، تبع ذلك "استعباد" السكان الأصليين ثم "استيعابهم"، مبتعدًا بذلك عن منطق الإبادة الذي يميز الاستعمار الاستيطاني الخالص، حيث أصبحت الحاجة إلى اليد العاملة هي الاعتبار السائد. وهنا، كما أدرك مارياتيغي، تحوّل الهدف الأساسي للاستعمار من مصادرة أراضي السكان الأصليين، وبالتالي محوهم، إلى التركيز على استغلال قوة عملهم.[25]

جرى حلّ الكومنترن من قبل الاتحاد السوفيتي عام 1943 في لحظة حرجة من الحرب العالمية الثانية، كوسيلة لإظهار أن هزيمة ألمانيا النازية كانت الأولوية المطلقة. ومع ذلك، استمر مفهوم الاستعمار الاستيطاني في الانتقال إلى نظرية التبعية بعد الحرب العالمية الثانية، عبر الاقتصادي الماركسي بول أ. باران، الذي كان آنذاك أستاذًا في جامعة ستانفورد. وُلِد باران في روسيا القيصرية وتلقى تعليمه في الاقتصاد في الاتحاد السوفيتي وألمانيا والولايات المتحدة، وربط بين عقيدة الكومنترن حول الاستعمار الاستيطاني ومسألة التنمية والتخلف.

كتب باران عام 1957، في كتابه The Political Economy of Growth (الاقتصاد السياسي للنمو)، مميزًا بين "تأثير دخول أوروبا الغربية إلى أمريكا الشمالية (وكذلك أستراليا ونيوزيلندا) من جهة، و«فتح» الرأسمالية الغربية لآسيا وإفريقيا وأوروبا الشرقية" من جهة أخرى. ففي الحالة الأولى، استقر الأوروبيون الغربيون كمقيمين دائمين، بعد القضاء على السكان الأصليين، جالبين معهم "الرأسمالية في عظامهم"، ومؤسسين مجتمعًا كان "منذ البداية رأسماليًا في بنيته".[26]

لكن الوضع كان مختلفًا فيما يتعلق بآسيا وإفريقيا:

"في الأماكن التي كان مناخها وبيئتها الطبيعية ربما مناسبة لجذب المستوطنين الأوروبيين الغربيين، واجهوا مجتمعات راسخة ذات ثقافات غنية وعريقة، لا تزال ما قبل رأسمالية أو في المرحلة الجنينية من التطور الرأسمالي. أما في المناطق التي كانت تنظيماتها الاجتماعية بدائية وقبلية، فقد كانت الظروف العامة، وخاصة المناخ، غير مناسبة لأي استيطان جماعي من قبل الأوروبيين الغربيين. ونتيجة لذلك، في كلتا الحالتين، سرعان ما قرر الأوروبيون الغربيون أن يستخرجوا أكبر قدر ممكن من المكاسب من البلدان المضيفة وأن يعودوا بغنائمهم إلى أوطانهم."[27]

بهذه الطريقة، قام باران بتمييز واضح بين نوعي الاستعمار، رابطًا كلاً منهما بنظام التراكم الرأسمالي. ففي حين أن المستعمرات الاستيطانية الأوروبية البيضاء في أمريكا الشمالية وأستراليا قامت بإبادة السكان الأصليين ومصادرة الأراضي، مما أرسى الأساس للتراكم الداخلي، فإن النهب الاستعماري الأوروبي الأوسع للمجتمعات القديمة والغنية، كما في حالات الهند وجاوة ومصر، غذّى الثورة الصناعية في إنجلترا (وفي أماكن أخرى من أوروبا الغربية)، حيث وفّر جزءًا كبيرًا من رأس المال الأصلي للتنمية. وخلال هذه العملية، جرى تفكيك الحضارات والثقافات القائمة. وكما أكدت روزا لوكسمبورغ، فإن العلاقات الاجتماعية الجماعية والمشتركة التي كانت سائدة في هذه المجتمعات جرت "إبادتها" بالضرورة من قبل الرأسمالية.[28]

منذ نشأتها، اعتبرت نظرية التبعية المستعمرات الاستيطانية البيضاء استثناءً داخل النظام الاستعماري ككل. لاحظ باران، لكنه لم يقم بتحليل، دور العبودية في "التراكم الأولي لرأس المال" وتطور الاستعمار الاستيطاني. أما بالنسبة لماركس، فقد كانت تجارة العبيد عبر المحيط الأطلسي هي "القاعدة" التي استند إليها كل من تراكم رأس المال في مزارع الجنوب الأمريكي وصناعة القطن البريطانية في قلب الثورة الصناعية.[29]

في خمسينيات وستينيات وسبعينيات القرن العشرين، أصبح الاستعمار الاستيطاني محورًا رئيسًا داخل الماركسية بسبب الصراعات التي كانت تحدث آنذاك في إفريقيا وفلسطين. وكان أحد الشخصيات الأساسية في تحليل الاستعمار الاستيطاني هو فرانتز فانون. وُلد فانون في مارتينيك، التي كانت مستعمرة فرنسية آنذاك، وقاتل مع القوات الفرنسية الحرة في الحرب العالمية الثانية، ودرس الطب النفسي في فرنسا، ثم انضم لاحقًا إلى جبهة التحرير الوطني الجزائرية أثناء الثورة الجزائرية. من أبرز أعماله Black Skin, White Masks (1952) )بشرة سوداء، أقنعة بيضاء( وThe Wretched of the Earth (1961) (معذبو الأرض). متأثرًا بكل من هيغل وماركس، طبّق فانون جدلية السيد والعبد لهيغل على العلاقة بين المستعمِر والمستعمَر في السياق الجزائري، موضحًا منطق العنف الذي يميز الاستعمار الاستيطاني ومستكشفًا السعي المستمر للاعتراف من قبل الجزائريين الأصليين.[30]

كما استوحت المعالجات النقدية للاستعمار الاستيطاني من ثورة جيش الأرض والحرية في كينيا ضد المستوطنين البيض وملاك المزارع بين عامي 1952 و1960، والتي أدت إلى مقتل أكثر من عشرة آلاف إفريقي سواء في المعارك أو عبر الإعدامات.[31]

في عام 1965، كتب الباحث الفلسطيني-السوري فايز أ. صايغ كتيبًا بعنوان (الاستعمار الصهيوني في فلسطين)، نشرته منظمة التحرير الفلسطينية، حيث جادل بأن "الاستعمار الصهيوني" كان "بطبيعته غير متوافق مع استمرار وجود «السكان الأصليين» في البلد المطلوب"، وكان هدفه إنشاء "مجتمع استيطاني".[32]

بعد ذلك بعامين، وفي خضم الحرب العربية-الإسرائيلية، نشر الماركسي الفرنسي ماكسيم رودنسون، الذي فقد والديه في معسكر أوشفيتز النازي، كتابه البارز  Israel: A Colonial-Settler State? (إسرائيل: دولة استعمارية استيطانية؟) بدأ رودنسون كتابه بالقول:

"إن الاتهام بأن إسرائيل ظاهرة استعمارية هو طرح تتبناه تقريبًا جميع النخبة الفكرية العربية، سواء في اليمين أو اليسار. إنها إحدى الحالات التي قدمت فيها النظرية الماركسية أوضح استجابة لمتطلبات «الأيديولوجيا الضمنية» في العالم الثالث وجرى تبنيها على نطاق واسع."

رأى رودنسون أن الاستعمار الاستيطاني مرتبط بـ "النظام الإمبريالي العالمي" ومعارض لـ "حركات التحرر الأصلية". ومن وجهة نظره، كانت الصهيونية "استعمارًا بالمعنى الإغريقي الكلاسيكي"، أي على غرار الكليروشيا الأثينية، التي أزاحت السكان الأصليين واستبدلتهم بالمستوطنين. كما أشار إلى أن الاستعمار الاستيطاني، الموجه نحو إبادة وتشريد الشعوب الأصلية، قد حدث أيضًا في أيرلندا الاستعمارية وتسمانيا.

وبناءً على هذا المنطق، قال رودنسون:

"من المحتمل أن الحرب هي السبيل الوحيد للخروج من الوضع الذي خلقته الصهيونية. أترك لغيري أن يجد في ذلك سببًا للابتهاج."

