الكرامة.. الحياة الضرورية.. مراجعة كتاب، وعي الإنسان بكرامته، للأسير محمد اغبارية

الكرامة.. الحياة الضرورية.. مراجعة كتاب، وعي الإنسان بكرامته، للأسير محمد اغبارية
تحميل المادة

في هذا النص أحاول تقديم مراجعة مختصرة لكتاب "وعي الإنسان بكرامته"، والذي صدر مؤخرًا عن مركز حضارات للدراسات السياسية والاستراتيجية في ١٦٦ صفحة، لمؤلفه الكاتب والأسير الفلسطيني في سجن "ريمون" محمد سعيد اغبارية، الذي اعتقل بعد تنفيذه عملية في معسكر"جلعاد" مع رفاقه في الخلية (يحيى اغبارية، وشقيقه إبراهيم اغبارية، ومحمد جبارين) من أم الفحم، وحكم عليهم بالسجن المؤبد، إثر قتل ثلاثة جنود والاستيلاء على أسلحة وذخيرة، وذلك بتاريخ ١٤\٢\١٩٩٢م.

خلال عشر سنوات من ١٩٩٦م وحتى ٢٠٠٥م حصل اغبارية على درجة البكالوريوس في العلوم الاجتماعية والإنسانية، ودرجة الماجستير في الدراسات الديموقراطية من الجامعة العبرية، وحاول استكمال دراسته للدكتوراه ولكن إدارة سجون الاحتلال منعته من ذلك. وكما بدأ اغبارية أبدأ، حيث يهدي كتابه إلى أمه وزوجته وإلى كل شهداء الحق والحقيقة.

نعيش هذه الأيام في ظلال كرامة الشيخ خضر عدنان مما يرفع من قيمة هذا النص فيتنّزل معناه واقعًا ويتجسّد أمامنا، وهو ما دفعني لذكر الشيخ الشهيد أثناء كتابة هذه المراجعة.

الشقيقان إغبارية

الأسيران الشقيقان اغباريه ينهيان ربع قرن في سجون الاحتلال - ٢٦ شباط، ٢٠١٧ (مصدر الصورة: موقع وكالة شهاب)

 

بدأ اغبارية بتمهيد يضع منطلقاته فيه، والتي لاحقًا سوف يتكئ عليها في تحليله لمواقفه مع الأسرى وتحليل قصصهم بحثًا عن الكرامة، هذا التمهيد متسعٌ جدًا ولا نرى مثله تقريبًا في الأبحاث الاجتماعية الأكاديمية. ثم انتقل للحديث عمّا أسماه "لباب الكرامة"، فهذا اللباب لا يمكن تجاوزه لكرامة أعلى، وهذا المستوى على دقّته وبساطته في مراتب الكرامة إلا أنه كالأصل في المسألة، والأساسات في البناء، والأقدام في السير، وهو المقدار من الكرامة التي يحتاجها الإنسان لممارسة حياته اليومية، وهو بذاته الذي يستهدفه "الاحتلال" في عرقلة حياة الفلسطيني ليجعلها خاليةً من الكرامة، خاليةً من الحياة، ويجعل في ذات الفلسطيني ما يسهّل انقياده بضعف كرامته.

 

صورة حديثة للأسير محمد اغبارية

صورة حديثة للأسير محمد اغبارية (مصدر الصورة: موقع سرايا القدس)

