البديل من كل شيء... حربٌ يعيشها الغزي

البديل من كل شيء... حربٌ يعيشها الغزي
تحميل المادة

على سبيل التقديم...

التأقلم مع الظروف الصعبة والبحث عن بدائل لكل ما يُغيبه الحصار، نهج أُجبر الفلسطينيون عليه في قطاع غزة منذ سنوات طوال، من أصغر طفل يعتمد على نفسه وهو يتعلم المشي بلا "مشّاية" ولا جدار يستند إليه في الخيمة، وحتى أكبر مسنّ حين يستبدل عكازه المكسور بغصن شجرة.

يطبق العدو حصاره، وحين يقرر أن "يأخذ اللقطة" أمام العالم ويدعي الرحمة، يفتح المعابر قليلًا، لكنه يتحكم بما يدخل القطاع، تجارة كان أو مساعدات، فيبدو هذا الفتح نفسًا قصيرًا بعد طول اختناق، لا يكاد يصل الرئتين حتى يكتمه الخنق مرة أخرى، وعلى هذا الحال تنفذ السلع من الأسواق، فيبحث المواطنون عن بدائل لها، وكما انتهت السلع، تنتهي بدائلها، فيصبح للبديل بديلًا، وحين ينتهي بديل البديل، لا بد من بديل آخر، وهكذا تمضي حياة الغزي.

إيجاد بدائل من العدم، لا يعني أن الحال على ما يرام، فحين تكثر البدائل يصبح كل شيء ناقصًا، عدا عن الخطر في كثير منها، كما الحطب والسولار الصناعي.

السكين بدل البارودة

توفير البدائل أحد أشكال المقاومة، والمقاومة تعتمد البدائل أيضًا، لا تيأس ولا تعدم الوسيلة، يقاتل الشباب بالصدور العارية بدل الدروع، بأقدام حافية بدل "البسطار"، يلفّون أنفسهم بالأغطية الشتوية تحت أعين المسيرات وطائرات الاستطلاع بدل أجهزة التشويش.

يصنعون أسلحتهم محليًا بدل الاستيراد من مصانع الأسلحة، قناص الغول وعبوة شواظ وقذيفة الياسين وصاروخ المقادمة ومُسيّرة الزواري وأسماء أخرى عرفها الغزيون من مقاومتهم وعرفها العدو من نتائجها، كلها بدل الأسماء التي تداولها العالم على مدار سنوات وتباهت الدول بإنتاجها.

يلين الحديد في أيادي المقاتلين ليتحول لسلاح، كل شيء أمامهم يمثّل فرصة ينبغي انتهازها، فأنبوب يراه الناس خردة يمكن أن يتحول لقالب صاروخ، وخلط مجموعة من المواد المتاحة يصبح مادة متفجرة، وهكذا تطور سلاح المقاومة من الحجر حتى ما نراه اليوم.

يُعيد المجاهدون تدوير مخلفات ذخائر الاحتلال وصواريخه غير المنفجرة، ليردوا بضاعتهم إليهم بتوفيق من الله، وحين يضيق الحال يصبح الواح منهم مقاتلًا وسلاحًا وفي الآن معًا، فكم مرّة عادوا للسكين بدل البارودة وتفجير النفس بدل التفجير عن بعد وجعلوا أنفسهم بديلًا عن راجمات الصواريخ فتسلقوا الدبابات ليضعوا العبوات داخلها.

مجتمعيًا، مع غياب دور الأجهزة الشرطية، كان البديل "وحدة سهم"، التي ظهرت في مارس/ آذار 2023 بلا جهة تُنسب لها، قبل أن تتبناها وزارة الداخلة بشكل رسمي بعد فترة، مجموعات من شباب ملثمين يعملون على ضبط الأمن وتخفيف الفوضى ومراقبة الأسعار وحماية قوافل المساعدات، لكنهم كلما قاموا بدورهم يستهدفهم الاحتلال وعملاؤه وعصابات السرقة التي أكدت تقارير وتسريبات مختلفة تعاونها مع العدو، لكن لا بديل في هذه الحالة، يضحى أفراد الوحدة بأنفسهم، يخرجون لمهامهم مدركين أنهم استشهاديون مع وقف التنفيذ.

وأدّت العشائر واللجان العائلية دورًا مشابها في حماية المساعدات من السرقة والتأكد وصولها لمخازن المؤسسات والإشراف على عملية توزيعها.

بيتٌ من قماش

ننتقل لحياة الناس ومساعيهم في تأمين احتياجاتهم بأي شكل، لكن قبل البدء بالحديث، لا بد من التأكيد على أن كل ما سنذكره في السطور التالية لا يحصر النواقص ولا بدائلها.

