المستقبلية الرجعية لدونالد ترامب

على سبيل التقديم..
تسلط هذه المقالة لـ مايا فينوكور (MAYA VINOKOUR)[1] والمنشورة في مجلة jacobin بعنوان (Donald Trump’s Reactionary Futurism)؛ الضوء على رؤية إدارة دونالد ترامب في ولايته الثانية، والتي يصفها الكاتب بأنها "حداثة رجعية"، وهو مفهوم يجمع بين الإيمان بالتكنولوجيا المتقدمة والحنين إلى نماذج سلطوية من الماضي، مما يؤدي إلى مستقبل سياسي لا يتجه نحو الحداثة بقدر ما يستعيد هياكل استبدادية بوسائل رقمية. يركز المقال على كيف أن ترامب، مدعومًا من مستشاره التكنولوجي إيلون ماسك وشركات وادي السيليكون، يسعى إلى تفكيك الدولة الإدارية وإعادة تشكيل المؤسسات الحكومية بطريقة تخدم الأوليغارشية الرأسمالية، بينما يُقدَّم هذا التغيير في صورة إصلاح إداري لتعزيز الكفاءة الحكومية.
تتمثل أبرز ملامح هذه الرؤية في مشروع 2025، الذي يهدف إلى تقليص الجهاز البيروقراطي الفيدرالي بنسبة تصل إلى 75%، عبر تسريح الملايين من الموظفين الحكوميين وإضعاف أو إلغاء وكالات تنظيمية رئيسية مثل وزارة التعليم، وإدارة الغذاء والدواء، ووكالة حماية البيئة. رغم أن هذه الخطوة تُروج باعتبارها إعادة هيكلة ضرورية لمكافحة البيروقراطية، إلا أن الكاتبة ترى أنها في الواقع محاولة لتقليص سلطة الحكومة الفيدرالية لصالح نخبة اقتصادية وتقنية، وهو نهج يشابه ممارسات الشركات الاستشارية الكبرى مثل ماكنزي، حيث يجري تفكيك المؤسسات لتحقيق "الكفاءة"، بينما يجري تركيز الثروة والسلطة في أيدي قلة.
تجادل المقالة بأن هذه السياسة ليست مجرد مسألة تقليص حجم الحكومة، بل تعكس فلسفة سياسية أعمق تستفيد من التكنولوجيا الحديثة لتعزيز مشروع سياسي سلطوي. هنا يظهر تأثير ما يسميه الكاتب بـ "الحداثة الرجعية"، وهو مصطلح استُخدم لوصف كيف استخدمت الأنظمة الفاشية في القرن العشرين التكنولوجيا المتقدمة لتعزيز الاستبداد بدلاً من التحرر. تشير الكاتبة إلى أن إدارة ترامب تعيد إحياء هذا النهج عبر دمج سياسات قومية محافظة، تحمل طابعًا دينيًّا وعنصريًّا، مع التقنيات الرقمية المتقدمة التي توفر إمكانيات غير مسبوقة للمراقبة والسيطرة.
في هذا السياق، لا يُعَدُّ وادي السيليكون مجرد فاعل اقتصادي، بل لاعبًا سياسيًا محوريًا يساهم في صياغة مستقبل يجري فيه إحلال مكان البيروقراطية الحكومية؛ بيروقراطية تكنولوجية تعمل وفق قواعد غير ديمقراطية، حيث تتحكم شركات مثل Palantir وOpenAI وSpaceX في البنية التحتية الرقمية للدولة. على الرغم من أن هذه الشركات تدعي تعزيز الابتكار، إلا أن المقالة تُحاجج بأنها في الواقع تقود الولايات المتحدة نحو نموذج يحدّ من الحريات الفردية ويعيد تشكيل العلاقات الاجتماعية وفقًا لمنطق الربح والهيمنة التقنية.