وأضاف أن إسرائيل لم تكن مجرد دولة استعمارية استيطانية، بل كانت أيضًا تشارك في الاستغلال الإمبريالي والتوسع في الخارج.[33]

أرغيري إيمانويل، الاقتصادي الماركسي اليوناني الرائد ومنظّر التبادل غير المتكافئ، كان قد عمل في مجال التجارة في الكونغو البلجيكية، فيما يبدو أنه كان ضمن شركة عائلته للنسيج في أواخر ثلاثينيات القرن العشرين، ثم مرة أخرى في أواخر الأربعينيات، قبل أن ينتقل إلى فرنسا عام 1958. خلال فترة وجوده في الكونغو، التقى بالجالية الاستيطانية البيضاء هناك، والتي كان جزء منها يونانيًا.[34]

في عام 1969، نشر كتابه الكلاسيكي Unequal Exchange: A Study of the Imperialism of Trade (التبادل غير المتكافئ: دراسة في إمبريالية التجارة). في هذا العمل، تناول إيمانويل مسألة الاستعمار الاستيطاني أو "الاستعمار القائم على الاستيطان". وقد ميز بين أربع مستعمرات استيطانية رئيسة لإنجلترا، الولايات المتحدة وكندا وأستراليا ونيوزيلندا، والتي انتهجت سياسة الإبادة ضد السكان الأصليين، وبين المستعمرة الاستيطانية الخامسة، جنوب إفريقيا، حيث لم يتعرض السكان الأصليون للإبادة بنفس الدرجة. في جنوب إفريقيا، أُقصي الأفارقة الأصليون إلى أحياء الفصل العنصري، مما سمح باستغلالهم الفائق من قبل أقلية بيضاء كبيرة نسبيًا.[35]

في نظرية إيمانويل حول التبادل غير المتكافئ، عوملت الأجور كمتغير مستقل، مستندًا إلى فكرة ماركس حول طابعها المحدد تاريخيًا. ومن هذا المنظور، جادل إيمانويل بأن الأجور المرتفعة للعمال البيض، الذين شكلوا غالبية السكان في المستعمرات الاستيطانية الأربع الأولى، ساهمت في تعزيز التراكم السريع لرأس المال. أما في جنوب إفريقيا، المستعمرة الاستيطانية الخامسة، فقد كانت أجور السكان السود منخفضة للغاية، مما أدى إلى وضع شبه متطور. وانتقد إيمانويل منظّر التبعية أندريه غوندر فرانك لقيامه بتفسير تطور المستعمرات الاستيطانية البريطانية البيضاء في المقام الأول من منظور ثقافي، مشيرًا إلى أن الأجور المرتفعة للمستوطنين البيض هي التي عززت التنمية.[36]

جرى تطوير هذا الجدال بشكل أعمق في مقال إيمانويل "White-Settler Colonialism and the Myth of Investment Imperialism" (الاستعمار الاستيطاني الأبيض وأسطورة الإمبريالية الاستثمارية)، الذي نُشر في نيو لفت ريفيو عام 1972. ناقش إيمانويل هنا الصراعات المتكررة بين المستوطنين الاستيطانيين والقوى الإمبريالية التي أنشأتهم، حيث ظهرت الدول الاستيطانية البيضاء كمنافسين للدول الاستعمارية الأوروبية، ولم تعد خاضعة بسهولة للاستغلال الاستعماري. وقد أدّت هذه الجدلية إلى نزاعات مع المدن الأم، كانت معظمها غير ناجحة، فقد سعى المستوطنون إلى إنشاء دول استعمارية بيضاء مستقلة. استند إيمانويل في هذا التحليل إلى تجاربه الشخصية في الكونغو البلجيكية، لكنه وضع هذا الديناميك كجزء من تاريخ الاستعمار الاستيطاني بشكل عام، كما هو الحال في أيرلندا وإسرائيل/ فلسطين.[37]

دخل منظّرون ماركسيون آخرون في تحليل الاستعمار الاستيطاني في هذا الوقت، لا سيما فيما يتعلق بإفريقيا، وربطوه بنظرية التبعية. ففي عام 1972، وبعد وقت قصير من نشر مقال إيمانويل، ناقش الاقتصادي الماركسي المصري-الفرنسي سمير أمين مفهوم "الاستعمار الاستيطاني" في مقاله حول "التخلف والاعتماد في إفريقيا السوداء: الأصول والأشكال المعاصرة"، مع التركيز بشكل رئيس على فشل محاولات الاستعمار الاستيطاني في إفريقيا جنوب الصحراء. ميز أمين بين الاستعمار الاستيطاني وما أسماه "إفريقيا ذات الاقتصاد التجاري الاستعماري"، حيث كان يعتمد على الاحتكارات التجارية، ومنازل الاستيراد والتصدير الاستعمارية، وتعبئة العمال من خلال احتياطيات العمل. وفي وقت لاحق، كتب أمين عن الاستعمار الاستيطاني في إسرائيل، معتبرًا أنه مشابه للطريقة التي جرى بها "صيد وإبادة" السكان الأصليين في أمريكا الشمالية، لكنه رأى أنه يجب النظر إليه في حالة إسرائيل ضمن مسار أوسع للرأسمالية الاحتكارية/ الإمبريالية، بقيادة الولايات المتحدة، بهدف الهيمنة العالمية.[38]

بالنسبة للنظرية الماركسية طوال هذه الفترة، كان مفهوم الاستعمار الاستيطاني أساسيًا في تحديد تطور الاستعمار والإمبريالية ككل. ففي عام 1974، كتب هاري ماغدوف في الموسوعة البريطانية، موضحًا أن الاستعمار أخذ شكلين رئيسين، أو مزيجًا بينهما:

          (1) إزالة السكان الأصليين إما بقتلهم أو بإجبارهم على الانتقال إلى مناطق محجوزة خصيصًا لهم، مما يفسح المجال أمام المستوطنين القادمين من أوروبا الغربية، الذين قاموا بعد ذلك بتطوير الزراعة والصناعة في هذه الأراضي تحت النظام الاجتماعي المستورد من المدن الأم.

          (2) غزو السكان الأصليين وتحويل مجتمعاتهم القائمة لتناسب احتياجات الدول الأكثر تقدمًا عسكريًا وتقنيًا، والتي كانت تمتلك قوة أكبر.[39]

حدث تطوُّرٌ مهم في التحليل الماركسي للاستعمار الاستيطاني مع نشر المؤرخ الأسترالي كينيث جود لمقاله “Settler Colonialism: Economic Development and Class Formation” (الاستعمار الاستيطاني: التنمية الاقتصادية وتشكّل الطبقات) في مجلة الدراسات الإفريقية الحديثة عام 1976. استند جود إلى مفهوم ماركس عن "التراكم البدائي المزعوم" وإلى نظرية التبعية لتقديم منظور أوسع وأكثر تكاملًا للاستعمار الاستيطاني بأشكاله المختلفة.

عند النظر إلى إفريقيا، ناقش جود "الدول الاستيطانية" وما أسماه "مجتمعات المستعمرين"، حيث كانت سياسات الإبادة والاستيطان "شديدة الوطأة". وقد تضمنت هذه المجتمعات المستعمِرة كلًا من "كندا، أستراليا، نيوزيلندا، ومستعمرة كيب في جنوب إفريقيا". ركّز جود بشكل أساس على المستعمرات الاستيطانية في إفريقيا التي لم تتبع بالكامل منطق الإبادة/ الإقصاء، لكنها كانت خاضعة لحكم أقليات بيضاء مهيمنة، مثل الجزائر وكينيا وروديسيا (زيمبابوي حاليًا) وجنوب إفريقيا. في هذه المستعمرات، كان الهدف السيطرة على العمالة الإفريقية إلى جانب الأرض، مما أدى إلى نشوء أنظمة على غرار الفصل العنصري. وكما كان الحال مع إيمانويل، كان جود مهتمًا بشكل أساس بالعلاقة المعقدة والمتناقضة بين المستعمرين الرجعيين والمدينة الاستعمارية الأم.[40]

في عام 1983، كتب جي. ساكاي، الذي كان مرتبطًا بـ "جيش التحرير الأسود" في الولايات المتحدة، كتابه Settlers: The Myth of the White Proletariat (المستوطنون: أسطورة البروليتاريا البيضاء).[41] غالبًا ما تم رفض عمل ساكاي باعتباره يساريًا متطرفًا في تفسيره، نظرًا لموقفه الحاد الذي ينكر فعليًا وجود طبقة عاملة بيضاء تقدمية داخل سياق الاستعمار الاستيطاني في الولايات المتحدة، مما يعني توسيع مفهوم لينين عن "أرستقراطية العمال" ليشمل "البروليتاريا البيضاء" بأكملها. ومع ذلك، فقد كانت بعض الأفكار التي قدمها ساكاي، والتي تربط بين الاستعمار الاستيطاني والرأسمالية العرقية، ذات أهمية كبيرة، وقد استشهد بكتابه "المستوطنون" ماركسيون بارزون في دراسات الرأسمالية والعرق مثل ديفيد روديجير في كتابه Wages of Whiteness (أجور البياض)، وديفيد جيلبرت في No Surrender (لا استسلام).[42]

الاستعمار الاستيطاني كنموذج أكاديمي

تناولت مقالة دانبار-أورتيز البارزة عام 1992 بعنوان Aboriginal People and Imperialism in the Western Hemisphere (الشعوب الأصلية والإمبريالية في نصف الكرة الغربي) التراجع الهائل في أعداد السكان الأصليين خلال القرون الأولى التي تلت وصول الأوروبيين. وصفت في المقالة الروابط التاريخية بين "الاستعمار والإبادة"، مع التركيز على السياق الأمريكي.[43] ومع ذلك، خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين، كانت الدراسات الماركسية حول الاستعمار الاستيطاني أقل بروزًا، وذلك بسبب التراجع العام في دراسة نظرية الإمبريالية من قبل معظم اليسار الغربي خلال تلك الفترة.[44] كما كان هناك إشكالية في كيفية دمج تأثيرات الاستعمار الاستيطاني على السكان الأصليين ضمن فهم الإمبريالية بشكل عام، نظرًا لأن الأخيرة كانت تُركّز بشكل أكبر على استغلال الشمال العالمي للجنوب العالمي، أكثر من علاقات الاستعمار الاستيطاني الداخلية في أجزاء من الشمال العالمي.

