الاغتيالات الإسرائيلية.. الانتقام والرّدع في مواجهة الديمومة

الاغتيالات الإسرائيلية.. الانتقام والرّدع في مواجهة الديمومة
تحميل المادة

تهدف هذه المقالة إلى البحث في سياسة الاغتيالات التي تنتهجها "إسرائيل". تحاول المقالة الإجابة عن سؤالين رئيسيين يتعلقان بالهدف الإسرائيلي من انتهاج هذه السياسة، وماهية الخطاب الإعلامي الذي يتم استخدامه لتبريرها. وذلك من خلال تتبع تصريحات المسؤولين الإسرائيليين، وتحليل الخطاب الإعلامي الإسرائيلي المتعلق بهذه السياسة. تخلص المقالة إلى فشل سياسة الاغتيالات في تحقيق الهدف المرجو منها وهو وقف المقاومة، وتحولها من أداة للقمع وإطفاء جذوة المقاومة إلى سبب من أسباب اشتعالها.

 

مدخل

كثر الحديث إعلاميًا عن تجدد انتهاج الاحتلال لسياسة الاغتيالات، بالتزامن مع تصاعد الأعمال الفدائية الفلسطينية، والتصعيد الأمني في الفترة الأخيرة المنطلق من جنوبي لبنان أو قطاع غزة. على أرض الواقع لم تتوقف "إسرائيل" عن اتباع هذه السياسة، فقد مارستها على مدار العقود السابقة ضد المنخرطين في مقاومتها، سواء داخل فلسطين أو خارجها. ولا تقتصر الاغتيالات على قادة المقاومة من الفلسطينيين، فأصابع الاتهام في العقد الأخير تشير إلى "إسرائيل" في تنفيذ عمليات اغتيال ضد علماء ذرة وقادة إيرانيين، وكذلك داعمين للمقاومة من جنسيات عربية متعددة (على سبيل المثال المهندس التونسي محمد الزواري).

محمد الزواري

صورة من فيلم يظهر فيه الشهيد التونسي محمد الزواري الذي عمل مع كتائب القسام

يمكن القول بأن سياسة الاغتيالات الإسرائيلية لا تستهدف المقاومين الفلسطينيين فقط، وإنما تمتد لتشمل العرب وغيرهم، فالعصابات الصهيونية قد انتهجت سياسة الاغتيالات حتى قبل إقامة "إسرائيل"، فقد استهدفوا بالاغتيال اللورد البريطاني موين سنة 1944، وكذلك الوسيط الدولي السويدي الكونت برنادوت سنة 1948، وذلك لأسباب سياسية. وبعد إقامة "إسرائيل"، استهدف الاحتلال علماء ذرة عراقيين ومصريين، كاغتيال المصرية نبوية موسى في الولايات المتحدة الأميركية سنة 1952.[1]

 

استهداف القيادات السياسية:

حصل تحول في النهج الإسرائيلي مع اندلاع الانتفاضة الثانية في أيلول/ سبتمبر عام 2000، من اقتصار الاغتيالات على المنخرطين في العمل العسكري غالبًا، إلى توسيعه ليشمل استهداف القيادات السياسية، إذ إن سياسة الاغتيالات الإسرائيلية الموجهة ضد القيادات على الأرض الفلسطينية، تركّزت (في الأغلب) على استهداف المنخرطين في عمل عسكري ضد الكيان الصهيوني، (مع الأخذ بعين الاعتبار استهدافها قيادات فكرية وسياسية خارج فلسطين، كالروائي غسان كنفاني، والدبلوماسي محمود الهمشري،[2] وأعضاء في اللجنة المركزية لحركة فتح "كمال عدوان، محمد يوسف النجار"، وأعضاء في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير "كمال ناصر").

من اليمين، الشهداء: كمال ناصر، كمال عدوان، محمد يوسف النجار

أَعلن عن هذا التحول - بعد سلسلة من اغتيالات الشخصيات السياسية خلال الشهور الأولى للانتفاضة- وزير الحرب الإسرائيلي شاؤول موفاز سنة 2002، عندما أصر على عدم التمييز بين القادة السياسيين والعسكريين في سياسة الاغتيالات، فإنّ القيادة السياسية – من وجهة نظره- هي التي تجلب الأموال وتجند الدعم اللوجستي للقيادة العسكرية، ومن ثمّ يجب "تصفيتها".[3]

أبو علي مصطفى

موقع اغتيال الأمين العام السابق للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، الشهيد أبو علي مصطفى

تحولت سياسة الاغتيال إلى أداة بيد الأمن الإسرائيلي، للتخلص من القيادات الفلسطينية السياسية وإعدامها بدون عرضها على المحكمة (حتى قبل إعلان موفاز عن عدم التمييز)، كما حدث في عملية اغتيال الأمين العام للجبهة الشعبية أبو علي مصطفى في آب/ أغسطس 2001 بمدينة البيرة في الضفة الغربية. كما أنّ مقتل المدنيين العزّل خلال عمليات الاغتيال لم يكن ليوقف "إسرائيل"، كما حدث في عملية اغتيال القيادي في كتائب القسام صلاح شحادة بقطاع غزة في تموز/ يوليو 2002، وذلك عبر قصف شقته ضمن العمارة التي يسكنها بقذيفة وزنها طن من المتفجرات، مما أدى إلى استشهاد 18 فلسطينيًا، من بينهم 8 أطفال.

