السنوار والطوفان.. كيف ألهمت البطولات الفلسطينية الدراما التركية؟!

السنوار والطوفان.. كيف ألهمت البطولات الفلسطينية الدراما التركية؟!
تحميل المادة

المكان: القدس المحتلة
الزمان: 11 كانون الثاني/ يناير 2010
الموقع: وزارة خارجية الاحتلال

في غرفة تحتوي على علم واحد وهو علم الاحتلال، وفي أحد جانبيها وُضِعت مقاعد مرتفعة، وعلى الجانب الآخر كرسي منخفض، على المقاعد المرتفعة يجلس نائب وزير خارجية الاحتلال آنذاك "داني أيالون" ومعه مسؤولان آخران.

جُهزت الغرفة وكأنها مسرح لفيلم سيجري تصويره بعد قليل، وبعد القليل هذا دخل "أحمد أوغوز" سفير أنقرة لدى الاحتلال حينها إلى الغرفة المعدة له خصيصًا ليجلس على الكرسي المنخفض، وفور دخوله دخلت كاميرات الصحفيين تلتقط المشهد الرئيس من الفيلم. قادة الاحتلال يجلسون على مقاعد مرتفعة وبجانبهم علم الاحتلال وحده، ويجلس مقابلهم السفير التركي على مقعد منخفض، وبينما الكاميرات منشغلة بهذا المشهد المهين جاء صوت باللغة العبرية يقول: "لاحظوا أنه يجلس على كرسي منخفض ونحن نجلس على كراسي مرتفعة، وأن هناك علمًا إسرائيليًا فقط، وأننا لا نبتسم" كان هذا الصوت صوت أيالون.

لم يكن هذا المشهد الذي فجّر أزمة دبلوماسية كادت أن تعصف بعلاقات الكيان مع تركيا بسبب مشاكل حدودية، أو اشتباك طرأ بين الجيش التركي وجنود الاحتلال، بل كان بسبب مشهد جاء في المسلسل التركي الشهير "وادي الذئاب" يصور الممثلين وهم يرتدون زي ضباط جهاز الأمن الداخلي للاحتلال "الشاباك" وهم يختطفون أطفالًا رضعًا. صحيح أن الأزمة جرى "تبريدها" عبر اعتذار إسرائيلي رسمي لكن هذه الحادثة كانت فاتحة لحوادث أخرى استلهم فيها صانع الدراما التركية من النضال الفلسطيني حينًا، ومن المعاناة حينًا آخرًا قصصه وحكاياته.

في تشرين الأول/ أكتوبر من العام السابق على الحادثة المشار إليها، أي في العام 2009 بدأ التلفزيون التركي في بث مسلسل "الانفصال: فلسطين بين الحب والحرب"، والذي عُرِف عربيًا آنذاك بـ "صرخة حجر"، تناول هذا المسلسل القضية الفلسطينية ومعاناة الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال الإسرائيلي، ويُظهر المسلسل جنودًا إسرائيليين وهم يتلذذون بقتل رضيع فلسطيني بحضن والده، ويظهر مشهد آخر إعدام أسرى فلسطينيين دون محاكمة، الأمر الذي زعمته "إسرائيل": "يحض على الكراهية ويعادي السامية".

ذات المسلسل بيع فور عرضه على التلفزيون التركي، إلى أشهر قناة عربية مختصة بالمسلسلات التركية آنذاك وهي MBC، بعد دبلجته إلى اللغة العربية وتسميته بـ "صرخة حجر" الأمر الذي أثار سخط الاحتلال وجمهوره الذي طالب بوقف بث قناة MBC وحجبها عن الجمهور لأن المسلسل الذي وصفته الخارجية الإسرائيلية حينها بأنه "مسلسل لا يليق حتى بدولة عدو" في إشارة إلى العلاقات الوثيقة التي تجمع تركيا مع الاحتلال، قد بات يستهدف جمهورًا ناطقًا باللغة العربية يتجاوز تعداده 400 مليون نسمة بعدما كان يستهدف جمهورًا ناطقًا باللغة التركية فقط، وقد حقق المسلسل انتشارًا واسعًا في المنطقة العربية ووصفته صحيفة الوسط البحرينية بأنه "ذا نفس ملحمي يدافع عن أعظم قضية لدى العرب".

سفينة مرمرة تُلهم بطل "وادي الذئاب"

حادثة السفينة الشهيرة باسم "أسطول الحرية"، والتي كانت متوجهة لكسر الحصار عن قطاع غزة بقيادة هيئة الإغاثة التركية وعلى متنها نشطاء أتراك ومسلمون وعرب وما حدث حينها من هجوم إسرائيلي استهدف السفينة أدّى إلى ارتقاء 10 نشطاء أتراك وإصابة 60 آخرين؛ كانت إحدى المنعطفات الخطيرة والصعبة والشائكة في علاقات تركيا مع الاحتلال على المستوى السياسي والدبلوماسي والتبادل التجاري، لكن هذه الحادثة لم تمرّ دون أن يكون للدراما التركية كلمتها أيضًا في هذا الشأن.