تغير هذا الأمر مع ظهور نموذج أكاديمي واضح لدراسة الاستعمار الاستيطاني على مستوى الجامعات عالميًا، متطورًا من دراسات ما بعد الاستعمار. فقد نشأ مجال دراسات الاستعمار الاستيطاني أكاديميًا عام 1999 مع كتاب وولف Settler Colonialism and the Transformation of Anthropology (الاستعمار الاستيطاني وتحول الأنثروبولوجيا). وقد استندت بنيته النظرية إلى مبدأين رئيسين قدمهما وولف:

          1.       الاستعمار الاستيطاني يمثل "منطق الإبادة"، الذي يشمل في آن واحد الإبادة، والإقصاء، والاستيعاب.

          2.       الاستعمار الاستيطاني هو "بنية وليس حدثًا".[45]

المبدأ الأول يعكس أن الاستعمار الاستيطاني يهدف إلى مصادرة الأرض، بينما يُنظر إلى الشعوب الأصلية المرتبطة بالأرض على أنها عناصر قابلة للاستغناء عنها بالكامل. أما المبدأ الثاني، فيؤكد أن الاستعمار الاستيطاني ليس مجرد ظاهرة تاريخية ماضية، بل هو بنية مستمرة ذات منطق مترسخ في الاحتلال الاستيطاني الدائم.

منهجيًا، كان تحليل وولف أقرب إلى المنهج الفيبري منه إلى الماركسية. فقد قدّم الاستعمار الاستيطاني على أنه "نموذج مثالي" يستثني جميع الحالات تقريبًا باستثناء عدد قليل منها.[46] وجرى اعتبار منطق الإبادة قابلًا للتحقق فقط عندما يُترجم تاريخيًا إلى بنية لا يمكن المساس بها. وفي الدول التي جرى فيها إدخال منطق الاستعمار الاستيطاني دون أن يتحقق بالكامل، لم يصنفها وولف على أنها استعمار استيطاني. بل إن أي تحول نحو استغلال العمالة الأصلية، بدلًا من إبادتهم أو إقصائهم، كان يُخرج الدولة من تصنيفها كدولة استعمارية استيطانية.

وفقًا لهذا التعريف، لم تكن الجزائر مجتمعًا استيطانيًا استعماريًا، تمامًا مثل كينيا، وجنوب إفريقيا، وروديسيا. وكما أشار وولف:

"على عكس التشكيلات الاستعمارية التي واجهها [أميلكار] كابرال أو فانون، لم تُنشأ المستعمرات الاستيطانية في المقام الأول لاستخراج فائض القيمة من العمالة الأصلية."[47]

وبالمثل، لم يعتبر وولف أن أمريكا اللاتينية تنتمي إلى منطق الاستعمار الاستيطاني، بسبب تعقيد تكوينها العرقي "الهجين"، واعتمادها على تشغيل العمالة الأصلية.[48]

أدى اعتماد وولف على فردية منهجية فيبرية إلى إرجاعه الاستعمار الاستيطاني إلى "نوع المستوطن". فبينما كان هناك ما يسمى "الدولة الاستيطانية الاستعمارية"، إلا أنها كانت ثانوية مقارنة بالنموذج المثالي للمستوطن.[49] ونتيجة لذلك، أصبح الاستعمار الاستيطاني منطقًا تجريديًا منفصلًا تمامًا عن الأشكال الأخرى من الاستعمار والإمبريالية. وقد كانت هذه المنهجية المثالية أحادية الجانب أساسية في تطوير الاستعمار الاستيطاني كحقل أكاديمي، مما جعله منفصلًا عن التقاليد الماركسية (وكذلك عن تقاليد السكان الأصليين) التي نشأ منها المفهوم في الأصل.[50]

عندما قدم وولف نموذجه للاستعمار الاستيطاني، كان قد رسّخ بالفعل مكانته كشخصية بارزة في الأوساط اليسارية غير الماركسية/ المناهضة للماركسية. ففي عام 1997، أي قبل عامين من نشر كتابه المؤسس حول الاستعمار الاستيطاني، نشر مقالًا بعنوان History and Imperialism: A Century of Theory (التاريخ والإمبريالية: قرن من النظرية) في المراجعة التاريخية الأمريكية، وكان المقال ملفتًا في عدد الأخطاء المفاهيمية التي روّج لها وعمق عدائه للماركسية.

وفقًا لوولف:

          •        أصبح "تعريف الإمبريالية" في الخطاب اليساري مجرد تصور غير محدد قائم على إجماع غامض.

          •        ماركس كان مؤيدًا للاستعمار/ الإمبريالية ومفكرًا أورومركزيًا، حيث رأى الاستعمار على أنه "صراع مالتوسي من أجل البقاء".

          •        لينين كان جزءًا من "النقاش ما بعد الماركسي حول الإمبريالية"، الذي بدأ مع الليبرالي الاجتماعي جون هوبسون، وقاد إلى مواقف معاكسة تمامًا لمواقف ماركس.

          •        نظرية التبعية "قلبت الماركسية رأسًا على عقب".

          •        نظرية النظم العالمية كانت مناهضة للماركسية التقليدية حول الإمبريالية، تمامًا كما كانت نظرية التبادل غير المتكافئ لإيمانويل.

          •        "العمى اللوني سيء السمعة" ميّز الماركسية ككل، التي كانت في جوهرها قائمة على الحتمية الاقتصادية.

وعند كتابته لتاريخ نظرية الإمبريالية، تجاهل وولف تحليل لينين تمامًا تقريبًا، باستثناء بعض التعليقات السلبية العرضية. واختتم مقاله بالإشارة إلى الاستعمار الاستيطاني، لكنه لم يربطه بأصوله النظرية، بل عالجه من خلال نظرية ما بعد الاستعمار، مدعيًا أنه يقدم "تمييزات خطابية تصمد أمام زوال الطابع الإقليمي للإمبريالية". ولذلك، يمكن اعتباره "نقطة البداية" إذا كان لا بد من مقاومة الإمبريالية في الحاضر.[51]

على النقيض من ماركس، الذي ميز بين نوعين من الاستعمار الاستيطاني، وبخلاف معظم المنظّرين الماركسيين اللاحقين، روّج وولف لمفهومٍ للاستعمار الاستيطاني يعتمد كليًا على "منطق الإبادة" الخالص، المنبعث من المزارعين المستوطنين، إلى درجة أنه اعتبر عبودية المزارع في جنوب الولايات المتحدة قبل الحرب الأهلية مجرد دليل سلبي على وجود الاستعمار الاستيطاني في الشمال. فقد رأى أن "السود في الجنوب الزراعي جرى تصنيفهم عرقيًا كعبيد"، حيث كان دورهم في الرأسمالية العرقية هو العمل في المزارع، مما ميزهم عن السكان الأصليين الذين تعرضوا لمنطق إبادة محض. وعلى الرغم من أن هذا التمييز كان حادًا من بعض النواحي، فقد استند إلى رؤية الاستعمار الاستيطاني كنموذج مثالي مرتبط بنمط معين من الفعل الاجتماعي الذي يقوم به المستوطنون. ونتيجة لذلك، جرى تهميش التعقيد الحقيقي للاستعمار/ الإمبريالية، الذي يُعد الاستعمار الاستيطاني مجرد جزء منه. رأى وولف أن إزالة العمالة الأصلية من الجنوب الأمريكي قبل الحرب الأهلية كان شرطًا مسبقًا لخلط "أرض الرجل الأحمر… مع عمل الرجل الأسود". لكن بعد هذا الحدث، لم يعد للاستعمار الاستيطاني كهيكل تأثير مباشر على جنوب الولايات المتحدة. ووفقًا لوولف، تعرض السكان الأصليون للإبادة الجماعية، بينما خضع السود للعبودية. أما فيما يتعلق بالأميركيين الأفارقة، فقد كتب: "المحكمة المعنية بالإبادة الجماعية ليست المحكمة الصحيحة."[52]

