القنبلة والمظاهرة.. وجوه نضال الفلسطينيات خلال السنوات الأولى بعد النكسة

القنبلة والمظاهرة.. وجوه نضال الفلسطينيات خلال السنوات الأولى بعد النكسة
تحميل المادة

على سبيل التقديم

تأتي هذه المادة استمرارًا للمادة السابقة التي أرّخت لنضالات النساء الفلسطينيات خلال الانتداب وسنوات النكبة[1]، لتضيء على مرحلة زمنيةٍ تالية، وهي السنوات الأولى بعد نكسة 1967، بما تشكّله من سنوات انبثاق للهوية الفلسطينية، وانطلاقٍ جديد نحو المقاومة والنضال بما هما ضرورتان للهوية كما هما ضرورتان للتحرير. وقد كان للنساء في هذه المرحلة، كما ستوضّح المادة، إسهام ثوري فعليّ، يتجاوز المظاهرة إلى العمل الفدائي العسكري.

التحرير

 

‏في هذه المقالة، رصد لدور المرأة النضالي منذ حرب عام 1967، وتطور هذا الدور تباعًا، استنادًا إلى مجموعة مقابلات شخصية، ولما يتوفّر من أرشيف الصحف الفلسطينية آنذاك.

تتنوع أشكال النضال في الحالة الفلسطينية بين العمل العسكري المسلّح، وبين الاحتجاج، والعصيان، والإضراب، وغيرها من أشكال المقاومة التي كانت المرأة جزءًا منها. كما كان للمرأة دور نضاليّ مهم عبر الجمعيات والمؤسسات والاتحادات المساندة، على مستويات مختلفة.

 

القنبلة.. مؤنثٌ حقيقيّ

  بُعيدَ حرب عام 1967، شاركت النساء بوضع المتفجرات لتفجيرها بأهداف جيش الاحتلال، وفي حالات قليلة ألقت قنابل المولوتوف من صناعة يدوية في الضفة الغربية، أما في قطاع غزة فقد كان إلقاء القنابل اليدوية على السيارات العسكرية ومقرات الحكم العسكري الشكل الأبرز للعمليات التي تنفّذها النساء[2]. وفي تلك المرحلة، اعُتقلت بعض النساء وعذبن بسبب علاقة إحداهن بابنها أو زوجها أو شقيقها الفدائي، أو بسبب عملها العسكري.

وفي الفترة نفسها عدَّ الاحتلال الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية في المناطق المحتلة تنظيمًا غير مشروع، وأبعدت سلطاته رئيسة الاتحاد عصام عبد الهادي وبعض العضوات، واعتقلت بعضهنّ بتهم التحريض على الاحتلال، وتنظيم المظاهرات والإضرابات.

بُعيدَ حرب عام 1967، شاركت النساء بوضع المتفجرات لتفجيرها بأهداف جيش الاحتلال، وفي حالات قليلة ألقت قنابل المولوتوف من صناعة يدوية في الضفة الغربية، أما في قطاع غزة فقد كان إلقاء القنابل اليدوية على السيارات العسكرية ومقرات الحكم العسكري الشكل الأبرز للعمليات التي تنفذها النساء

قبل وقوع حرب عام 1967 التقت مجموعة من نساء نابلس، ممثلين لقوى الثورة الفلسطينية وطالبن بالتدرب على السلاح، وتقرر أن يكون التدريب في المدرسة العائشية بالمدينة. وبعد نشوب الحرب، تشكّلت لجان المقاومة وانتظم عددٌ من النسوة للتدرب على السلاح داخل المناطق المحتلة، ولكن خليتهنّ اعتُقلت إثر أخطاء صغيرة وقعت فيها النساء بسبب سوء التواصل أو لأسباب أخرى. ففي 13 كانون الثاني/ يناير 1968 اعتقل الاحتلال مجموعةً من النساء في مدينة نابلس بتهمة مقاومة الاحتلال ومساعدة رجال المقاومة والتدرب على السلاح، وكان من بينهن: هبة الخياط، وتودد عبد الهادي، وزينب حبش، وسعاد العبوة، ونائلة عادل عطوط[3].

