الحركة الصوفية في غزة.. أسئلة النشأة والمنهج والحضور

الحركة الصوفية في غزة.. أسئلة النشأة والمنهج والحضور
تحميل المادة

على سبيل التقديم..

طوّر الاحتلال أدواته في فصل الفلسطينيين عن بعضهم، والحدّ من قدرتهم على التواصل، وفرض ظروف متباينة بين تجمّعاتهم السكانية، حتّى صارت هذه الحالة من السمات الأساسية في الوضع الفلسطيني، الذي يصعب شرحه لغير الفلسطينيين، لكن الأخطر في ذلك، تراجع قدرة الفلسطينيين على التعرّف المباشر على أوضاع بعضهم بين مجموعاتهم المنفصلة بفعل الاحتلال، وهو ما يحتّم محاولة الاقتراب أكثر من كل تجمّع فلسطيني للتعرّف إليه من مختلف الجهات السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، بما في ذلك أنماط التديّن، ولهذا الغرض تأتي هذه المادة، للتعرّف على الحالة الصوفية في قطاع غزّة، بوصفها مُعبّرة عن نمط من أنماط التديّن الإسلامي الشائع في عموم العالم الإسلامي.

بالضرورة، تمايزت أوضاع الفلسطينيين بالانفصال والاختلاف، عن محيطهم العربي، بسبب سياسات الانتداب البريطاني، ثمّ الاستعمار الصهيوني، وهو ما قطع الفلسطينيين داخل الأرض المحتلّة عن فضاءاتهم الشاميّة والمصريّة، ثمّ اتسم الفلسطينيون بالتسييس الشديد، بسبب الطبيعة الخاصّة لقضيّتهم، فقد ظلّت حركتهم الوطنية لعقود طويلة علمانية، ولأوقات ليست بالقصيرة تطعّمت بالماركسية، إلى حين ظهور الحركة الإسلامية المقاومة، التي خرجت في هذه البيئة، بنزعة عمليّة واضحة، وإرث إخواني غالب، لاسيما حركة حماس، لا يخلو من مسحة صوفية، واهتمام تربويّ روحيّ، (كالقراءة الجماعية للمأثورات، والاعتكافات، والإفطارات الجماعية، وقيام الليل الجماعي، والنزول في الليل إلى المقابر للاتعاظ، وسوى ذلك..)، فضلاً عن الروافد الصوفية الحديثة في فكر الجماعة، مثل مؤلّفات الشيخ السوريّ سعيد حوّى، ككتابه "المستخلص في تزكية الأنفس" المستخلص أصلاً من كتاب "إحياء علوم الدين" لأبي حامد الغزالي، وقد كان كتاب الشيخ سعيد حوّى، يدرّس في بعض الأسر لحركة حماس في بعض مناطق فلسطين، إلا أنّ ذلك تراجع، مع غلبة التسييس على الحركة، ومع وجود رافد سلفيّ فيها، تأثّر بصعود الموجة السلفيّة في العالم العربي منذ السبعينيات، وبدراسة العديد من كوادر الحركة في الجامعات السعودية، وإعطاء الأولوية للعمل الجهادي.

والحديث عن التسييس ينسحب على حركات إسلامية أخرى كالجهاد الإسلامي التي ينطبق عليها أكثر من غيرها مقولة الأولوية الجهادية، وحزب التحرير الذي قد يكون أقلّ اهتمامًا بالجانب التربوي والروحي لصالح التنظير السياسي دون الانخراط الجهادي، في حين تنسحب السياسة تمامًا من تجمّعات أخرى كجماعة الدعوة والتبليغ، وتحضر مناشط سلفية منفصلة بالكامل عن الحركات الإسلامية المعروفة، وهكذا..

اقتضى ذلك، البحث في أنماط أخرى من التديّن الشعبي، خلف هذه الصورة الظاهرة التي يغلب عليها المُعطى السياسي في المشهد الديني في فلسطين، فكانت الفكرة في محاولة الوصول للحالة الصوفية في قطاع غزّة، الذي هو أكثر تجمّعات الفلسطينيين تسييسًا وفاعليّة داخل الحركة الوطنية بتيّاراتها المتعدّدة.

