الصهيونية ودروز فلسطين (2) الرحلة نحو البندقية الإسرائيلية - قراءة تحليلية في كتاب دروز في زمن الغفلة

الصهيونية ودروز فلسطين (2) الرحلة نحو البندقية الإسرائيلية - قراءة تحليلية في كتاب دروز في زمن الغفلة
تحميل المادة

على سبيل التقديم

بعد الجزء الأول من مراجعة كتاب "دروز في زمن الغفلة .. من المحراث الفلسطيني إلى البندقية الإسرائيلية"، والذي تناول المرحلة التاريخية الممتدة منذ بداية القرن العشرين حتى ما قبل النكبة، والاهتمام الصهيوني المبكر بالدروز، ومشاريع تهجيرهم إلى جبل الدروز في سوريا، ومواقف الطائفة على مشارف النكبة. يقدّم أحمد العاروري مراجعته، في هذا الجزء الثاني والأخير، للمرحلة التي تلت النكبة الفلسطينية والمشاريع الصهيونية الموجهة نحو الطائفة الدرزية بما أفضى إلى وضعيتها الراهنة، مع متن عام يسوده التجنّد في جيش الاحتلال، وأجهزته الأمنية، والغرق في المنظومة الإسرائيلية.

لعلّه يجدر التنويه هنا إلى أنّ الكاتب انطلق من محاولة تقديم رواية تاريخية أخرى سوى الرواية الإسرائيلية للسيرورة التاريخية التي أفضت إلى الراهن الدرزي، ما أدّى إلى التوسّع في إظهار الجانب الرافض في الطائفة لخطط الاحتلال، والتوسّع في الإشارة إلى الظرف الموضوعي، والتدافع التاريخي الذي أدّى إلى النتيجة الماثلة أمامنا. وبقدرِ ما يبدو هذا ضروريًا ومهمًا، إلا أنه يجدر الانتباه إلى أنه لا يجوز أن يكون ذلك محاولةً لإحالة الإدانة إلى الظرف الموضوعي، على حساب إدانة فعل التعاون مع الاحتلال بصفته فعلًا يرتكز، إضافةً إلى الظرف الموضوعي، إلى توجّهٌ ذاتيٍّ يستحق التعرية والمواجهة، لا بصفته فعلًا درزيًا، بل لا وطنيًا، بحيث لا تنسحب إدانة الفعل إلى إدانة الطائفة نفسها.

التحرير

 

نكبة 1948 كانت الهزة الأقسى للمجتمع الفلسطيني الذي تشتت مئات الآلاف منه في الدول المجاورة ونحو المنطقة الوسطى من فلسطين (الضفة الغربية وقطاع غزة)، بعد تدمير مئات القرى في حملات عسكرية شنّتها العصابات الصهيونية للسيطرة على أكبر مساحة ممكنة من البلاد، في ظل مقاومة عربية وفلسطينية على أكثر من جبهة بما توفر من عتاد وسلاح، استطاعت حماية ما تبقى من بلاد حتى يومنا هذا، من التهجير.

كان دور الطائفة الدرزية في الحرب مشوشًا ومعقّدًا، إن جاز التعبير، بين المشاركة الفعلية في الحرب إلى جانب المقاتلين العرب والفلسطينيين، خاصةً من جانب أبناء الطائفة في سوريا ولبنان، وبين اتصالات لم تنقطع بين قادة الحركة الصهيونية الموكلين بالشؤون العربية مع شخصيات درزية فلسطينية عملت بكل قوّتها لمنع انضمام كل الطائفة إلى القتال، ولتحييد من اختار المواجهة، وجني مكاسب ارتباطها مع الحركة الصهيونية منذ سنوات.

كان دور الطائفة الدرزية في حرب النكبة مشوشًا ومعقدًا، ففي القت الذي شاركت أعدادٌ من الدروز، لا سيما المتطوعين من سوريا ولبنان تحت لواء "فوج العرب"، في الحرب ضد العصابات الصهيونية؛ تنقل الوثائق عن اجتماع بين قادة صهاينة ووجهاء دروز أن الدروز الحاضرين أخبروا أنهم سيمنعون المقاتلين الفلسطينيين من الدخول إلى قراهم، بينما سيعجزون عن عدم استقبال الدروز القادمين من سوريا ولبنان

 

دروز "فوج جبل العرب"

انضم 500 متطوع درزي من جبل الدروز إلى قوات فوزي القاوقجي، ووصلوا إلى شفا عمرو في نهاية آذار/ مارس 1948، ويظهر من الوثائق الإسرائيلية أن جهاز "شاي" عجز عن توفير معلومات استخباراتية عن الفوج من عملائه في الطائفة الدرزية، بسبب إحجامهم عن "إلحاق الضرر بأبناء طائفتهم، فاستعان بمخبريْن من خارج الطائفة هما "عبد الحميد براق وأبو نصر"، كما يرد في التقارير الاستخباراتية. وبالتزامن مع استعدادات "فوج جبل العرب" شكّل دروز جبل لبنان مجموعتين: إحداهما بقيادة نهاد أرسلان شقيق مجيد أرسلان وزير دفاع لبنان حينها، وأخرى من جبل الشيخ بقيادة كمال كنج أبو صالح.