في وقت أصبحت فيه الخيام بديلًا عن البيوت، كان لا بد من بديل للخيام أيضًا، فأسعارها ترتفع وتتضاعف في أوقات النزوح، وتختفي من الأسواق، اتخذ النازحون من الشوادر والنايلون والأخشاب موادا لصنع المأوى، فارتفع سعرها ونفدت، فلجأوا لأكياس الدقيق الكبيرة الفارغة والأغطية الشتوية وأي أقمشة أو خرق بالية، وفي بعض الأوقات لم يتوفر سوى النايلون الشفاف الذي لا يستر.

حين تكون الجدران من قماش، يكون المأوى غرفة واحدة بدل غرف البيت العديدة، وبدل الأثاث فيها فراش أرضي يجلس الناس عليه وينامون عليه ويتناولون الطعام عليه، وعليه أيضًا يستقبلون الضيوف، أما المطبخ فهو موقد نار أمام باب الخيمة، وأوانٍ قليلة يغطيها السواد من لهيب الحطب، وأدوات التقديم لا تشبه الأدوات الفاخرة التي كانت تختارها ربّات البيوت بعناية، حتى أنها من مكونات لا تخطر على البال، مثل تحويل برطمان مربى حصلت عليها الأسرة من طرد غذائي لكوب، وفوارغ المعلبات لغلّايات قهوة.

الاضطرار لهذا الشكل من الحياة ليس مؤشرًا على خلل في نظافة المكان وترتيبه كما يخيّل للبعض، ثمة خيام تبدو مذهلة بعد أن تلمسها يد الأنثى، تجعل الناظر إليها يتساءل كيف استطاعت أن تزرع الجمال في مكان كهذا؟ الجواب في أدوات بسيطة، رفٌ خشبي صغير لترتيب بعض الأشياء، شتلة ورد مزروعة في علبة معلبات فارغة، بساط قديم مستعمل... هذه هي إمكانيات الديكور المُتاحة، مع الحفاظ على النظافة.

حياةٌ في حقيبة

وبالطبع، التنظيف شاقٌ ككل شيء في الحرب، أزمة أدوات النظافة ترافقنا منذ بدايتها تقريبًا، وتتخذ أشكالًا مختلفة، أحيانًا تتمثل في ارتفاع الأسعار الجنوني، وأحيانًا في الانقطاع التام من الأسواق، وفي الحالتين توجد بدائل، منها: منتجات محلية غالية ورديئة ومجهولة المصدر والمكونات، استخدامها يزيد أدوات الطعام اتساخًا ويعطيها رائحة غير مقبولة، وصابون بنفس المواصفات يستخدمه الناس للبشرة والأواني والملابس، والنازحون على الشاطئ أو بالقرب منه يتخذون من رمل البحر بديلًا.

هذه الأزمة تجعل النظافة الشخصية معاناة، خاصة مع زيادة الحاجة لها في ظل التلوث والأمراض الجلدية وعدوى القمل والسكن في الخيام، ومن الحلول استخدام الصابون الرديء للجسم والشعر، وليف الجلي أو قطعة من منشفة بدلًا عن ليف الاستحمام، مادة "الشبّة" تصلح لتخفيف العرق بدل المنتجات الجاهزة.

ويبقى من أسوأ ما يتعلق بالأمر مستلزمات الأطفال والنساء، سعر عبوة واحدة من حفاضات الأطفال وصل 150 دولارًا في بعض الأوقات، فعادت الأمهات للوسائل البدائية، استخدمن الأقمشة ما نتج عنه إصابة كثير من الرضع بأمراض جلدية، وظهرت مبادرات محلية لتصنيع حفاضات بتكلفة منخفضة من مواد بديلة، أما النساء فمعاناتهن كبيرة في وقت الدورة الشهرية، فعبوة الفوط الصحية قد يتخطى حاجز العشر دولارات حسب وضع السوق، وإن افترضنا وجود أكثر من أنثى في الأسرة واحتياج كل منهن لعبوة أو أكثر في الشهر فالتكلفة عالية جدًا، لذا كانت الفوط القماشية حلّا لكثير منهن، تغسلنها وتستخدمنها أكثر من مرة متجاهلات آثارها الصحية.

سواء في الخيام أو في البيوت القليلة الباقية، الأثاث ليس متوفرًا دومًا ولا بشكل كافٍ، فالناس فقدوا أغلب أثاثهم بتدمير الاحتلال بيوتهم، أو بسرقتها خلال النزوح، بالإضافة إلى أن أغلب البيوت تعج بالنازحين، فلا تتسع لما يكفيهم جميعًا من أثاث، في بعضها ينام الناس في المطابخ، أما الخيام فهي أضيق من التفكير في أمر الأثاث.

