الحرب بالوكالة: أذرع إسرائيل غير الرسمية في إدارة الإبادة والضم
على سبيل التقديم
في التاسع من أكتوبر 2025، وخلال الدورة الستين لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، صدر تقرير مُحدّث لقاعدة البيانات الخاصة بجميع المؤسسات والشركات الضالعة في تعزيز الاستيطان وتوسيعه ودعمه اقتصاديًا واستثماريًا وبنيويًا، ضم 158 شركة من 11 دولة حول العالم، تعمل في عشر مجالات هي صلب اختصاص المجلس - نوّه التقرير إلى أن هناك شركات أخرى تقدم خدمات مختلفة لكنها خارج اختصاصه - من بينها البناء والعقارات والتعدين والمحاجر والتمويل في المستوطنات ما يربطها بانتهاك حقوق الفلسطيني ويجعلها مساهمة بشكلٍ ملموس في ارتكاب تجاوزات ومخالفات.
هذه الشركات ليست "إسرائيلية"، بل متعددة الجنسيات (فرنسية، أمريكية، صينية، نرويجية، هولندية، برتغالية، إسبانية..)، تؤمن للمستوطنات معدات بناء وأجهزة مراقبة، وخدمات أمنية ومصرفية، ومنافع صيانة واستثمار في الموارد الطبيعية، وتطوير للصناعات الغذائية والمعدنية واللدائن وغيرها.
على الجانب الآخر من فلسطين، ووفقًا لتقرير رسمي قدّمته المقررة الخاصة للأمم المتحدة فرانشيسكا ألبانيز أمام مجلس حقوق الإنسان في أكتوبر 2024، فإن عدد الشركات متعددة الجنسيات المتورطة في حرب غزة وانتهاك حقوق الإنسان الفلسطيني يبلغ أكثر من 60 شركة عالمية كبرى، تقدم خدمات قتالية من دفاع ولوجستيات، ومعدات ثقيلة ومواد بناء وتمويل وخدمات مصرفية وملابس ومعدات عسكرية وخدمات طعام وإسناد للجيش "الإسرائيلي" في حربه على قطاع غزة، جميعها متعددة الجنسيات أيضًا، وهي جزء من جبل جليد لم يُكشف بالكامل، لمنظومة متكاملة من الأذرع تعمل على خدمة "إسرائيل" وتسريع الضم، وتغذية الإبادة وإسناد صورتها الإعلامية.
من أذرع الضم حتى الإبادة، تحاول السطور القادمة استطلاع أداء وفعالية الأدوات غير الرسمية للاحتلال داخليًا وخارجيًا، ودورها في تكريس فائض قوته، وغسل شرعيته والتخفيف من خسائره، من شركات متعددة الجنسيات والمهمات، ولوبيات ومنظمات عالمية، وجماعات استيطان مسلحة عسكريًا وأيديولوجيًا، تقف جميعها معه في مواجهة الفلسطيني المقاوم بجسده ودماء عائلته وركام بيته وحُلم حرية يصرّ على الحفاظ عليه وحده.
إبادة أكثر..كُلفة أقل
يرتبط جزءٌ أساسي من استمرار "إسرائيل" بصفته كيانًا ومنظومة بتنويع علاقاتها ومواردها وشراكاتها، لا يقتصر ذلك على ميادين السياسة والدبلوماسية فقط، بل يتخطاها إلى عمق الاحتياجات الاعتيادية للمجتمع المحلي لجمهور الكيان، في المستوطنات وفي المناطق المحتلة.
لذا اعتمدت "إسرائيل" على شبكة معقدة من الشركات والمقاولين الأجانب متعددي المهام والقطاعات، إلى جانب اعتمادها على شركاتٍ "إسرائيلية" خاصة وغير حكومية، وشركاتٍ "إسرائيلية" عاملة خارج الكيان، وسعت لدمج ذلك كله في الشبكة المعقدة التي تؤمن لها دعمًا وإسنادًا متواصلًا.
هذه الشركات والشراكات عملت على تمكين الاستيطان وتعزيز منظومة الضم وتوسيع آثار الإبادة وعمقها، وتحويل المخططات الرسمية إلى واقع عبر سياسات الخصخصة والعولمة، إذ تتجاوز أدوارها في قطاعات البناء والتمويل والسياحة والدعاية والأمن الأهداف المعتادة من أي قطاع، إلى إدامة وإسناد منظومة استعمارية، وتحويل وجودها إلى حجر الأساس في شبكات الأعمال العالمية.