وإذا كان الغرض من ذلك البحث في الحضور الصوفيّ الراهن، فإنّه لا بدّ من القول إنّ التصوف طَبَعَ التدين الإسلامي ومثّل حاضنة للاستمرار التاريخي لأهل السنة والجماعة بالتداخل الذي أخذ يتعزّز منذ القرن الخامس الهجري مع المذاهب الفقهية الأربعة، وإذا كان لفلسطين خصوصيتها، بسبب كونها العنوان الأساس للحملات الصليبية على المشرق الإسلامي، وامتداد الدولة الفاطمية إليها، فإنّها وللأسباب ذاتها، كانت من مراكز تعزيز الأربطة والتكايا والزوايا والخانقاوات الصوفية، بالإضافة إلى تأسيس مدارس المذاهب الفقهية، منذ الفتح الصلاحي ومرورًا بالفترة المملوكية، لأجل تكريس الوجود الإسلامي فيها في مواجهة احتمالات الغزو الفرنجي، ولتصفية البقايا الفاطمية منها لصالح أهل السنّة، ولم تكن غزّة بعيدة عن ذلك، إذ هي واحدة من حواضر الفلسطينيين التاريخية، المتصلة بمجمل الحالة الدينية والعلمية في فلسطين، والممرّ الرابط بين الشام عمومًا ومصر.

وبالنظر إلى هذا المشهد التاريخي الممتدّ، فالتصوف أوسع من الرؤى الاختزالية، وأرحب من الآراء المتحيّزة أو المتحفّزة، ولا بدّ، والأمر بهذا الطول وهذه السعة، أن تتنوع أنماطه ومظاهره ومشاربه، وألا يكون على حالة واحدة، وإن كانت ربما تغلب صور محدّدة في الأزمنة الراهنة، إلا أنّ المقصود من هذه المادّة لم يكن الترويج أو النقد، أو التبنّي لأيّ من الآراء المتعارضة المعروضة فيها، وإنما عُرضت هذه الآراء في مسعى لبيان المواقف المختلفة في البيئة نفسها، أي قطاع غزّة، تجاه الحالة الصوفية، واختلاف الأنظار إليها، على أمل أن تتمكن إطار، من تناول الموضوع نفسه، بنحو أوسع وأوفى، وفي مناطق أخرى، فضلاً عن حالات أخرى من أنماط التدين أو من الأطروحات والتجمّعات والمناشط الدينية.

·      التحرير

 

 

 

 

 

 

لم تكن غزة بعيدةً عن تأثّرها بالتيارات الفكرية والسياسية، كما أفقها الجغرافي في الشام ومصر والمغرب العربي وغرب إفريقيا، فمكانتها التاريخية والروحانية كانت سببًا لأن تكون محط أنظار الكثير من العلماء والدعاة لنشر أفكارهم وتعميم دعواتهم، ما جعلها تربةً خصبةً للأفكار الدينية والتيارات السياسية التي لا تزال آثارها تفوح من عبق المدينة العريقة.

تبلور التصوّف -بوصفه اصطلاحًا وتيارًا وجماعاتٍ وطرقًا- واحدًا من التيارات الدينية الروحانية أو المذاهب الإسلامية التي انتشرت في العالم الإسلامي، مع مطلع القرن الثالث الهجري. حيث بدأ الأمر مع نزعات فرديّة تدعو إلى الزهد والتقشف، إلى أن  تطوّر حتّى صار طرقًا مميّزةً ومعروفةً، امتدّ أثرها وفكرها إلى قطاع غزة، حتى باتت جزءًا من التدين الشعبي فيه وفقًا لطرق محددة وأصول معلومة.[1]  

يسلط التقرير التالي الضوء على نشأة الصوفية في قطاع غزة، والأسباب والظروف الكامنة وراء هذه النشأة، إلى جانب المناهج والأساليب التي يتبعها شيوخ الصوفية، ومدى تأثّر سكان القطاع بنهجها.