مواقف ونظريات

أثناء سيري مع كتاب اغبارية كنت أرى نظريات علم النفس المختلفة تتبدى بين السطور، حتى وجدته يذكر قراءته لمقدمةٍ في علم النفس، ليصبح النص أكثر وضوحًا بالنسبة لي، ثم علمت بدراسته للعلوم الاجتماعية وهو ما زاد قناعتي بضرورة قراءة نصّه من منظور قريب لهذه العلوم (خصوصًا إذا افترضنا وجود أداةٍ منتسبة لهذه العلوم جرى استخدامها أثناء كتابة النص)، غير أن اغبارية لم يستخدم النظريات الاجتماعية والسلوكية بالطريقة الأكاديمية الكلاسيكية، بل تشرّبها ورأى من خلالها، وفي جوانب معينة قدّم نقدًا لها (في معرض حديثه عن هرم ماسلو مثلًا)، وفي أخرى نقلها لإمكانات أخرى، ولا أقصد هنا النواحي الأكاديمية، إنما قدرته على مجادلة النصوص والتفاعل معها وتغيير ذاته وسلوكه من خلالها، ومن خلال المواقف التي يمرّ بها (مثل تدرّبه على مسألة التأكد من المعلومات قبل الغضب). وعليه، لا يمكن تحديد النظريات والأدوات التي جالت بخاطر اغبارية أثناء تحليله لمواقف الأسرى وقصصهم الكثيرة التي ذكرها في كتابه -وقد قاربت ستًّا وعشرين حالةً-، ولكن يمكننا مقاربة تحليلاته من جهة بعض النظريات الحديثة، والأدوات المستلّة من مجال علم النفس، حيث تعود لأصول مشتركة مع ما سطّره في المقدمة وفي متن الكتاب من النصوص، وتتفق مع ما توصّل إليه من نتائج، وربما تساعد في بناء مُسنَدٍ لأفكاره.

مشاهداته هذه ومواقفه مع الأسرى يمكن استخدامها لدراسة أثر نظرية الكرامة التي اشتقها اغبارية على سلوكه هو. ومما أكّد عندي حصول هذا الأثر، حديثٌ لأسيرٍ سابقٍ في المناقشة التي أقامها "مركز بيت المقدس للأدب" حيث عاش مع اغبارية في السجن، يقول: "هو في الكتاب تحدث عن الكرامة... لم يكن فيه يتحدث عن نفسه ولكنه هو هكذا (أي كما يصف في الكتاب)، إنسان جميل مفكّر..." (مركز بيت المقدس للأدب، ٢٠٢٣).

 

من مناقشة الكتاب في مركز بيت المقدس للأدب

من مناقشة الكتاب في مركز بيت المقدس للأدب (مصدر الصورة: صفحة بيت المقدس للأدب)

 

إن علم النفس منذ نشأته يبحث في مكمن الخلل عند النفس البشرية وأمراضها، ولم يسلم من هذا التوجه البحث ما بعد الاستعماري أو أبحاث محو الاستعمار في مجال علم النفس (فرانز فانون والأبحاث في أفريقيا وأمريكا اللاتينية نموذجًا)، حيث تواجه هذه الأبحاث بجدّية منظور المجتمع الأوروبي وما انبثق عنه من مجتمعات استعمارية صارت دولًا كأمريكا وأستراليا...، وذلك لأن أي نظرية في علم النفس تحتاج لمجتمع دراسة تستقي منه المشاهدات وتفحص الفرضيات لتخرج بنظرية ما. بينما تغلب على علم النفس التقليدي/ الاستعماري، والتحرري/ ضد-الاستعماري، مسائل البحث في الأمراض والاضطرابات. تبرز أهمية التنظير واشتقاق الفرضيات التي تؤسس لطرق بديلة في التعامل مع النفس -أي ليس من منظور المرض إنما من منظور السواء- والذي بطبعه يعود إلى تعريف محلي، وذلك حتى لا تتكرر مسألة المجتمع الأوروبي، واحترامًا لتنوع التجربة البشرية، وهو ما انتبه إليه اغبارية في حديثه عن "الحرية" (اغبارية، ٢٠٢٣، ٦١).

سوف أسرد هنا مجموعةً من النظريات التي تساعد في فهم نص اغبارية وربما يمكن القول أيضًا إنها تصف حالات غياب الكرامة، فكما أسلفنا يركّز البحث في علم النفس على الاضطراب، والاضطراب غياب لشيء ما، بينما اغبارية سلك الطريق قادمًا من اتجاه آخر يصف الكرامة ويعدّد مراتبها، ثم ينظر ماذا يفعل غيابها.