كما أن نهج وولف أدى إلى تهميش إفريقيا في تحليله. فوفقًا لروبن دي. جي. كيلي، أستاذ التاريخ الأمريكي بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس، والذي يركز بحثه على الفكر النقدي والحركات المرتبطة بالشتات الإفريقي، "بعدم إدماج المزيد من المناطق العالمية في دراسته، فإن صياغة وولف الخاصة للاستعمار الاستيطاني تضع قيودًا أكثر مما تكشف." وباستبعاده إفريقيا، التي لم تتناسب مع منطقه الإقصائي الخالص، افترض وولف أن الشعوب الأصلية موجودة فقط في الأمريكيتين وأستراليا… ونتيجة لذلك، جرى استبعاد الاستعمار الاستيطاني في القارة الإفريقية من نطاق تحليله… إن استبعاد جنوب إفريقيا والتشكيلات الاجتماعية المماثلة من تعريف الاستعمار الاستيطاني يحجب طابعه العالمي والعابر للقوميات." ووفقًا لكيلي، "في إفريقيا، أراد المستعمرون الأوروبيون الأرض والعمالة، لكن ليس السكان أنفسهم، أي أنهم سعوا إلى القضاء على المجتمعات المستقرة وثقافاتها المقاومة."[53]

وكما لاحظ ساي إنغلرت، مؤلف كتاب Settler Colonialism: An Introduction (الاستعمار الاستيطاني: مقدمة)، في نقده لوولف، فإن "التمييز الحاد بين الاستعمار الاستيطاني وأشكال الاستعمار الأخرى يصعب التوفيق بينه وبين الواقع." فمن جهة، كانت الإبادة الجماعية والقتل جزءًا من الواقع الاستعماري في أنحاء العالم الاستعماري من خلال الحرب، والمجاعة، والعمل القسري أو الاستعبادي، والقتل الجماعي. ومن جهة أخرى، كانت العديد من الأنظمة الاستيطانية الاستعمارية تعتمد في المقام الأول على استغلال السكان الأصليين.[54]

بعد وفاة وولف عام 2016، كان أبرز من واصل نهجه الأكاديمي حول الاستعمار الاستيطاني هو لورنزو فيراشيني، الذي ألّف العديد من الأعمال حول هذا الموضوع وكان المؤسس لمجلة دراسات الاستعمار الاستيطاني. سعى فيراشيني، بشكل متناقض، إلى التمسك بالتعريف الصارم لوولف للاستعمار الاستيطاني، بينما كان في الوقت ذاته يمنحه بعدًا عالميًا أكثر شمولًا. لقد فعل ذلك بفصل "الاستعمار الاستيطاني" تمامًا عن "الاستعمار"، مما أدى فعليًا إلى إخضاع الأخير للأول. وبهذا، أصبح الاستعمار الاستيطاني المقياس الذي يجري من خلاله الحكم على الاستعمار بشكل عام. وكما كتب فيراشيني في كتابه الاستعمار الاستيطاني: نظرة نظرية شاملة:

"هذا الكتاب هو تأمل في الاستعمار الاستيطاني بوصفه متميزًا عن الاستعمار… أقترح أن نراهما ككيانين تحليليين منفصلين، أحدهما يتمثل في “الاستعمار مع المستوطنين”، والآخر هو “الاستعمار الاستيطاني".

كان العنصر الأساس في منهجية فيراشيني هو الافتراض بأن الاستعمار الاستيطاني ليس نوعًا فرعيًا من الاستعمار، بل هو كيان منفصل "مناقض" للاستعمار. ونتيجة لذلك، اختفى مفهوم الإمبريالية تقريبًا بالكامل من تحليله، ليحل محله مجرد إشارات إلى "التوسع الإمبريالي". كما جرى التعامل مع شخصيات مثل إيمانويل بطريقة متعالية ومهملة.[55]

من خلال سلسلة من التحولات المربكة والمتناقضة، تحوّل مفهوم الاستعمار الاستيطاني في أعمال فيراشيني إلى منطق إقصائي شامل. فقد اعتبر وولف أن المفهوم الليبرالي الكلاسيكي للتراكم البدائي، وهو مفهوم تعرض لنقد لاذع من ماركس في صورته "كحكاية برجوازية للأطفال"، "لا ينفصل عن نشأة الاستعمار الاستيطاني"، مما يعني ضمنيًا مساواة المفهومين.[56]

قبل ذلك، قام الجغرافي الماركسي ديفيد هارفي بإعادة تشكيل المفهوم التاريخي للتراكم البدائي من القرن الثامن عشر والتاسع عشر إلى مفهوم مكاني فوق تاريخي هو "التراكم عبر الإقصاء". ولكن، ذهب فيراشيني إلى أبعد من كل من وولف وهارفي، حيث قام بتحويل مصطلح هارفي إلى مفهوم جديد هو "التراكم بلا إعادة إنتاج"، ليعبر بذلك عن "منطق الإبادة" في الاستعمار الاستيطاني.

ثم جرى توسيع مفهوم "التراكم بلا إعادة إنتاج" ليشمل جميع أشكال المنطق الإقصائي والافتراسي، مما أدى إلى اعتبار جميع أشكال القمع العالمية، بما في ذلك قضايا مثل تغير المناخ، "من الأكثر إنتاجية تحليلها ضمن نموذج دراسات الاستعمار الاستيطاني."[57]

بهذه الطريقة، لم يندرج فقط الاستعمار والتوسع الإمبريالي والرأسمالية العرقية، بل أيضًا الأزمة البيئية العالمية، والديون البيئية، والتمويل المالي للعالم، ضمن نموذج الاستعمار الاستيطاني وفقًا للتصور الموسّع لفيراشيني، مما جعله يمثل منطقًا مهيمنًا للإقصاء المعولم. وقد شدد فيراشيني على أن الولايات المتحدة، بصفتها القوة المهيمنة عالميًا اليوم، يجب أن تُفهم في المقام الأول كقوة استعمارية استيطانية، وليس كقوة إمبريالية. وبالتالي، لم يكن من المفاجئ أن مفهوم "الإمبريالية" غاب تمامًا عن كتابه Settler Colonialism: A Theoretical Overview (الاستعمار الاستيطاني: عرض نظري).[58]

يختلف تمامًا التمييز النظري بين التحليل الماركسي للإمبريالية/ الاستعمار، حيث يُعتبر الاستعمار الاستيطاني أحد أشكاله، وبين النموذج الأكاديمي الجديد الذي يرى الاستعمار الاستيطاني كظاهرة مستقلة بذاتها تنبع من "نوع المستوطن". ويمكن رؤية هذا الاختلاف في طريقة تعامل مفكرين مثل وولف وفيراشيني مع الاحتلال العنيف الذي تمارسه الدولة الإسرائيلية في فلسطين.

ذهب وولف إلى حد انتقاد التفسير الكلاسيكي لرودنسون حول الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي، بحجة أن الأخير اعتبر المشروع الصهيوني مشروعًا إمبرياليًا أوروبيًا (وشمال أمريكي)، بينما رأى وولف أن الاستعمار الاستيطاني كان دائمًا يُعرَّف بدور المستوطنين المستقلين عن المدينة الأم. زعم وولف أن حجة رودنسون لم تفسر لماذا يُعَدّ المشروع الإسرائيلي "استيطانيًا استعماريًا" بالتحديد. لكن هذا الرأي استند مرة أخرى إلى تجريد المستوطن كنوع مثالي مستقل، مما أدى إلى فصل الاستعمار الاستيطاني عن الفئات الاجتماعية الأخرى، وبالتالي تعارض مع البحث التاريخي الكلي.

في هذا الإطار، يجري استبعاد المدن الإمبريالية، مهما كان دورها الأولي، ووفقًا لحجة وولف، فإن إسرائيل كانت فريدة من نوعها لأنها نشأت من "مدن إمبريالية متناثرة"، وبالتالي، لم تعد هذه المدن، بحكم التعريف، متورطة بشكل مباشر فيما تختار المستعمرات الاستيطانية المستقلة أن تفعله. بل في بعض التحليلات غير الماركسية، يُنظر الآن إلى المدن الأم على أنها ضحايا عاجزة للمستعمرات الاستيطانية، عالقة ببساطة في تاريخ ثقافي مشترك لا مفر منه.

ضاعت هنا حقيقة أن إسرائيل، بالنسبة لواشنطن، هي مستعمرة حامية عسكرية داخل استراتيجية الولايات المتحدة/ الناتو للهيمنة الإمبريالية العالمية.[59]

بالنسبة لفيراشيني، كما هو الحال بالنسبة لوولف، فإن التركيز عند الكتابة عن فلسطين ينصب على الاستقلال المطلق للمستعمرات الاستيطانية، والتي يُنظر إليها على أنها كيانات مستقلة تمامًا. ويعد احتلال إسرائيل لفلسطين مثالًا على ذلك.