تُقدم المقالة نقدًا لهذه الرؤية من خلال تحليل التناقضات التي تقوم عليها. فمن ناحية، تروج إدارة ترامب لأنصارها أنها تدافع عن "القيم الغربية"، لكنها في الواقع تدفع البلاد نحو نموذج إقطاعي، مستعيدة أشكالاً من السلطة تخلى عنها الغرب منذ قرون. ومن ناحية أخرى، فإن التكنولوجيين الذين يدعمون هذا المشروع يدّعون أنهم يمثلون قمة الفكر المستقبلي، في حين أن ما يطرحونه ليس سوى إعادة تدوير لأساطير قديمة مغلفة بمظهر رقمي متطور. لهذا، ترى الكاتبة أن المشروع الترامبي ليس قفزة نحو المستقبل، بل هو محاولة لاختطافه وإجباره على تكرار الماضي باستخدام أدوات أكثر تطورًا بقليل، مما يجعل هذا الموضوع ذا أهمية خاصة للنقاش في السياق الفلسطيني، فإن فهم كيف يُعاد تشكيل السلطة في أمريكا قد يساعد في قراءة التحولات السياسية العالمية وتأثيرها على قضايا التحرر والعدالة، ولهذا الغرض ترجمت إطار هذه المقالة، مع التنويه إلى أنّ مصادر الكاتبة كلها مضمنة في روابط تشعبية، في حين أن جميع الهوامش من صنع إطار بغرض توضيح بعض ما يرد في المقالة.
التحرير
مثل أسلافه في القرن العشرين، يتوق اليمين المتطرف اليوم إلى أمجاد العالم القديم المزعومة، بينما يمجّد التكنولوجيا الحديثة بهوس.
بعد أسابيع قليلة من بدء ولايته الرئاسية الثانية، يمضي دونالد ترامب قدمًا في تنفيذ ما وصفه مستشاره السابق ستيف بانون بـ "تفكيك الدولة الإدارية". يقود هذه الجهود فريق استشاري بقيادة إيلون ماسك مكلف بتحقيق كفاءة الحكومة، وقد أثمرت بالفعل عن موجة من العناوين المثيرة والجدل.
بدلًا من الحفاظ على الوضع الراهن، كما يُتوقع من حكومة "محافظة"، تسعى الإدارة الحالية إلى إعادة تشكيل المستقبل ليعكس ماضيًا مثاليًا متخيلًا. هذا الشكل الغريب من "التقدم" يدمج أحدث تقنيات المراقبة والسيطرة على المعلومات والقتل الجماعي، مع جرعات مكثفة من التفاؤل التكنولوجي، في إطار قومي مسيحي عرقي يتسم بالحنين إلى الماضي. سواء كانت "الترامبية" بالفعل فاشية أم لا، فهذه ليست النقطة الأهم؛ فبالرغم من طابعها المستقبلي، فإنها أقل تطلعًا نحو الأمام حتى من السياسات الليبرالية الراكدة التي ترفضها.
هذا المزج بين الأساطير القديمة والتكنولوجيا الحديثة له سابقة تاريخية واضحة. ففي منتصف الثمانينيات، صاغ المؤرخ المتخصص في دراسة النازية جيفري هيرف مصطلح "الحداثة الرجعية"، الذي يجمع بين "حماسة كبيرة تجاه التكنولوجيا الحديثة" وبين "رفض التنوير والقيم والمؤسسات الديمقراطية الليبرالية". أظهر هيرف كيف أن الحداثيين الرجعيين في ألمانيا ما بين الحربين العالميتين صوّروا الممارسات المجردة والفكرية والموجهة نحو الربح على أنها "يهودية" و"اشتراكية"، بينما مجّدوا كل ما هو ملموس و"روحي" وريادي. وبالمقارنة مع "الحضارة"، التي اعتبروها يهودية، كان المفكرون النازيون والبروتونازيون[2] يعجبون بـ "الثقافة"، التي اعتقدوا أنها لا يمكن أن تُنتج إلا من قبل أشخاص ذوي دم ألماني.اليوم، تعمل إدارة ترامب ومعاونوها من وادي السيليكون على إعادة إحياء هذا النهج الحداثي الرجعي. لقد تحولت الأفكار التي شكلت أساس النازية التاريخية عبر قرن من الزمن إلى كتل متراكمة من مختلف الحطام الأيديولوجي. وإلى جانب استعارة النازية للأساطير التيوتونية[3] والتصوف الشرقي، تضيف اليوم اليمين المتطرف في وادي السيليكون أسطورة هوراشيو ألجر[4]، والاقتصاد الميسيسياني[5]، وأوهام الخيال العلمي الطفولية المستوحاة من [6]The Hitchhiker’s Guide to the Galaxy أو Stranger in a Strange Land.[7]