 

أولًا: تذويت[1] الدونية وعقدة النقص

يذكر اغبارية أن طمس الكرامة أو سجنها يتهددها من خارجها، فمثلًا ينتهكها "الاحتلال" بإجراءاته اليومية من اعتقال مهين، وانتظار على الحواجز، والهدف أن يفقد الفلسطيني تقديره لذاته، وهوه ما ينعكس على أهل بيته "فيصب عليهم نقمته وحنقه الذي تراكم في داخله، كمحاولة منه لإعادة توازنه النفسي وتقديره لذاته". (اغبارية، ٢٠٢٣، ٣٣). هذا الوصف شبيه لما وصفه فرانز فانون في حديثه عن تذويت الدونية وعقدة النقص(Hook, 2004).

 

ثانيًا: العنف السياسي

"وإن بدا ظاهريًا قويًا لا ينكسر... غير أنه يتحاشى الصدام والمواجهة" (اغبارية، ٢٠٢٣، ٣٣)، يبحث في هذه المسألة مارتن بارو، في فصله عن العنف السياسي ويفصّل في أنواع العنف (المحدد بهدف، العشوائي...) وآثار كل منها على الذات البشرية، حيث يُستخدم العنف لضبط سلوك الأفراد والجماعات، ولكن في الوقت ذاته يؤسس لمجتمع وأفراد عاجزين (Martín-Baró, 1994).

 

ثالثًا: الاستبطان - introspection

"ولمّا خلوت بذاتي وغصت في أغوار نفسي أتلمس وأتقصى جذور موقفي..." (اغبارية، ٢٠٢٣، ٤٠)، إن الاستبطان أو سبر الغور أداة قديمة لفهم النفس حتى قبل ظهور علم النفس ومجالاته، ولكن، اشتُهر باستخدامها روّاد المدرسة التحليلية في علم النفس أمثال فرويد، وباستخدامها يمكن ملاحظة سلوك النفس ومراجعة منطلقاتها وتحليل مدخلاتها ومخرجاتها من أجل تقويمها، وهو ما يفعله اغبارية في حياته كما يظهر من المواقف التي ذكرها.

 

رابعًا: الاحترام

"الوسيلة الأهم لحماية لباب الكرامة هو الاحترام... بالاحترام تَستخرج أفضل ما عند الإنسان، بل يعطيك الإنسان أفضل ما عنده عن طيب خاطر ونفس سخية" (اغبارية، ٢٠٢٣، ٤٣)، هذا الاقتباس ذكّرني بدراسة أجريت لإحدى المدارس والتي ساءت فيها الأوضاع من عدة نواحٍ (تحصيل الطلبة، سلوكهم…) ومن ثمّ بدأت سمعتها تتأثر سلبًا، أُجريت الدراسة للكشف عن الأسباب، واستُخدمَت طريقةٌ مبتكرة، فقد طُلب من مجموعة من المعلمين والطلبة أثناء وجودهم في المدرسة أن يكتبوا ملاحظاتهم عن المشهد أمامهم سواء سلبية أو إيجابية، وجرى التبليغ عبر أجهزة جوال يحملونها، ليضمن فريق البحث أن تكون أماكنهم مختلفةً وعشوائيةً، وتكون الأوقات كذلك، دون اختيار منحاز من المشاركين. وكانت النتيجة: الكثيرَ من المشاهد التي رأى فيها الجميع انعدام الاحترام سببًا رئيسيًا للمشاهد السلبية، ووجود الاحترام سببًا للمواقف الإيجابية، فكانت التوصية بزيادة الاحترام المتبادل داخل بيئة المدرسية حتى تُحل مشاكلها -هذا مجرد تلخيص، ويجدر بالمهتمين العودة للدراسة- (Preble, 2011).

 

يمكن القول إن عقدة النقص وتذويت الدونية وتحاشي الصدام وعدم المبادرة واستدخال الهزيمة، من التعقيدات التي تظهر في النفس الإنسانية عندما تُسلب كرامتها، وأن الكرامة وسيلةٌ يمكن من خلالها تجاوز هذه التعقيدات النفسية، وهدفٌ بذاتها يجدر حفظها وتعهدها بالرعاية.