من هنا، صارت الحقائب خزانات متنقلة، يحملها الفرد أينما نزح، وكذلك الصناديق الكرتونية التي تُعبّأ فيها طرود المساعدات، والفراش الأرضي بديل للأَسرّة والمقاعد، وأي شيء يمكن استخدامه بأي طريقة، مثلا ذات نزوح حوّلت إحدى رفيقات المكان فُرنًا لخزانة، فالفرن يشغل حيزًا بلا جدوى في ظل انقطاع الغاز.

قد يتساءل البعض: كيف تكفي حقيبةٌ واحدة لملابس الفرد؟ الجواب بسؤال آخر: هل عند هذا الفرد ملابس تكفيه؟ الملابس من الأشياء التي فقدها الغزي بالتدمير والسرقة والتنقل من مكان لآخر، ولا يمكن تعويضها لأسباب مادية، ولنقص البضائع، بالإضافة إلى انتهاء مسببات استخدام بعض أنماط الملابس، ففي هذه الظروف كم مرّة ستحتاج المرأة فستان سهرة؟ وأين سيرتدي الرجل بدلة رسمية؟.

يكتفي الناس حاليًا بالملابس العملية، وزاد اعتماد النساء على أثواب الصلاة، بالإضافة إلى أنهم يستخدمون القطعة الواحدة بأكثر من شكل، مثل ارتداء جاكيت شتوي فوق القميص الصيفي، أو بصناعة قطعة جديدة منها، كأن تتنازل الأم عن فستانها لتحوّله إلى فستانين لابنتيها، وفي الأسواق الملابس القليلة الموجودة مصنوعة من خامات بديلة، مثل ملابس صيفية بأقمشة شتوية.

بدائل على بسطات

حتى الأسواق تبدّلت، جعلت الحرب الوصول للأسواق الرئيسة مستحيلًا، فظهرت بعد فترة أسواق جديدة استحدثها الناس بما يتناسب مع الواقع، نشأ بعضها في أماكن يتكدس بها النازحون، أو في المناطق الأقل خطرًا والأكثر ازدحامًا حين كانت الحرب في ذروتها، ورغم عودة النشاط التجاري للأسواق الرئيسة لم تختف الأسواق الجديدة، خاصة مع استمرار تردد الناس عليها لقربها من مناطق سكنهم في ظل أزمة المواصلات.

داخل الأسواق البديلة بدائل، منها أن البسطة حلّت محل المتجر، والأوراق بدل الأكياس، يستخدم الباعة أوراق الكتب والدفاتر وأوراقَ رسمية من المؤسسات المُدمرة، يغلفون بها كميات بسيطة من البضائع الغالية، جرامات من البهارات مثلًا، فالجرام صار بديلا للكيلو بسبب الغلاء، وميزان الأوزان البسيطة أصبح أكثر شيوعًا من غيره، والدفع يتم أحيانًا بحوالات بنكية عوضًا عن الأوراق المالية لمواجهة أزمة السيولة.

الاختيار من اللاشيء

الطعام من أكثر ما أرهق الغزيين في البحث عن بدائل لكل تفاصيله، بلا شك أول الأسباب المجاعة، فلا شيء يأكله الناس، إنهم يجوبون الأسواق ليختاروا شيئا من هذا اللاشيء، يبحثون في الفراغ المعروض عمّا يسد جوع أبنائهم، يدفعون الكثير ليعودوا لأهلهم بفُتات، وأيًا كان ما حصلوا عليه فإن طهوه قصة أخرى.

الحطب بدل الغاز، ومع طول الوقت نقص الحطب الذي هو بديل أصلًا، فظهرت له بدائل، مثل البلاستيك والقماش وخراطيم المياه والأحذية، أو القطن مع الكحول والزيت، وإشعال النار في هذه المواد يلزمه الكبريت أو "الولاعة" التي إن وُجدت قد يزيد سعرها عن عشرين دولارًا، فكان اختراع يتمثل في سلك مكشوف جزء منه يوصل ببطارية UPS وحرق ورقة بالجزء المكشوف ثم إشعال الحطب بها، وهو اختراع كلّف بعض الناس بطارياتهم فأفسدها تمامًا، وربما يصل الحال يوما لضرب حجرين ببعضهما كما فعل الإنسان البدائي.

يقع على عاتق النساء ابتداع وصفات جديدة بالمواد الغذائية المحدودة والبهارات والمغشوشة، حين تتوفر اللحوم المعلبة يضفن إليها بهارات الشاورما تارة، وبهارات الكباب تارة أخرى، ويضعنها مع الخضار إن توفرت، ويجربن بها وصفات كثيرة، أو يستغنين عنها ويصنعن البرغر من البرغل، و"الدجاج النباتي" من الطحين حسب وصفة طاهية أردنية انتشرت مؤخرًا، أعجبت البعض لكنها أثارت الحسرة في نفوس آخرين على أيام الخير الوفير التي مضت بلا عودة.