كانت أغلب انتماءات النساء في تلك الفترة لحركة القوميين العرب، ومنهن من تحولن إلى الجبهة الشعبية ومن ثم إلى حركة فتح. وعن هذا تقول رندا النابلسي، إحدى النساء اللواتي تدربن على السلاح وشاركن في عمليات عسكرية: "بعد حرب عام 1967 تأثرنا بالأوضاع العامة بسبب الحرب عمومًا، وبدأنا بتلقي التدريبات في أماكن غير معدة لذلك، ولم يكن يعنينا من يدربنا أو إلى من ننتمي، كنا نحب جمال عبد الناصر والقومية وحسب. وتأثرنا بالجبهة الشعبية، ولكننا انتظما في حركة فتح في مرحلة السجن وما بعدها"[4]. وتؤكد على ذلك فاطمة برناوي التي شاركت بتنفيذ عملية "سينما تسيون" واعتقلت على إثرها، وتزيد: "كان همنا المساهمة في الثورة، وأختي إحسان كانت منظمة قبلي، وهي التي نظمتني في الحركة (فتح) لاحقًا"[5].

‏وفي شهر آذار/مارس 1969، اعتقلت سلطات الاحتلال مجموعة من النساء في نابلس بتهم الانتماء إلى المنظمات الفلسطينية، والاشتراك في مقاومة الاحتلال، والتدرب على السلاح، ومن بينهن عصام عبد الهادي، وغادة عبد الهادي، وسوسن شنار، ونعمت كمال، وفيحاء عبد الهادي، وآمنة الحنبلي، وسلام قصف، وعهود يعيش، ونجوى الشخشير، وسعادة النابلسي، وشقيقتاها هبة ورندة. وفي عام 1971 قُدمت للمحاكمة مجموعة أخرى من فتيات نابلس بتهمة الانتماء إلى المقاومة والتدرب على السلاح، من بينهن ابتسام عبد الرزاق، وأنصاف شبارو، وهيام شادوح، وبدرية سعيد غنام[6].

"بعد حرب عام 1967 تأثرنا بالأوضاع العامة بسبب الحرب عمومًا، وبدأنا بتلقي التدريبات في أماكن غير معدة لذلك، ولم يكن يعنينا من يدربنا أو إلى من ننتمي .." المناضلة رندا النابلسي

كما شاركت المرأة الفلسطينية في تنفيذ عمليات فدائية. وقد أصيبت بعضهن أثناء ذلك، منهن من فقدت عينيها أو بُتِرَ أحد أطرافها، أو أصيبت إصابات بليغةً نتيجة الشظايا والمواد المتفجرة، ومنهنّ من استشهدت أثناء أداء العمليات. ومن النساء اللواتي شاركن في تنفيذ عمليات المقاومة في تلك الفترة: فاطمة برناوي من القدس وهي أول معتقلة فلسطينية بعد الاحتلال. وقد كانت تعمل ممرضةً في قلقيلية قبل حرب 1967، وأثناء الحرب عملت في إحدى مستشفيات نابلس، واشتركت في شهر آب 1967، بتفجير سينما تسيون الإسرائيلية، وحكم عليها بالسجن مدى الحياة[7]. ومنهنّ كذلك عبلة طه، وهي معلمة من القدس اشتركت في عام 1968، بمحاولة تهريب متفجرات من عمان إلى القدس، وذلك بحمل المتفجرات في حقيبة على طريق جسر اللمبي، ولكنها اعتقلت بعد كشف المتفجرات في أثناء التفتيش الدقيق على الجسر، وحكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات بتهمة الاتصال بالمقاومة، وعفيفة بنورة، وهي قابلة قانونية في بيت ساحور، اشتركت في عام 1969، بوضع قنبلة في باص إسرائيلي، واعتقلت وحكم عليه بالسجن المؤبد ‫و10 سنوات، ولطيفة الحواري من البيرة، وهي معلمة اعتقلت ثلاث مرات بين عام 1967 و1969 لمدد مختلفة، وقد اشتركت في مقاومتها مع أربع فتيات فلسطينيات، وهن ناديا الخياط من البيرة، وليلى راشد من عبوين قضاء رام الله، ودورس خوري من رام الله، وروضة التميمي من الخليل[8].