وخلال السنوات الأخيرة، وبالتزامن مع ارتفاع أثر المقاطعة ازداد التقاطع مع هذه الشركات سريةً، كما ازدادت التسريبات والتقارير الإخبارية الاستقصائية، والافصاحات غير المباشرة، والتقارير الأممية التي تؤكد هذه العلاقات، وتربطها باستمرارية الصراع وازدياد وحشيته، والتي كان من بينها تقرير مكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان.
كما أشارت تقارير صادرة عن مؤسستي Don’t Buy Into Occupation وBank Track، إلى أن هناك أكثر من 800 مؤسسة مالية أوروبية، لديها سلسلة علاقات مباشرة وغير مباشرة مع شركات أعمال وخدمات متنوعة مرتبطة بالأنشطة الاستيطانية على الأراضي الفلسطينية.
تؤكد هذه الأرقام أن دور الشركات العابرة للحدود ليس هامشيًا، بل إنها تعمل رافعة لاستدامة الاستيطان، والتكسب من الإبادة والتفوق العسكري والتقني "الإسرائيلي" على الفلسطينيين وجوارهم، لذا يصبح استنزاف الاحتلال وتضييق فجوة التفوق وإيقاف الحرب بمثابة خسارة كبيرة لا يُمكن السماح بها.
من بين هذه الشركات؛ Heidelberg Materials الألمانية الموردة لمواد بناء المستوطنات، و Steconfer البرتغالية و الإسبانية Ineco وهما تنتجان مشاريع نقل وتعبيد وهندسة المستوطنات، وهناك الأمريكية Caterpillar العاملة في قطاع البناء والمعدات الثقيلة، والتي تملك مركزًا إقليميًا في الكيان، وتُعرف بتوريدها جرافات (D9) التي تُستخدم على نطاقٍ واسع في هدم وتدمير بيوت الفلسطينيين، كما توفر الشركة مختلف آليات البناء والجرارات والمعدات لمشاريع البناء والبنية التحتية.
وكانت المنظمات الحقوقية قد وثقت أدوارها في انتهاكات جسيمة بحق الفلسطينيين في الأراضي المحتلة نتيجة دورها في تمهيد طرق المستوطنات وتجريف الأراضي الزراعية الفلسطينية، ما يجعلها متورطة -بشكلٍ غير مباشر وفق التقارير- في الأنشطة الاستيطانية "غير القانونية"، إذ اتسع التورط خلال الإبادة من خلال استخدام الجيش للجرافات في هدم المنازل والبنى التحتية في القطاع، وتوسيع عقود التوريد مع الجيش "الإسرائيلي" مباشرة، من بينها صفقة توريد ضخمة كشف عنها موقع "والا"، شملت 20 مجموعة من المعدات الهندسية (جرافات، حفارات، منظومة متطورة للكشف عن الأنفاق" بلغت قيمتها عدة ملايين من الدولارات، التي دُفعت على شكل مساعدة مالية من الولايات المتحدة، لتوصف بأنها الصفقة الأضخم من نوعها منذ عشرين عامًا.
وأما في قطاع السياحة والحجز الفندقي، فتوفر الشركات الأمريكية Airbnb، Booking Holdings، Expedia قوائم لإيجار المنازل والشقق داخل المستوطنات والقدس المحتلة، بما يعود بعوائد مالية ودخل مباشر للمستوطنين وللمجالس الإقليمية القائمة على تطوير المستوطنات، إضافة إلى القيمة الثقافية والترفيهية التي تُسبغ شرعية على الاستيطان بتحويله إلى وجهة سياحية، وتنويع مصادر دخله واقتصاده.