الحمص والعدس والفاصولياء تدخل في كل شيء، في الخبز والقهوة والدُقّة والفلافل وغيرهم، وحين تختفي الصلصة من السوق، هل تسكت الأمهات؟ بالتأكيد لا، يُضفن الطحينية للطعام بدلا منها، وكذا الخميرة، حين ارتفع سعرها صنعن خميرة منزلية، وللتحلية تحلّ المعكرونة المطحونة بدل السميد، والمُحليات الصناعية بدل السكر، وهذا هو الحال في كل لقمة يأكلها الغزي منذ سنتين، تعصر المرأة مخّها لتجد أفكارا جديدة.

ومن ملامح المعاناة في توفير الطعام، العودة لإعداد بعضه منزليًا بعد سنوات طويلة من الاعتماد على السوق مثل الخبز، وعدم القدرة على إشعال النار في كل وقت، خاصة ليلًا خوفًا من طائرات الاستطلاع، لذا تسخن المياه وحفظها في "ترامس"، وإن فاض شيء من وجبة الغداء لا بد من تناوله باردا في العشاء، فلا "ميكرويف" لتسخينه، ولا ثلاجة لحفظه لليوم التالي.

من أهم البدائل لمواجهة الحصار فيما يتعلق بالطعام، الزراعة، زرع الناس على شرفات البيوت وعلى الأسطح وبين الخيام، ونجحت تجارب كثير منهن، حتى أن بعضهم يحصد كميات كبيرة يوزّع منها على معارفه. هذه الفكرة، عاد لها خلال الحرب المختص البيئي نزار الوحيدي وكان قد تعلّمها في صباه، وحاول نشر الفكرة بمجهود فردي عبر حسابه الشخصي في فيس بوك، قبل أن يساهم في مبادرة كاملة مع آخرين.

يقول إن الزراعة في المنازل لا تختلف عنها في الحقول إلا من حيث المساحة والكمية، ولكنها في البيت أسهل واحتمال نجاحها أكبر لكون زارعها يراقبها ويشرف على رعايتها طيلة الوقت. ويضيف: "البذور متوفرة رغم الحصار، ونركز على الأصناف البلدية التي يمكن استخراج البذور منها، ولاحظنا إقبالًا أكبر على المحاصيل الورقية لسهولة زراعتها وأهميتها لربة البيت، ويليها المحاصيل التي تنتج ثمارًا مثل البندورة والباذنجان".

الإنسان بديلًا

أما المياه، فاستنزفت صحة الكثير من أهل القطاع، يحملونها مسافات طويلة وطوابق عديدة، في بعض الأماكن لا تصل المياه بسهولة، وأحيانًا لا توجد تمديدات خاصة بها كما الحال في الأراضي الفارغة حيث تنتشر الخيام، ما يجبر الناس على قطع مسافات للحصول على المياه، إما من محطات أو من الجيران باستخدام دِلاء أو جالونات لا تزيد سعة الواحد منها عن 20 لترًا، ولا شك أن الأسرة تحتاج كمية كبيرة من المياه، يقطع الفرد المسافة مرات كثيرة ذهابًا وإيابًا، ويكون الأمر أصعب إن كانت العبوات أصغر، وفي أغلب البيوت توقفت المضخة لانقطاع الكهرباء، وحلّ الإنسان محلها، يحمل المياه لبيته في أي طابق كان.

انتهى زمن الصنبور عند كثيرين، يخزنون المياه في أوعية بلاستيكية وقدور الطبخ، ويستخدمون "كيلة" لأخذ المياه منها، يحملونها بيد ويغسلون بالأخرى، ما يعني عدم إعطاء الشيء حقه في التنظيف، وتزيد المخاوف من المياه لكثرة الحديث عن تلوث الآبار المحفورة في البيوت، والتي عزا أطباء أمراضًا جلدية لها.

هذا عن مياه الاستخدام اليومي، أما مياه الشرب، فبعدما كان كثير من الناس جهزوا إمداداتها لتصلهم عبر صنبور، أصبح الحصول عليها متعبًا جدًا، إما من سيارات مجانية تتوقف في أماكن وأوقات محددة ومحدودة، أو من محطات وباعة يطلبون المال فتزيد التكلفة على من أرهقت الحرب جيوبهم، ويستخدم البعض حبوب التعقيم التي يحصلون عليها في طرود المساعدات، فمياه الصرف الصحي تتسرب إلى الخزان الجوفي، والاحتلال يمنع إدخال مواد تعقيم وفلترة مياه الشرب لمحطات التحلية، ونحو 97% من المياه المُستخرجة من الآبار غير صالحة للشرب نتيجة التلوث والملوحة العالية.