يعني هذا أن دور النظام الإمبريالي العالمي في الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني يجري إنكاره إلى حد كبير. ومع ذلك، أشار فيراشيني إلى أن هناك احتمالًا لإعادة اعتماد المستعمرة الاستيطانية على القوى الإمبريالية الأساسية (وهو أمر أشار إليه تحديدًا في حالة إسرائيل)، مما قد يؤدي إلى "إعادة استعمارها" من الخارج، لكنه رأى أن ذلك أمر غير مرجح.[60]

ضمن النموذج الأكاديمي السائد للاستعمار الاستيطاني، فإن النهج تجاه احتلال إسرائيل لفلسطين يبتعد تمامًا عن المنهجية التاريخية المادية.

فبدلاً من الاعتماد على منطق صارم ومحدود، يسعى التحليل الماركسي إلى وضع واقع الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي ضمن منظور تاريخي أوسع وأكثر ديناميكية، يتناول العلاقات الجدلية المعقدة والمتغيرة للرأسمالية، والطبقة، والإمبريالية/ العسكرة.

من المهم هنا ملاحظة أن إسرائيل/ فلسطين تتمتع بتركيبة ديموغرافية فريدة في تاريخ الاستعمار الاستيطاني، حيث لم تنشأ فيها أغلبية واضحة أو أقلية قوية من المستعمرين، بل هناك نوع من التوازن العددي العام.

في عام 2022، كان يعيش أكثر من سبعة ملايين إسرائيلي في إسرائيل والضفة الغربية، بينما كان هناك أكثر من سبعة ملايين فلسطيني يعيشون في الضفة الغربية وقطاع غزة وإسرائيل والقدس الشرقية.

نظرًا لمعدلات المواليد الفلسطينية المرتفعة، تعتبر إسرائيل ذلك تهديدًا ديموغرافيًا لمنطقها كدولة استيطانية صهيونية. ولهذا، كثفت تل أبيب جهودها للسيطرة الكاملة على جميع أراضي فلسطين/إسرائيل (التي يُطلق عليها اليمين الإسرائيلي اسم "إسرائيل الكبرى")، متبعة استراتيجية متزايدة من الإبادة والإمبريالية.[61]

تحظى هذه الاستراتيجية بدعم كامل، بل وحتى بتشجيع من واشنطن، التي تسعى إلى الهيمنة المطلقة على الشرق الأوسط وآسيا الوسطى وأجزاء من جنوب آسيا؛ وهي المناطق التي تقع ضمن نطاق القيادة المركزية للولايات المتحدة.

          •        بلغ متوسط الإنفاق العسكري السنوي لإسرائيل كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي بين 1960 و2022 نحو 12٪.

          •        بعدما انخفض رسميًا إلى حوالي 4-5٪ في السنوات الأخيرة، عاد الآن إلى الارتفاع مجددًا.

          •        تحتل إسرائيل المرتبة الثانية عالميًا في الإنفاق العسكري للفرد (بعد قطر).

          •        تمتلك ليس فقط التفوق العسكري في منطقة الشرق الأوسط، ولكن أيضًا ترسانة من أسلحة الدمار الشامل (النووية، والكيميائية، والبيولوجية).[62]

تدعم الولايات المتحدة هذه الآلة الحربية من خلال مساعدات عسكرية هائلة، حيث تزودها بأحدث الأسلحة المتطورة. كما منح حلف الناتو إسرائيل صفة "حليف رئيس من خارج الناتو"، مما يعكس دورها المحوري ضمن الكتلة الإمبريالية الأمريكية-الأوروبية.[63]

وفي الأمم المتحدة، تعد إسرائيل عضوًا في مجموعة "أوروبا الغربية ودول أخرى" (WEOG) ضمن التكتلات الإقليمية الرسمية.

          تمثل "أخرى" هنا الدول الاستعمارية الاستيطانية الرئيسية: الولايات المتحدة، كندا، أستراليا، نيوزيلندا، إسرائيل، وجنوب إفريقيا (قبل انتهاء نظام الفصل العنصري).[64]

بالنسبة لماكس آيل، الباحث البارز في معهد بروكلين للبحوث الاجتماعية، فإن إسرائيل، رغم كونها "مجتمعًا استيطانيًا" ومندمجة في منطق الإبادة، يجب أن تُفهم ضمن سياق الإمبريالية/ العسكرة التي يقودها الشمال العالمي.

"قضية فلسطين ليست مجرد مسألة قمع وطني [أو استيطاني]، بل تبرز فرادة إسرائيل: فهي تجسيد مكثف للقوة الاستعمارية والإمبريالية الغربية، ورمز عالمي للغدر الغربي، ودولة تفصل ماديًا بين إفريقيا وآسيا، وتعمل كتاجر ومرتزق عالمي في مواجهة حركات التمرد، مما يجعلها كيانًا يمثل الموت والدمار."[65]

إذا كان يمكن النظر إلى إسرائيل كدولة استيطانية إباديّة خالصة، فهي أيضًا دولة حامية عسكرية عالمية، مرتبطة بكامل النظام العالمي للهيمنة الرأسمالية الاحتكارية/الإمبريالية، حيث تلعب الولايات المتحدة دور القوة المهيمنة.

Wasi’chu

أدى صعود حركة الهنود الأمريكيين في الولايات المتحدة خلال الستينيات والسبعينيات إلى ظهور انتقادات حادة لواقع الاستعمار الاستيطاني. وكان من بين الأعمال البارزة في هذا السياق كتاب Wasi’chu: The Continuing Indian Wars (Wasi’chu: الحروب الهندية المستمرة) للكاتبين بروس جوهانسن وروبرتو مايستاس.

Wasi’chu هي كلمة من لغة لاكوتا، لكنها لا تشير إلى الرجل الأبيض أو المستوطن، بل إلى منطق معين، وحالة ذهنية، ونظام كامل. تعني الكلمة حرفيًا "من يأخذ الدهن" أو "الشخص الجشع"، الذي لا يكتفي بأخذ ما يحتاجه للحياة، بل يستولي أيضًا على ما يخص المجتمع بأسره.

"في سياق الحركة الهندية الحديثة، أصبح المصطلح يعني تلك الشركات والأفراد المرتبطين بها، إلى جانب المتواطئين معهم في الحكومة، والذين لا يزالون يطمعون في أرواح الهنود وأراضيهم ومواردهم لتحقيق الربح العام."

استخدم هذا المصطلح بشكل مشهور من قبل بلاك إلك في كتابه Black Elk Speaks (بلاك إلك يتحدث)، الذي استند إلى مقابلات أجريت معه في أوائل الثلاثينيات، حيث شدد على رغبة Wasi’chu الجامحة في الذهب. وكما أوضح جوهانسن ومايستاس:

"Wasi’chu هو حالة إنسانية قائمة على اللاإنسانية، والعنصرية، والاستغلال. إنه مرض، يبدو غير قابل للشفاء ومعديًا، وهو الذي أنجب المجتمع الغربي المتوسع بلا هوادة."

أصبح هذا الفهم، في أعمال هؤلاء المؤلفين، الأساس لرواية لاذعة عن الاستعمار الاستيطاني في أمريكا الشمالية، لا تتعلق فقط بالماضي، بل أيضًا بالحاضر.[66]

في كتابها Living by the Word (العيش بالكلمة)؛ توسّعت الروائية الحائزة على جائزة بوليتزر، أليس ووكر، في شرح مفهوم "Wasichu":

"كان هذا المصطلح يُستخدم من قبل قبيلة أوغلالا سيو لتسمية الرجل الأبيض، لكنه لم يكن يشير إلى لون بشرته. إنه يعني: من يأخذ الدهن. من الممكن أن تكون أبيض ولكنك لست Wasichu، وأن تكون Wasichu ولست أبيض…."

"يتحدث الـ Wasichu، في جميع كتب التاريخ الأمريكية، عن «فتح الأراضي البكر». ومع ذلك، فقد كان هناك أناس يعيشون هنا على «جزيرة السلحفاة»، كما كان الهنود يسمونها، منذ آلاف السنين…"

"يجب علينا أن نرفض تمامًا طريقة Wasi’chu التي نسير فيها بشكل كارثي، تلك الطريقة التي تعطي الأولوية القصوى—فوق الطبيعة، وفوق الحياة نفسها، بل حتى فوق روح الكون—لـ”المعدن الذي يجعل الرجال مجانين"…."