كما نتعلم بسرعة، فإن نتائج هذه "المستقبلية الرجعية" فوضوية في أفضل الأحوال. كانت أولى خطوات ترامب الجذرية في إعادة الهيكلة إصدار أوامر بتخفيضات واسعة (وربما غير قانونية) في الميزانية. في 28 كانون الأول/ يناير، تلقى 2.3 مليون موظف حكومي رسالة إلكترونية بعنوان "منعطف الطريق" تعرض عليهم راتبًا ومزايا لمدة ثمانية أشهر مقابل استقالتهم الفورية. وبحلول 1 شباط/ فبراير، منحت الإدارة على ما يبدو فريق ماسك الاستشاري إمكانية الوصول إلى "بيانات حساسة من وزارة الخزانة، بما في ذلك أنظمة دفع العملاء للضمان الاجتماعي والرعاية الطبية". وفي 7 شباط/ فبراير، بدأت إجازات إجبارية لآلاف الموظفين في وكالة التنمية الدولية الأمريكية (USAID)، وهي وكالة مساعدات خارجية عززت القوة الناعمة الأمريكية منذ عام 1961. تشمل الهيئات الحكومية الأخرى التي يسعى ترامب وماسك إلى تقليصها أو إلغائها وزارتي التعليم والزراعة، إضافةً إلى إدارة الغذاء والدواء (FDA) ووكالة حماية البيئة (EPA)، بهدف خفض عدد موظفي الحكومة الفيدرالية بنسبة 75% تقريبًا. لم يوضح ماسك ولا أي مسؤول في إدارة ترامب وجهة الأموال التي سيجري "توفيرها" من هذه التخفيضات.
العديد من هذه الإجراءات مستمدة مباشرة من "مشروع 2025"[8]، الذي يؤكد على "التوافق المستمر بين قيادة الوكالات الحكومية وأولويات البيت الأبيض". وبالرغم من لغته التلطيفية، فإن مشروع 2025 أعلن صراحةً عن نية الإدارة القادمة تدمير نفسها ذاتيًا. الناخبون الذين تجنبوا قراءة هذا المستند، أو التغطية الإعلامية المكثفة له، كان بإمكانهم ببساطة الانتباه إلى تصريح ماسك الذي وعد فيه بالتسبب في المعاناة لجميع الأمريكيين دون استثناء: "الجميع سيتعين عليهم التضحية بشيء ما".
إحدى العلامات التي تشير إلى أن البلاد لا تتجه فقط نحو نموذج "ماكينزي"[9] – إذ تُجَرَّد المؤسسة من أصولها حتى تنهار – هي مشاركة ماسك نفسه. فهو يروج لعلامته الخاصة من "الكفاءة"، التي من المفترض أن تكون "مُعطِّلة" بطريقة تشجع على "الابتكار". ومع ذلك، كما يعرف مساهمو تويتر جيدًا، فإن تدخلات ماسك لا تدفع الشركات نحو مستقبل رأسمالي مشرق، بل تعيدها إلى ماضٍ غير مربح. برنامج ترامب 2.0 يعكس نفس المسار، فهو لا يمثل عصرًا ذهبيًا جديدًا، بل انتكاسة نحو نماذج عفا عليها الزمن في مجالات السيطرة على الأوبئة، والنمو الاقتصادي، والإشراف البيئي، وهي نماذج تخلت عنها منذ زمن طويل الدول المتقدمة الأخرى.
حتى الشعار "اجعل أمريكا عظيمة مجددًا"، وخاصةً الكلمة الأخيرة "مجددًا" (Again)، يوحي بأن تحقيق اليوتوبيا المستقبلية سيتطلب العودة إلى الوراء بدلًا من التقدم إلى الأمام. سواءً عبر مشروع 2025، الذي يخفي نواياه خلف لغة منمقة، أو عبر ترامب نفسه، بأسلوبه الفظ، فإن الاتجاه المطروح دائمًا هو التراجع أو التراجع أو إلغاء سياسات حقبتي بايدن وأوباما. في عام 2016، كانت محاولات ترامب في هذا الاتجاه غير ناضجة وغير فعالة، لكنه اعتبارًا من عام 2025، يبدو أن عملية "إزالة التقدم" هذه ستجري بقيادة أوليغارشية تقنية معروفة بقدرتها على تنفيذ الأمور – وبما أنها "مستقبلية" حسب التعريف، فمن الصعب تمييزها عن التقدم الفعلي.