في قطاع التمويل والخدمات المصرفية، فهناك 822 مؤسسة، تتنوع ما بين بنوك وصناديق تقاعد وصناديق استثمار ومؤسسة ائتمانية وغيرها، ترتبط بالشركات العاملة في قطاع الاستيطان، وتمول مباشرة توسعة المستوطنات وتطوير البنى التحتية وتحويلها إلى مكانٍ مرغوب للعيش، إذ قدمت لها ما قيمته 211 مليار دولار على شكل قروض واكتتابات، و182 مليارً أخرى كقيمة للأسهم والسندات، ما يدعم استمرار أعمال وخدمات 58 مؤسسة وشركة دولية تعمل فعليًا على أرض المستوطنات، من أبرز البنوك هناك BNP Paribas، HSBC، Barclays، Deutsche Bank، Société Générale، وجميعها بنوك أوروبية تحظى بمصداقية نقدية وائتمانية عالية.
في قطاع خصخصة الأمن والحرب تتكاثر المؤسسات الأوروبية والغربية أيضًا، مثل البريطانية G4S، التي توفر خدمات أمنية تشمل إدارة السجون ومرافق الاحتجاز وتطوير نقاط التفتيش، وCAE الكندية، التي تُقدم خدماتٍ وأنظمة رائدة في التدريب والمحاكاة للطيران المدني والعسكري، والتي أشرفت خلال الحرب على مهمة تدريب الطيارين "الإسرائيليين"، وإتقانهم المسبق والسريع لسيناريوهات قتالية معقدة ومحاكاة ضرباتٍ جوية دون مخاطرة بالطائرات والطواقم، ما أهّل سلاح الجو لمواصلة جهده المكثف في سماء القطاع دون انقطاع، وبدون أي أضرار.
هُناك أيضًا كلٌ من؛ شركتي نافيس(Naviair) الدنماركية، وأطلس (Atlas Air) الأمريكية، اللتان تقدمان خدمات النقل الجوي العسكري واللوجستي، إّ ارتفعت نسبة الاتكاء "الإسرائيلي" عليهما بالتوازي مع التعطل المتكرر لمطار بن غوريون، والجهد المكثف للأسطول الجوي العسكري، والحاجة الكبيرة للشحن الجوي السريع من الولايات المتحدة وأوروبا إلى "إسرائيل"، وعليه فقد تولت الشركتان الخاصتين مهمة نقل الذخائر والمعدات العسكري ومضادات الصواريخ وقطع غيار مقاتلات F-35، ومكونات لأنظمة الدفاع والقبة الحديدية.
وعلى الأرض هُناك رايثيون (Raytheon) الأمريكية، وباي سيستيم (BAE Systems) البريطانية، وراينميتال (Rheinmetall) الألمانية، وهي شركات خاصة تنتج أنظمة إطلاق الصواريخ، ومكونات المتفجرات والقنابل، ولديها سلسلة عقود موقعة مع الجيش "الإسرائيلي" جُددت ورُفعت قيمتها نتيجة الحرب.
أما على مستوى الخدمات السيبرانية، فتقدم كل من الأمريكية Palantir Technologies، وAmazonWeb Services، وGoogle Cloud، وMicrosoft، والألمانية Merck Group، والفرنسية Thales Group، خدماتها من خبرات وبرمجيات رقابة ومكافحة دعاية وصد هجمات سيبرانية.
يندرج في المربع ذاته خدمات إدارة الرأي العام التي تقدمها كل من شركتي BCW Global و Dentsu الأمريكيتان، اللتان تحملان عبء إدارة حملات التأثير والتعبئة على وسائل التواصل الاجتماعية ووسائل الإعلام الدولية لتحسين الصورة الدولية "لإسرائيل" خلال الحرب.
هذه الشركات والقطاعات، مجرد عينة جزئية لما كُشف تحت الضغط والتحري عن أنشطة الشركات الأجنبية ومساهمتها في تحويل الاحتلال من مشروع دولة إلى مشروع عابر للحدود، فيصبح قمع الفلسطينيين استثمارًا ربحيًا لشركات متعددة الجنسيات، بينما تستطيع "إسرائيل" من خلالها الاستمرار في خوض الحروب دون قلق من تجاوز قدرتها الإنتاجية المحلية، وإعادة تذخير اقتصادها وسلاحها بسرعة، والحصول على تقنيات رائدة وبتكلفة ومرونة أعلى عبر شركات خاصة يمكنها تجاوز القنوات العسكرية الرسمية بين الحكومات، والإفلات من التصريح والتلميح بوقف الذخائر أو تأخيرها.