 

نشأة التصوف في غزة

قبل الحديث عن صوفية غزة لابد من الإشارة إلى أن نشاط هذه الجماعات في فلسطين هو جزء من التديّن الشعبيّ، وقد اشتهرت بعض العائلات الفلسطينيّة بالتصوّف كعائلة الجعبري في الخليل، وعائلتي السعافين والخالدي في قطاع غزّة، وعائلة المقدسي في القدس، وظلّت الجماعات الصوفية محافظةً على طابعها جماعةً تربويّةً هدفها الأساسي الدعوة إلى تربية النفس والبعد عن كلّ ما هو "دنيويّ"، بما في ذلك السياسة.[2]

في غزة، التي تمثل بوابةً ساحليةً لقارتي آسيا وأفريقيا، وممرًا للقوافل التجارية ومحطةً على طريق الحج، خاصةً للحجاج القادمين من المغرب العربي لأداء الفريضة، و"تقديسها" بزيارة المسجد الأقصى المبارك؛ نشطت بدايات الصوفية عندما زارها شيخ الطريقة الشاذلية، المنتشرة حاليًا في القطاع، الشيخ أبو الحسن الشاذلي، والذي كان مقيمًا في مدينة الإسكندرية شماليّ مصر، ثمّ تطورت وانتشرت مع ما تلا ذلك من زيارات لمشايخ الصوفية من بلاد مختلفة لغزة، قصدًا أو خلال رحلاتهم.[3]

 

أسباب انتشارها

ثمة أسباب مهدت الطريق أمام النشاط المعاصر للصوفية في القطاع، أبرزها الارتحال طلبًا للعلم، فقد توسّعت فكرة الارتحال طلبًا للعلم مع ندرة الجامعات الفلسطينية بسبب تضييق الاحتلال على الحياة التعليمية في البلاد، لا سيما قطاع غزة، وهو ما دفع الطلبة الغزيين نحو السفر إلى مختلف الجامعات العربية والإسلامية، والتي كان من بينها جامعات تُعدّ محاضن للفكر الصوفي. [4]

ومن الأسباب أيضًا، تبني مؤسسات علمية في قطاع غزة للتصوف، مثل معهد الأزهر الديني، والذي يُعدّ امتدادًا لنهج الصوفية في مصر، ولا يزال مسلكه التربوي الروحي المنتشر عند طلبته صوفيًا.

يُضاف إلى تلك الأسباب، سببٌ تتفرد به فلسطين، وهو النكبة التي أدت إلى طرد فلسطينيي الداخل المحتل من مدنهم وقراهم، فقد هاجرت أعدادٌ منهم إلى القطاع، حاملين معهم إليه مناهجهم وطرقهم الصوفية، ومنذ ذلك الوقت أقام عدد من الصوفية المهجّرين زواياهم حيث مستقرّهم الجديد في القطاع، كشيخ الطريقة العلاوية بأقسامها، الشيخ أحمد السعافين (أبو حسن الفالوجي –نسبةً إلى قرية الفالوجة المهجرة عام 1948-)، والذي عمل بوصية شيخه حسين أبو سردانة، وانطلق ليؤسّس أول زاوية لطريقته في مخيم الشاطئ غرب غزة، إلى أن تبعتها زوايا أخرى في القطاع.[5]

ومع الأسباب التاريخية، فإن أسبابًا واقعيةً جاريةً تدفع نحو حضور إضافي للحالة الصوفية في القطاع، فالمستبصر بطبيعة العلاقات السياسية بين أطياف المجتمع الغزي بجميع أطيافه يدرك أثر التجاذبات السياسية في إثراء الطرق الصوفية بوافدين جدد من الزوار والمريدين، وهذا لم تخطئه عيون المهتمّين بالشأن الصوفي، فمنذ مؤتمر مدريد 1991، فاتفاقية أوسلو 1993، حتى عامنا هذا، ساد نمطٌ جديد من السياسة والحياة العامة في فلسطين ومنها قطاع غزة، كان من مفاعيلها قدر من التشتت والتشرذم والاصطدامات الداخلية التي أدّت إليها محاولات الوصول إلى "اتفاق سلام" مع الاحتلال، وقد انعكست هذه الحالة على الجانب التعبّدي عند بعض الناس، فاعتزلوا المساجد التي كانت أماكن تُطرح فيها أسئلة السياسة، وانحازوا إلى الزوايا الصوفية، إما لإثبات الولاء لأحد الأطراف، أو للهروب من التجاذبات السياسية والحركية.[6]