يقول طبيب الباطنة د. أحمد الربيعي إن المياه والغذاء من أهم مسببات المشاكل الصحية حاليا، فمياه الشرب ملوثة، والطعام المتوفر يعتمد على المعلبات والكربوهيدرات اللذان يعودان على الإنسان بأشكال متعددة من الخطر.

ويضيف أن الطهو بنار الحطب ومواد أخرى يساهم في زيادة المشاكل، منها أن هذه النيران تُنتج سمومًا تدخل الطعام، ومنه تصل الجسم، متابعًا: "للجو دور أيضًا، ففيه من التلوث ما يكفي لتلويث غذائنا، بالإضافة لدرجات الحرارة العالية التي تُفسد الطعام في ظل عدم وجود طرق كافية لتبريده".

ويبين أن "التكيات" في حال عدم التزامها بمعايير النظافة تساهم في المشكلة، عدا عمّا يمكن أن تسببه من حروق للمتجمعين حولها طلبا للطعام.

الاتصالات والمواصلات

التواصل مع الناس داخل القطاع أو خارجه صار صعبًا بسبب تدمير البنية التحتية، ضعف الإرسال يحول دون إجراء الكثير من المكالمات، والإنترنت لا يصل مناطق واسعة، بالإضافة لصعوبة شحن الهواتف والحواسيب، وتلف الكثير منها وعدم وجود فرص لصيانتها.

حتى المناطق التي يصلها الإنترنت لا يملك كل الناس فيها مصادر كهرباء لتشغيل أجهزة "الراوتر"، لذا انتشرت خدمات بيع الإنترنت عبر لواقط منتشرة في الشوارع ويتم الدخول لها بشراء بطاقات تحمل اسم مستخدم وكلمة سر، أو في مقاهي ومساحات مخصصة للإنترنت.

ومن بين مشاهد الحياة البدائية في القطاع "الجوابات الورقية"، لا أستغرب حين يعطيني ابن شقيقتي التي تسكن في مكان قريب ورقة مكتوبة بخط يدها تخبرني فيها بأمر ضروري لم تتمكن من إخباري به في مكالمة. هنا يمزح الناس بالقول إننا سنستخدم الحمام الزاجل قريبًا.

التواصل الوجاهي وبالكتابة على الورق صعب على من لا يسكنون بالقرب من بعضهم، فالمواصلات أزمة حقيقية لنقص الوقود، يضطر الناس للمشي مسافات طويلة، مشاوير كاملة يذهبون إليها ويعودون منها مشيًا، وفي مواجهة هذه المشكلة ظهرت وسائل مواصلات لم يعهدها الغزي من قبل، منها عربات تجرّها حيوانات، وعربات ثلاثية العجلات "توكتوك"، ومقطاير نقل البضائع، وحافلات بمختلف أحجامها، وأضاف كثير من السائقين لسياراتهم عربات خلفية درجت تسميتها بـ"جار ومجرور"، أما الدراجات فلا يستطيع الكل اقتناءها بعدما تضاعف سعرها أكثر من مرة. كل هذه البدائل لم تحل المشكلة، فهي أقل من حاجة الناس.

يتكدس الركاب في هذه الوسائل بطريقة غريبة وشديدة الخطورة، فالسيارة المخصصة لأربعة ركاب، يركبها ثمانية، يجلس في المقعد الأمامي راكبان، وراكب بجوار السائق، وأربعة في المقعد الخلفي، لذا تبقى الأبواب مفتوحة ويحاول الجالسون بجوارها تثبيتها بأياديهم، وفوق السيارة في حقيبتها يجلس آخرون، وبأشكال مشابهة تزدحم الوسائل الأخرى.

بدائل للبدائل

استخدام هذه البدائل، يلزمه بدائل أيضًا، فالبنزين والسولار شبه معدومين وغاليين جدًا، لذا يعتمد السائقون على السولار الصناعي الذي راجت تجارته في الحرب، رغم خطره الكبير على الصحة والبيئة، خاصة أن تصنيعه يتم بين السكان وليس في أماكن معزولة، ينتجه الغزيون من المخلفات البلاستيكية، ولا يقتصر استخدامه على السيارات، فبِه تعمل مولدات الكهرباء التجارية التي تزوّد أحياء كاملة بالكهرباء لساعات محددة.

الحديث عن المولّدات يأخذنا للحديث عن بدائل التيار الكهربائي المقطوع منذ الأيام الأولى للحرب، قبلها كان للكهرباء جدول وصل وفصل في ساعات محددة، وفي وقت الانقطاع يستعيض عنها المواطنون بطرق مختلفة، كل حسب إمكانياته، مثل بطاريات UPS، وأنظمة طاقة شمسية، ومولدات كهرباء خاصة، والاشتراك في مشروع يبيع خدمة توصيل الكهرباء عبر مولدات كبيرة.