يقول اغبارية "إن الاحتلال يحصل من حالة فقدان التقدير للذات لدى أبناء الشعب الفلسطيني أن هؤلاء تبعًا لنظريات علم النفس، سيكونون أدوات طيعة وسلسة الانقياد وسهلة الاتباع..." (اغبارية، ٢٠٢٣، ٣٣).

إن فائدة تقديم منظور للكرامة من جوانب نفسية سلوكية، هي إعادة إمكانية المواجهة إلى الحياة اليومية. فالأسير في سجنه لا يملك السلاح ليبدأ عنفًا ثوريًا، ولا يقدر على إزالة منظومة السجن، فضلًا عن الاستعمار الصهيوني بالجملة، ويدرك في الوقت ذاته أنه في مواجهة مستمرة ويتعرّض لسياسات احتواء وقمع ممنهجة، فماذا يفعل؟ تظهر هنا إجابة امتلاك كرامته وهو واعٍ بها (وعي بالكرامة)، وواعٍ بمدى أهميتها، لذا يعمل على حفظها (وعي للكرامة)، وهو ما يدفعه نحو تجاوز السلوكيات المتوقعة (الخضوع لسياسات الضبط) في مواقف مثل تقديم الطعام لضعيف جائع (ولكن من فتحة على الأرض)، حيث يتوقع هرم ماسلو مثلًا أن الحاجة الأساسية هي البقاء على قيد الحياة، لذا يُعدُّ تَقبُّل الطعام كيفما كان هو الأولوية، كما يتوقع مفهوم الاعتياد normality)) في علم النفس أن ذات السجين تطبّعت بصفات معينة على فترات طويلة، ومن ثمّ اعتادت على الضعف والهوان. جميع هذه المقولات لا يمكنها تفسير سلوك السجين الفلسطيني الذي يرفض طريقة تقديم الطعام (من تحت الباب) كما يذكر اغبارية (اغبارية، ٢٠٢٣، ٢٩) ويحيلها إلى وعي الفلسطيني بأن استمراء فعل كهذا سوف يؤذي لُباب كرامته، والضرر على الكرامة أشدّ عليه من الجوع، وهو ما قد يصل إلى الشهادة كما قال وفعل الشيخ الشهيد خضر عدنان "كرامتي أغلى من روحي".

غلاف

(لقاسم عبد القدير، ٢٠١٢) (مصدر الصورة: موقع أرشيف ملصق فلسطين)

أخيرًا ينطلق اغبارية من محوريّة الوعي في صياغة ما سبق، الوعي بالكرامة والوعي للكرامة، جميعها تبدأ بالوعي وتستخدم الوعي (إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ) [الرعد:11].

 

مراتب الكرامة

يقسّم اغبارية الكرامة إلى ثلاث مراتب (لباب الكرامة، الوعي بالكرامة، الوعي للكرامة)، أما "لباب الكرامة" فيظهر في بكاء الطفل عند انتزاع اللعبة منه، وفي عبوس الوجه عند الصفع، أي أنه ينعكس في تلقائية السلوك الرافض ولو في أبسط أشكاله. غير أن عدم الوعي بها يجعلها مجرّد ردّات فعل يمكن التنبؤ بها وضبطها كما أسلفنا. وهنا تأتي أهمية المرتبة الثانية "الوعي بالكرامة"، وهي أن جوهر هذه الكرامة من الله (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا) [الإسراء:٧٠] أي أنها من خارج الكيان الإنساني ولجميع البشر دون استثناء، ويفرز هذا نتائج عدةً، منها: أن الكرامة مركّب أصيل في البشر فلا تُمنح من الآخرين، ومهما ضعفت فإن جذوتها تبقى كامنة تحت الرماد في انتظار من يحنو عليها ويتقصّدها بالرعاية والاهتمام (وفي هذا فتح لباب مهم يغلقه المجتمع بالوصم)، ولا يحق لأحد انتزاعها من أجل أي مصلحة كانت. إن تَذَكُّرَ الفرد لهذا الحبل الذي يربطه بخالقه يرفع عنه التيه في دوّامة الدونية، حيث إن كرامته لم يمنحها له أحدٌ لينتزعها منه، وهو مستحقٌ لها من لحظة خلقه، وبهذا يتحصّل وعي دائم بالكرامة (ذكر اغبارية نقاط أخرى في هذا السياق). أما "الوعي لكرامته" فهو الطريق الذي يسلكه والجهد الذي يبذله لحفظ هذه الكرامة وتعزيزها عنده وعند الآخرين "وعيي لكرامتي يعني أن أعمل مجدًا لأبقى كريمًا على الله ومكرّمًا عنده" (اغبارية، ٢٠٢٣، ٦٤)، ونفصّل في هذا تاليًا.