أما الميزة الأهم، فهي القدرة على الإنكار وإعادة توجيه وصمة الإبادة والوحشية إلى أطراف وكيانات أخرى، ما يجعل محاسبة الاحتلال على جرائمه أكثر عسرًا، ويتيح له إطالة أمد الصراع دون كلفة أخلاقية مباشرة.
غسيل عالمي لكيانٍ موحل
من بين الأذرع غير الرسمية هناك منظمات الضغط الموزعة عالميًا ومهنيًا بما يخدم استمرار السردية "الإسرائيلية"، وسيطرتها وقدرتها على مواصلة تأثيرها سياسيًا وقانونيًا وإعلاميًا في الأنظمة والمؤسسات التي تتقاطع أدوارها مع خدمة الوجود "الإسرائيلية".
على المستويات الرسمية والقانونية هناك جماعات الضغط ومؤسسات الضغط والنفوذ السياسي، على المستوى الدعاية والرأي العام هُناك شبكات النفوذ ومنظمات التأثير، وفي المستويات الأكاديمية هناك مجموعات طلابية لمناصرة "إسرائيل" ومنصات فعالة للدفاع عنها.
وحتى فيما يتعلق بأدائها، فهناك ثلاث تقسيمات: التشغيلي والاستراتيجي والقانوني، في القسم التشغيلي يقتصر الجهد على التتبع في الفضاء الرقمي والأكاديمي، وتوفر قوائم تشهير وآلياتٍ لاختراق الشبكات الطلابية المناوئة وإضعافها، في القسم الأكثر تقدمًا -الاستراتيجي-، هناك السياسيون والبنوك والممولون الكبار والمؤسسات المالية والمصرفية وقطاعات الأعمال والتكنولوجيا، وجميعهم يؤمنون شبكة من الحماية السياسية والمالية للشخصيات "الإسرائيلية"، تضمن استمرار نفوذهم وقدرتهم على تحقيق تغيير على الأرض، وتجاوز عقبات المال والسياسة.
أما القسم القانوني فهو يعيد تأطير الأحداث والأشخاص، التركيز على المهم وإهمال المزعج، وإنتاج وتحرير قوانين تقنن من المقاطعة وملاحقة الاحتلال، عبر الضغط المالي والتشريعي، وتأمين ملاحقة قانونية وإعلامية لأصحاب الدعاية والسياسات المضادة بما يؤدي لاغتيالهم معنويًا وتمهيد الطريق نحو صعود شخصيات من المستوى الاستراتيجي.
من أبرز الجهات واللوبيات، هناك اللوبي "الإسرائيلي" في أمريكا AIPAC (American Israel Public Affairs Committee)، الذي يعمل بكفاءة في مواصلة دعم الجناحين السياسي والتنفيذي لـ "إسرائيل"، حتى أنه يحدد للنواب رسائلهم واتجاهات تصريحاتهم، ويرسم لهم الخارطة التشريعية مسبقًا، التي توفر تمويلًا لهم مقابل دعم تشريعات مناهضة للمقاطعة وإطلاق حملات مناصرة عسكرية ودبلوماسية لـ"إسرائيل".
يندرج تحته منظمة StandWithUs التي تنشط في القسمين التشغيلي والقانوني، وتتداخل أعمالها ما بين بناء شبكات طلابية، وتدريب سفراء مؤيدين للاحتلال في الجامعات، وإنتاج مواد تعليمية، وحملات رد سريعة على فعاليات التضامن مع فلسطين، والتأثير على الإنتاج السينمائي والدرامي الأمريكي وتوجيهه لصالح التركيز على الوجود اليهود في الشرق الأوسط، وصورته الذهنية المختلفة عما حوله، والتفوق "الإسرائيلي" التكنولوجي والاستخباراتي، والعلاقة الخاصة بين الولايات المتحدة و"إسرائيل"، كما تحرض المنظمة الأجهزة القانونية والشرطية لتقويض حركات التضامن وملاحقة مؤيدي فلسطين والتشهير بهم، وفصل الأكاديميين منهم.
كما يتشابك مع AIPAC سلسلة من منظمات الضغط المسيانية التي يمكن تصنيفها كلوبيات دينية شعبية، تجتمع تحت مُسمى CUFI (Christians United for Israel)، وتعبئ الجماهير والنواب لصالح الاحتلال، وتمتلك مرونة تتجاوز اللوبيات الرسمية، وقد أثبتت نفسها خلال أكتوبر 2023 حين استطاعت في شهرٍ واحد جمع أكثر من 2.65 مليون دولار، كما نظمت مئات الرحلات إلى "إسرائيل" لتنظيم المتطوعين في صفوف الجيش للقتال.