من بين داعمي ترامب يوجد من يصفون أنفسهم بأنهم "متفائلون تقنيًا" مثل مارك أندريسن، الذي يتنبأ بأن "أحفادنا [هكذا في الأصل] سيعيشون بين النجوم". غير مكترثين بالمفارقة، يقترب هؤلاء الرجال من الإدارة الجديدة، مستغلين أوراق اعتمادهم المحافظة للحصول على عقود حكومية مربحة لشركات مثل OpenAI وPalantir وSpaceX. لكن التزام قطاع التكنولوجيا بخفض التكاليف يتوقف عند حدوده الخاصة، إذ إن أحدث ابتكاراته، الذكاء الاصطناعي، يستهلك الماء والكهرباء كما تستهلك شاحنة فورد F-150 الوقود.
حركة "اجعل أمريكا عظيمة مجددًا" تمثل مثالًا حيًا لما وصفته الباحثة الأدبية سفيتلانا بويم بـ "الحنين الاسترجاعي"، الذي "لا يرى نفسه نوعًا من الحنين، بل حقيقة وتقاليد". من خلال سعيها لإزالة "غير الشرعيين" بالكامل، وسلب النساء التحكم في أجسادهن، وتقليص الأقليات الجنسية إلى مواطنين من الدرجة الثانية، تسعى هذه الإدارة إلى العودة ليس إلى عام 2020 أو 2008، بل على الأقل إلى عام 1932، عندما قدم فرانكلين ديلانو روزفلت فكرة "الصفقة الجديدة".[10]
أو ربما حتى أبعد من ذلك. فحتى عندما يدّعي التكنو-مستقبليون في وادي السيليكون أنهم يدافعون عن "المنطق والعقل"، إلا أنهم غارقون بلا منطق في الماضي السحيق. المدون اليميني كورتيس يارفين، وهو مهندس وأحد أتباع بيتر ثيل (المؤسس المشارك لباي بال)، يتوق إلى العودة إلى ملكية بروسيا في القرن الثامن عشر. أما "التفرّد التكنولوجي"، وهو نقطة اللاعودة إذ يُفترض أن يسيطر الذكاء الاصطناعي على كل شيء، فقد اشتهر به راي كورزويل، الذي صاغ فكرته استنادًا إلى خيال مستقبلي عن انتصار التكنولوجيا، بينما يستمد جذوره في الوقت ذاته من مخاوف قديمة عن نهاية العالم. وعلى المستوى الشخصي، فإن الدافع العاطفي وراء نظرية التفرد التكنولوجي ليس التفاؤل، بل الخوف البسيط من الموت.
أما بالنسبة إلى إيلون ماسك، فقد اتبع العديد من أقرانه المهووسين بالإنترنت في هوسه بروما القديمة. عندما تحدى مارك زوكربيرغ في مباراة قفص لإثبات تفوق المليارديرات في مجال التكنولوجيا، حلم ببث مباشر يكون فيه "كل شيء في الكاميرا مستوحى من روما القديمة، بلا أي شيء حديث على الإطلاق". ومع ذلك، وبالرغم من زعمه التفكير في الإمبراطورية الرومانية "كل يوم"، فإنه يعرف عنها القليل جدًا، إذ يغلف أيديولوجيته الحالية بطبقة سطحية من "نكهة رومانية". لتعزيز حججه حول "نظرية الاستبدال"، نسب ماسك خطأً انهيار الإمبراطورية الرومانية إلى انخفاض معدلات المواليد. وبعد أن قام بإيماءة "Sieg Heil" في تنصيب ترامب في كانون الثاني/ يناير، حاول إعادة تأطيرها باعتبارها "تحية رومانية" – مقتنعًا، على ما يبدو، بأن الرومان القدماء كانوا يستخدمون هذا التحية (وهم لم يفعلوا ذلك).