 

طريق الكرامة

تظهر ملامح الاستعباد على من يخفي كرامته، أي أن الظاهر والباطن هنا متشاكسان يؤثّران في بعضهما، والقصد أن إخراج ما يضطرم في الصدر طريقٌ للكرامة. يقول خضر عدنان نقلًا عن علي شريعتي "إن لم تكن حسينيًا على طريق الشهادة فكن زينبيًا، وهذا طريق الإعلان وطريق التبليغ وهذا أقل ما يمكن...". وفي كتب التزكية وعند الطرق الصوفية نجد أن البدايات تكون بالظاهر من الأمور، ثم يترقّى السائر إلى مراتب الباطن:

ثم أمدوه بعلم الظاهرْ *** حتى استقامت عنده السرائرْ (حوى، ٢٠٢٢).

بعد وعي الإنسان بكرامته انتقل إلى الوعي لكرامته، أي تسخير هذا الوعي في طريق حفظ كرامته وكرامة من حوله، نجده يذكر الاحترام وسيلةً ضروريةً للحفاظ على كرامة الآخرين، ويجعله من الأولويات، وحتى من "الفرائض"، وليس ذلك من قبيل الاحترام المتبادل أو نشر الاحترام والكرامة، إنما حتى يحافظ الفرد على كرامته ذاتها يحتاج أن يدافع عن كرامة الآخرين، حيث يفقدها إذا ما استمرأ الذل لغيره "إن الذي لا يتعاطف مع المظلوم لأي سبب كان كأن يكون المعتدى عليه من لون آخر أو دين آخر أو من مذهب أو قوم آخرين؛ ... أخشى أن يكون جزء من إنسانيته قد مات... أو أنه مسجّل في عداد المرضى إنسانيًا فيكون بحاجة إلى العلاج... لأننا نخاف على المجتمع منه" (اغبارية، ٢٠٢٣، ٤١).

ينقل اغبارية المسؤولية من سياقها الفردي إلى الجماعي، فيؤسس لضرورة إحياء التضامن الإنساني بين "شرائح" المجتمع المختلفة، وقد جعل مثال ذلك أن الاعتداء على معلم واحد يدفع المعلمين للتضامن والاستنكار. وفي هذا تأصيل للدفاع عن المظلوم جمعيًّا. تجد في بعض أبواب الفقه الإسلامي مسألةً تقول إنه إذا ما قُتل شخص في منطقة معينة ولم يعرف القاتل، وجبت الدية على أهل المنطقة جميعًا، وذلك لمسؤوليتهم في الحفاظ على منطقتهم آمنة "وإذا وجد القتيل في محلة ولا يعلم من قتله استُحلف خمسون رجلًا منهم… فإذا حلفوا قضي على أهل المحلة بالدية" (القدوري، ١٩٩٧، ٩٢)، ومع ما في هذه المسألة من التفصيل والفروق بين المذاهب، ولكنها تدعم حديث اغبارية في ضرورة التضامن الإنساني ومسؤولية الدفاع عن المظلوم. وقد أوردت هذا المثال كونه من الحياة اليومية في التراث الفقهي، ولكن النصوص الدينية التي تحث على مواجهة الظلم كثيرة.

 

الأسيران الشقيقان

الأسيران الشقيقان إبراهيم ومحمد اغبارية يدخلان عامهما الـ 30 بسجون العدو - الخميس 25 فبراير 2021 (مصدر الصورة٬ موقع سرايا القدس).