مع بداية الحرب توقفت شركة توليد الكهرباء عن العمل، وتلتها المشاريع، أما الوسائل الأخرى ففقد المواطنون نسبة كبيرة منها، إما بسبب تدمير بيوتهم أو النزوح أو بتلفها وعدم وجود قطع غيار، وحتى ما تبقى لم تكن الاستفادة منه سهلة، فشحن البطاريات صعب لغياب الكهرباء، وتشغيل المولدات يحتاج وقودا.

من هنا، نشأت مشاريع جديدة، منها؛ الثلاجات لتبريد المياه وحفظ الطعام، ونقاط الشحن، يشحن فيها المواطنون الهواتف والبطاريات والكشافات، وبالطبع هذه المشاريع بمقابل مادي، ما لا يقدر عليه الجميع، وبعد سريان الهدنة المؤقتة مطلع 2025 وعودة النازحين جنوبا لغزة والشمال عادت بعض مشاريع المولدات بتكلفة كبيرة، سعر الكيلو وات الواحد من الكهرباء يزيد أحيانا عن 15 دولارا.

لجأ البعض للشموع والسراج لكن توفرهما في الأسواق لم يستمر، وكشافات الهواتف النقالة، أما الكشافات فقليلة وغالية وما يشحن بالطاقة الشمسية يقترب سعره من 300 دولار، وأنظمة الطاقة الشمسية بآلاف الدولارات.

صيانة مصادر الطاقة البديلة صعب ومكلف، فبعدما تلف أغلبها مع طول مدة الحرب، أصبح الحصول على مستلزمات إصلاحها شبه مستحيل، يستبدل الفنيون الأجزاء التالفة بأي شيء يجعل تشغيل الجهاز ممكنًا، مثل صيانة البطاريات بدواء الأسبرين بدل حمض الكبريتيك الشائع تسميته "أسيد".

على الهامش، نسبة كبيرة من أبناء الجيل الجديد لا يعرفون الكهرباء، طفل في الثالثة حين رأى المصباح يعمل ليلا سأل أمه ببراء: "طلعت الشمس في الليل؟"، وآخر لم يكمل عامه الأول حين رأى تلفازا يعمل دخل في نوبة بكاء خوفًا من هذا الشيء الغريب.

في هذا الواقع، استغنى الناس عن أغلب الأجهزة الكهربائية، وصار كل شيء يدوي تقريبا، مثل غسل الملابس وطحن الطعام كالملوخية والحمص، وحتى في العمل، الحلاق يقصّ شعر زبائنه بالمقص في عريشة على قارعة الطريق يدخلها نور الشمس فلا يحتاج مصابيح.

ومن أهم البدائل التي فرضتها الحياة هذه الأيام، أن ينام الإنسان مبكرًا ويستيقظ مبكرًا، فلماذا يسهر دون إضاءة ولا إنترنت؟ حتى من أصابته الظروف الصعبة بالأرق يلتزم بالشروق والغروب وإن لم يحصل على قسط كافٍ من النوم.

تتعاقب الفصول وتتكرر، تعلو درجات الحرارة وتتدنى، لكن لا وسائل للتعامل، في الشتاء يصبح الحطب والفحم وسيلتا تدفئة رغم خطر الحرائق، مع ارتداء المزيد من الملابس واستخدام أغطية ثقيلة إن توفرت، بالإضافة لترك المياه لساعات في الشمس عساها تستمد شيئًا من حرارتها.

وفي الصيف لا مجال سوى فتح النوافذ، فيدخل منها قليل من الهواء وكثير من نواقل الأمراض مثل البعوض والذباب والقوارض، ويستخدم البعض الكتب والصواني البلاستيكية للتهوية يدويًا، ولم يعد غريبًا مشهد الرجال نائمين في الشوارع بجوار خيامهم رغم خطر الطائرات المُسيرة والسيارات والكلاب الضالة، وقلة قليلة يمكنها تشغيل الأجهزة الكهربائية بمصادر الطاقة البديلة.

للمال بديل؟

تحدثنا كثيرًا عن الغلاء، لكن من أين يأتي الناس بالمال وقد انقطع أغلبهم عن أعمالهم منذ سنتين؟ حتى هنا تظهر البدائل، المساعدات أحدها بالتأكيد لكنها ليست كافية، لذا قرر كُثر الاعتماد على ذواتهم بمشاريع خاصة، وإن كانت كلمة مشاريع تعطي انطباعًا بعمل كبير، فالأمر ليس كذلك أبدًا، إذ كان رأس مال كثير من هؤلاء طرود مساعدات حصلوا عليها، باعوها واشتروا بقيمتها بضائع أخرى أو مواد خام لمنتجات يصنعونها بأنفسهم.

في السوق، الكبير والصغير، الغني والفقير، الطالب والبروفسيور، كلهم يقفون أمام بسطات يبيعون بلا حرج، فالحرج الحقيقي اليوم هو تسأل الناس حاجتك وتمد يدك طالبًا العون.