أما في بريطانيا فهناك مركز أبحاث BICOM، الذي يرتبط مع منظمة HonestReporting، في توفير مواد وإرشادات لجميع الأقسام، من القانونيين فالإعلاميين فالشبكات الطلابية فالمشرعين، ويُنتج تحليلات فورية ومسبقة يتم تقديمها للصحفيين وصناع الرأي بما يوفر سردية "إسرائيلية" جاهزة ومستعدة وسابقة للحدث، وبديلة للسردية المضادة خلال الأزمات، كما يعمل المركز على التتبع الدائم لنقاط الضعف في الأقسام الثلاثة والعمل على تجسيرها ضمن جهده في "غسل الصورة والرواية" وتقديم وجهة نظر صلبة مقابل اختلاق الأكاذيب وزعزعة الخطاب الآخر.
في فرنسا هناك المجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية CRIF (Conseil Représentatif des Institutions Juives de France)، وله نفوذه الواسع في السياسة والإعلام، ويستخدم العنصرية مطية له لحماية "إسرائيل" وقمع الأصوات المؤيدة لفلسطين، أما في ألمانيا -ورغم أن النفوذ الإسرائيلي لا يحتاج لغير الهولوكوست فزاعة لمعارضيه- إلا أن الجمعية الألمانية "الإسرائيلية" تقوم بمهمة الرقيب على أداء الأحزاب الكبرى (الخضر والاشتراكيين) واختراق قواعدها لتأمين استمرار نموذج "الصداقة مع إسرائيل"، كما تتابع استمرار التعاون العسكري والسياسي وخنق أي نشاط لـ BDS دون هوادة.
حتى في إيطاليا حيث اللوبيات أقل وضوحًا، تسهم الجالية اليهودية Comunità Ebraica di Roma بالحفاظ على نمطٍ من التأثير السياسي والإعلامي والتواصل الحكومي، وتصدير الشخصيات السياسية والإعلامية المناصرة لـ"إسرائيل" على المستوى البلدي والحكومي.
اللافت أن جهد منظمات التأثير "الإسرائيلية" يعتمد على البيئة السياسية والاجتماعية والاقتصادية للبلد المضيف أولًا وقبل كل شيء، فبينما يتصدر اللوبي الأمريكي تقوم الجالية اليهودية في إيطاليا بهذا الدور، بينما في الصين يتم تأسيس النفوذ من بوابة الاقتصاد عبر الغرف التجارية المشتركة Israel-China Chamber of Commerce)) وشركات التكنولوجيا والبحث التي تعمل باعتبارها قنوات تأثير تؤمن شراكات جامعية واستثمارات في الذكاء الصناعي والرقابة.
فيما يختفي اللوبي الرسمي في الدول العربية لتحل محله كل من؛ شركات ضغط غربية أمريكية وبريطانية (مثل شركات مرتبطة بـ Burson Cohn & Wolfe) تمثل "إسرائيل" وتعمل لحسابها، ومراكز أبحاث مشتركة (مثل مركز الإمارات للسلام و معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى) و حتى رجال أعمال (مثل العبار) ومراكز تدريب أمني وتكنولوجي وشبكات ثقافية (مثل مركز دبي للسلام ومركز حوار الأديان في المنامة)، واقتصادية (مثل المجلس الإماراتي – الإسرائيلي للأعمال (UAE-Israel Business Council)، و مجلس الأعمال المغربي – الإسرائيلي)، إذ تقوم بعمل اللوبي سياسيًا وإعلاميًا واقتصاديًا، لكن دون انكشافٍ كامل أمام الجمهور.
عمومًا، فتعدد المسميات والأدوار لا ينفي أن "إسرائيل" لا تخوض معركتها بالسلاح أو بغيره وحدها، بل إن هيمنتها جزء من نجاح شبكات قانونية وإعلامية واقتصادية وسياسية عابرة للحدود في إتمام أدوارها وأداء مهامها، هذه المنظومة الهجينة تحضر بتوحشٍ مفرط كلما تعرضت "إسرائيل" لانتكاسة، مؤمنة لها قمع التضامن واستمرار عدوانها واحتلالها وبقاء سرديتها مهيمنة عالميًا وبلا منافسة.