وفي عملية أخرى اشتركت عائشة عيد حمادة من غزة، مع مجموعة فدائية مكونة من ستة شبان في مهمة تفجير سيارات عسكرية في 3 آب/ أغسطس 1968، في سوق فراس، أما عايدة سعد فألقت قنبلتين على سيارات عسكرية عند مدخل غزة، وقد هدم الاحتلال منزلها واعتقل والدتها وشقيقها وحكم عليها بالسجن 20 عامًا.

‏وفي سياق المقاومة العسكرية نفسه، فقد اشتركت رندا إبراهيم النابلسي وسهام وزني من نابلس في محاولة تفجير قنابل في السوق التجارية بالقدس، وحوكمتا بتاريخ 13 أيار/ مايو 1969، ووجهت إليهن تهم الانضمام إلى المنظمات الفلسطينية وحيازة أسلحة، وصدر الحكم على رندا بالسجن 10 سنوات وعلى سهام بالسجن أربع سنوات. ومن تجارب المقاومة العسكرية كذلك: مجموعة رسمية يوسف عودة، وعائشة أحمد عودة، ورشيدة عبد الحميد عبيد، وسامية إبراهيم الطويل[9]، حيث زرعت رسمية عودة من البيرة، متفجرات في القنصلية البريطانية بالقدس، وساعدت في وضع المتفجرات في سوق سوبر سول، وقد هدمت سلطات الاحتلال منزل والديها وحكمت عليها بالسجن ثلاثة مؤبدات بالإضافة إلى 10 سنوات. أما عائشة عودة من دير جرير، ورشيدة عبيد من القدس فوضعتا متفجرات في سوق سوبر سول، وادعى المستشار القضائي في منطقة نابلس أن حاتم شنار أخفى رشيدة عبيدة وساعدها على الهرب إلى عمّان، أما عائشة فهدمت سلطات الاحتلال منزل والدها، وحكمت عليها بالسجن مؤبدًا ‫و10سنوات، واعتقلت حياة عبيد، وهي شقيقه رشيدة 11 شهرًا إداريًّا، وكانت تعمل في السابق مدرّسةً في الجزائر لمدة ثلاث سنوات ثم في البحرين، وفي إثر هزيمة حزيران 1967 التحقت بمعسكر تدريبي في الأردن، وكانت صديقتها في الدورة الشهيدة شادية أبو غزالة، نفذت رشيدة عمليتها يوم الجمعة الموافق 21 شباط/ فبراير 1969، حيث وضعت متفجرات في مكان العملية، وتظاهرت بشراء البضائع ثم ركبت دراجتها وعادت إلى البيت، وعند الساعة 11:00 حدث الانفجار، ولم يكن أحد من أهلها يعلم أنّ لها علاقة بهذا الحادث[10].

صبيحة شعبان من الرملة، اشتركت بوضع قنبلة وحكم عليها بالسجن خمس سنوات. وكذلك فيروز الشيخ، من نابلس، اشتركت في إلقاء قنبلة على مكتب العمل الإسرائيلي، وحُكم عليه بالسجن خمس سنوات. أما مريم الشخشيرمن نابلس فوضعت قنبلةً في كافتيريا الجامعة العبرية، وحُكم عليها بتاريخ 22 حزيران/ يونيو 1969 بالسجن المؤبد مرةً واحدة بالإضافة إلى 20 سنة[11]. وليس بعيدًا عنهنّ هالة الطاهر من نابلس، وقد شغلت منصب قائد خلية، وكان بحوزتها متفجرات، وقد حدث انفجارٌ في المكان الذي كان فيه أعضاء الخلية ما أدّى إلى استشهاد أحدهم فيما اعتقلت سلطات الاحتلال الخمسة الآخرين والذين من بينهم هالة، والتي حُكم عليها بالسجن 12 سنةً وذلك في عام 1970[12]. أما دلال أبو قمر من غزة، فقد قتلت عميلًا لمخابرات الاحتلال في عام 1971، وحُكم عليها بالسجن ثماني سنوات. ومن المغازي في القطاع أيضًا كانت رايقة شحادة التي ألقت قنبلةً يدويةً على دائرة الحكم العسكري في دير البلح في عام 1971، وكان زوجها قد استشهد في معركة عسكرية، وبعد رحليه رفضت الحِداد وأبقت بيتها مفتوحًا للفدائيين، وحُكم عليها إثر عمليتها بالسجن 15 عامًا[13].