بعد أقل من 6 أشهر على هذه الحادثة كان فيلم "وادي الذئاب فلسطين" يُعرَض في دور السينما وعبر شاشات التلفزة وأبطاله هم أنفسهم أبطال"مسلسل وادي الذئاب" أصحاب الصيت الذائع في المنطقة العربية آنذاك بأسماء "مراد علمدار، عبد الحي، ميماتي"، فقد صوّر المسلسل حكاية تركي كُلِّفَ بالانتقام من الضابط "موشي بن أليعازر" الذي نفّذ الهجوم على السفينة.

يحط "مراد" رحاله في القدس ويقول كلمته الشهيرة التي أصبحت "تريند" وقت بث المسلسل عندما أوقف على حاجز إسرائيلي وسُئِل عن سبب قدومه إلى "إسرائيل": "لم آتِ إلى إسرائيل، أنا أتيت إلى فلسطين"، وبعد سلسلة من الاشتباكات يتمكن "مراد" من إصابة "أليعازر" في عينه ومن ثم قتله. وبعد عرض الفيلم في المنطقة العربية شاهده قرابة 40 مليون شخصًا ولقي رواجًا واسعًا وانتشارًا كبيرًا.

عبد الحميد.. يثير حفيظة أحفاد هرتزل

في العام 2017 بدأت القناة التركية الرسمية بث عمل ضخم وكبير حمل اسم "عاصمة عبد الحميد" وصوّر الـ 13 سنة الأخيرة من حكم السلطان عبد الحميد الثاني آخر سلاطين الدولة العثمانية قبل انهيار الإمبراطورية وتأسيس الجمهورية.

المسلسل الذي عرض سيرة السلطان عبد الحميد كان لفلسطين، بالتأكيد، جزء رئيس منه حيث الصراع الشهير بين الصهيونية العالمية بقيادة "ثيودر هرتزل" والدولة العثمانية بقيادة عبد الحميد الثاني، فقد حاول الصهاينة آنذاك إغراء الدولة العثمانية بالأموال وسداد ديونها المتراكمة مقابل إعطاء حق لليهود ليسكنوا أرض فلسطين، الأمر الذي رفضه السلطان عبد الحميد.

يعرض المسلسل كذلك حوارات داخلية جرت بين ثيودر هرتزل وأبيه الذي يلومه على أفكاره الصهيونية ويقول له بغضب إن الله لم يعد اليهود بأرض فلسطين، ويعرض المسلسل كذلك محاولة الاغتيال الفاشلة التي تعرض لها عبد الحميد، حيث تبرز المشاهد بوضوح هوية القاتل اليهودي الذي يمسك بنجمة داوود بين يديه.

شكّل هذا المسلسل المحطة الثالثة من محطات الغضب الإسرائيلي تجاه الدراما التركية، فقد ضغط الاحتلال وجهات أوروبية أخرى، بحسب ما كشف كاتب المسلسل، من أجل إيقاف بثه وتصويره، ووصفه الاحتلال بأنه "مليء بالأكاذيب التي تشعل الكراهية ضدّ اليهود" بينما رد كاتب المسلسل "سلمان كاياباش" على هذا الهجوم بأنهم "في مسلسل السلطان عبد الحميد نحاول أن نشرح التاريخ الحقيقي" موضحًا أنهم "بعد هذا الهجوم ضدنا قررنا أن نستمر في عرض المسلسل وبمزيد من الاحترافية".

نفق الحرية - نور خرج من "جلبوع" إلى إسطنبول

صبيحة الـ 6 من أيلول/ سبتمبر من العام 2021 استيقظ العالم على خبر صدم العالم، فقد تمكّن 6 أسرى فلسطينيين بينهم 4 أسرى محكومون بالسجن المؤبد من الهروب من سجن "جلبوع" أحد أكثر السجون الإسرائيلية تحصينًا عبر حفر نفق من داخل الزنزانة وصولًا إلى أسفل برج المراقبة.

هذه الحادثة التي أثارت تفاعلًا عالميًا على مدار أسبوع من الهروب والمطاردة قبل أن تتمكن قوات الاحتلال من إعادة اعتقالهم في مناطق مختلفة من الداخل الفلسطيني المحتل، ألهمت صانع الدراما التركية مرة أخرى.

المسلسل الاستخباراتي "تشكيلات" والمعروف عربيًا بـ "المنظمة" قدّم قصصًا قال فريق العمل إنّ الكثير منها حقيقي؛ صوّرت بعضها بعد حادثة "جلبوع"، منها حلقة كاملة، تناولت مهمة متخيلة لفريق الاستخبارات التركي داخل فلسطين المحتلة؛ يتعمد أحد أعضاء الفرقة فيها افتعال مشكلة ودخول السجن ومن ثم يساعد عددًا من الأسرى الفلسطينيين في الهروب، ليقوم الفريق الآخر بإكمال مهمة إخفائهم.