استغلت الحركة الصهيونية مشاعر "القلق" لدى طيف من دروز شفا عمرو وعسفيا، النابعة من كون وجود المقاتلين فيهما سيؤثّر على وصول الأهالي إلى حقول القمح في سهل مرج ابن عامر. وعقد الصهاينة لقاءً مع وجهاء دروز بينهم نجيب منصور بحثوا فيه مسائل مختلفة بينها مقاتلو "فوج العرب". وتنقل الوثائق عن مجتمعين أن الدروز الحاضرين في الاجتماع أخبروا النشطاء الصهاينة أنهم سيمنعون المقاتلين الفلسطينيين من الدخول إلى قريتهم، بينما سيعجزون عن عدم استقبال الدروز القادمين من سوريا ولبنان، واقترح الصهاينة حينها رشوة شكيب وهاب قائد فوج العرب بالمال لتحقيق انسحابه من البلاد، وتزامنت هذه التطورات مع تشكيل مجموعة درزية من قرية عسفيا، لمهاجمة طرق مواصلات القوات الصهيونية في الكرمل.

المشاركة الأولى للمتطوعين الدروز في المعارك ضد العصابات الصهيونية، كانت بعد نداء النجدة الذي أطلقه فوزي القاوقجي لفك الحصار عن قواته في مستوطنة "مشمار هعيمك"، وفي 12 نيسان/ إبريل 1948 فتح مقاتلو "فوج جبل العرب" النار على مستعمرة "رمات يوحنان"، وفي اليوم التالي شن لواء "كرملي" الصهيوني هجومًا مباغتًا على مواقع الفوج، ليقابَل بمقاومة شديدة اعترف موشيه كرمل قائد اللواء بها: "لأول مرة يواجه اللواء عدوًا يتمتع بقدرات قتالية أعلى كثيرًا من قدرة المقاتلين العرب… لقد تزعزعت المعنويات قليلًا وانخفضت الثقة بقدراته".

معركة "رمات يوحنان" فتحت الجبهة على معركة أخرى لها ما بعدها، في تاريخ مشاركة الدروز في الحرب ضد الحركة الصهيونية. ففي 16 نيسان/ إبريل هاجم لواء "كرملي" مواقع "فوج العرب" في "هوشة" و"الكساير" التي كان فيها عدد قليل من الجنود، إذ كان قسم منهم يعود إلى شفا عمرو بسبب نقص الإمكانيات اللوجستية.

بعد سقوط "هوشة" و"الكساير" في يد القوات الصهيونية، شن المتطوعون العرب والدروز هجمات شرسةً على المواقع الصهيونية وصلت إلى حد الاقتتال وجهًا لوجه وبالسلاح الأبيض، وتقول المصادر الصهيونية إن خسائر العصابات الصهيونية بلغت 25 قتيلًا بينما تذكر المرويات التاريخية العربية أن أكثر من 85 درزيًا استشهدوا في النزال.

 

جهود تمزيق "فوج جبل العرب"

بعد معركة "هوشة" و"الكساير" قررت الحركة الصهيونية تفتيت "فوج جبل العرب"، وأوكلت مخابرات "الهاغاناة" هذه المهمة إلى "غيورا زايد" ضابط الاستخبارات الذي عمل بين الدروز والبدو. وتروي المرويات التي ينقلها كتاب فرو أن لبيب أبو ركن اقترح على زايد ترتيب لقاء مع بعض ضباط الفوج بينهم إسماعيل قبلان.

ودون علم قائد الفوج شكيب وهاب كما يؤكّد فرو اجتمع النشطاء الصهاينة مع قبلان، تحت شجرة قرب قرية هوشة، ولاحقًا عقد اجتماع آخر بحضور موشيه دايان اتفق فيه الطرفان على أن يمنع ضباط الفوج المتعاونون مع الصهاينة رفاقهم من شن هجمات على القوات الصهيونية ويقنعوهم بالانشقاق عن الفوج.

يروي خليل القنطار أحد النشطاء الدروز الذي حضر إلى فلسطين، في عام 1936، في مذكراته أنه أقنع أربعة ضباط من الفوج بالاجتماع مع النشطاء الصهاينة، وبعد لقاءات مع دايان وضباط صهاينة آخرين، اجتمع الطرفان في بيت نسيب العريضي في شفا عمرو بحضور جدعان هاني عماشة الذي قدم إلى فلسطين للمشاركة في الثورة الكبرى، قبل أن يرتبط مع الاستخبارات البريطانية ثم "الهاغاناة"، ووصف القنطار نتائج اللقاء: "لقد نجحنا… ووهاب لا يوجد عنده فكرة أن كتيبته لم تعد تابعةً له".

يظهر من رسائل شكيب وهاب إلى قيادته في دمشق يأسه من الحالة "المزرية" التي وصل لها الفوج، وتزامن هذا مع تزايد قلق أهالي قرى الجليل والكرمل وخوفهم على محاصيلهم وضغوطات النشطاء الصهاينة على أهالي شفا عمرو لدفع وهاب للانسحاب مع من تبقى من جنود من المنطقة.

تكشف وثائق لجهاز "شاي" أنّ وهاب عقد اجتماعًا في شفا عمرو مع لجنة من الجهاز، في بيت الشيخ الدرزي صالح خنيفيس، وتروي المرويات التاريخية الإسرائيلية أن "الطرفين اتفقا على وقف الأعمال العدائية مقابل سيطرة وهاب على جيب في الجليل الغربي يضم قرى درزيةً، وتشكيل حكم شبه مستقل فيه ووضع مدينة عكا تحت سيطرته، على اعتبار أنها ستكون تابعةً للدولة الفلسطينية، وفقًا لقرار التقسيم".

يرى فرو أن فكرة "الجيْب الدرزي" ربما تكون من أفكار الشيخ جبر داعش معدي، لكن الاتفاق كان أشبه بــ"وعد إبليس بالجنة" بعد أن شنت القوات الصهيونية هجومًا بعد أيام في اتجاه عكا وصولًا إلى نهاريا، ويشير إلى أن تأخر مخابرات "الهاغاناة" في كتابة التقارير حول الاجتماع مع وهاب يثير تساؤلات حول أسباب عدم إفصاح جهاز "شاي" عما جرى في الاجتماع.