‏ونذكر حرية خليفة من غزة، التي ساعدت في قتل عميل يتعاون مع المخابرات الإسرائيلية في عام 1971، وحَكم الاحتلال عليها بالسجن خمس سنوات. وزكية شموط من مواليد الناصرة، وهي أم لأربعة أطفال، وقد وضعت قنبلةً في سوق الخضار في العفولة، وأدت عمليتها إلى مقتل وجرح عدد من المستوطنين في عام 1971، وعندما اعتقلتها قوات الاحتلال كانت حاملًا، وأنجبت طفلةً بقيت معها 16 شهرًا في السجن، قبل أن يُحكمَ على الأمّ بالسجن المؤبد.

زكية شموط من مواليد الناصرة، وهي أم لأربعة أطفال، وقد وضعت قنبلةً في سوق الخضار في العفولة، وأدت عمليتها إلى مقتل وجرح عدد من المستوطنين في عام 1971، وعندما اعتقلتها قوات الاحتلال كانت حاملًا، وأنجبت طفلةً بقيت معها 16 شهرًا في السجن، قبل أن يُحكمَ على الأمّ بالسجن المؤبد.

تيريز هلسة وريما طنوس اشتركتا في عملية اختطاف طائرة "سبينا" البلجيكية في المعركة التي دارت في مطار اللد بتاريخ 9 أيار/ مايو 1972، والتي استشهد فيها اثنان من المختطِفين، وكانا ينتميان إلى منظمة أيلول الأسود، فيما أصيبت تيزيز بجراح ونقلت إلى المشفى، وحُكم عليها بالسجن مدى الحياة، أما ريما طنوس فحكمت بالسجن المؤبد و10 سنوات[14].

‏ في خانيونس جنوب قطاع غزة، ألقت أميرة موسى قنبلةً يدويةً على سيارة عسكرية إسرائيلية عام 1972 ، وحَكم الاحتلال بسجنها 12 سنة[15]. أما روضة بصير وفريال سمعان حنا سالم من قرية الطيبة قضاء رام الله، فحاولتا وضع قنبلة لتفجيرها في محطة قطارات القدس بتاريخ 13 تشرين الثاني/ نوفمبر 1977، ولكنها انفجرت فيهما وأصيبتا. وحُكمَ على كل واحدة منهما ثماني سنوات[16]. أما ثريا العواودة، من دوار قضاء الخليل، فكانت قائدة خلية، واعتقلت عام 1975 عندما كانت تتأزّر حزامًا من المتفجرات في معسكر إسرائيلي، ولم يزد عمرها حينها عن 16 عامًا، فعُذّبت بعد اعتقالها بشكل وحشي، وحُكم عليها بـ31 شهرًا، وكان الحكم مخفّضًا بسبب ظهور علامات التعذيب الشديدة عليها في المحكمة[17].

 واستمرارًا لخط المقاومة العسكري النسائي نفسه وضعت سامية مصطفى من بتير، متفجرات في صندوق برتقال لتفجيرها في هدف للاحتلال وحُكم عليها بالسجن 13 عامًا. فيما كانت علياء محمد أبو دية، من قرية الظاهرية قضاء الخليل تعمل مع مجموعة مكونة من سبعة أشخاص، وقد نجحت بوضع عبوات ناسفة في سوق بئر السبع في 28 حزيران/ يونيو 1977، وحُكم عليها بالسجن 15 عامًا. أما إيمان الخطيب من بيت لحم فأدخلت هي وعادل الشريف عبوتين ناسفتين إلى الجامعة العبرية، وأثناء إعدادها إحدى هاتين القنبلتين انفجرت فيهما، ما أدى إلى استشهاد عادل واعتقالها.