"الكثير منا يخشى التخلي عن طريقة Wasi’chu لأننا أصبحنا مدمنين على طريقته في الموت. لقد وعدنا Wasi’chu بالعديد من الأشياء الجيدة، وقد قدم لنا بعضها بالفعل. لكن «التقدم»، الذي وصفه الزعيم الحالي للـ Wasi’chu بأنه «أهم منتجاتهم»، كان يعني الجوع، والبؤس، والعبودية، والبطالة، بل وأسوأ من ذلك، لملايين الأشخاص حول العالم."[67]

وفقًا لفهم الشعوب الأصلية، كان Wasi’chu هو التجسيد الفعلي لما نعرفه اليوم بالرأسمالية، والاستعمار، والإمبريالية؛ نظام قائم على الجشع، والاستغلال، والمصادرة، سواء للإنسان أو للأرض.[68] لقد فهم شعب لاكوتا أن هذا النظام الجشع لا حدود له، وأنه العدو الأساس للوجود المجتمعي وللتقديس العميق للأرض.

إن هذا النقد العميق للرأسمالية/ الإمبريالية باعتبارها نظامًا يهيمن عليه الـ Wasi’chu، الذي يستولي على "الدهن" (أي الفائض الذي يُفترض أن يكون إرثًا مشتركًا للبشرية جمعاء)، هو ما نحتاج إليه اليوم بشدة.

وكما جاء في كتاب The Red Deal (الاتفاق الأحمر) الذي أصدرته حركة The Red Nation:

"الخيار اليوم هو إما إنهاء الاستعمار أو الانقراض"، أي "إنهاء الاحتلال" وإنهاء تدمير الأرض من قبل المجتمعات القائمة على التراكم الإمبريالي، من أجل "بناء ما يحفظ حياتنا".[69]


[1]. تشمل الأعمال التأسيسية الرئيسية في هذا النموذج ما يلي:

            •           باتريك وولف، الاستعمار الاستيطاني وتحول علم الأنثروبولوجيا (لندن: كاسيل، 1999).

            •           باتريك وولف، آثار التاريخ: البنى الأولية للعرق (لندن: فيرسو، 2016).

            •           باتريك وولف، "الاستعمار الاستيطاني وإبادة السكان الأصليين"، مجلة أبحاث الإبادة الجماعية 8، العدد 4 (ديسمبر 2006): 387-409.

            •           باتريك وولف، "الأرض، العمل، والاختلاف: البنى الأولية للعرق"، المراجعة التاريخية الأمريكية 106، العدد 3 (يونيو 2001): 866-905.

            •           ديفيد لويد وباتريك وولف، "منطق الاستعمار الاستيطاني والنظام النيوليبرالي"، دراسات الاستعمار الاستيطاني 6، العدد 2 (مايو 2015): 109-118.

            •           لورنزو فيراشيني، الاستعمار الاستيطاني الحاضر (لندن: بالغرَيف ماكميلان، 2015).

            •           لورنزو فيراشيني، الاستعمار الاستيطاني: نظرة نظرية شاملة (لندن: بالغرَيف ماكميلان، 2024).

            •           لورنزو فيراشيني، "الاحتواء، الإبادة، الذاتية: الاستعمار الاستيطاني في الحاضر العالمي"، إعادة التفكير في الماركسية 31، العدد 1 (أبريل 2019): 118-140.

 

أما وجهات النظر النقدية ذات التوجه الماركسي، فيمكن العثور عليها في:

            •           جاك ديفيز، "العالم مقلوبًا للخارج: دراسات الاستعمار الاستيطاني والاقتصاد السياسي"، المادية التاريخية 31، العدد 2 (يونيو 2023): 197-235.

            •           ساي إنغلرت، الاستعمار الاستيطاني: مقدمة (لندن: بلوتو، 2022).

[2]. وولف، "الاستعمار الاستيطاني وإبادة السكان الأصليين"، ص 387-388؛ وولف، الاستعمار الاستيطاني وتحول علم الأنثروبولوجيا، ص 2؛ فيراشيني، الاستعمار الاستيطاني الحاضر، ص 51، 54-56؛ فيراشيني، الاستعمار الاستيطاني: نظرة نظرية شاملة، ص 4-11؛ فيراشيني، "الاحتواء، الإبادة، الذاتية"، ص 121؛ ديفيز، "العالم مقلوبًا للخارج"، ص 207.

[3]. روكسان دانبار-أورتيز، ليس "أمة من المهاجرين": الاستعمار الاستيطاني، تفوق العرق الأبيض، وتاريخ المحو والإقصاء (بوسطن: بيكون، 2021)، ص 18؛ آر. دبليو. فان ألستاين، الإمبراطورية الأمريكية الصاعدة (نيويورك: دبليو. دبليو. نورتون، 1960).

[4]. فيراشيني، الاستعمار الاستيطاني الحاضر، ص 39-40؛ لورنزو فيراشيني، "المقدمة: الاستعمار الاستيطاني كنمط مميز للهيمنة"، في دليل روتليدج لتاريخ الاستعمار الاستيطاني، تحرير إدوارد كافانو ولورنزو فيراشيني (لندن: روتليدج، 2017)، ص 3؛ إنغلرت، الاستعمار الاستيطاني: مقدمة، ص 29-30؛ جون بلامي فوستر، بريت كلارك، وهانا هوليمان، "ماركس والشعوب الأصلية"، مونثلي ريفيو 71، العدد 9 (فبراير 2020): ص 3.

[5]. جون بلامي فوستر، كسر قيود القدر: إبيقور وماركس (نيويورك: دار نشر مونثلي ريفيو، قيد النشر، 2025).

[6]. كارل ماركس، رأس المال، المجلد 1 (لندن: بنغوين، 1976)، ص 917؛ كارل ماركس وفريدريك إنجلز، الأعمال الكاملة (نيويورك: الناشرون الدوليون، 1975)، المجلد 46، ص 322؛ ف. إ. لينين، “مناقشة الحتمية الاجتماعية ملخصة”، يوليو 1916، القسم 8، أرشيف الماركسيين على الإنترنت، marxists.org.

[7]. (Colony)، قاموس أصل الكلمات على الإنترنت، etymonline.com. وكما أوضح ج. إي. إم. دي سانت كروي، فإن الكلمة اللاتينية coloni كانت تُستخدم في الأصل بمعنى “فلاح” أو “مستوطن”. ج. إي. إم. دي سانت كروي، الصراع الطبقي في العالم اليوناني القديم (لندن: دكوورث، 1981)، ص 159.

[8]. وفقًا لقاموس أكسفورد الإنجليزي، فإن كلمة "إبادة" (exterminate) تأتي من اللاتينية بمعنى "إبعاد ما وراء الحدود". ومنذ القرن السادس عشر، كان معناها "طرد (شخص أو شيء) من أو خارج حدود أو نطاق (مكان، مجتمع، منطقة، دولة، إلخ)؛ أي الطرد، النفي، أو إجبار شخص أو شيء على الفرار". ولكن بحلول القرن السابع عشر، اكتسبت أيضًا معنى إضافيًا وهو "التدمير التام، ووضع حد (للأشخاص أو الحيوانات)؛ ليس فقط الاستئصال، بل الإبادة الكاملة (لأنواع، أو أعراق، أو مجموعات سكانية)". قاموس أكسفورد الإنجليزي، الطبعة المختصرة (أكسفورد: مطبعة جامعة أكسفورد، 1971)، ص 938.

[9]. كارل ماركس، نظريات فائض القيمة: الجزء الثاني (موسكو: دار التقدم، 1968)، ص 301-303؛ ماركس، رأس المال، المجلد 1، ص 917.

[10]. ماركس، نظريات فائض القيمة: الجزء الثاني، ص 301-303؛ جون بلامي فوستر، هانا هوليمان، وبريت كلارك، “ماركس والعبودية”، مونثلي ريفيو 72، العدد 3 (يوليو-أغسطس 2020): ص 98.

[11]. ماركس، رأس المال، المجلد 1، ص 915-917؛ ويليام هاويت، الاستعمار والمسيحية: تاريخ شعبي لمعاملة السكان الأصليين من قبل الأوروبيين في جميع مستعمراتهم (لندن: لونجمان، أورم، براون، جرين، ولونجمانز، 1838)، ص 348.

[12]. هاويت، الاستعمار والمسيحية، ص 346-349، 378-379، 403-405.

[13]. هاويت، الاستعمار والمسيحية، ص 414.

[14]. كارل ماركس وفريدريك إنجلز، أيرلندا والمسألة الأيرلندية (نيويورك: الناشرون الدوليون، 1971)، ص 266.

[15]. ماركس وإنجلز، أيرلندا والمسألة الأيرلندية، ص 66، 193، 216، 283، 303، 366، 372؛ جون بلامي فوستر وبريت كلارك، نهب الطبيعة (نيويورك: دار نشر مونثلي ريفيو، 2020)، ص 72-75؛ دانبار-أورتيز، ليس “أمة من المهاجرين”، ص 36-46، 126.

[16]. ماركس وإنجلز، الأعمال الكاملة، المجلد 18، ص 60-70، 212-213.