 

"تكتيكات" ضم الدروز… وحدة الأقليات

"إن مسألة جمع المحاصيل، في كثير من مناطق البلد، تخدمنا، إنها ورقة مهمة في أيدينا. والدليل على ذلك هو السماح للدروز في شماليّ البلاد بجني محاصيلهم، بينما مُنِعَ سكان القرى المجاورة من عمل ذلك، وهم يهيمون حولها جائعين"، يلخص هذا التقرير لوزارة الخارجية الصهيونية سياسة احتواء القرى الدرزية خلال حرب 1948 وبعدها.

في موسم الحصاد سعى النشطاء الصهاينة لجني نتائج سياساتهم بين الطائفة الدرزية. نظم "غيورا زايد" جولةً مع لبيب أبو ركن في عسفيا ودالية الكرمل لتجنيد متطوعين دروز للخدمة العسكرية في القوات الصهيونية، وينقل كتاب البروفسور فرو عن شهادات شفهية أن اجتماعًا عقد في بيت سليمان أبو ركن ضم غيورا زايد، ومردخاي شيخفتش، ولبيب أبو ركن وتقرر فيه تجنيد متطوعين دروز للجيش.

وفي معسكر "نيشر" انضمّ المتطوعون الدروز إلى آخرين من البدو والشركس لتشكيل ما يعرف باسم وحدة "الأقليات"، ويروي غيورا زايد أن أوّل فوج من المتطوعين الفلسطينيين في الجيش الصهيوني كان من "عرب الهيب" من بدو الشمال بقيادة حسين بن محمد العلي، الذين عملوا مع وحدات "البالماخ"، وانضم إليهم لاحقًا دروز من الكرمل وبدوٌ من قبيلتي "المزاريب" و"الحجيرات"، ثم شراكسة من قرية كفر كما في الجليل الأوسط.

قرر القادة الصهاينة أن تبقى "وحدة الأقليات" خارج الإطار الرسمي للجيش الصهيوني، وأن تكون على اتصال مع الشعبة السياسية في وزارة الخارجية ومن الناحية العسكرية مع شعبة العمليات في هيئة الأركان، في إطار الأعمال الاستخباراتية. ونُظّمت المجموعات المنضوية تحت الوحدة كلٌّ وفقًا لانتمائه الإثني والطائفي، ونفذت مهمات في جبهات مختلفة، بينها ما كان خلف خطوط الجيش السوري. وتروي الوثائق الإسرائيلية أن قيادة هذه المجموعات كانت ليسرائيل بن يهودا الملقب باسم "عبدو"، وضمت أيضًا موارنة من جنوب لبنان.

سياسة دق الأسافين بين الدروز وبقية العرب تظهر في سياسة إخفاء نشاطات الوحدات غير اليهودية الأخرى سوى وحدات الدروز، والتي نفّذ بعضها مهمات سرقة ونهب في مناطق مختلفة، في فلسطين، بينما استخدمت المتطوعين الدروز في الدعاية لــ"وحدة الأقليات" وحرصت على وصفها بأنها "وحدة درزية".

 

الطريق إلى الجيش

في البدايات، اقترحت قيادات في الدولة الصهيونية تجنيد كل الشبان العرب باختلاف طوائفهم، ويذكر البروفسور فرو أن مدير مكتب "الأقليات" في حيفا، موشيه يتاح، رأى أن تجنيد كل العرب الذين بقوا بعد النكبة "يعزز العلاقات معهم". وفي عهد رئاسة موشيه شاريت لحكومة الاحتلال فُتحت مكاتب لتجنيد الشبان العرب في الناصرة وقرية الرينة، لكن ديفيد بن غوريون كان له رأي آخر.

بعد عودة بن غوريون إلى رئاسة الحكومة، في عام 1955، عارض تجنيد كل العرب في الجيش وفضَّل تطويع الدروز والشركس فقط. ورغم قرار قيادة جيش الاحتلال حلّ "وحدة الأقليات" إثر نضوب مصادر التمويل لها، قرر بن غوريون الإبقاء عليها، بعد طلبات من قائدها طوفيا ليشنسكي ونائبه أمنون يناي وغيورا زايد، لأن هذا القرار من وجهة نظرهم يضر بـ"العلاقات مع الدروز".

طمع بن غوريون من خلال "وحدة الأقليات"، كما يؤكّد فرو، إلى تعزيز العلاقات مع الطائفة الدرزية في فلسطين والبلاد المجاورة، لكن في الواقع لم تكن حال هذه الوحدة "ورديةً" عقب  تناقص المتطوعين فيها بعد شهور، وتمرد جنود آخرين على أوامر ضباطهم، بسبب التمييز في الرواتب لمصلحة الجنود اليهود، وهو ما دفع المستويات السياسية والعسكرية إلى طرح خطة "تجنيد احتياطي".

في تقريره الذي قدّمه لقيادته كشف أمنون يناي عن معارضة الزعيم الروحي للطائفة الدرزية، الشيخ أمين طريف، لتجنيد الشبان الدروز في الجيش، ورغم وعودات قادة الطائفة الذين اجتمع معهم "يناي" لاحقًا بتسهيل حملة التجنيد إلا أن النتائج لاحقًا أظهرت أن قسمًا منهم حرض رجاله وأبناء عائلته على الرفض.

