الـ "reels" .. حين نغرق في المستوى الثالث من الافتراض

الـ "reels" .. حين نغرق في المستوى الثالث من الافتراض
تحميل المادة

في أحد مشاهد الفيلم الشهير "Inception"، وبينما كان بطل الفيلم "كوب" (ليوناردو دي كابريو)  يبحث عن فريقه الذي سيغزو به الحُلُمَ المستهدف، يجد مجموعة من المنوَّمين الغارقين في الأحلام، يسأل زميلُه في الفريق "إيمس" (توم هاردي): يأتون كل يومٍ ليناموا؟ فيجيب صاحب المكان: "بل يأتون كل يومٍ ليتمّ إيقاظهم، لقد أصبح الحُلُمُ واقعهم"!

يمتلك صاحب المكان في " "Inceptionقدرًا كافيًا من الثقة، والقدرة، ليحكُمَ الناس، ويحكمَ عليهم، يمتلك الرّجل العقار الكيميائي المنوّم الذي يمنحُ الناس النومَ والحُلُم، المدخل إلى بناء عالمٍ آخر سوى العالم الذي يعيشونه، عالمٍ يمكنهم فيه أن يكونوا ما يشاؤون، أن يبنوه بأيديهم ويتسيّدوه بأهوائهم، ويعيشوه. تبدو الفكرةُ بالغةَ اللذة والإثارة، ليس فيها سوى عيب واحدٍ صغير: هذا العالم وهمٌ وإن كان لذيذًا، والحقيقة في مكان آخر.

تقوم فكرة الفيلم على إمكانيتين اثنتين، إمكانية بناء الإنسان حُلُمه، وإمكانيّة اختراق أحلام الآخرين لتسرقَ منها أفكارهم، أو تبدّل آراءهم وقناعاتهم، وبقدرَ ما تبدو الفكرة خياليّةً في ذاتها، إلا أنّ شيئًا شبيهًا لها يملأ اللحظة التي نعيشها.

يمتلك صاحب المكان في "فيس بوك" قدرًا كافيًا من الثقة، والقدرة، ليحكُمَ الناس، ويحكمَ عليهم، يمتلك "زوكربيرغ" المنصّة الأكبر، الحُلُمَ الأكبر الذي يتقاطر إليه الناس "ليستيقظوا"، لأنّ الحُلُم العالميّ الأزرقَ أصبح واقعهم الجديد، بينما يُلقون خلف ظهورهم واقعًا كاملاً، مليئًا بالحقيقة كما هي، لذيذة في بعض الأحيان، ومرّة في كثير منها، عاريةً في بعض الأحيان، وملتبسةً بالأسئلة في كثير منها، يتركون واقعًا هو الواقع، هو الاختبار، ويرابطون على ثغور الافتراض.

كيف يمكن أن يغلبَ الافتراضُ الواقع؟ يغلبهُ باثنتين: بالوهم واللذة، في "فيس بوك" مثلًا - وهو المثل الأقرب لكاتب المقال الثلاثينيّ الذي يظنّ أن أفكار مقالته هذه أكثر تجليًا في حُلُمٍ آخر لا يعرفه، اسمه تيك توك مثلًا- يتوهّم الكائن الفيسبوكي إمكانيّات وقدرات ومكانةً وأهميّةً غير حقيقية، من جهةِ أنّها مزايا في الافتراض أصلاً، ومن جهةِ كونها غير مكافئة لأهمية من "لا عرش له إلا الهوامش". ومن الوهم تنبجس اللذائذ المفقودة في الحقيقة، لذة تحلّق الناس حولنا، وأن نظنّ أنّا غير عاديين، وأن يطيرَ ما ننتجه في الآفاق، وأن نصنع عالَمًا على مقاسنا. ومن اللذة كذلك ألا تجدَ سؤالات الواقع وتحدياته، بل أن يمدّك العالم الافتراضُ بما تريد وما تهوى، وأن يحجبَ عنك الكَدَر. أن "يصدّقك ولا يَصدُقك" على خلاف المثل العربي الأثير.