فيولا ساعاتي وضعت قنبلتين ناسفتين قرب باب الخليل، واعتُقلت وحُكمت 13 عامًا. وكذلك حليمة فريتخ وأحلام السمحان وزها فريتح، صنعن قنبلة ملتوف وألقتها حليمة. ومن أشهر الخلايا المنتمية لحركة فتح الخلية المكونة من: ناديا الخياط وعطاف يوسف وحنان نخلة، ومفيدة حسن ورندة الخليل، وقامت الخلية بعدة عمليات عسكرية قبل اعتقال أفرادها في عام 1979[18]. و‏ختام إبراهيم حمدان خطاب من القدس وضعت عبوةً ناسفةً في سوبر ماركت في حي رامات أشكول بالقدس في عام 1979، وحُكم عليها بالسجن لمدة ثماني سنوات. وخولة داوود الأزرق من مخيم عايدة، وهي طالبة في جامعة بيت لحم، اشتركت مع مجموعة من الطلاب في إلقاء أربع قنابل مولوتوف على باص إسرائيلي، واعتقلت وحكم عليها لمدة أربع سنوات ونصف. وقد لُقّبت إيمان أبو خاطر بالسجينة الصغيرة واتهمت بدعم المقاومة وحيازة المتفجرات، واعتقلت وعمرها 15 سنة[19].

 

إلى الشارع.. المظاهرة امرأةً ثائرةً

خرجت النساء في مظاهرات في مدينة القدس في 25 نيسان 1968/ أبريل احتجاجًا على قرار الاحتلال إقامة عرض عسكري في مدينة القدس في أيار/ مايو 1968. ارتدت سيدات فلسطين ملابس الحداد، وندَّدن بالاحتلال، فهاجمت القوات العسكرية هذه المظاهرة وضربت النساء، واعتقلت 15 امرأةً[20].

أول مسيرة نسائية بعد النكسة .. خرجت النساء في مظاهرات في مدينة القدس في 25 نيسان 1968/ أبريل احتجاجًا على قرار الاحتلال إقامة عرض عسكري في مدينة القدس في أيار/مايو 1968. ارتدت سيدات فلسطين ملابس الحداد، وندَّدن بالاحتلال، فهاجمت القوات العسكرية هذه المظاهرة وضربت النساء، واعتقلت 15 امرأةً .

‏كما خرجت النساء، في العام نفسه، في مظاهرات في جنين، احتجاجًا على إنشاء مستوطنة كريات أربع على أراض الخليل، واعتقلت امرأة وثماني طالبات في الضفة الغربية. وفي قطاع غزة قامت مظاهرة في مخيم البريج، ثمّ اندلعت مواجهات ورمت النسوة سيارات الاحتلال بالحجارة فاعتدى جنود الاحتلال عليهن بالضرب والاعتقال. وفي نابلس أيضًا قامت مظاهرة نسائية توجّهت إلى مقرّ الحاكم العسكري، وحملت لافتات سوداء كتب عليها بالأبيض "نشجب أعمال الإرهاب في القدس" و"ننادي بفلسطين عربية" و"القدس عربية". وجرت مظاهرة نسائية في رفح في عام 1969، بعد فرض سلطات الاحتلال نظام منع التجول واعتقال الشباب فوق سن 18، بدعوى التحقيق في انفجار لغم أدّى إلى مقتل ضابط إسرائيلي. وفي العام نفسه نُظّمت العديد من المظاهرات النسائية في مدينة غزة ودير البلح وكانت معظمها من الطالبات[21].