[17]. كينيث جود، “الاستعمار الاستيطاني: التنمية الاقتصادية وتشكّل الطبقات”، مجلة الدراسات الإفريقية الحديثة 14، العدد 4 (ديسمبر 1976): ص 599.

[18]. كارل ماركس، “مقتطفات من م. م. كوفاليفسكي”، ملحق في: لورانس كرادر (تحرير)، نمط الإنتاج الآسيوي (آسن، هولندا: فان غوركوم وشركاه، 1974)، ص 400، 406-407، 411-412؛ فوستر، كلارك، وهوليمان، “ماركس والسكان الأصليون”، ص 11-12.

[19]. ماركس وإنجلز، الأعمال الكاملة، المجلد 46، ص 322. تم تعديل الترجمة بشكل طفيف لتغيير عبارة “المستعمرات الفعلية” إلى “المستعمرات بالمفهوم الدقيق”، تماشيًا مع ترجمة رسالة إنجلز في لينين، الأعمال الكاملة (موسكو: دار التقدم، بدون تاريخ)، المجلد 22، ص 352.

[20]. لينين، الأعمال الكاملة، المجلد 22، ص 352.

[21]. الأممية الشيوعية (الكومنترن)، أطروحات حول الحركة الثورية في المستعمرات وشبه المستعمرات (1928)، في الأطروحات والقرارات الصادرة عن المؤتمر العالمي السادس للأممية الشيوعية، المجلد 8، العدد 88، المراسلات الصحفية الدولية، العدد 84، الأقسام 10، 12 (تمت إضافة مسافة بادئة إضافية للفقرة التي تبدأ بـ”بين”)؛ أوليكسا دراتشيفيتش، “الاستعمار الاستيطاني والأممية الشيوعية”، في موسوعة بالغرَيف للإمبريالية ومناهضة الإمبريالية، تحرير إيمانويل نيس وزاك كوب (لندن: بالغرَيف ماكميلان، 2021): ص 2418-2428.

إن اعتراف لينين بموقف إنجلز بشأن "الاستعمار بالمفهوم الدقيق"، والمعالجة التفصيلية للكومنترن لمسألة الاستعمار الاستيطاني، يثبتان أن الادعاء غير الدقيق الذي طرحه فيراشيني بأن "لينين والماركسية في القرن العشرين… خلطا بين الاستعمار وأشكاله الاستيطانية" كان ببساطة خاطئًا. ويزداد هذا الادعاء بطلانًا، كما سنرى، عند النظر في العديد من المعالجات الماركسية الصريحة لمسألة الاستعمار الاستيطاني في القرن العشرين. فيراشيني، الاستعمار الاستيطاني الحاضر، ص 39.

[22]. الكومنترن، أطروحات حول الحركة الثورية في المستعمرات وشبه المستعمرات، ص 12-13.

[23]. دبليو. إي. بي. دو بوا، المياه الداكنة: أصوات من وراء الحجاب (نيويورك: هاركورت بريس آند هاو، 1920)، ص 29-42.

[24]. جينيفر شوسلر، “ما هو الاستعمار الاستيطاني؟”، نيويورك تايمز، 22 يناير 2024.

[25]. سيه كارلوس مارياتيغي، خوسيه كارلوس مارياتيغي: مختارات، تحرير هاري إي. فاندن ومارك بيكر (نيويورك: دار نشر مونثلي ريفيو، 2011)، ص 74-76.

[26]. بول باران، الاقتصاد السياسي للنمو (نيويورك: دار نشر مونثلي ريفيو، 1957)، ص 141.

[27]. باران، الاقتصاد السياسي للنمو، ص 142.

[28]. روزا لوكسمبورغ، تراكم رأس المال (نيويورك: دار نشر مونثلي ريفيو، 1951)، ص 370.

[29]. باران، الاقتصاد السياسي للنمو، ص 139-142، 153؛ ماركس، رأس المال، المجلد 1، ص 925.

[30]. فرانتز فانون، معذبو الأرض (نيويورك: جروف بريس، 1963)، ص 93؛ سيمين فادي، الماركسية العالمية: إنهاء الاستعمار والسياسة الثورية (مانشستر: مطبعة جامعة مانشستر، 2024)، ص 132-152.

في أعمال جلين شون كولثارد، جرى دمج تأكيد فانون على الجدلية الاستعمارية للاعتراف مع نقد ماركس لـ "التراكم البدائي المزعوم"، مما ينتج إحدى أكثر التحليلات النظرية قوة حول الاستعمار الاستيطاني ومقاومة الشعوب الأصلية حتى اليوم. انظر: جلين شون كولثارد، بشرة حمراء، أقنعة بيضاء: رفض سياسة الاعتراف الاستعمارية (مينيابوليس: مطبعة جامعة مينيسوتا، 2014).

[31]. دونالد إل. بارنيت وكراري نجاما، ماو ماو من الداخل (نيويورك: دار نشر مونثلي ريفيو، 1966).

[32]. فايز أ. صايغ، الاستعمار الصهيوني في فلسطين (بيروت: منظمة التحرير الفلسطينية، 1965)، ص 1-5.

[33]. ماكسيم رودنسون، إسرائيل: دولة استعمارية استيطانية (نيويورك: دار موناد، 1973)، ص 27-33، 89-96. نُشرت دراسة رودنسون لأول مرة خلال حرب 1967 العربية-الإسرائيلية في مجلة Le Temps Modernes التي أسسها جان بول سارتر.

[34]. جايروس باناجي، “أرغيري إيمانويل (1911-2001)”، التاريخ المادي (مدونة)، بدون تاريخ.

[35]. أرغيري إيمانويل، التبادل غير المتكافئ: دراسة في إمبريالية التجارة (نيويورك: دار نشر مونثلي ريفيو، 1972)، ص 37-71، 124-125، 370-371.

[36]. إيمانويل، التبادل غير المتكافئ، ص 363-364.

[37]. أرغيري إيمانويل، “الاستعمار الاستيطاني الأبيض وأسطورة الإمبريالية الاستثمارية”، نيو لفت ريفيو 1/73 (مايو-يونيو 1972)، ص 39-40، 43-44، 47؛ إيمانويل، التبادل غير المتكافئ، ص 124-125، 337، 363، 370-371.

[38]. سمير أمين، “التخلف والاعتماد في إفريقيا السوداء—الأصول والأشكال المعاصرة”، مجلة الدراسات الإفريقية الحديثة 10، العدد 4 (ديسمبر 1972): ص 519-522؛ سمير أمين، اليقظة الجديدة للعالم العربي (نيويورك: دار نشر مونثلي ريفيو، 2016)، ص 182-189.

[39]. هاري ماغدوف، الإمبريالية: من العصر الاستعماري إلى الحاضر (نيويورك: دار نشر مونثلي ريفيو، 1978)، ص 19-20.

[40]. جود، “الاستعمار الاستيطاني: التنمية الاقتصادية وتشكّل الطبقات”.

[41]. جي. ساكاي، المستوطنون: أسطورة البروليتاريا البيضاء (شيكاغو: دار نشر مورنينغ ستار، 1989).

[42]. ديفيد جيلبرت، لا استسلام: كتابات من سجين سياسي مناهض للإمبريالية (مونتريال: دار نشر أبراهام غولن، 2004)، ص 5-59؛ ديفيد روديجير، أجور البياض: العرق وتشكّل الطبقة العاملة الأمريكية (لندن: فيرسو، 1991)، ص 184.

[43]. روكسان دانبار-أورتيز، “الشعوب الأصلية والإمبريالية في نصف الكرة الغربي”، مونثلي ريفيو 44، العدد 4 (سبتمبر 1992): ص 9.

[44]. لمعرفة المزيد حول التراجع عن نظرية الإمبريالية في أوساط كثيرة من اليسار، انظر: جون بلامي فوستر، “الإنكار الجديد للإمبريالية في اليسار”، مونثلي ريفيو 76، العدد 6 (نوفمبر 2024): ص 15-19.

[45]. وولف، الاستعمار الاستيطاني وتحول الأنثروبولوجيا، ص 2، 27، 40-43؛ وولف، “الاستعمار الاستيطاني وإبادة السكان الأصليين”، ص 387، 402.

[46]. وولف، “الأرض، العمل، والاختلاف”، ص 868؛ إنغلرت، الاستعمار الاستيطاني: مقدمة، ص 16.

[47]. وولف، الاستعمار الاستيطاني وتحول الأنثروبولوجيا، ص 1، 167.

[48]. فيراشيني، الاستعمار الاستيطاني الحاضر، ص 54. لمزيد من المعلومات حول علاقة أمريكا اللاتينية بالاستعمار الاستيطاني، انظر: ريتشارد غوت، "أمريكا اللاتينية كمجتمع استيطاني أبيض"، نشرة أبحاث أمريكا اللاتينية 26، العدد 2 (أبريل 2007): ص 269-289.