ذلك –الوهم واللذة- شَرَكُ العالم الافتراضي الذي يختبئ خلفه الصيّاد، طعمُه الطازج الذي يلهيك عن خيط الصنّارة الخفي الذي سينقلك من البحر إلى أحواض الزينة، حيث صنعَ لك الصيّاد بحرًا مصغرًا تتكثّف فيه رغائبك، وتتصدّر أنت فيه المشهد. وليس أشدُّ ما في حوض الزينة صِغرُه ومحدوديّته، وانكشافك فيه للصيّاد، مع شدّة هذا وهوْله، ولكنّ أشدّ ما فيه أن تستبدله بالبحر، بالحقيقة.

تراهن قوى هذا العالم في استدامة سيطرتها على إنسان هذا العصر، على هشاشته، وهي تحوّله من سمكة بحرٍ إلى سمكة زينة، وانقطاعه عن الفعل الحقيقي وهي تنقله من البحر إلى الحوض الزجاجي المكشوف. وقد راجَ مع الثورات العربية موجة من التحليلات التي منحت وسائل التواصل الاجتماعي دورًا مركزيًا في التحشيد لها وإذكائها، غير أنّ هذا وإن كان فيه قدرٌ من الصّحة، فإنه يغفل "لا معنى" هذا الدور لولا انتقاله من الافتراض إلى الواقع الحقيقيّ، ثمّ يغفل عملَ قوى هذا العالم ونظمِه على تطوير أدوات ضبطها وسيطرتها، فإن كان في وسائل التواصل ثغراتٌ تنفذُ منها الهوامش إلى الفعل المركزيّ، فإن قوى السيطرة لا تعمل على سدّ مثل هذه الثغرات فحسب، بل على رفدِ هذه الوسائل بمزيدٍ من الأدوات التي تعزّز هيمنة هذه القوى، وتعزّز تحول وسائل التواصل من منفذٍ نحو الواقع إلى بديلٍ عنه، وهي الصورة التي تتكرّسُ يومًا إثر يوم.

تعدّد الصيادون مع توسع وسائل التواصل الاجتماعي، وولادة جيل جديد بوعيٍ تشكّل في زمنها، جيلٍ أكثر شبهًا بعالم الافتراض، بسرعته، وقِصَر نفسه، وتشوفّه للمزيد من الذاتية والاستعراض، وامتعاضهِ من أي قدرٍ من الاستقرار، جيلٍ صار يرى في "فيس بوك" بحلّته القديمة إرثًا جامدًا مفتقرًا إلى مواكبة الجِدّة. واستطاعت وسائل جديدة كـ"تيك توك" أن تسرق الفرائس من الصيادِ العتيق، الذي لم يجد سوى تقليد طعوم الصيّاد الجديد.

 

البَكَرة .. نأخذ بيدك إلى القاع

نَسَخَت "ميتا" تقنيات الـ "تيك توك" إلى منصتيها "إنستغرام" و"فيس بوك" تواليًا، ومنحتها زاوية مستقلة ونسب وصولٍ عالية، في رغبة منها باستعادة أكبر قدر ممكن من الجيل الجديد إلى أحضانها. أسمت تقنيتها المستنسخة بـ "reels"، وهي في معناها الحرفيّ والمعبّر في الوقت نفسه: البَكرات. توحي لك البكرة بلا نهاية حبلها، وكلّما لمس المستخدم شاشته مرةً جديدةً منحتهُ المزيد من الفيديوهات، تلتقطُ بخوارزمية ذكية، خبيثةٍ، رغائب المستخدم، وهو المكشوف أمامها في الحوض الزجاجي الشّفاف، وتمدّه بالمزيد ممّا يشدّه ويستهويه، تأخذه إلى القاع، حيث طبقةٌ جديدةٌ من الافتراض.

في "Inception" يزيد احتمال التأثّر، وتتضاعف مدة الزمن المقضيّ في الوهم كلما نَزَلت بالحُلمِ طبقةً إلى الأسفل، بصناعة حُلمٍ مركّب (حُلم داخل حُلم)، وكلّما طال الزمن وكثرت الطبقات يخسر الإنسان حساسيته الأساسية في التفريق بين ما هو واقعي وما هو حُلُم، ويزيد خطر أن يَعْلَق في أحلامه. يمكن لنا أن نقول إن "الريلز" هي من قبيل الحُلم المركب، طبقةٌ أعمق من الافتراض، أداةٌ جديدةٌ تزيد من احتمال قضائك وقتًا أطول في هذا العالم، وتزيد احتمال استسلامك له واستبداله بالعالم الحقيقيّ.