تقرير لجهاز "الشاباك" في تلك الفترة أظهر أن معارضة "التجنيد" بين قادة في الطائفة يعود إلى "مواقفهم من الدولة ومواقف الطائفة من إسرائيل والعرب". ويروي فرو أن جبر داهش معدي أحد زعماء الطائفة أبدى تحفظات على التجنيد، ويربط "يناي" بين معارضة معدي للتجنيد ومطامحه للتأثير في السياسة الداخلية الإسرائيلية، إذ يزعم أن الأخير ربط بين الموافقة على التجنيد، وعقد لقاء معه في بيت آبا حوشي.

 بينما سارع صالح خنيفيس ولبيب أبو ركن، اللذين ارتبطا بعلاقات قديمة مع الحركة الصهيونية، إلى فتح مقرات لتجنيد الشبان لجيش الاحتلال. وفي معارضته للتجنيد استخدم الشيخ أمين طريف سلاح "الحرمان الديني"، وتؤكد الوثائق التاريخية أن حملته امتدت من دالية الكرمل إلى البقيعة وحرفيش وسائر القرى الدرزية، وهو ما ساهم في عرقلة خطة "التجنيد الاحتياطي ب".

هذا التعارض بين التيارات داخل الطائفة، انعكس أيضًا تضاربًا في التعبير عن دوافع مواقف كل فئة في التعامل مع قضية "التجنيد". بينما اتهم معارضو الشيخ أمين طريف الرجلَ بأنه "معادٍ لدولة إسرائيل"، قال الفريق الموالي له إنهم يريدون تنحية قادة "وحدة الأقليات" المنحازين إلى فئة على حساب أخرى في الطائفة، لكن  شهادة من نحمان طال أوردها فرو تكشف أن الشيخ طريف هدد النساء الدرزيات بالامتناع عن المصادقة على زواج جنود دروز، وهو ما وقع فعلًا حين امتنع عن المصادقة على زواج صبري عمار، وهو جندي من قرية جولس.

 

صراع على "الشرعية"

الصراع مع الشيخ أمين طريف امتد إلى المواسم الدينية. في كل ربيع تحتفل الطائفة الدرزية في مقام "النبي شعيب"، لكن في العام الذي شب فيه الخلاف حول قضية التجنيد لم يتمكن الشيخ من الوصول إلى المقام، ودعا بدلًا من ذلك المشايخ إلى الاجتماع في مقام "النبي سبلان"، وهو ما عدّته قيادات عسكرية وأمنية صهيونية محاولةً سياسيةً منه لاختراع عيد ديني يعزز فيه نفوذه، ودفع قرار قائد جيش الاحتلال في الشمال إغلاق المنطقة قبل يوم من الاجتماع لـ "دواع أمنية"، الشيخَ إلى الاحتجاج واتهام قيادات "وحدة الأقليات" بأنهم خلف القرار.

عدّ تقرير لجهاز "الشاباك" عن تلك المرحلة أن الخلاف بين وجهاء الطائفة يأتي لاعتبارات متعددة "مصلحية وسياسية"، وأعاد الخلاف إلى انتخابات "الكنيست" الثانية التي تنافست فيها قائمتان داخل الطائفة، ويرى الجهاز أن لبيب أبو ركن مدعوم من قائد "وحدة الأقليات" بينما تربط الشيخان أمين وسلمان طريف علاقات مع آبا حوشي، وأشار التقرير الذي يعرضه كتاب فرو إلى تصريحات سابقة للشيخ طريف يحذّر فيها من "التجنيد الإجباري" واصفًا إياه بأنه يجلب "قيمًا أخلاقية سيئة" للشبان الدروز ويضع الطائفة في خلافات مع الدول العربية المجاورة.

التقرير يفصِّل مواصفات شخصيتي صالح خنيفس وجبر معدي، كما يراها، فيرى أن خنيفس من "عائلة محترمة لكنها غير بارزة" في الأوساط الدرزية، ويذكر أنه كان على علاقات مع الحركة القومية العربية قبل أن يرتبط بالحركة الصهيونية بعد مقتل أبيه، بينما وصف الشيخ معدي بأنه "شرس، ومستعد للقتل، وزعيم، وطامح للوصول للسلطة، وله نفوذ كبير"، وأقام أيضًا علاقات مع القوات العربية خلال حرب النكبة، قبل أن يغّير مواقفه.

مجدّدًا، عادت قيادات الدولة الصهيونية لاستغلال الخلافات بين الطوائف العربية حتى في الدول المجاورة لفلسطين، لكسر أي معارضة درزية لسياسات الاحتواء. ففي بدايات 1954 استغل الساسة الصهاينة أخبار تنكيل أديب الشيشكلي، رئيس الجمهورية السورية حينها، بالدروز في جبل العرب لإثارة الرأي العام الدرزي في الكرمل والجليل، وطمس الخلاف حول قضية التجنيد الإجباري، من خلال تغطية إعلامية واسعة عبر الصحف الإسرائيلية.

موشيه شاريت وصف في مذكراته الخلافات داخل الطائفة الدرزية بأنها "أوجعت رأسه"، وعن لقاء عقده مع الشيخ أمين طريف يصف الأخير بأنه "يتجه في نظره إلى الدروز في الجهة الأخرى من الحدود، أي في سوريا ولبنان، وينصح لأبناء طائفته ألا يهدموا الجسور مع العالم العربي من خلال مزيد من الخنوع لإسرائيل".

بعد لقاء طريف وفريقه مع شاريت تراجعت محاولات سحب "الشرعية القيادية عنه"، تزامن ذلك مع اندفاع الشيخ جبر معدي نحو الدعوة إلى التجنيد، حتى أنه طالب بإقامة ميلشيا درزية تتصدى للمقاتلين الفلسطينيين الذين يتسللون إلى البلاد.