صلاح شحادة

قائد كتائب القسام السابق وأحد مؤسسي حركة حماس: الشهيد صلاح شحادة

 

أهداف سياسة الاغتيالات

بيّن مستشار رئاسة الوزراء الإسرائيلية للشؤون العربية الجنرال عاموس جلبوع الأهداف التي تسعى "إسرائيل" لتحقيقها من خلال انتهاج سياسة الاغتيالات، والتي تتمحور حول: إحداث فراغ في قيادة المقاومة مما سيقود إلى إرباك منظومتها وتعطيل أعمالها، حتى ولو كان ذلك بشكل مؤقت. إضافةً إلى عرقلة العمليات التي تنوي المقاومة تنفيذها، من خلال دفع قادة المقاومة إلى التواري والاختفاء، مما يعني إعاقتهم عن التخطيط أو تنفيذ الأعمال الفدائية تحاشيًا للاستهداف. علاوة على ما سبق؛ تحقق الاغتيالات أثرًا نفسيًا ورفعًا لمعنوياتِ الجمهور الإسرائيلي، من خلال إشباع روح الانتقام، وترسيخ مبدأ العين بالعين.[4]

 في السياق ذاته يتردد على ألسنة القادة الإسرائيليين في وسائل الإعلام الإسرائيلية بأن الهدف من انتهاج سياسة الاغتيالات هو تدفيع الثمن للفلسطينيين، ومحاولة ترميم منظومة الردع التي تتآكل بعد كل عمل مقاوم، ويمكننا القول من خلال متابعة الصحافة الإسرائيلية بأن الأهداف المعلنة لسياسة الاغتيالات تتمحور حول المنع والردع والإضرار بقدرات الفلسطينيين. منعٌ من تنفيذ أي عمل مقاوم، وردعٌ من خلال استهداف القيادات المميزة والبارزة، وإضرارٌ بالبنية التحتية للمقاومة باستهداف رأس المال البشري.

 

تقنين سياسة الاغتيالات

شرعنت المحكمة العليا الإسرائيلية سياسة الاغتيالات سنة 2006، فقد احتج على هذه السياسة مجموعة من مؤسسات حقوق الإنسان، وتقدموا بالتماس للمحكمة العليا الإسرائيلية ضدّها، على أرضية مخالفتها للقانون الدولي، ولكونها في الجوهر عمليات إعدام بدم بارد دون إجراء محاكمة. لكن العليا الإسرائيلية وفي تناقض مع القانون الدولي أقرت هذه السياسة، ولذر الرماد في العيون وضعت بعض "الضوابط" لانتهاجها، من بينها مشاركة الشخص المستهدف بشكل مباشر وبشكل متكرر (وليس لمرة واحدة) في الأعمال "العدائية" ضد "إسرائيل"، كما قضت المحكمة بأنه لا ينبغي اتخاذ إجراء الاغتيال إذا كان من الممكن اتخاذ تدابير "أقل ضررًا"، يضاف إلى ذلك تجنب إصابة الأبرياء قدر الإمكان في إطار عمليات الاغتيال. وفي الوقت الذي شرعنت العليا الإسرائيلية سياسة الاغتيالات، رفضت تقديم إجابة عن سؤال المنظمات الحقوقية حول توصيف نشطاء التنظيمات الفلسطينية، إذا ما كانوا مقاتلين شرعيين أم غير شرعيين كما تدعي "إسرائيل"،[5] وهو ما ينبني عليه تبعاتٌ قانونية تهربت العليا الإسرائيلية منها عبر عدم الإجابة. غير أنّ هذه اشتراطات العليا السابقة لم تكن سوى كلامٍ في الهواء، إذ ظهرت الاغتيالات الإسرائيلية فعلًا متحللًا من أي ضابط قانوني أو أخلاقي، ولعل مثال اغتيال قادة "سرايا القدس" في غزة في 9 أيار/ مايو 2023، والذي خلّف ارتقاء أطفالٍ ونساءٍ ومدنيين دليلٌ واضحٌ على ذلك.