ويزداد خطر وسائل التواصل، وطبقاتها الأعمق، مع ما تبثّه في النفس من رغبةٍ في التملّك والازدياد مما يملكُه الآخرون من ميّزات، ثمّ من "وصول" وشهرةٍ؛ وما تبثّه فيها من استعدادٍ لابتذال النفس في سبيل تحصيلها (الشهرة) وهي تتحول إلى سيدٍ جديدٍ تُقدّم الجماهير في محرابه فروض الطاعة والتوجّه والعبادة، ولا يُسأل في سبيل بلوغِها عن الثمن، وتتحول إلى معيارٍ للنّجاح، يذهب قلب من لا يمتلكُها حسراتٍ على فقدانها، وقد كانت عند الحكماء مظنّة الهلكة، وموجبة الفرار.

 

بلا سياقات .. بلا معرفة

حينما أراد "كوب" أن يعطيَ "أريادين" مفتاح التفريق بين الواقع والحلم في "Inception" قال لها: "إنكِ في الحلم تجدين نفسك هنا فقط .. لا تستطيعين معرفة كيف وصلت إلى هذه النقطة". والمعرفة في تعريفها البسيط تتطلب منك أن تعرف كيف وصلت إلى هذه النقطة، تتطلب المعرفةُ حسب التعريف "الإكسفوردي" التجربة والتعليم بما هما فعلان مركّبان وممتدان، لتَنتُج الخبرة والمهارة. والعلم الذي هو من ضروب المعرفة لا يُنال إلا بستةٍ[1] بينها "طول الزمان" كما في بيت الشافعي المشهور.

غير أنّك في طبقة الافتراض العميقة المسماة "ريلز" تجد نفسك هنا دائمًا، تجد نفسكَ في قلبِ القصة التي لا تعرف سياقَها وحكايتها، لا تعرف تاريخها وتحولاتها ومقولات أبطالها. تُخْتَصر الحكايةُ عندك في ثوانٍ قليلة مجتزأة من سردية طويلة، ثمّ يُنتج هذا معرفةً مشوّهة بالعالم والحياة، ومهاراتٍ معطوبة وغير مستدامة ومضطرة دومًا للاستعانة بالخارج. لا تقيم هذه الومضات في الذات بنيانًا مستقلاً، لا على مستوى المعرقة ولا على مستوى المهارة.

يزعم القائمون على وسائل التواصل أنهم إنما يصنعون الأداة التي تناسب الواقع الجديد للجيل الجديد، بينما يزعم ناقدوهم أن الجيل الجديد إنّما صار على حاله هذه لأنّه ولد في زمن وسائل التواصل، وشُكّل وعيُه في سياقها فتطلّب المزيد من طبيعتها السائلة والسريعة واللاسياقية، بعدما لم تعد تكفيه وهي على هيئتها، في متوالية مركّبة تفتح كلّ مرحلةٍ فيها البابَ للتي تليها، كما تفتح كل لمسة للشاشة في "الريلز" الباب للفيديو المقبل، المقبل حتمًا.

وبقدرِ ما تتواءم هذه الأدوات الجديدة مع السرعة والخفّة والترفيه، فإنها تضيق بالجديّة والمعنى. تكثرُ الدعوة إلى استثمار الميزات الجديدة لبثّ رسالةٍ ذات قيمة وجدوى، غيرَ أنّ هذه الأداة إنّما صمّمت لتحرم القيمة من بعض المساحة التي كانت تجدها في الشكل القديم لوسائل التواصل، كما صمّمت الدولة الحديثة لتحرم قيمَ ما قبل الحداثة من العيش فيه وهي هي، كما يضيق حوض الزينة عن سمكِ البحر وهو هو. فإذا كان المعنى والمعرفة يتطلبان السياق ضرورةً، وكانت الأدوات الجديدة تنتزع اللقطة من السياق قصدًا، فأي سبيل لبناء رسالة جادة ومتماسكة من خلالها والحال هي الحال؟

ليست هذه دعوةً لعدم طرق باب الحديث، غيرَ أنّها دعوةٌ لعدم الانحكام إلى شرطه، وهو يُلزمك بألا تكون أنت أنت إذا أردت ولوجه، وهي دعوةٌ كذلك إلى الانتباه إلى التحول الذي يفرضه الإكراه، وعدم التعامل معه بوصفه الصواب الواجب، والممكن الوحيد.