لكن هذه الأعمال قد لا تدوم طويلًا، تفشل أو تتغير طبيعتها، حسب حال المعابر والأسواق، من يبيع بضائع جاهزة ربما يخسر رأس ماله بسبب التغير السريع في الأسعار، ومن ينتج أصنافًا خاصة به ربما لا يجد موادها الخام فيستبدلها بأصناف أخرى، وهذا لا يتوقف على الأعمال البسيطة، فحتى المطاعم المعروفة تبيع المعجنات والمعمول بدل أصناف اللحوم، ومتاجر الملابس تعرض منظفات، وتاجر أجهزة إلكترونية يبيع تسالي للأطفال على بسطة.

المقايضة عادت للواجهة، حين لا يجد الغزي مالا، يقايض على ما يملك، وتتم هذه العملية عبر الإنترنت غالبًا، يعرض الفرد شيئًا ويطلب مقابله حاجته، ويجد من يبادله، خاصة إن كان يعرض سلعة غيّبتها الحرب عن الأسواق.

أما المحظوظ بعمل، فيحتاج مكانًا يؤدي عمله منه، ولأن الإنترنت والكهرباء ولا يتوفران في كل مكان، والخيام والبيوت المكدسة بالنازحين ليست بيئة مناسبة، انتشرت في القطاع مشاريع تُسمى "مساحات عمل" ومقاهي يوفر القائمون عليها إنترنت وكهرباء بمقابل يزيد عن دولار للساعة الواحدة، يجلس خلالها الفرد مع عشرات أمثاله يدفعون نسبة كبيرة من دخولهم من أجل الحفاظ على فرص العمل، مع العلم أن بعضهم يستخدم الهاتف الذكي بدل الحاسوب، فكثير من الغزيين فقدوا أجهزتهم بسبب القصف والنزوح.

في حال توفر المال، فقد لا يتم الحصول عليه نقدًا إلا عبر بدائل، فمن تصله أمواله عبر حسابه البنكي لا يمكنه سحبها بسبب إغلاق البنوك، فيضطر لـ"تجار العمولة"، أو "تجار الربا" كما يطلق عليهم الغزيون، فيحوّل مبلغا لحساب التاجر ويستلم منه مبلغا أصغر، وفي هذه العملية يخسر نسبة كبيرة، فالعمولة التي كانت نسبتها 1% في الأشهر الأولى من الحرب، زادت في ذروة المجاعة عن50% .

حتى العلاج

البدائل تسبب تعبًا جسديًا ونفسيًا، فأغلبها مرهقة مثل نقل المياه، وجالبةٌ للمرض مثل رائحة الحطب، وكل شيء ثقيل على النفس، لكن المشكلة أنها إن أحدثت ما يستوجب العلاج، فغالبًا لا يتوفر ونضطر للبحث عن بديل له.

في أول الحرب، حين كانت الأدوية متوفرة، كان المريض يأخذ بديلًا عن دوائه من إنتاج شركة أخرى ولكن بنفس المواد الفعالة، ثم استبدل البعض أدويتهم بأدوية مختلفة لكنها قادرة على أداء الغرض منها إلى حد ما، ومن يأخذ دواء فيها أكثر من مادة فعالة، يأخذ بديلا له فيه مادة واحدة، وشيئًا فشيئًا ومع النقص الحاد زاد الأمر سوءًا، حتى لجأ البعض للأعشاب حتى اختفى بعضها من الأسواق.

رجل ثمانيني، تراجعت مناعته بسبب المجاعة، مريض ضغط، أُصيب بأكثر من جلطة سابقًا، وعليه أن يلتزم بمجموعة أدوية لتجنب تكرارها، لا يجد الآن أغلب أدويته، ومن بين أدوية منع التجلط يأخذ بديلًا بمادة فعالة واحدةـ أما دواء الضغط فنصحه الصيدلي بتناول خيارة يوميا بدلا عنه، حتى الخيار لا يتوفر دومًا ولا قدرة للجميع على تحمل تكلفته.

في غمرة كل هذا التعب، ما أحوج الغزي للترويح عنه نفسه، كبيرًا كان أو صغيرًا، سابقًا كان البحر متنفس الغزيين، الآن أجزاء منه تحت سيطرة الاحتلال، وباقي الشاطئ مزدحم بالخيام، عدا عن احتمال استهدافه من قبل الزوارق الحربية، ومع ذلك يخاطر الناس بالتردد عليه والسباحة فيه، أما المقاهي والمطاعم فهي قليلة ومُكلفة، والمساحات المفتوحة تكاد تكون انعدمت، والأسواق لم تعد مكانًا للتخلص من الضغوط، بل تزيدها.