كما أنّ الوضع الاقتصادي الصعب في القطاع وما نتج عنه من فقر وبطالة، لاسيما في السنوات الأخيرة الماضية نتيجة تفاقم الحصار الإسرائيلي الخانق، كان مدخلًا طرق بسببه بعض الناس باب زوايا الطرق الصوفية لمدّ يد العون لهم، فاندفع بعض البسطاء منهم إلى الالتزام ببعض هذه الطرق، خاصةً تلك التي تُقدّم وجبات الطعام أو المشروبات بعد مجالس الذكر أو "الحضرة"، وتلك التي تُوزّع بعض الطرود الغذائية والمساعدات المالية، ممّا ساعد في رفع أسهم الصوفية داخل أوساط المجتمع الغزي.  

ومن المتعارف عليه في قطاع غزة قوة الروابط الاجتماعية بين السكان والتي تظهر ملامحها في المناسبات الاجتماعية ترحًا وفرحًا، وهو ما ساهم في انتشار الصوفية، مع تمركز طرقها في عائلات معينة أكثر من غيرها. يضاف إلى ذلك اعتماد الوراثة طريقةً يُعتمد عليها في انتقال مشيخة الطرق، حيث إن شيخ الطريقة يورث المشيخة لولده ثم لولد ولده، وهو ما يزيد من التفاف العائلة حول الطريقة، يتبعهم في ذلك الجيران والأصدقاء الذين يرتادون مجالس الصوفية إما مجاملةً أو تأثّرًا أو عوزًا.

الشيخ محمد أحمد حسن عبدالله ابراهيم السعافين، شيخ الطريقة العلاوية، المصدر: موقع ذاكرة فلسطين

 

الطرق الصوفية  في قطاع غزة

وفقًا لدراسة أعدّها الطالب في كلية أصول الدين بالجامعة الإسلامية في غزة "منذر بدوان"، لاستكمال متطلبات الحصول على شهادة الدراسات العليا عام 2018، والتي حملت عنوان "الطرق الصوفية عرض ونقد"، فإن الصوفية في القطاع تنقسم إلى قسمين، أولهما: طبقة المشايخ وبعض المعلّمين الذين هم على دراية وعلم بعقائد الصوفية، وثانيهما: هم العامة من الصوفيين الذين "لا يعرفون سوى الذكر والرقص والغناء" ويمثلون 60% من صوفية غزة.[7]

وبحسب دراسة الطالب "بدوان"، فإن الطرق الصوفية في قطاع غزة هي امتداد للطرق الصوفية العالمية، حيث يدرسون الكتب نفسها، ويتبعون المنهج والسلوك نفسه تقريبًا، إلا أنّ هناك قليلًا من السلوكيات التي تتعارض تعارضًا شديدًا مع عادات المنطقة التي تقام فيها الزوايا وتقاليدها. ووفقًا لما تدّعيه الدراسة فإنّ كل الطرق الصوفية في القطاع على منهج واحد في العقيدة، حيث يتبنوْن وحدة الوجود والحقيقة المحمدية وتعظيم الأولياء، بالإضافة إلى الاستغاثة والاستعانة بغير الله، وإسقاط التكاليف الشرعية.

 وقد خلصت الدراسة إلى أن الكثير من الطقوس الصوفية تقلّصت إلى حد كبير في قطاع غزة بسبب زيادة الوعي المجتمعي، وعدم وجود إطار عام يربط صوفية غزة ببعضهم البعض، على غرار المجلس  الصوفي الأعلى في جمهورية مصر والضفة الغربية المحتلة.

لا تزال العديد من الزوايا الصوفية التابعة لعدد من الطرق -والتي أنشأها مشايخ فلسطينيون هُجِّروا خلال نكبة 1948- نشطةً في قطاع غزة، إلا أنّ الطريقة الشاذلية، والتي تُعدّ إحدى أكبر الطرق الصوفية الممتدة في البلاد الإسلامية، هي الأكثر انتشارًا في غزة. ونتيجةً لاتساعها كان لها تفرعات عدة، فمنها: الطريقة العلاوية، والطريقة اليشرطية، التي لا تختلف كثيرًا في منهجها وسلوكها عن الطريقة الأمّ. وفي العموم فإن الطرق الصوفية المتعارف عليها في القطاع هي: [8]

1- الطريقة العلاوية: دخلت قطاع غزة بعد نكبة 1948، وأشهر زواياها زاوية الشيخ مصطفى السعافين جنوب غزة.