استيطانٌ متعدد الأوجه
هُناك ذراعٌ أخرى تعمل من الداخل، ولا تقل أهمية عن اللوبيات والشركات المتعددة الجنسيات، مع فارق أدائها على الأرض الذي يجعل منها نصلًا يمزق الفلسطيني أرضًا وروحًا، ويمنح "إسرائيل" القدرة على المناورة الدبلوماسية في نسب العنف والإرهاب إلى غيرها.
هناك الجمعات الاستيطانية، التي تتصدرها اليوم فتيان التلال، وتمدّ جذور الاستيطان قويًا وعميقًا في الأرض الفلسطينية، من خلال جهدٍ غير مركزي لمجموعات شبابية لا يزيد أعمار معظم أفرادها عن 30 عامًا، تجد في الاستيلاء على قمم التلال ومهاجمة القرى والأراضي الفلسطينية وبناء بؤر استيطانية هدفًا وجوديًا فرديًا وجماعيًا في آنٍ واحد.
منذ أوسلو وما بعدها نفّذت هذه الجماعات سلسلة هجمات دموية بحق الفلسطينيين، منها إحراق عائلة دوابشة، واختطاف مزارعين وضربهم، وقطع المئات من أشجار الزيتون، وقتل الدواب والماشية، وتجريف الأراضي الفلسطينية، وخلال العامين الأخيرين تسببت هذه المجموعات في مقتل أكثر من 12 فلسطينيًا، عبر أكثر من 800 هجوم على الفلسطينيين العُزل، من بينها 156 هجومًا على مواقع مجتمعية (قُرى، بلدات، تجمعات رعوية).
هذا العُنف المباشر هو ما يعزز دور الجماعات كأداة غير رسمية لرسم حدود الاستيطان وتوسعتها، ويذكر تقرير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) أن نحو 42% من الهجمات الاستيطانية وقعت في محيط البؤر، إذ ينشط "فتيان التلال"، وأن هذا العنف تسبب بتهجيرٍ قسري فلسطيني بلغ حتى منتصف 2024 قرابة 28 تجمعًا رعويًا وزارعيًا هُجّر سكانها على حساب إقامة بؤر استيطانية، تُشرعن لاحقًا بأثر رجعي، ومدها بحاجتها من الخدمات الحكومية والبنى التحتية وربطها بشبكة المواصلات العامة.
ووفقًا لتقرير منظمة السلام الآن (Peace Now)، هناك اليوم أكثر من 150بؤرة استيطانية غير مرخّصة في الضفة الغربية، معظمها بدأ بمبادرة من جماعات مثل "فتيان التلال"، وتحولت لاحقًا إلى مستوطنات معترف بها عبر قرارات حكومية تدريجية، وهو مؤشر آخر على أن العلاقة التي تجمعها بالأذرع الرسمية قائمة على التواطؤ الصامت، الذي يُتاح من خلاله اعتبار فتيان التلال مجموعات عشوائية متمردة خارجة عن نطاق الدولة والقانون، لكنها في الوقت ذاته تحظى بحماية الجيش المباشرة ودعمه خلال هجماتهم.
مؤشر إضافي على هذا التواطؤ هو إغلاق أكثر من 90 % من ملفات العنف الاستيطاني ضد الفلسطينيين دون لوائح اتهام، في مقابل تبريرات قانونية معدة سلفًا من قبيل الجنون واختلال التوازن النفسي تُصدر لتبرير عنف هذه الجماعات التي تعمل مليشيات داخل حدود المؤسسة الرسمية، إضافة للدور الذي لعبته المجموعات في قمع هبة أيار 2021، وقمع فلسطينيي الضفة إبان طوفان الأقصى، وتصدير شخصيات داعمة لأيديولوجيتها في ميدان السياسة، توفر غطاءً سياسيًا وقانونيًا وماليًا لعنف المستوطنين.