 

تغيير "مختار العرب"

يعزو البروفسور فرو التغييرات في مواقف هذه القيادات من قضية "التجنيد"، إلى تغير في "مبنى العلاقة بين الرعاة الإسرائيليين معهما". في بداية 1954 رحل يهوشواع بالمون الذي كان يلقب بــ"مختار العرب" عن منصبه مستشارًا لرئيس حكومة الاحتلال لشؤون العرب، تزامنًا مع تنحي أمنون يناي عن قيادة "وحدة الأقليات"، وبرز دور آبا حوشي في رعاية العلاقة مع القيادات العربية المتعاونة مع الدولة الصهيونية، وفي أرشيف الأخير مجموعة من الرسائل التي يطلب فيها وجهاء عرب تدخله لتحقيق مصالح أو طلبات من الأجهزة الحكومية.

هذه التطورات لم تعزّز التوجهات بين الشبان الدروز نحو "التجنيد" في الجيش الصهيوني، وتذكر الوثائق أن أعدادًا كبيرة من الدروز رفضت "التجنيد" في بدايات سنة 1955، وهو ما دفع يعقوب تسفيه قائد "وحدة الأقليات" الجديد الطلب من الحاكم العسكري في شماليّ فلسطين المحتلة إجبارهم على الاستجابة للحملة، واستخدم قضية التصاريح التي كانت تستخدم حينها للتنقل بين البلدات والمدن، خلال فترة الحكم العسكري، لابتزاز الدروز للموافقة على "التجنيد".

توجهات جيش الاحتلال نحو الانتقال من "التجنيد الاحتياطي" إلى "الإجباري" تزامنت مع دفع القيادات الصهيونية للمتعاونين معهم، في الطائفة الدرزية، نحو ترويج الحملة بين الشبان. وفي تشرين الثاني/ نوفمبر 1955 وزع الشيخ لبيب أبو ركن منشورًا في القرى الدرزية لحث الشبان على الانضمام للجيش، ويقول فرو إن المقارنة بين المنشور بصيغته العبرية وتلك العربية التي كتبت بلغة ركيكة، تظهر أنه كتب بيدِ أحد النشطاء الصهيونيين.

توجهات جيش الاحتلال نحو الانتقال من "التجنيد الاحتياطي" إلى "الإجباري" تزامنت مع دفع القيادات الصهيونية للمتعاونين معهم، في الطائفة الدرزية، نحو ترويج الحملة بين الشبان. وفي تشرين الثاني/ نوفمبر 1955 وزع الشيخ لبيب أبو ركن منشورًا في القرى الدرزية لحث الشبان على الانضمام للجيش

 

لغة الرسائل: من طلب فرض "الخدمة الإجبارية"؟

طوال عقود، كرست الرواية الرسمية الصهيونية أن فرض "الخدمة الإجبارية" على الدروز جاء بطلب من قيادات الطائفة. يجادل البروفسور فرو في عدم صوابية هذا الرأي، ويحيل إلى لغة الرسائل التي تتداولها المصادر الصهيونية لإثبات صحة رأيها.

يؤكد فرو أن تحليل اللغة العبرية البليغة التي كُتبت بها الرسائل المنسوبة إلى وجهاء من الطائفة (جبر معدي، صالح خنيفيس، علي ملحم معدي، كمال معدي، فرحان طريف، توفيق يوسف، فايز صالح يوسف)، يظهر بوضوح أن من كتبها هم نشطاء صهاينة. هذا الرأي يؤكّده تقرير رفعه الحاكم العسكري لشماليّ فلسطين المحتلة إلى رئيس الأركان يقول فيه إن زعماء الطائفة لم يطلبوا فرض التجنيد، ويشكو من "رفض غالبية الدروز للانضمام للجيش"، ويكشف أن الذين وقعوا على رسائل التجنيد "يخشون التصريح بهذه الفكرة في الأوساط الشعبية الدرزية".

قوبل قانون "التجنيد الإجباري" الذي صدر عام 1956 برفض واسع داخل الطائفة الدرزية، كان أحد رموز هذا الرفض الشيخ فرهود قاسم فرهود من قرية رامة الجليلية الذي استغل كلّ لقاء ومناسبة للتحريض على الرفض، ووقّع مع وجهاء آخرين على عرائض مختلفة وجهت إلى المستويات السياسية في الدولة الصهيونية لوقف هذا القانون، وحوّل، مع شخصيات أخرى، عيد زيارة مقام "النبي شعيب" لفرصة لدعوة أبناء الطائفة لعدم الاستجابة لطلبات التجنيد.

تُظهر البيانات التي أوردها كتاب فرو أن نسبة الرافضين للتجنيد بين الشبان الدروز كانت مرتفعةً، رغم سياسة القمع التي اتبعها الجيش والشرطة في ملاحقتهم، ووصل عدد الجنود إلى 84 في مطلع عام 1957 من أصل 504 مطلوبين للتجنيد، ترافق ذلك مع نداء من زعيم الدروز في سوريا وقائد ثورتها ضد الاستعمار الفرنسي، سلطان باشا الأطرش، إلى دروز فلسطين لرفض التجنيد والوقوف إلى جانب إخوانهم العرب في الكفاح ضدّ الصهيونية، قائلًا في كلمة بثتها إذاعة دمشق: "نحن الآن نبني قوة في كل الدول العربية لكي نحرر العرب من الاستعمار".