 

النقطة التي تفرغ الخزّان

نغادر الخطابية، ونتذكّر زمننا المبذول في النزول إلى أسفل. يُسلمنا كل فيديو إلى الذي يليه، وكلّما قَصُر الفيديو تولّد في النفس شعورٌ موهِمٌ بأنّه لا شيء، بأنّه أقرب إلى العدم منه إلى الوجود، إنها ثوانٍ معدوداتٌ لا تُذكر. كيف تُصبِح الثواني ساعاتٍ طويلة؟ إنّ هذا القِصَر واحدٌ من أسرار الهدر الذي يأكلنا، إنه قطرات الماء التي تنزل من الصنبور دون أن نعيرها اهتمامًا لأنّها أقرب إلى العدم، فتُفرغُ الخزّان. ولا يَفرغُ خزّان الوقت، الذي هو العمر، إلا ليَفرُغَ خزّانٌ آخر، خزانُ الجَلدِ على أن يطولَ الأمرُ ولو قليلًا قبل أن نقطفَ الثمرةَ المشتهاة، ويتولّد في النفس ضجرٌ من طبائع الحياة كما هي، ويصيرُ العالم الحقيقيُّ الذي هو اختبارٌ ممتدٌ من الخيرِ والشرّ بقعةً ضيقةً تنفرُ منها النفس الملول.

ثمَّ نسأل أنفسنا عن الشبع؟ ورغمَ أنّ الشّبع في ذاته مذمومٌ، غيرَ أنّه صارَ اليوم مطلبًا، كيف يَشبَعُ أحدنا من الريلز؟ وهي تغريه بلا نهائيتها الظاهرة، وبأنّ مقطعَها القادمَ أصغرُ من أن يُتخِمَك، بعدما كانت مقاطِعها الأولى أصغرَ من أن تُشبعك، إنك في الريلز تقصقص البزر وتتنفس الدّخان، تقطع الوقت وتدمن دون أن تمتلأ، ودون أن يكونُ لهذا الأمر آخر .. آخر ظاهر.

 

مقدمة في البحث عن مخرج

في "Inception" يخرُج الناس من الحُلمِ بالموت. والموتُ باب الحياة، وكما أنّ الموتَ الدنيوي هو باب الحياة الآخرة، التي هي "الحيوان"، فإن الموت في عالم التواصل باب الحياة الدنيا التي هي الحقيقة.. الاختبار الذي لا بدّ منه للوصول إلى الحقيقة الكاملة.

يُراهنُ أسياد مواقع التواصل الاجتماعي على تسيّدهم الزمن، وعلى حاجتنا الملحّة إليهم، وعلى أنّهم أحلّوا عالمهم مكان عالم الناس، بحيثُ لو خرجَ واحدنا من عالمهم فإنّه يظنّ أنه خرجَ من العالم ومن الزمان بالكليّة، وهذه الدعاية وإن كانت غير حقيقية، فإنها مما يصعب غَلبتُه وتجاوزه.

هل لنا في مكانٍ وسيطٍ؟ أو توليفةٍ تمنعُ عنّا الغرقَ في الافتراض والانصراف عن الواقع؟ ومواقع التواصل التي تريد أن تسرقنا من السياق هي بنت سياقها بعد الحداثي، حيثُ يعظمُ الإنسانُ في عين نفسه بقدر ما تعظمُ هشاشته، ويبَشَّرُ فيه بغياب المعنى عن الحياة. لعلّ منح المعنى لما يستحقُ المعنى خطوتنا الأولى الصعبة والمستحِقة.



[1] أخي لن تنال العلم إلا بستةٍ..  سأنبيك عن تفصيلها ببيان/ ذكاءٌ وحرصٌ واجتهادٌ وبُلغةٌ... وصحبةُ أستاذٍ وطولُ زمانِ..!