2- الطريقة اليشرطية: بدأ حضورها في منطقة القرارة جنوب القطاع ما بين عامي 1925- 1930، على يد الشيخ سليم الدباس.

3- الطريقة الرفاعية: دخلت كذلك بعد نكبة 1948، على يد الشيخ عبد الله حسين البابلي.

4-الطريقة القادرية: شيخها يوسف أبو شريعة، وانتشرت في غزة بعد حرب 1948.

5-الطريقة الأحمدية أو البدوية: حملها إلى القطاع بعد النكبة الشيخُ إسماعيل السيلاوي.

6-الطريقة الخلوتية: شيخها عبد المجيد عودة، وكان عام 1955 أول ظهورها في القطاع.

7- الطريقة الجريرية: دخلت غزة عام 1979 وأشهر زواياها زاوية الشيخ شريف الزين.

 

الصوفية كما يراها أحد دعاتها بغزة

تواصلت "منصة إطار" مع أحد دعاة التصوف في قطاع غزة، رفض الكشف عن اسمه، والذي لفت إلى أن الطرق الصوفية المتعارف عليها في غزة تعتمد في الحديث مع أتباعها خطابًا إسلاميًا جامعًا يقوم على أسس من المحبة في الله والتآخي على نصرة الشريعة والتعاون في صنع المعروف والسير في خدمة الخَلق، مؤكدًا أنّ كل خطاب يصطدم مع الأصليْن: القرآن والسنة، يُعدّ خطابًا دخيلًا على التصوف، يعيب صاحبه ولا يعيب المنهج، وهو خطاب مرفوض.

وأشار الشيخ الداعية إلى أن التصوف في القطاع ارتبط منذ نشأته ارتباطًا وثيقًا بالحركة العلمية بين مصر وفلسطين، فقد كان جملةٌ من أبناء فلسطين يذهبون لمصر لتلقي العلم في الأزهر الشريف وكثير منهم يعود وهو يحمل إجازةً في التربية على إحدى الطرق الصوفية.

وذكر الشيخ الصوفي أن من بين هؤلاء العلماء من المعاصرين، الشيخ أبو المعالي أحمد بسيسو شيخ السادة الحنفية في غزة، وولده الشيخ عمر، وحفيده الشيخ محمد خلوصي بسيسو الحنفي قاضي غزة الشرعي، إلى جانب مؤرّخ غزة الشيخ عثمان الطباع، والشيخ محمود سكيك والشيخ حسين أبو سردانة وغيرهم، مضيفًا:" التجربة الصوفية كانت تجربةً ناصعةً في تاريخ فلسطين الإسلامي والحديث والمعاصر، حيث كان الصوفية جزءًا رئيسيًا في تاريخ الحركة العلمية والتربوية دون الدخول في أي صراع على السلطة أو الاشتراك في أيّ فتنة واقعة بين أبناء الشعب، إلا ما كان سعيًا للصلح وجمع الكلمة".

ومن وجهة نظر الشيخ فإنّ التصوف مكونٌ أساسيٌ من مكونات الثقافة الإسلامية في فلسطين، ووجوده في قطاع غزة ضارب في القدم، ويرجع بأصوله إلى أوائل الصلات العلمية الروحية بين علماء المغرب والمشرق الإسلاميين، فقد كان علماء الإسلام يؤمّون المسجد الأقصى المبارك فيقيمون فيه طرقهم وزواياهم وتكاياهم التي يقومون فيها على تربية المريدين وحثهم على الأخلاق الفاضلة والعلم الشريف، وقد انتقلت جلّ هذه الطرق من القدس إلى قطاع غزة، ولاسيما بعد أحداث النكبة عام 1948م. كما أنّ الوجود الصوفي في فلسطين ارتبط بالحملات الأولى للمجاهدين فيها.