وكما كان الحال مع أسلافهم في القرن العشرين، يتوق اليمين المتطرف اليوم إلى مجد العالم القديم المزعوم، بينما يعشق التكنولوجيا الحديثة. في حقبة فايمار،[11] كان المهندس الذي قيل إنه دمج براعة تقنية بـ "أصالة جرمانية" تعود للعصور الوسطى، شخصية مفضلة لدى النازيين الأوائل. ومنذ عام 2000 تقريبًا، اتبعت الثقافة الأمريكية نمطًا مشابهًا في تمجيد ريادة الأعمال التكنولوجية. وحتى مع انهيار قطاع التكنولوجيا (مرة أخرى)، يجري تشجيع الأطفال على تفضيل مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات (STEM) على الفنون والعلوم الإنسانية "عديمة الفائدة"، بينما يُقدّس عمالقة التكنولوجيا مثل ماسك والراحل ستيف جوبز بشبه عبادة دينية. لقد لقنونا أن "أن تكون رياديًا، فهذا هو جوهر الهوية الأمريكية".
أتباع الحداثة الرجعية اليوم يحتقرون كل ما هو "ناعم" أو "غير ملائم" (مثل استخدامهم شعارات: "الحقائق لا تهتم بمشاعرك"، "اهزم الليبراليين”، "ندف الثلج"[12]) ويدافعون بشراسة عن القيم "التقليدية" أو "الأصيلة". إنهم يمجدون "الحضارة الغربية" بينما يدفعون الولايات المتحدة نحو الملكية المطلقة أو حتى الإقطاعية، وهما شكلان من التنظيم الاجتماعي تخلّى عنهما الغرب منذ قرون. كما أنهم يؤيدون عصر التنوير دون الاعتراف بأن فلاسفة القرن الثامن عشر مثل ديفيد هيوم وفولتير وجان جاك روسو أيقظوا شعوبًا بأكملها على إمكانية أن الملوك ليسوا ضروريين ويمكن الإطاحة بهم.
"العودة" (RETVRN) التي يطمح إليها أصدقاء ترامب في قطاع التكنولوجيا ليست فقط مفلسة أخلاقيًا، بل غير نزيهة فكريًا. لن تساعد محاولاتهم للعودة إلى الوراء في استعادة عظمة العصور القديمة، على الرغم من أنه يمكننا توقع إمبريالية رجعية على غرار "ضم كندا". ومع الوعد بتفكيك الدولة الإدارية، نشهد "عودة" إلى حقبة تسبق السردية الكبرى للتقدم الخطي، إلى بدائية دورية مجردة حيث يصبح "المورد" هو الاسم الفاعل، و"الاستخراج" هو الفعل الأساس. في هذا المخطط، يصبح الماضي مجرد مورد يمكن استغلاله لتبرير مواقف سياسية، ويصبح البشر مجرد مواد خام يجري استنزافها لساعات العمل، وتتحول الاقتصاديات إلى صناديق تمويل عشوائية للأوليغارشية الفاسدة.
الحداثة الرجعية تفسر بنحو منطقي محاولة ترامب تدمير الوكالات الفيدرالية والأطر التنظيمية. الهدف ليس تعزيز الكفاءة أو تبسيط الحكومة كما لو كانت شركة – وهو أمر سيئ بما يكفي – بل يسعى ترامب ووزراؤه إلى إعادة بناء دولة ما قبل الحداثة على أنقاض جمهوريتنا غير المثالية، حيث تتدفق السلطة مباشرة من السلطة التنفيذية دون عوائق القانون أو المساءلة أمام الناخبين.
"العودة" (RETVRN) بهذا الشكل ليست إعادة إحياء لجماليات أو أنماط حياة رومانية، بل لبطش روما ووحشيتها، رحلة إلى ما قبل أمر إيمانويل كانط الأخلاقي وإلى ما قبل إعلان حقوق الإنسان والمواطن في فرنسا. إحياء الحداثة الرجعية ليس مجرد "ستيم بانك"[13] سياسي غير ضار، بل هو محاولة لاختطاف المستقبل بإجباره على تكرار الماضي، ولكن بأجهزة أكثر تطورًا قليلًا.لكن أهم "عودة" (RETVRN) في عصرنا قد تكون العودة إلى حالة الطبيعة. إن إلغاء المحاولات القليلة التي قامت بها حكومتنا للاعتراف بإنسانية الآخر – من بقايا دولة الرفاه الاجتماعي إلى الاستثمارات في التعليم العام واللوائح البيئية إلى الحد الأدنى من الاحترام للأقليات – يعني إعادتنا مرة أخرى إلى "حرب الجميع ضد الجميع"
[1]. مايا فينوكور تُدرّس في قسم الدراسات الروسية والسلافية في جامعة نيويورك، وهي مؤلفة كتاب "تدفقات العمل: السوائل الستالينية في ثقافة العمل الروسية". (Work Flows: Stalinist Liquids in Russian Labor Culture.). (إطار).