صحيح أن المشهد درامي ولا يمت للواقع بصلة، لكنه، ومجددًا، يُظهِر مدى تأثير النضال الفلسطيني على صناع الدراما التركية الذي يجدون بين حينٍ وآخر في القصص التي تخرج من فلسطين مصدر إلهام لهم ولأعمالهم.

 الطوفان.. كلمة الإثارة في الدراما التركية

وسط حالة من التوتر، يرفع بطل المسلسل مسدسه نحو رأس زعيم العصابة، ويمهلهم دقائق ليسلموا أنفسهم.

يرد عليه زعيم العصابة: وإن لم نسلِّم ماذا سيحدث؟ 

يجيب البطل: بعد ذلك الطوفان.


كلمة "الطوفان" باتت تتردد باستمرار في مشاهد "الأكشن" والإثارة والاشتباكات في الدراما التركية وفي العديد من المسلسلات وأشهرها حاليًا مسلسل "تشكيلات". صحيح أن الكلمة موجودة في اللغة التركية، وبعض الأتراك يطلقون على أبنائهم اسم "طوفان" لكن استخدام الكلمة في السياق الدرامي شهد استحداثًا وكثافة بعد بدء معركة طوفان الأقصى وبمعاني متعددة تشير إلى البطولة والإثارة والمقاومة.


يحيى السنوار.. جندي في جيش محمد الفاتح!

بعد معركة حامية الوطيس، ارتقى بها عدد كبير من الشهداء، جاء القائد رفقة شيخه يتفقدون جثث الشهداء..

جميعهم كانوا قد استلقوا على الأرض إلا شهيدًا واحدًا، ارتقى جالسًا وهو يحمل العصا بيده..

يقترب الشيخ من هذا الشهيد الجالس وبيده العصا ويقول:

يا يحيى!

ماذا فعلت يا يحيى؟!

طلبت الشهادة ونلتها

يرد القائد: مات ولكن.. لم يُهزم..

كم هو فخر لنا.. لدينا أبطال يقدمون أرواحهم من تحت الرماد..

ثم يسأل القائد شيخه: يا شيخي، ذكرت اسمه، هل تعرفه؟

يجيب الشيخ: حدَّثوني عن بطولاته.. أظهر شجاعة خارقة.. ولم يعطِ الأمان لأعدائه.. حتى أنهم خافوا من جسده بعد وفاته.. ولم يقتربوا منه..

ينهي القائد الحديث بقوله: اسمه يحيى وبطولاته لن تمحى.. حتى القدس..

بدماء هؤلاء الأبطال وإيمانهم يظل الإسلام رأسه مرفوعًا..


هذا الحوار لم يكن من فيلم وثائقي يوثّق لاستشهاد يحيى السنوار، ولا لحديث حول كيفية استشهاده وذكر بطولته، بل جاء في "مسلسل السلطان محمد الفاتح" التاريخي، فقد صوّر المسلسل بطلًا من أبطال الجيش العثماني الذي فتح القسطنطينية اسمه يحيى، يرتقي جالسًا، وبيده عصاة، واسمه يحيى، وأخاف أعداءه حيًا وميتًا.

وأخيرًا..

ما سبق كان عرضًا متسلسلاً للحضور الفلسطيني في الدراما التركية المنتشرة في فلسطين والمنطقة العربية، وإبراز هذا الحضور الذي رافقه ردود فعل عاصفة كادت في مرحلة من المراحل أن تنهي العلاقات التركية/ الإسرائيلية، وتسببت بمشاكل أخرى مع السعودية المالكة لسلسلة قنوات MBC يعني أن القضية الفلسطينية منذ سنوات وهي تُشكّل مصدر إلهام لصناع الدراما التركية وغيرها من جهة، وتعني كذلك أن هذه "القوة الناعمة" تلعب دورًا مهمًا في تشكيل وعي الشعوب وتوجيههم وشكلًا من أشكال الدعاية الهامة التي أغضبت الاحتلال في محطات عدة، تماما كما غضب ستالين من سطوة الكنيسة ومدى تأثيرها بقوله "كم فرقة عسكرية يمتلك البابا؟!"

كما أغضبت هتلر في الحرب العالمية الثانية بذات الدرجة التي غضب بها "أيالون" بعد 6 عقود من مسلسل وادي الذئاب حتى قال "أي هتلر": "أثناء الحرب كنت وأنا أتتبع نشاط العدو [يقصد الإنجليز] في هذا الحقل [أي الدعاية] كنت أتميز غيظًا لإغفالنا نحن عن هذا السلاح الفعال… وكانت النتيجة تفوقًا خارقًا للعدو وخيبة لنا".