اليوم، وبعد الطوفان لم تعد جماعات الاستيطان منفصلة عن الجمهور "الإسرائيلي" بل هي الأكثر تمثيلًا له، وهي الذراع الأكثر إلحاحًا لفرض السيادة اليهودية الكاملة على الضفة، وتوسيعها إلى الأردن مستقبلًا، وتهجير فلسطيني غزة إلى خارجها، وقمع فلسطيني الداخل حتى الاختناق، يزداد الوجود تكرسًا بدعمٍ شعبي وتسليح رسمي للمستوطنين وسياسات معلنة للضم، إن ضاقت عليها حيل الدبلوماسية وجدت في التنكر من جماعات الاستيطان مخرجًا لها.
بالمحصلة، لم تكن جماعات الاستيطان مجرد طارئ على المجتمع "الإسرائيلي" بل هي النموذج المعبّر للتكامل بين الجيش والحكومة والجمهور في فرض وقائع على الأرض تهرب من مضائق القانون نحو سعة استعمارية زاحفة، وتمنح المستوى السياسي فرصًا متكررة للتملص من المسؤولية الأخلاقية عبر نسب العنف إلى غيرها، لكنها خلف الستار جزءٌ أساسي في منظومة استعمارية يذوب بها الفاصل بين العنف الشعبي والرسمي، وتُدار عمليات الضم والتوسع بأدواتٍ هجينة تجمع المستوطن الفرد ومؤسسته على هدفٍ واحد.
وفقًا لذلك، تعمل الشركات المتعددة واللوبيات الضاغطة وجماعات الاستيطان على خلق واقع يصعب التراجع عنه أو حتى تحمل مسؤوليته، بينما تدفع جميعها الفلسطينيين إلى زاوية من اليأس المتكرر عنوانه "العالم بأكمله يعمل ضدنا"، ما يُنتج خطابًا يجعل من الاستسلام شجاعة مُثلى.
عمومًا، مهما كان المُنتج النهائي لهذه المصفوفة سيظل من المهم دائمًا أن يذكر الفلسطيني كفاحه باعتباره نضالًا عابرًا للحدود في أرحب زواياه، في مواجهة الاستعمار بكل أوجهه، والعنف بكل طبقاته، لذا يحرم عليه أن يستصغر حصاه أو شراره، وأن ينكسر أمام ريحٍ أو عاتية، فالريح قد تجري مع المصالح مرارًا، لكن صاحب الحق يُعاكسها دائمًا ويقلبها لصالحه، اليوم أو بعد حين.
قائمة المراجع
¾ مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، تقرير قاعدة البيانات المحدثة حول الشركات المتورطة في الاستيطان الإسرائيلي، جنيف، 3 أكتوبر 2025. (التقرير صدر في 26 سبتمبر لكن جلسة المجلس تمتد ل 3 أكتوبر).
¾ المقررة الخاصة للأمم المتحدة فرانشيسكا ألبانيز، تقرير حول الشركات متعددة الجنسيات المتورطة في حرب غزة وانتهاكات حقوق الإنسان، مجلس حقوق الإنسان، أكتوبر 2024.
¾ مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)، تقارير الانتهاكات المرتبطة بالعنف الاستيطاني في الضفة الغربية، 2023–2024.
¾ منظمة "السلام الآن" (Peace Now)، تقرير البؤر الاستيطانية غير المرخّصة وتحولها إلى مستوطنات رسمية، القدس، 2024.
¾ Don’t Buy Into Occupation & BankTrack، تقرير حول المؤسسات المالية الأوروبية المتورطة في دعم الاستيطان، 2022.
¾ منظمة العفو الدولية (Amnesty International)، تقرير حول دور الشركات متعددة الجنسيات في انتهاكات حقوق الفلسطينيين، لندن، 2023.
¾ منظمة "هيومن رايتس ووتش" (Human Rights Watch)، تقرير: "أرض مسروقة" – كيف يغذي الاستيطان الانتهاكات ضد الفلسطينيين، نيويورك، 2023.
¾ Firdaus, R. M. (2021). The strategy and effectiveness of The American Israel Public Affairs Committee in lobbying The United States Congress. Thai Journal of National Interest, Christian University of Indonesia.
¾ Jewish People Policy Institute. (2021, June). The View Through Big-Data: An Initial Analysis of 15 Million Tweets by AIPAC and J Street Followers.
¾ StandWithUs. (2021, August 10). StandWithUs Demands Universities Act Against Use of Official Accounts for Anti-Israel Activism.