‏في 30 كانون الثاني/ يناير 1969، قُدّمت إلى المحاكمة العسكرية بتهمة الانتماء إلى منظمة التحرير، ثلاث فلسطينيات هن: نهلة البايض وفاطمة مرتجى وفاطمة عفانة. وفي اليوم التالي ضجّت غزة بمظاهرات صاخبة اشتركت فيها طالبات المدارس، وسرعان ما امتدت إلى مدن الضفة، وفي ذلك اليوم، تعطّلت المدارس في المدن، وقامت المظاهرات في شوارع غزة. وفي 3 شباط/ فبراير 1969، خرج الطلبة استنكارًا لاقتحام المدارس في غزة وضَربِ الطالبات، وأُعلن الإضراب العام في نابلس[22].

‏وفي مدينة البيرة انطلقت مظاهرة نسائية من مدرسة بنات البيرة الثانوية احتجاجًا على تعذيب المعتقلات الفلسطينيات، ومن بينهن رسمية عودة وعائشة عوده لطيفة الحواري، وذلك في شهر آذار/ مارس 1969.

‏وهكذا، ومنذ بداية الاحتلال والمظاهراتُ الطلابية تشتعل من وقت إلى آخر في المناسبات الوطنية مثل ذكرى وعد بلفور، وتقسيم فلسطين، وذكرى النكبة في 15 أيار/ مايو، وحرب حزيران/ يونيو، وكانت سلطات الاحتلال تعترض هذه التظاهرات وتلقي القنابل المسيلة للدموع وتعتقل البعض، وغالبًا ما يتعرض الكثير من الطلاب والطالبات والمعلمين والمعلمات للضرب المبرح.

 

الشهادة والإبعاد ..

وقد اعتقلت سلطات الاحتلال منذ عام 1967 وحتى عام 1984 (270) امرأةً في مناطق الضفة وغزة والقدس. كما استخدم الاحتلال سياسة الإبعاد منذ 1967 بحق الشخصيات القيادية البارزة والمؤثّرة، مثل زليخة إسحاق شهابي، وهي ناشطة في العمل الاجتماعي ورئيسة جمعية الاتحاد النسائي العربية في القدس، حيث أُبعدت بتهمة التحريض ضد الاحتلال. ونوال رمزي التميمي مديرة مدرسة العائشية في نابلس، وهدى صبحي عبد الهادي، وهي معلمة في نابلس، والحاجة تودد عبد الهادي مديرة مدرسة بنات جنين، وفاطمة محمد الخليل من المجدل، وشامة سليمان حسن من دير عمار قضاء رام الله، وزينب حسن سليمان من قلقيلية، وسهام إبراهيم أبو سلمة من أريحا، وعائشة محمد موسى، وعصام عبد الهادي، ونايفة القهوجي، وآمنة حمدان، وصبحية محمد، ومريم محمد عليان، وفاطمة محمد وأطفالها الخمسة، ومها خليل عودة، وسوسن صلاح، وسحب حسني شاهين، وسهام الوزني، وصفية عبد اللطيف، ويسرا درويش البرغوثي، وفريدة خليل سليمان، وريما عزة شريف كنانة، وروحية عثمان القواسمي وطفلها.

‏وأُبعدت كذلك كلٌّ من: فايزة أحمد شراب، ونرمين شراب، وعائشة جراب شفيقة حسيني، ووجيهة الشريف، وثريا عبد ربه، وحنان محمد، وخديجة الجرادات، وسميرة حمدان، وهلا حنا عطا الله، ورندة النابلسي، وونس قريوت، وحنان أبو عياش، ووداد أسود، ولطيفة الحواري، وفاطمة برناوي، وهالة الطاهر، وفاطمة الحلبي، وسمر مرمش[23]. وفي 14 آذار/ مارس 1979 أَبعد الاحتلال، في صفقة تبادلٍ للأسرى، الأسيرات: عفيفة بنورة، وعايدة سعد، وريما طنوس. وفي صفقة التبادل التي جرت عام 1983 أُبعدت كل من تيريز هلسةوناديا الخياط وعائشة عودة وعطاف يوسف وحنان نخلة وزكية شموط[24].