في كتابه "عرب طيبون" الذي تناول فيه الشخصيات العربية التي تعاونت مع الدولة الصهيونية، يؤكد هيلل كوهين على أن الهدف من تجنيد الدروز رغم المعارضة الشديدة من جانب طيف واسع منهم هو "فصلهم عن العرب"، وهو ما أكّده سلطان باشا الأطرش في الكلمة التي وجهها لدروز فلسطين، كما يروي فرو، الذي يشير إلى تصريحات قائد "وحدة الأقليات" السابق في عام 1952 المشيرة بوضوح إلى هذه النوايا: "تجنيد الدروز له تأثير مباشر في إفساد العلاقة بينهم وبين المسلمين في البلد، وفي زعزعة الثقة بهم في خارجها".

تُظهر البيانات التي أوردها كتاب فرو أن نسبة الرافضين للتجنيد بين الشبان الدروز كانت مرتفعةً، رغم سياسة القمع التي اتبعها الجيش والشرطة في ملاحقتهم، ووصل عدد الجنود إلى 84 في مطلع عام 1957 من أصل 504 مطلوبين للتجنيد

 

من الزراعة إلى البندقية الإسرائيلية

طوال مئات السنوات بقيت الطائفة الدرزية تعتمد في معاشها بشكل رئيسي على "الزراعة"، وقد كانت إحدى الوسائل في دفع الدروز نحو الخدمة في الأجهزة العسكرية والأمنية الصهيونية، هي تجريدهم من أراضيهم، ورغم أن الحركة الصهيونية حاولت تفريق الدروز عن باقي العرب عن طريق زجهم في الخدمة العسكرية، لكنها ساوتهم في عمليات مصادرة الأراضي.

يذكر فرو أن نسبة الأراضي التي صادرتها دولة الاحتلال من القرى الدرزية بلغت 68%، وهو ما يؤكّد أن الخدمة الإجبارية في الجيش لم تشفع للطائفة أمام سياسات الضم والمصادرة، العمود الفقري لتطبيق سياسات الحركة الصهيونية في السيطرة على فلسطين. قرية بيت جن التي  كانت حصيلة أبنائها القتلى في جيش الاحتلال 62، وهي النسبة الأعلى مقارنة بعدد السكان مع أي مدينة ومستوطنة إسرائيلية، كما يوضح الكتاب، صادر الاحتلال 85% من أراضيها وحرم السكان من الاستفادة منها.

يذكر فرو أن نسبة الأراضي التي صادرتها دولة الاحتلال من القرى الدرزية بلغت 68%، وهو ما يؤكد أن الخدمة الإجبارية في الجيش لم تشفع للطائفة أمام سياسات الضم والمصادرة، العمود الفقري لتطبيق سياسات الحركة الصهيونية في السيطرة على فلسطين

ويقول البروفسور فرو إنه "بينما سمحت سلطات الاحتلال لأبناء بيت جن والقرى الدرزية الأخرى بالوصول إلى أرض الخيط، التي صودرت من أهلهم، كي يتدربوا فوقها على خوض الحروب، منعوا من دخولها بوصفهم فلاحين لدواع أمنية"، وقد وصف هذه المفارقة بالقول: "استطاع جنود بيت جن دخول "أرض الخيط" عندما استبدلوا بمحارث آبائهم وأجدادهم بنادق إسرائيلية".

 

صعود تيارات متعارضة: ما بين "القومي" ودعاة "الاندماج"

سنوات ما بعد احتلال ما تبقى من فلسطين عام 1967، شهدت صعود ظاهرتين متناقضتين وهما: زيادة العاملين الدروز في الأجهزة الأمنية الصهيونية، مقابل ازدياد أعداد المتعلمين الذين طالبوا بإلغاء "التجنيد الإجباري"، والمساواة.  

ازدياد نسبة المتعلمين في الطائفة خلق معه تيارات مختلفة، بينها من دعا إلى "الاندماج" الكامل في "إسرائيل"، وكان على رأسه منذ 1954 سلمان فلاح الذي أقام منظمة "الكشاف الدرزي" وضمّ إليها عددًا من الناشطين الدروز من بينهم: "نسيب شنان، كمال خير، حمد صعب، أديب حسين، يوسف إسماعيل"، الذين تباينت وجهة نظرهم من قضية "التجنيد الإجباري".

ركّز هذا التيار على نقد مواقف القيادات التقليدية مع السلطات الإسرائيلية، ودعوا إلى "المساواة في الحقوق" مع اليهود، إلا أن بعض أعضائه مثل "نايف سليم سويد، وصياح كنعان، وأمين عساقلة" حاولوا تجنيد التيار لرفض "التجنيد الإجباري"، وتبني فكرهم القومي العربي.

شكّل الاحتلال وحدة تحت مسمّى "وحدة الأقليات" في جيش الاحتلال، وحاول من خلالها أن يجنّد الأقلّيات في جيش الاحتلال، وقد تشكّلت داخل الطائفة الدرزية تياراتٌ متعدّدةٌ حسب الموقف من التجنيد موافقةً ورفضًا، وقد عدّ تقرير لجهاز "الشاباك" عن تلك المرحلة أن الخلاف بين وجهاء الطائفة يأتي لاعتبارات متعددة "مصلحية وسياسية"

يروي فرو أن اعتقال الشاعر سميح القاسم، ابن الطائفة الدرزية، بعد رفضه الخدمة في جيش الاحتلال، ساهم في دعم الأصوات المعارضة للتجنيد داخل الطائفة، هذه التطورات دفعت صحفيين صهاينة إلى شن حملة إعلامية ضدها، عبَرت عنها مقالات الصحفي نسيم رجوان، اليهودي من أصول عراقية، الذي كتب مقالًا يذكّر فيه بمذابح سنة 1860 التي تعرض لها الدروز خلال الحرب في لبنان، رد عليها كتاب فلسطينيون ودروز بينهم راشد حسين، وفوزي الأسمر، ونعيم مخول، وسلمان شحادة، ونديم القاسم الذي أثمرت جهوده عن تشكيل منظمة أكدت على أن "الأصل العرقي واللغة والجغرافي والتاريخي للدروز يؤكد على عروبتهم"، لكن السلطات الصهيونية دفعت بعض المتعاونين معها للانخراط في المنظمة، لتكريس خطابها نحو نقد الزعامات التقليدية في الطائفة دون المطالبة بإلغاء "التجنيد الإجباري".