حماية الكرامة

لهذا كان من الضروري مواجهة التعقيدات الناتجة عن غياب الكرامة، وحفظها والانتباه والحذر عند المساس بها وهو ما أكّد عليه اغبارية كثيرًا، ومثال ذلك انعكاسات تزعزع الكرامة عند الوالدين على الأسرة، والتي تصيب لباب الكرامة في مقتل، وتؤثّر على نمو أطفالهم سلبًا. وهذا يذكّرني بمقالة عن أهمية توفير مساحات آمنة للأطفال في مراحل مختلفة بما في ذلك مرحلة استكشاف هويتهم (Dawani, 2016). إن دخول ذات الإنسان في جو من الاستكشاف والتساؤل ترفع من القلق والتوتر حتى تستقر الذات على إجابات تساعدها على استكمال الطريق، فإذا ما صدمت الذات بمحيط ينتقص منها ويحط من كرامتها، والذي ربما يكون انعكاسًا مباشرًا لـ"سياسات الاحتلال"، سُحق لباب الكرامة لدى الفرد، ومن ثمّ تفتح أبواب الانتقام من المجتمع دون إدراك، وتفتح غيرها من المسارات التي تضرّ الفرد أو المجتمع، وهو ما حصل مع أحد الأسرى كما يذكر اغبارية (اغبارية، ٢٠٢٣، ٣٤).

 

سورة الفاتحة

انطلاقًا من سورة الفاتحة يستخدم اغبارية نظرية الكرامة التي اشتقها في الفصول السابقة من أجل الوصول لمجموعة من المبادئ أو لنقل لنمط حياة، تلتف هذه المبادئ حول الكرامة لتحفظها وتنمّيها في الإنسانية، حتى إذا أراد الواعي بكرامته أن يُعمِل وعيه من أجل كرامة الإنسان وجد نص اغبارية يرسم له الطريق. في السطور التالية أستعرِضُ بعضًا من ملامح هذه الطريق:

"هم ليسوا في حالة صراع مع الطبيعة ولا منسحبين من الحياة الدنيا، بل هم أمناء على الطبيعة رعايةً وحمايةً، وتخالطهم مشاعر المحبة والحنان مع الأرض" (اغبارية، ٢٠٢٣، ٧١) بهذه الكلمات ومستعينًا بحديث النبي (صلى الله عليه وسلم): "أحد جبل نحبّه ويحبّنا". (جزء من حديث رواه مسلم)، يؤسس اغبارية لفكرة، أن سياستنا مع الأرض لا تكون سياسة سيطرة وتغوّل عليها بل إعمار وحفظ لها من الفساد والتلف، وفي هذه الفكرة إدراك عميق لمشكلة تصورات الدولة الأوروبية، والحداثة عمومًا، في تعاملها مع الأرض بوصفها مصدرًا للانتفاع وموضوعًا للسيطرة دون التعهد بحفظها من الفساد والتلف.

"هذا الأسلوب اتضح لي أنه من أكبر الأخطاء الإدارية الفادحة في أي تجمع إنساني منظم" (اغبارية، ٢٠٢٣، ٨٣) ويقصد بهذا أسلوب "الطبطبة" كما سماه في مقابل أسلوب آخر وهو "الحزم بالرفق"، وأسلوب الطبطبة هذا هو أسلوب يستخدم من أجل حل النزاعات بين الأفراد بإيقاع ضغط من الوساطات عليهم دون حلٍّ فعليٍّ للمشكلة ودون بحثٍ في أسبابها، ما يجعل منه مجرد غطاءٍ يخفي المشكلة. أدرك اغبارية إشكالية هذا الأسلوب بعد عمر طويل من استخدامه، ولكنه راجع نفسه وبدأ بأسلوب جديد وهو "الحزم بالرفق" فالنفوس البشرية معقّدة، والوصول لحلّ بالرفق وحده غير ممكن، والمقصود بالحزم هنا أن تُحلّ الخلافات بتقصي مكمن الخلل، وبالوضوح في محاسبة الظالم من المتخاصمين أو المعتدين (والحديث هنا يدور عن الإدارة التنظيمية للخلافات بين الأفراد تحديدًا)، وهذا الأسلوب بحدّ ذاته ينمّي عند الأفراد وعيًا لكرامتهم بأن كرامتهم لا تضيع وبأن عليهم حفظ كرامة غيرهم أثناء الخلاف.