[2]. البروتونازيون (Proto-Nazis) يتكون المصطلح من كلمتي "بروتو" (Proto) وتعني "أولي" أو "بدائي" أو "مبكر"، و "نازي" (Nazi) نسبة إلى الحزب النازي الألماني. وهو مصطلح يُستخدم للإشارة إلى الحركات والأفكار والشخصيات التي سبقت ظهور النازية رسميًا لكنها مهدت لها فكريًا وأيديولوجيًا. بعبارة أخرى، يشير إلى الأفراد والجماعات التي حملت أفكارًا مشابهة لتلك التي تبناها الحزب النازي لاحقًا، قبل تأسيسه في عشرينيات القرن العشرين. وذلك مثل القومية الألمانية المتطرفة التي ظهرت أواخر القرن التاسع عشر، وحركة فولكيش (Völkisch Movement)، وهي حركة ثقافية وسياسية ألمانية نشأت في القرن التاسع عشر، دعت إلى نقاء العرق الألماني" واعتبرت أن ألمانيا يجب أن تقوم على أساس “الدم والتراب”. (إطار).
[3]. الأساطير التيوتونية (Teutonic Mythology) هي مجموعة من القصص والأساطير التي تعود إلى الشعوب الجرمانية القديمة، بما في ذلك الجرمان الشماليون (الفايكنج) والقبائل الجرمانية الغربية والشرقية. هذه الأساطير تُعد جزءًا من الميثولوجيا الإسكندنافية والجرمانية، وتشمل قصصًا عن الآلهة، والأبطال، والمخلوقات الخارقة، والمعارك الكونية. (إطار).
[4]. أسطورة هوراشيو ألجر هي فكرة منتشرة في الثقافة الأمريكية تقوم على الاعتقاد بأن أي شخص، بغض النظر عن خلفيته أو فقره، يمكنه تحقيق النجاح والثروة من خلال العمل الجاد والمثابرة والشرف. هذه الفكرة مستوحاة من قصص هوراشيو ألجر الابن (Horatio Alger Jr.)، وهو كاتب أمريكي في القرن التاسع عشر اشتهر بكتابة روايات صعود الفقراء إلى الثراء، فقد كان أبطال قصصه عادةً فتيانًا فقراء ينجحون في تحسين أوضاعهم من خلال الاجتهاد، والفرص، وأحيانًا بمساعدة محسنين أغنياء. (إطار).
[5]. الاقتصاد الميسيسياني هو مصطلح يشير إلى الأفكار الاقتصادية المستمدة من نظريات الاقتصادي النمساوي لودفيج فون ميزس (Ludwig von Mises)، الذي يُعدّ من أبرز مفكري المدرسة النمساوية في الاقتصاد. يتمحور هذا النهج الاقتصادي حول حرية السوق المطلقة، ورفض التدخل الحكومي، واعتبار الرأسمالية الحرة السبيل الوحيد لتحقيق الرفاه الاقتصادي. غالبًا ما يُستخدم هذا المصطلح لوصف النظريات الاقتصادية التي تتبنى نهجًا متطرفًا في الدفاع عن السوق الحرة والتقليل من دور الدولة. (إطار).
[6]. The Hitchhiker’s Guide to the Galaxy هو عنوان سلسلة من الكتب الكوميدية للكاتب البريطاني دوغلاس آدامز، وهي واحدة من أشهر الأعمال في أدب الخيال العلمي الساخر. بدأت القصة في مسلسل إذاعي على إذاعةBBC عام 1978، ثم تطورت إلى سلسلة كتب، ومسلسل تلفزيوني، وفيلم، وألعاب فيديو، ومسرحيات موسيقية. تدور أحداث السلسلة حول رجل إنجليزي عادي يُدعى آرثر دنت، يجد نفسه فجأة محاصرًا في مغامرة كونية غير متوقعة عند تدمير كوكب الأرض من قبل جنس فضائي يُدعى "الفوغون" لإنشاء طريق سريع مجري. ينجو آرثر بفضل صديقه فورد بريفيكت، الذي يتضح أنه ليس إنسانًا، بل كاتب يسافر عبر المجرة لجمع معلومات لـ دليل المسافر إلى المجرة، وهو كتاب إلكتروني ضخم يحتوي على نصائح ساخرة ومعلومات غريبة عن الكون. (إطار).