‏وبدأت سلطات الاحتلال تنتهج سياسةً تفرض الإقامة الجبرية على النساء الفلسطينيات منذ عام 1970، وقد بلغت نسبة الأوامر الجبرية في الأعوام من 1970 إلى 1984، 20 حالةً من جنين ونابلس ورام الله والقدس وبيت لحم الخليل وغزة.

‏وبلغ عدد الشهيدات الفلسطينيات بين عامي 1967 و1974 حوالي 44 شهيدةً، وقد توزّعن على مناطق مختلفة، وهي: يالو وبيت نوبا وعمواس والقدس وسهل أريحا وعرابة ونابلس وغزة ورفح والجليل، وقد استشهد هؤلاء الفلسطينيات، إما أثناء الهجوم على القرى وترحيل سكانها في عام 1967، أو أثناء محاولتهن العودة إلى قراهن بعد التهجير، أو خلال الاشتراك في عملية فدائية أو الإعداد لها، أو استشهدن وهنّ يدافعن عن شاب فلسطيني، ومنهنّ من ارتقت في مظاهرة نسائية، أو في مطاردة دورية إسرائيلية لفدائيين.

بلغ عدد الشهيدات الفلسطينيات بين عامي 1967 و1974 حوالي 44 شهيدةً، فيما اعتقلت سلطات الاحتلال منذ عام 1967 وحتى عام 1984 (270) امرأةً في مناطق الضفة وغزة والقدس. كما استخدم الاحتلال سياسة الإبعاد منذ 1967 بحق الشخصيات القيادية البارزة والمؤثرة

 

وليس آخرًا..

لا تملك مادةٌ واحدةٌ القدرة على إحصاء كل النضالات النسوية الفلسطينية، حتى وإن اختصت بحقبة زمنية محددة، ولكنّ هذه المادة وهي تسعى إلى الإحاطة بأكبر قدرٍ ممكن من هذه النضالات، فإنّها تظهر الوعي النسائي النضالي الفلسطيني المبكر، من جهة الإحساس بطبيعة المرحلة وفهم الدور المنوط بالمرأة الفلسطينية فيها، ومن جهة المبادرة في ميدان صعب وشاق، ثمّ من جهة الإيمان بالنضال النسائي بوصفه نضالًا وطنيًا عامًّا تشترك فيه المرأة لأنّه قضيتها الحقيقية.

 

 



[1]  https://bit.ly/3QBu8Ro

[2] ميسون الوحيدي، المرأة الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي، القدس: جمعية الدراسات العربية، 1986، ص 22

[3] القدس، 11/4/1969.

[4] أرشيف المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ذاكرة فلسطين، مقابلة شخصية، رندا النابلسي، 20/5/2020، عمان.

[5] أرشيف المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ذاكرة فلسطين، مقابلة شخصية، فاطمة برناوي، 20/2/2021، عمان.

[6] القدس، 21/5/1969؛ 30/5/1969؛ 22/4/1971؛ 1/6/1971

[7] فاطمة برناوي، مقابلة شخصية.

[8] أرشيف المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ذاكرة فلسطين، مقابلة شخصية، ناديا خياط، عمان.

[9] رندا النابلسي، مقابلة شخصية.

[10] القدس، 22/2/1969.

[11] المرجع نفسه.

[12] المرجع نفسه.

[13] المرجع نفسه.

[14] المرجع نفسه، 10/5/1972.

[15] الفجر، 1/7/1972

[16] المرجع نفسه، 8/4/1977.

[17] القدس، 1975.

[18] الفجر، 26/10/1979.

[19] المرجع نفسه.

[20] أرشيف جمعية إنعاش الأسر، البيرة.

[21]  المرجع نفسه.

[22] القدس، 31/1/1969.

[23] الوحيدي، ص 151-153.

[24] المرجع نفسه، ص 155. مجموعة المبدعات هو 62 مبعدة من جنين وطولكرم ونابلس ورام الله والقدس وبيت لحم والخليل وأريحا وغزة والمناطق المحتلة عام 1948.