عادت بعض العائلات للألعاب الجماعية، مثل أوراق الشدّة والشطرنج، مع العلم أن سعر الشدّة وصل 15 دولارًا، متضاعفًا بذلك سبع مرّات، ويستخدم البعض الحواسيب والهواتف النقالة في الألعاب والفيديو، لكن هذا الخيار ليس متاحًا دومًا لارتباطه بالكهرباء والإنترنت.

أما الأطفال، فأحيانًا يلعبون في الشوارع وبين الخيام حسب الوضع الأمني، وألعابهم تدل على حجم المأساة، مؤلم أن ترى طفلًا يمثل دور مصاب تحت الأنقاض وصديقه يحاول إنقاذه، وآخرون يلفون أحدهم بقماش ويشيعونه كما لو كان شهيدًا. ولا ننسى أن كثيرًا منهم فقدوا القدرة على اللعب خلال المجاعة. تقول سهام الخزندار، مديرة روضة أطفال، إن ألعاب الطلبة تغيّرت بتغيّر واقعهم، اختاروا ما يناسبهم ويناسب طاقتهم شبه المعدومة بفعل التجويع، يلعبون ألعابًا لا تحتاج حركة ولا بذل مجهود. وتضيف أن طبيعة الألعاب تغيّرت أيضًا، مثل استبدال فكرة اللعبة المعروفة "بيت بيوت" بالخيام، ينقسمون في مجموعات، كل مجموعة تعيش في خيمة.

إلا العلم

رغم كل شيء، ما يزال التعليم أولوية، يسعى له الطلبة وأولياء أمورهم عبر قنوات مختلفة، أبرزها التعليم الإلكتروني الذي لا يستطيع الجميع الالتزام به لحاجته لهواتف ذكية وكهرباء وإنترنت، والنقاط التعليمية، وهي تجمعات صغيرة تتبع لمؤسسات أو مبادرات أو مشاريع خاصة، وأغلبها يكون في خيام يجلس فيها الطلبة على الأرض.

طلبة الجامعات يواصلون دراستهم عن بعد، ويعتمد كثير منهم على المقاهي والأماكن التي تقدم خدمة الإنترنت، ويواصل البعض التعلم الذاتي في مجالات مختلفة مثل اللغات عبر "يوتيوب" أو تطبيقات محددة، بالإضافة إلى التحاق البعض بدورات عن بعد في تخصصاتهم أو غيرها مثل أحكام التجويد. أما المناهج الدراسية فهي مُختصرة ومتوفرة عبر الإنترنت، وما تبقى من كتب عند بعض الطلبة يتبادلونها لتسهيل الدراسة دون الحاجة للكهرباء والإنترنت. تقول مديرة مدرسة الأمل وفاء شبير إنها تفاجأت خلال الحرب بحرص الأطفال على الالتحاق بالعملية التعليمية، بالإضافة لحرص الأهل المعتاد.

وتضيف: "يهتمون بالتعليم رغم كل الصعاب، لذا حاولت أن أساعدهم بتغيير بعض التفاصيل، مثل تنظيم الجدول بما يسمح بالاكتفاء بدوام يوم أو يومين في الأسبوع لمن يصعب عليه التوجه للمدرسة كل يوم، وكذلك فعّلت مجموعات (واتس آب) للمتابعة عن بعد بدل الدوام".

غياب الأشياء وشدة الحاجة للبدائل، دفع الناس لإعادة التدوير، ينتجون أي شيء من أي شيء، مثل صناعة مواقد نار تعتمد على مصف الشعر "السشوار" ليدفع الهواء فيمنع انطفاء اللهب، وملاقط نشر الغسيل من ملاقط الأوراق، وليف الاستحمام من "بُكل" الشعر، والأكواب من البرطمانات، والملابس من الأغطية الشتوية، حتى جدران الآليات العسكرية التي يدمّرها المقاومون يستخدمها البعض كأبواب لبيوتهم، الأمثلة كثيرة ولا مجال لحصرها وقد تطرقنا لبعضها في السطور السابقة. مشكلة إعادة التدوير تكمن في خطورتها أحيانا، كما هو الحال بالنسبة للسولار الصناعي، الذي يسبب مشاكل بيئية وصحية كثيرة على المديين القريب والبعيد.

يبدو الأمر وكأنه "بديل حياة"، حتى من ينجو من هذه الحياة البديلة بوفاة طبيعية أو بشهادة، ربما يدفنه أهله في مقابر بديلة، في الشارع، أو في حديقة البيت، أو مقبرة خاصة بعائلة ما، أو في قطعة أرض لم تكن مقبرة من قبل، فالخطر يعُيق الوصول للمقابر أحيانًا، والاحتلال جرّف أغلبها، وأكثر من ذلك أن غرباء قد يدفنوه بدل أهله إن كان مجهول الهوية.