[7]. Stranger in a Strange Land (غريب في أرض غريبة) هي رواية خيال علمي كتبها روبرت هاينلاين ونُشرت لأول مرة عام 1961. تُعد واحدة من أكثر روايات الخيال العلمي تأثيرًا في القرن العشرين، إذ تناولت مواضيع الفلسفة، والدين، والسياسة، والجنس، والاغتراب الثقافي. تدور الرواية حول فالنتاين مايكل سميث، وهو إنسان وُلد على كوكب المريخ بعد أن فُقدت بعثة استكشافية من الأرض هناك. ترعرع سميث على يد المريخيين، وتبنى ثقافتهم، وطرق تفكيرهم، وحتى قدراتهم العقلية الخاصة مثل التحكم في المادة والتواصل الذهني. بعد عودته إلى الأرض كشخص بالغ، يواجه صدمة ثقافية هائلة، إذ يجد نفسه في مجتمع بشري مليء بالتناقضات مقارنة بالقيم المريخية التي نشأ عليها.
خلال رحلته، يبدأ سميث في فهم الطبيعة البشرية، ويتبنى أفكارًا فلسفية ودينية جديدة، مما يقوده إلى تأسيس حركة دينية تتمحور حول مفاهيم الحب الحر، والتناغم العقلي، والعقلانية، لكنه يواجه مقاومة من المؤسسات التقليدية، بما في ذلك الحكومة والكنيسة. (إطار).
[8]. مشروع 2025، المعروف أيضًا باسم مشروع انتقال الرئاسة 2025، هو مبادرة سياسية أطلقتها مؤسسة التراث (The Heritage Foundation) في عام 2023، بالتعاون مع أكثر من 100 منظمة محافظة. يهدف المشروع إلى إعادة تشكيل الحكومة الفيدرالية الأمريكية وتعزيز السلطة التنفيذية، مع التركيز على تنفيذ سياسات محافظة في مختلف المجالات. وأهمّ أهدافه: تأمين الحدود: وترحيل المهاجرين غير الشرعيين، وزيادة إنتاج الطاقة الأمريكية للحد من ارتفاع الأسعار، والتحكم في نمو الإنفاق الحكومي لتقليل التضخم، ونقل السيطرة على التعليم،
وتفكيك "الدولة العميقة" بزيادة المساءلة والرقابة على الوكالات الفيدرالية مثل مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) ووزارة العدل (DOJ). (إطار).
[9]. يشير "ماكنزيينغ" (McKinseying) إلى نهج شركات الاستشارات الإدارية، مثل ماكنزي & كومباني، في إعادة هيكلة الشركات أو المؤسسات بهدف تحقيق أقصى قدر من الكفاءة والربحية، ولكن غالبًا على حساب الموظفين والخدمات العامة. (إطار).
[10]. الصفقة الجديدة (New Deal) هي سلسلة من الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية التي أطلقها الرئيس الأمريكي فرانكلين ديلانو روزفلت (FDR) بين عامي 1933 و1939 بهدف إنعاش الاقتصاد الأمريكي بعد أزمة الكساد العظيم (Great Depression) التي بدأت عام 1929. (إطار).
[11]. حقبة فايمار (Weimar Era) تشير إلى الفترة بين 1919 و1933 في ألمانيا، عندما كانت البلاد تُحكم من قبل جمهورية فايمار (Weimar Republic)، التي تأسست بعد هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الأولى وسقوط الإمبراطورية الألمانية. (إطار).
[12]. "ندف الثلج" (Snowflakes) هو مصطلح ساخر يُستخدم في الخطاب السياسي والثقافي، خصوصًا في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، للإشارة إلى الأشخاص الذين يُعتقد أنهم حساسون جدًا أو سريعو التأثر بالمواقف المخالفة لرؤاهم. (إطار).
[13]. "ستيم بانك" (Steampunk) هو نوع من الخيال العلمي والفنتازيا يتميز بتصوير عالم حيث التكنولوجيا البخارية (Steam) لا تزال هي القوة المسيطرة، وغالبًا ما يكون في سياق عصر فيكتوري بديل أو مستقبل رجعي. (إطار).