في مقابل التيار الذي يدعو إلى "الاندماج" الكامل في دولة الاحتلال، وتعزيز "الهوية الدرزية"، والذي عبّر عنه بوضوح نشطاء دروز في حزب "مباي" الصهيوني، وقد بثّ رموز هذا التيار لاحقًا أفكارهم في مجلتي "الهدى" و"الدروز"؛ كان للتيار القومي الذي يطالب بالانخراط في نضال باقي الطوائف العربية حضوره الواضح في الطائفة.

حافظ الشيخ فرهود فرهود على موقعه الرافض للتجنيد الإجباري، كما يؤكّد فرو، ويشير إلى بيان وزعه في عام 1972 يدعو إلى رفض الخدمة العسكرية في جيش الاحتلال ومقاومة مصادرة الأراضي، واستنكر استخدام زيارة مقام "النبي شعيب" لأغراض سياسية تخدم المتعاونين مع الدولة الصهيونية.

في مقابل التيار الذي يدعو إلى "الاندماج" الكامل في دولة الاحتلال، وتعزيز "الهوية الدرزية"، والذي عبر عنه بوضوح نشطاء دروز في حزب "مباي" الصهيوني، وقد بثّ رموز هذا التيار لاحقًا أفكارهم في مجلتي "الهدى" و"الدروز"؛ كان للتيار القومي الذي يطالب بالانخراط في نضال باقي الطوائف العربية حضوره الواضح في الطائفة.

من جملة مطالب الشيخ فرهود كان الاعتراف بعيد الفطر "عيدًا رسميًا للدروز"، وهو مطلب يشير إلى إحدى الوسائل التي استخدمتها الدولة الصهيونية في فصل الدروز عن بقية العرب، من خلال إلغاء الأعياد المشتركة مع المسلمين وتكريس زيارة مقام "النبي شعيب"، عيدًا رسميًا تشارك فيه المستويات السياسية والعسكرية بكثافة مع الزعامات المتعاونة معها.

تعاظُم التيار القومي بين الدروز تجلى في إقامة لجنة المبادرة الدرزية، التي نظمت في نيسان/ إبريل 1974 تظاهرةً ضد زيارة إسحاق رابين لمقام "النبي شعيب" طالبت خلالها بإلغاء "التجنيد الإجباري" ووقف مصادرة الأراضي والاعتراف الرسمي بعيد الفطر.

هذه التطورات دفعت نشطاء صهاينة داخل الطائفة للتحرك. أعلن الناشط يوسف نصر الدين عن إقامة "الحلقة الصهيونية الدرزية" التي تحول اسمها لاحقًا إلى "الحركة الدرزية الصهيونية"، ولاحقًا قال إن أهداف الحركة المركزية تقوم على "مقاومة "التيارات السلبية" في الطائفة التي تريد الانضمام للحركة القومية العربية، وإقامة تعاون مباشر بين الطائفة والسلطات دون تدخل الوسطاء".

 

خلق "هوية درزية إسرائيلية"

صعود الحركات الاحتجاجية داخل الطائفة الدرزية، بكل أنواعها واختلاف مطالبها، والذي تجلَّى في ذهاب نسبة من أصوات الطائفة في انتخابات "الكنيست" عام 1973 لقائمة الحزب الشيوعي، دفع المؤسسة الصهيونية نحو تشكيل لجنتين لصد موجة الاحتجاج بين الدروز. اللجنة الأولى شَكلها "الكنيست" برئاسة أبراهام شخترمان، بينما تولى غابرييل بن دور، مستشار رئيس حكومة الاحتلال لشؤون "الأقليات"، قيادة اللجنة الثانية، التي ضمت في عضويتها فايز عزام وسلمان فرَاج المحرِّرَين الرئيسيين في مجلة "الهدى" الدرزية.

الهدف الأساسي من هذه اللجان، كما يؤكد فرو، هو تخليق "وعي درزي إسرائيلي" مضاد للوعي القومي العروبي، وقد أكّدت لجنة "بن دور" على ضرورة بقاء الخدمة العسكرية الإجبارية على شباب الطائفة الدرزية، لضمان صهرهم في الدولة الصهيونية، وشددت لجنة "الكنيست" على الرواية الصهيونية الرسمية حول طلب قادة الطائفة من بن غوريون فرض "الخدمة الإجبارية"، وأوصت بحزمة قرارات تتعلق بالقضايا الاقتصادية والتعليمية وقضايا الأراضي.

تجاهلت حكومة الاحتلال التوصيات الاقتصادية واتجهت مباشرةً نحو تطبيق التوصيات المتعلقة بخلق "تعليم درزي" منفصل، عن باقي الطوائف العربية، وأوصت اللجنتان بإقامة منهاج درزي منفصل بالتعاون مع ضباط وجنود سابقين في الجيش، بالإضافة إلى التوصيات التي نصت على تعزيز دمج الفتية الدروز في المنظمات العسكرية الصهيونية.