ويوضّح الشيخ أن مناهج التصوف في قطاع غزة متعددة، والأصل فيها انبثاقها من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، لافتًا إلى أن سبب التعدد يرجع إلى كون التصوف في حدّ ذاته يقوم على التجربة الذاتية، فكل شيخ مربٍّ يتخذ في سيْره إلى الله تجربةً سلوكيةً معينةً ثم يراها نافعةً صالحةً فيقررها منهجًا للسيْر إلى الله، فمن أخذ بها يُعدّ آخذًا بمسلك تربوي معتبر ما دام هذا المنهج مقيدًا بقواعد الشرع الحنيف، ولذا يُعدّ التنوع والتجديد في مناهج التزكية وأساليب التربية في الحركة الصوفية شيئًا أساسيًا في تاريخها الأول والحديث والمعاصر، وهو ما يحفظ بقاءها إلى وقتنا الحالي ويجعلها صالحة لكل زمان ومكان.

أما بخصوص الطريقة المتّبعة للانضمام إلى التصوف في القطاع، فتبدأ من الاجتماع، والذي يُعدّ الركن الأول من أركان التلقي في المنهج الصوفي، ثم الاستماع، فالاتباع، وهذه اللقاءات التي تحصل بين الشيخ المربي والمريدين هي الركن الأهم في تجربة السالك إلى الله، حيث يجتمع بالشيخ المربي فيتلقى عنه العلم والتربية معًا، فيأخذ نصيبه حسبما يستعدُّ، من علم الفقه، والعقيدة، والحديث، وعلم التصوف بما فيه من الأخلاق، والآداب، والتعرف إلى عيوب النفس وآفاتها وطرق تهذيبها.

وهذه اللقاءات تكون مفتوحةً للجميع لا تعرف السرّية ولا الخفاء، وعادةً ما تتم في المساجد، والناظر إلى تاريخ زوايا قطاع غزة، يجد أن زواياهم كلّها مساجد تقام فيها الصلوات الخمس، وبعضها تقام فيها الجمعة، وكذا تكون اللقاءات في المعاهد العلمية الشرعية ودروس العلم كما كان يلتقي بعض المريدين بشيوخهم المربيين في رحاب الأزهر الشريف، أو المسجد الأقصى المبارك، حيث إن الصوفية لا يتخذون لأنفسهم مقرات خاصةً أو بيوتًا مقصورةً عليهم فقط، بل زواياهم ومجالسهم مفتوحة للجميع، على حد قوله.

الصوفية فلسطين

من تاريخ السجال حول الصوفية في فلسطين.. صحيفة فلسطين، 24 حزيران/ 1937

 

تجربة سابقة لصوفي من غزة

في المقابل، فإن ثمة وجهات نظر متعددة في القطاع حول منهج الصوفية وطرقها المختلفة، حتى إن بعضًا من المريدين الذين ارتادوا الزوايا وجلسات الذكر قرروا تركها بعدما رأوا "الغلو المفرط في بعض شيوخها، وافتقارها لأسس واضحة في المنهاج والطرق، إلى جانب المبالغة في تقديس دعاتها، والجهل بكثير من أمور الدين".

وفي حديث "منصة إطار" مع أحد المتصوفين سابقًا "محمد حنونة"، والذي استقطبه بعض أقربائه للانضمام إلى زاوية صوفية في غزة، والدعوة إلى مجالس الذكر، حتى استجاب إليهم، وبعد أربع سنوات من الالتزام بجلسات الذكر والتنقل من زاوية إلى أخرى، قرر تركها لأسباب عدة، أبرزها، وفق رأيه، "الجهل بالدين مع بساطة التفكير، لأنّ معظم من يتردد إلى هذه الحلقات يأتون من مناطق لا تهتم بالتعليم، ويشيع في المجالس الخاصة الكثير من الخرافات حول الأموات والأولياء والكرامات".

ومن خلال التجربة التي عاشها "حنونة" وتنقله من زاوية إلى أخرى، فإن المتصوفة في غزة ينقسمون إلى قسمين، الأول: صوفية بسطاء يرتادون الزوايا المتعارف عليها في غزة، ويتبعون في طرقهم ومنهجهم القرآن والسنة بدرجة كبيرة، أما القسم الثاني، فهم من يقررون عقائد وطرقًا ليس لها أيّ صلة بالدين.