[49]. وولف، آثار التاريخ، ص 28.

[50]. ديفيد هارفي، الإمبريالية الجديدة (أكسفورد: مطبعة جامعة أكسفورد، 2003)، ص 137-182.

يعد مفهوم "التراكم عبر الإقصاء" متناقضًا من منظور ماركسي، حيث إن التراكم، بحكم تعريفه، ليس إقصاءً أو مصادرة، بل يستند إلى الاستغلال. كان ماركس منتقدًا بشدة لمفهوم "التراكم البدائي" أو "التراكم الأصلي" كما قدمه الاقتصاديون الليبراليون الكلاسيكيون مثل آدم سميث، وفضل بدلاً من ذلك استخدام مصطلح "المصادرة الأصلية"، أو ببساطة "المصادرة".

انظر: إيان أنغوس، الحرب ضد المشاعات (نيويورك: دار نشر مونثلي ريفيو، 2023)، ص 204-209.

[51]. وولف، “التاريخ والإمبريالية”، ص 389-393، 397، 403-407، 418-420.

[52]. وولف، “الاستعمار الاستيطاني وإبادة السكان الأصليين”، ص 388، 392، 403-404؛ وولف، “الأرض، العمل، والاختلاف”، ص 868.

[53]. روبن دي. جي. كيلي، “البقية منا: إعادة التفكير في المستوطن والأصلي”، أمريكان كوارترلي 69، العدد 2 (يونيو 2017): ص 268-269.

[54]. إنغلرت، الاستعمار الاستيطاني: مقدمة، ص 15. لمزيد من الإشارة إلى هذا التعقيد، انظر: جيرالد هورن، فجر نهاية العالم: جذور العبودية، وتفوق العرق الأبيض، والاستعمار الاستيطاني، والرأسمالية في القرن السادس عشر الطويل (نيويورك: دار نشر مونثلي ريفيو، 2020).

[55]. فيراشيني، الاستعمار الاستيطاني: نظرة نظرية شاملة، ص 4-12؛ لورنزو فيراشيني، “إسرائيل-فلسطين من منظور دراسات الاستعمار الاستيطاني”، تدخلات: المجلة الدولية لدراسات ما بعد الاستعمار 21، العدد 4 (2019): ص 572.

[56]. لويد ووولف، “منطقيات الاستعمار الاستيطاني والنظام النيوليبرالي”، ص 8؛ ماركس، رأس المال، المجلد 1، ص 874؛ ديفيز، “العالم مقلوبًا نحو الخارج”، ص 217.

لمعرفة المزيد عن تاريخ المفهوم الليبرالي الكلاسيكي للتراكم البدائي، أو الأصلي، قبل ماركس، انظر: مايكل بيرلمان، اختراع الرأسمالية: الاقتصاد السياسي الكلاسيكي والتاريخ السري للتراكم البدائي (درهام: مطبعة جامعة ديوك، 2000).

[57]. فيراشيني، “الاحتواء، الإبادة، والاستيطان الداخلي”، ص 119، 122-128؛ فيراشيني، “إسرائيل-فلسطين من منظور دراسات الاستعمار الاستيطاني”، ص 579-580؛ نيكولاس أ. براون، “منطق التراكم الاستيطاني في مشهد من التلاشي الدائم”، دراسات الاستعمار الاستيطاني 4، العدد 1 (2014): ص 3-5؛ ديفيز، “العالم مقلوبًا نحو الخارج”، ص 214؛ هارفي، الإمبريالية الجديدة، ص 137-182.

[58]. فيراشيني، “الاحتواء، الإبادة، والاستيطان الداخلي”، ص 122-128؛ ديفيز، “العالم مقلوبًا نحو الخارج”، ص 214.

[59]. وولف، آثار التاريخ، ص 234-237؛ فيراشيني، “إسرائيل-فلسطين من منظور دراسات الاستعمار الاستيطاني”، ص 570؛ جوزيف مسعد، “إسرائيل والغرب: ‘القيم المشتركة’ للعنصرية والاستعمار الاستيطاني”، ميدل إيست آي، 13 يونيو 2019؛ جوردان همفريز، "فلسطين وسياسات نظرية الاستعمار الاستيطاني الخالية من الطبقية"، ماركسيست ليفت ريفيو، 13 يونيو 2024.

[60]. لورنزو فيراشيني، إسرائيل والمجتمع الاستيطاني (لندن: بلوطو، 2006)، ص 97.

من الجدير بالملاحظة أن فيراشيني، مثل وولف، لم يدرك الأهمية الحاسمة لكتاب رودنسون إسرائيل: دولة استعمارية استيطانية، حيث أشار إلى أنه تم نشره في "السبعينيات" (وهو الوقت الذي صدرت فيه الترجمة الإنجليزية)، رغم أنه ظهر لأول مرة بالفرنسية خلال حرب 1967 العربية-الإسرائيلية، وكان له تأثير هائل في ذلك الوقت، مما ساهم في زيادة الوعي العالمي بطبيعة الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي.

[61]. كلوديا دي مارتينو وروث هانو سانتيني، “إسرائيل: قنبلة ديموغرافية موقوتة في واقع الدولة الواحدة اليوم”، أسبينيا أونلاين، 10 يوليو 2023.

[62]. فارون جاين، “تفاعلي: مقارنة الإنفاق العسكري حول العالم”، فيجوال كابيتاليست، 4 يونيو 2023؛ “إسرائيل: الإنفاق العسكري كنسبة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي”، الاقتصاد العالمي، theglobaleconomy.com؛ خدمة أبحاث الكونغرس الأمريكي، الأسلحة النووية والبيولوجية والكيميائية والصواريخ: الحالة والاتجاهات (واشنطن العاصمة: خدمة أبحاث الكونغرس، 20 فبراير 2008)، ص 16.

[63]. توماس تراسك وجاكوب أوليدورت، “الحجة لترقية وضع إسرائيل كـ’حليف رئيسي من خارج الناتو’”، معهد اليهود للأمن القومي في أمريكا، 6 نوفمبر 2023.

[64]. كريج موخيبر، “WEOG: الكتلة الاستعمارية الاستيطانية في الأمم المتحدة”، فورين بوليسي إن فوكس، 4 سبتمبر 2024، fpif.org.

[65]. ماكس آيل، “الطوفان العظيم في فلسطين، الجزء الأول”، أغريان ساوث: مجلة الاقتصاد السياسي 13، العدد 1 (مارس 2024): ص 62-88؛

إستير فارمر، روزاليند بولاك بيتشسكي، وسارة سيلز، أرض بشعب: الفلسطينيون واليهود في مواجهة الصهيونية (نيويورك: دار نشر مونثلي ريفيو، 2021).

[66]. بروس جوهانسن وروبرتو مايستاس، واسيتشو: الحروب الهندية المستمرة (نيويورك: دار نشر مونثلي ريفيو، 1979)، ص 5، 11، 16، 18؛ بلاك إلك وجون جي. نيهارد، بلاك إلك يتحدث: قصة حياة رجل مقدس من أوغلالا سيو (نيويورك: ويليام مورو، 1932)، ص 7-9.

[67]. أليس ووكر، العيش بالكلمة: كتابات مختارة 1973-1987 (نيويورك: هاركورت بريس جوفانوفيتش، 1981)، ص 144-149.

[68]. واسيتشو، كما يُفهم هنا، هو في جوهره منظور مادي، حيث يُنظر إلى طبيعة بشرية عامة تميز مجموعات معينة من الفاعلين الاجتماعيين على أنها انعكاس لمنطق أو نظام أساسي.

وفقًا لماركس، يتم تقديم الرأسمالي كشخصية تمثل رأس المال نفسه.

وهذا يتناقض مع النموذج المثالي على الطريقة الفيبيرية، القائم على الفردية المنهجية، حيث تُفسَّر البُنى الاجتماعية من خلال نوع معين من الفعل الاجتماعي ذي معنى ذاتي يمكن تتبعه إلى فرد منهجي معين.

وبالتالي، من هذا المنظور، يُعتبر الفرد المنهجي للمستوطن هو المصدر الأساسي لمعاني وأفعال النوع الاستيطاني، وهو الأساس للاستعمار/الاستيطان.

فالنموذج المثالي للمستوطن يُشكّل الواقع، بدلاً من أن يكون ناتجًا عن شبكة من العلاقات الاجتماعية، وهو ليس بنفسه نتاجًا لمجموعة من العلاقات الاجتماعية.

ماركس، رأس المال، المجلد 1، ص 92.

[69]. الأمة الحمراء، الاتفاق الأحمر (نيويورك: كومون نوتيونز، 2021)، ص 7، 13، 135-137؛ فيراشيني، “إسرائيل-فلسطين من منظور دراسات الاستعمار الاستيطاني”، ص 570-571.