شهداء سرايا القدس

شهداء سرايا القدس الذين اغتالهم الاحتلال في 9 أيار/ مايو 2023، من اليمين: خليل صالح البهتيني، جهاد شاكر الغنام، طارق إبراهيم عز الدين

 

الخطاب الإعلامي الإسرائيلي

عملت الماكينة الإعلامية الإسرائيلية على تسويغ سياسة الاغتيالات من خلال الإيحاء الدائم بأن هذه العمليات إنما تستهدفُ نشطاء فلسطينيين كانوا في طريقهم لتنفيذ عمل فدائي ضد الإسرائيليين، فجرى تكثيف استخدام مصطلح "قنبلة متكتكة (موقوتة)" لوصف هؤلاء النشطاء. في محاولة للربط الذهني بينهم والقنابل الموقوتة التي سوف تنفجر وتحدث أضرارًا جسيمةً في حال لم يتم إيقافها، ومن ثمّ فقد جرى تصوير عملية الاغتيال بوصفها عملًا ماديًا ضد "قنبلة موقوته" لا ضد كائن حي. فيما استُخدم مصطلح "تحييد المهاجم"، مع الاستغناء عن كلمة "قتله" لتقليل وقع جريمة الاغتيال. غني عن القول أن الواقع يفنّد هذا الادعاء الإسرائيلي فكثيرٌ من عمليات الاغتيال استهدفت أشخاصًا كان يمكن اعتقالهم بسهولة وتقديمهم للمحاكمة، علاوة على اغتيال قيادات سياسية فلسطينية لا تشكل أي خطر فوري أو "قنبلة متكتكة" كما تدعي "إسرائيل". (على سبيل المثال: الشيخ أحمد ياسين).

الشيخ أحمد ياسين

صورة من موقع الشيخ أحمد ياسين زعيم حركة حماس ومرشدها

عملت الدبلوماسية الإسرائيلية على تبرير عمليات الاغتيال أمام الرأي العام العالمي من خلال العزف على وتر مكافحة الإرهاب، والربط مع الحرب التي تشنها بعض الدول الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية، ضد بعض التنظيمات، ولذلك يتم استخدام مصطلح "القتل المستهدف" (targeted killing) في الخطاب الإعلامي الإسرائيلي باللغة الإنكليزية، في محاولة للربط الذهني بين عمليات الاغتيال الإسرائيلية، وعمليات القتل التي تنفذها الولايات المتحدة ضد تنظيمات كالقاعدة وداعش.

 

تقييم سياسة الاغتيالات

اختلف الإسرائيليون فيما بينهم حول تقييم نتائج سياسة الاغتيالات، فبينما وجد بعضهم فيها الرد الملائم لتصاعد أعمال المقاومة، وأداةً جيدةً لاستعادة الردع. انتقد آخرون هذا النهج، فبدل أن تتسبب هذه السياسة في إضعاف المقاومة، حصل النقيض وتسببت هذه السياسة في تعزيزها، وقادت المقاومة في كثير من الأحيان إلى ردود فعل قوية. في هذا السياق صرح المحلل العسكري الإسرائيلي زئيف شيف: "إن عمليات الاغتيال كانت بالضبط مثل الوقود الذي يؤجج نار المقاومة ويجعل عملياتها أكثر خطورةً وأشد تصميمًا، ورغم أن قادة الجيش يعلنون أنهم حققوا انتصارًا على المقاومين، فإنّ هذا النصر يذكرنا بالعبارة الشهيرة التي قالها الملك بيروس (نصر آخر كهذا وسنؤول للهاوية)".[6]

 

 

الخلاصة

انتهج الإسرائيليون سياسة الاغتيالات حتى قبل الإعلان عن قيام "إسرائيل"، حيث استخدمت هذه السياسة لتحقيق أهداف سياسية قبل أن تكون أمنية، وامتدت هذه السياسة لتشمل كل من تعتقد "إسرائيل" أنه يشكل خطرًا على مشروعها، سواء أكان داخل فلسطين أو خارجها بصرف النظر عن جنسيته. مع تصاعد أعمال المقاومة في الانتفاضة الفلسطينية الثانية زادت وتيرة الاغتيالات، لتتحول إلى أداة من أجل استعادة الردع الإسرائيلي المتآكل، ومحاولة لترميم معنويات الشارع الإسرائيلي، وذلك على أمل أن تحدث هذه الاغتيالات فجوةً في الصف القيادي الفلسطيني وتضعف من فاعلية المقاومة، لكن التجربة أثبتت بأن هذه الاغتيالات، وبدل أن تصبح أداة ردع تحولت إلى محفز للثورة وزيادة وتيرة المقاومة، فبعد كل عملية اغتيال ظهرت قيادات جديدة أخذت على عاتقها استئناف مسيرة المقاومة، والرد على جرائم الاحتلال.



[1] الجزيرة نت، الاغتيالات الإسرائيلية.. من اللورد موين إلى عمر النايف، 29/2/2016.  https://bit.ly/3I4i3RJ

[2] المصدر نفسه.

[3] أشرف بدر، إسرائيل وحماس: جدلية التدافع والتواصل والتفاوض، بيروت: مركز الزيتونة، 2016، ص: 28.

[4] المصدر نفسه، ص: 28.

[5] مركز الدفاع عن الفرد (هموكيد)، رفضت المحكمة العليا الالتماس ضد سياسة الإلغاء، 14/12/2006. (بالعبرية) https://bit.ly/3LYGGkW

[6] أشرف بدر، مصدر سابق، ص: 29.