ذَكَرَ اغبارية أيضًا العديد من المسائل المهمة وناقشها نقاشًا مطولًا مؤسِّسًا لطريقةٍ تحفظ كرامة الإنسان، ومنها: الإخلاص في القضية (نقل الإخلاص من مفهومه الديني واستخدمه مفهومًا سلوكيًا)، والمراجعة الذاتية والنقد، والتضامن الوطني، وهي المسألة التي تحدث فيها عن الهوية الوطنية وقد نحتاج هنا للعودة إلى بعض النصوص في مسألة الهوية الوطنية من منظور علم النفس الاجتماعي لمساعدتنا على فهم أعمق للمسألة (Makkawi, 2017)، والتشابك بين الفردية والجمعية (اغبارية، ٢٠٢٣، ١٢٨)، والتنظير للتعددية وحرية الرأي والشورى. وجميع هذه المسائل غاية في الأهمية وقد أجاد في طرحها مستعينًا بالنصوص الدينية والتفكير والاجتهاد، ولا يسع المقام للتفصيل فيها ولكن أدعو لقراءتها والتمعن فيها فهذه المراجعة قاصرة والنص رحبٌ.

 

 


 

مراجع

سرايا القدس - الإعلام الحربي. سيرة محمد سعيد حسن اغبارية. أسرى سرايا القدس. https://saraya.ps/prisoner/51/%D9%85%D8%AD%D9%85%D8%AF-%D8%B3%D8%B9%D9%8A%D8%AF-%D8%AD%D8%B3%D9%86-%D8%A7%D8%BA%D8%A8%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%A9

 

القدوري. (١٩٩٧). مختصر القدوري في الفقه الحنفي. دار الكتب العلمية. https://shamela.ws/book/124336

 

مركز بيت المقدس للأدب. (٣ أيار، ٢٠٢٣). مناقشة كتاب وعي الانسان بكرامته. فيسبوك. https://www.facebook.com/bait.maqqdes/videos/736585854859573

 

حوى، م. س. (٢٠٢٢م). التزكية تصوف أهل السنة، من خلال شرح منظومة المباحث الأصلية لابن البنا السرقسطي(الطبعة الرابعة). دار الفاروق.

 

اغبارية, م. س. (٢٠٢٣). وعي الإنسان بكرامته. مركز حضارات للدراسات السياسية والاستراتيجية.

 

عدنان، خ. (٢ أيار، ٢٠٢٣). فيديو للشيخ الشهيد خضر عدنان يقول إن لم تكن حسينياً في طريق الشهادة فكن زينبياً. يوتيوب. https://www.youtube.com/watch?v=ti3vFdpbfN0

 

Makkawi, I. (2017). Towards decolonizing community psychology: Insights from the Palestinian colonial context. In D. Boniforti, C. Albanesi & A. Zatti (eds.). Frontiere Di Comunita: Complessita a confronto (pages 7-33). DOI 10.6092/unibo/amsacta/5502

 

Hook, D. 2004. Frantz Fanon, Steve Biko, ‘psychopolitics’ and critical psychology [online]. London: LSE Research Online. Available at: http://eprints.lse.ac.uk/961

 

Martín-Baró, I. (1994). The Psychological Value of Violent Political Repression. In A. Aron & S. Corne (Eds.), Writings for a liberation psychology (151-168). Massachusetts:  Harvard University Press

 

Dawani, S. (2016). Spaces of Growth. In Unpublished chapter of doctoral dissertation titled: Self-performances: Palestinian adolescents and the power of collaborative and dialogical spaces. Vrije Universiteit Brussel, Belgium.

 

Preble, W.K., and Gordon, R. (2011). Transforming school climate and learning beyond bullying and compliance. Thousand Oaks, CA: Sage Publications (Chapter 1)



[1]  التذويت: إضفاء صبغة ذاتية على الأشياء والقيم.