ومن بين الأسباب التي دفعت "حنونة" إلى ترك زوايا التصوف أيضًا، "الشعور بكبر واستعلاء في نفس الشيخ الذي يظهر متعاليًا على جميع المريدين، بالإضافة إلى تقديس الشيوخ لدرجة لا يتخيّلها عاقل، مع اعتقاد بعضهم بعلم الغيب"، مضيفًا: "حضرت معهم بعض المجالس في البداية، ولم أكن مرتاحًا لما يمارسونه من طقوس وحركات كالانحناء للأمام والخلف، والقفز على إيقاع أصوات متسارعة، من خلال إشارة يعطيها من يسمى بشيخ الطريقة، وكنت أسمع صراخ بعضهم بشكل لافت، وهمهمات البعض الآخر".

وتابع:" الكثير من الناس غادروا هذه الزاوية، لأنها لا تستند إلى أيّ أسس تربوية، والمظاهر هي سيدة الموقف، ولا يوجد فيها ارتباط بالزهد الحقيقي.. زاوية التصوف الآن تمثل متنفسًا لدى بعض العاطلين عن العمل، أو مكانًا لتناول الطعام لدى بعض الفقراء، وللأسف يجري تسويق ذلك عملًا خيريًا لجمع التبرعات من الخارج".

ومن واقع تجربة الشاب "حنونة" مع زاوية التصوف، فإنه لا يوجد منهج حقيقي تتبعه الصوفية في قطاع غزة، حيث ليس لديهم القدرة على التكيف مع جميع الظروف والأوقات والأشخاص، ويأتون إلى كل شخص من الباب الذي يحبه ويرغب فيه، مستدركًا:" لا يمتلك الشيوخ الصوفيون شخصيات تمكنهم من التغيير الجوهري في نفس المريد، لأنهم لا يعرفون حقيقة الانتماء إلى الدين، وإنما يستعملون طرقًا أخرى للتأثير على الشباب منها الخرافات وقدرة الشيخ على التأثير، وزعمه علم الغيب".

وبالنسبة لطبيعة البرنامج المتعارف عليه عند الصوفية، وفقا لـ" حنونة"، فإنها غالبًا تكون مجالس ذكر تسمى بـ" الحضرة" بعد صلاتي الفجر والمغرب، حيث يُقرأ فيها ورد الطريقة جماعةً، ولكن الملاحظ أن مشاركة المريدين في هذه المجالس قليل، لافتًا إلى أن بعضًا منها تعقد داخل منازل بعض الشيوخ أو المريدين، أو ديوان عائلة".

 

الصوفيون والسياسة

الجدير ذكره أن السلطة الوطنية الفلسطينية كانت قد أسّست عام 1996 المجلس اﻹسلامي الصوفي اﻷعلى في فلسطين، لـ "تنظيم مسار العمل الصوفي، والتعريف بمنهجه، وتعزيز الإسلام الوسطي، القائم على الكتاب والسنّة"، إلا أن المجلس توقف لفترة بعد وفاة الرئيس الراحل ياسر عرفات، قبل أن يُعاد افتتاحه مرة أخرى.[9]

من جانب آخر، لا يخفى على أحد طبيعة التجاذبات السياسية التي تعيشها البيئة الفلسطينية عمومًا، وتعدّد الأحزاب على اختلاف أفكارها وأيدولوجياتها، إلا أن الصوفيين حافظوا على علاقات طيبة مع جميع الأحزاب، ومن ثمّ لا يوجد اهتمام كبير ممّن يدير القطاع بالصوفية، لكون هذه الحركات غير مسيسة، ولا تنافس على السلطة، ولأن مشايخ الصوفية أيضًا لا يشكّلون تحدّيًا فكريًا ولا سياسيًا، ولا يمنعون أتباعهم من الانضواء تحت التجمعات السياسية المختلفة.



[1]  https://bit.ly/3LwHFs0

[2]  https://bit.ly/3RvObTz

[3]  https://bit.ly/3t93Eic

[4]  المصدر السابق

[5]  المصدر السابق

[6]  المصدر السابق

[7]  بدوان، منذر، "الطرق الصوفية في قطاع غزة- عرض ونقد", بحث ماجستير منشور في الجامعة الإسلامية- غزة، 2018.

[8]  المصدر السابق

[9]  https://bit.ly/45RM6pr