رغم معارضة لجنة المتابعة الدرزية والشيخ أمين طريف لإقامة منهج درزي منفصل، شكّلت السلطات الصهيونية لجنة بقيادة سلمان فلاح ضمت "بن دور" وآخرين لبناء منهاج درزي خاص، يعزز فكرة بناء "هوية درزية إسرائيلية".

بعد أن صعب على الطاقم إيجاد هوية درزية لا مشتركات بينها وبين الهوية العربية، عمدوا إلى اعتماد أسس إرشادية لإقامة المادة التعليمية التي يريدون وهي: "الشرف الدرزي، شرف المرأة، والبطولة، والشعر، والقصص الشعبية"، ومن جملة القضايا التي ركزوا عليها في المنهاج التعليمي: علاقات الدروز مع اليهود قبل النكبة، وصناعة وعي درزي إسرائيلي، والتجنيد الإجباري.

اتجهت حكومة الاحتلال مباشرةً نحو تطبيق توصيات متعلقة بخلق "تعليم درزي" منفصل، عن باقي الطوائف العربية، وأوصت لجنتان بإقامة منهاج درزي منفصل بالتعاون مع ضباط وجنود سابقين في الجيش، بالإضافة إلى التوصيات التي نصت على تعزيز دمج الفتية الدروز في المنظمات العسكرية الصهيونية .. ومع السنوات كرست السلطات الصهيونية عبر الفعاليات الثقافية التي تشرف عليها فصل الدروز عن باقي المجموعات الفلسطينية

ومع السنوات كرّست السلطات الصهيونية عبر الفعاليات الثقافية التي تشرف عليها فصل الدروز عن باقي المجموعات الفلسطينية، ويرى فرو هذه الآليات بأنها مما ينطبق عليها وصف "التراث المخترع"، لكن هذه الكثافة من الضخ الأيديلوجي لتكريس هوية منفصلة للدروز تنصهر في الدولة الصهيونية، لم تمنع ظهور مبادرات وحراكات رافضة للخدمة في الجيش الصهيوني، وتؤكّد على الهوية العربية أبرزها في السنوات الأخيرة حملة "ارفض شعبك يحميك" والحراك الذي أطلقته ميسان حمدان وهدية كيوف مع ناشطات أخريات.

 

 

"إسرائيل" والأقليات

لم تعرف منطقتنا في تاريخها قوى أكثر من "إسرائيل" والقوى الاستعمارية التي أقامتها، سعيًا لتعريفنا على أننا "طوائف" وأقليات لا جامع تاريخيًا بينها.

بعد 1967 حاولت دولة الاحتلال، كما تكشف وثائق تاريخية مختلفة، بناء دولة درزية تخترق سوريا ولبنان من خلال إقامة اتصالات مع وجهاء الدروز في القرى الجولانية التي نجت من الدمار، لكن الوطنية والفطنة لدى وجهاء مثل كمال أسعد كنج منعت تنفيذ هذا المخطط، وهي المحاولة التي تكررت مع طوائف أخرى كـ "الموارنة في لبنان" وغيرهم.

 

عن الدرس

لا يطلب التاريخ أحيانًا من أبطال أحداثه سوى أن يكتبوا تاريخه. غياب الوثائق العربية عن مراحل حساسة من تاريخنا جعلنا أسرى للرواية الصهيونية، وربما يصبح حقًا علينا مع الأيام كتابة روايتنا الخاصة عن من خان أو قاوم أو اختار الحياد، والغوص في الأسباب التاريخية المركبة التي جعلتنا نعيش ما نعيشه اليوم.

أخطر ما يواجه "سياسة" ما هي أن تفقد القدرة على رؤية كلّ مكونات الصورة، أحيانًا بتقصير منها أو بقوة الظروف، لا تتوفر رواية تاريخية واضحة عن طريقة تعامل القيادات التاريخية الفلسطينية في مرحلة ما قبل النكبة وما بعدها، مع قضايا تجنيد عرب في الجيش الصهيوني، والعلاقات بين وجهاء في طوائف عربية مع الحركة الصهيونية، وهل توفرت أمامها كل المعطيات في هذا الاتجاه، لكن بصورة عامة فإن عدم امتلاك أجهزة استخبارات ومعلومات قد يحرمك من فرصة التقدم على عدوك، وحرمانه من امتلاك المبادرة.

استغلت الأجهزة الاستخباراتية الصهيونية وقائع اجتماعيةً فلسطينيةً، وتخلخل البنى التقليدية والسياسية في المجتمع الفلسطيني، بعد النكبة، للتسلل إلى مجموعات مختلفة أبرزها الدروز، مستفيدةً من واقع الطائفة المعتمد بشكل مباشر على الزراعة، وغياب حركات سياسية قوية فيها لصالح سيطرة مجموعة من الوجهاء الذين هم أقرب للمخاتير.

قد لا نملك صلاحية نقد أداء القيادة التاريخية الفلسطينية، في هذه الملفات، في مقابل قوة الأجهزة الاستخباراتية الصهيونية نظرًا للظروف الأقسى والأكبر من قدرتها، لكن العودة إلى وقائع تلك المرحلة يجب أن يكون درسًا بالغًا في كيفية تفادي منح العدو فرصة التسلل إلى مجتمعنا.

حركات رفض التجنيد والتغييرات التي تتسع داخل المجتمع الدرزي، خاصةً بعد فرض قانون "القومية" في دولة الاحتلال، والتململ الذي يتسع ضد "التجنيد الإجباري" والغضب من استمرار "التمييز"، ربما يتطلب جهودًا أكبر من الحركة الوطنية الفلسطينية لتعزيز التيار الرافض مقابل ذلك المتعاون مع دولة الاحتلال.