المناطق (ج): الجغرافيا المُصادَرة والسيادة المُعلّقة

المناطق (ج): الجغرافيا المُصادَرة والسيادة المُعلّقة
تحميل المادة

على سبيل التقديم

شكلت المناطق المفروزة (سي) أو (ج) بموجب الاتفاق المؤقت (أوسلو-2) النسبة الأكبر من مساحة الضفة الغربية، وخضعت هذه المناطق إداريًا وأمنيًا للسيطرة "الإسرائيلية" الكاملة التي خصصتها لصالح مستوطناتها وجيشها، وفرضت على الفلسطينيين عزلة جغرافية واجتماعية، رغم أنه كان من المفترض في الخطوة التالية التوصل إلى اتفاق دائم يهدف إلى صياغة تسوية نهائية لإقامة دولة فلسطينية مستقلة تُنهي التقسيمات في مفاوضات الوضع النهائي، ولكن انتهى الاتفاق المؤقت وانتهت سنواته الخمس وبقيت تقسيمات مناطق الضفة (أ) و (ب) و (ج)، وكذلك الحكم الذاتي الذي استمر في كونه مجرد إدارة انتقالية مؤقتة، دون أن يتحول إلى إعلان دولة. نُفذت التفاصيل الإدارية والأمنية، دون أن تضيف أي التزام جديد يلزم الاحتلال بإقامة دولة فلسطينية أو تغيير المبدأ المرحلي الذي بدأ به الاتفاق!

فما هي المناطق (ج)؟ وبماذا تختلف عن المناطق (أ) و (ب)، ومن كان وراء هذه التقسيمات، وما الهدف من تقسم الضفة الغربية إلى مناطق ثلاث، وهل للفلسطينيين مصلحة وطنية في ذلك، وكيف وافق المفاوض الفلسطيني على ذلك، وهل كان هناك إجماع وطني في الموافقة على هذا الاتفاق. هل من قيود فرضتها اتفاقية أوسلو على الأراضي الفلسطينية المفروزة (ج)، وهل تغيرت هذه القيود مع مضي الوقت، وما العقبات التي يواجهها الفلسطينيون الذي يسكنون تلك المناطق حاليًا. ما علاقة جدار الفصل العنصري بهذه المناطق؟ وهل كان لهذه التقسيمات علاقة بالموارد الطبيعية الفلسطينية، كيف ذلك؟ وهل من أمثلة عليها. وهل للاستيطان علاقة بتقسيمات المناطق في الضفة. ما هي أهم التحديات التي نتجت عن اتفاقية أوسلو فيما يتعلق بالمناطق (ج) وتواجه الفلسطينيين حاليًا؟

بعد قرابة 3 عقود من التوقيع عليها، هل ما تزال إسرائيل تعمل ببنود الاتفاقية، ماذا عن موقف السلطة الفلسطينية، وماذا لو أن السلطة الفلسطينية حذت حذو" إسرائيل" وقررت عدم العمل بالاتفاق. هل سيتخذ الموقف الدولي شكلًا واضحًا وداعمًا للفلسطينيين كما هو الحال مع" إسرائيل" الآن، وإلى أين تسير الأمور حاليًا.   

اتفاقية أوسلو وتقسيمات المناطق

اتفاقية أوسلو المعروفة رسميًا باسم "إعلان المبادئ حول ترتيبات الحكم الذاتي الانتقالي"، عُقدت بعد مفاوضات سرّية جرت بين منظمة التحرير الفلسطينية ودولة الاحتلال "إسرائيل" في العاصمة النرويجية أوسلو. وُقعت رسميًا في 13 سبتمبر 1993 في واشنطن، بحضور الرئيس الأمريكي بيل كلينتون، ورئيس وزراء الاحتلال إسحق رابين، ورئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات.  إذ اعترفت" إسرائيل" بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلًا شرعيًا للشعب الفلسطيني. واعترفت منظمة التحرير الفلسطينية بحق" إسرائيل" في الوجود وأدانت الإرهاب. ومُنح الفلسطينيون بموجبها حكمًا ذاتيًا محدودًا على أجزاء من الضفة الغربية وقطاع غزة لفترة انتقالية مدتها 5 سنوات، وتأسست بمقتضاها السلطة الوطنية الفلسطينية لتتولى إدارة بعض الشؤون المدنية من صحة وتعليم وشرطة… وغيرها).

وُلد الجزء الثاني من الاتفاقية بعد سنتين، والذي اشتهر باسم اتفاقية طابا امتدادًا لاتفاقية أوسلو الأولى (حيث جرت المفاوضات في مدينة طابا المصرية القريبة من القرية الفلسطينية الجنوبية" أم الرشراش")، ووُقع الاتفاق رسميًا في واشنطن في28 سبتمبر 1995. وقد وضع اتفاق أوسلو الثاني ترتيبات تفصيلية لإدارة الضفة الغربية وقطاع غزة خلال فترة انتقالية، وعالج بنود عدة من بينها: انسحاب جيش الاحتلال من المدن والبلدات الفلسطينية الرئيسية في الضفة الغربية (باستثناء الخليل)، وتقسيم الضفة الغربية إلى ثلاث مناطق، والتزام السلطة الفلسطينية بالتنسيق الأمني مع الاحتلال ومحاربة العنف والإرهاب، إضافة إلى تشكيل لجان أمنية مشتركة إسرائيلية فلسطينية أمريكية، فضلًا عن بنود أخرى تتعلق بالاقتصاد والانتخابات الفلسطينية والصلاحيات المدنية للسلطة الفلسطينية.

على أن يسري مفعول هذه الفترة الانتقالية لمدة خمس سنوات، لتبدأ بعدها مفاوضات الوضع النهائي حول القضايا الجوهرية.

تم الاتفاق والتوقيع بين منظمة التحرير الفلسطينية ممثلة بياسر عرفات ودولة الاحتلال ممثلة بإسحق رابين، تحت رعاية الولايات المتحدة الممثلة بالرئيس بيل كلينتون (كما حدث في اتفاق أوسلو الأول بالضبط)، وبحضور شهود وداعمين دوليين، منهم: الرئيس المصري حينها حسني مبارك، وملك الأردن الحسين بن طلال، إضافة إلى ممثلين عن الاتحاد الأوروبي وروسيا.

أحد البنود الأساسية للاتفاق" الإسرائيلي" الفلسطيني المؤقت (أوسلو الثاني) كان تقسيم الضفة الغربية إلى ثلاث مناطق منفصلة (أ) و(ب) و(ج). وقد حدد الاتفاق لكل واحدة من هذه المناطق ترتيبات خاصة وسلطات أمنية وإدارية مختلفة، اتُفق بشأن تفاصيلها بين المتفاوضين، وكان من المفترض أن تنقل تدريجيًا للصلاحيات من" إسرائيل" إلى السلطة الفلسطينية، بما في ذلك أجزاء من المنطقة (ج)، إضافة إلى التوصل إلى صياغة تسوية نهائية، بهدف إقامة دولة فلسطينية مستقلة، في مفاوضات الوضع النهائي.

 

وبموجب الاتفاق، أصبحت المناطق الفلسطينية في الضفة الغربية مقسَّمة كالآتي: المناطق (أ):

تشمل المدن الرئيسة مثل رام الله، جنين، نابلس، أريحا، بيت لحم، طولكرم، قلقيلية، والخليل (جزئيًا)، وتُشكل حوالي 18% من الضفة الغربية، وتخضع إداريًا للسيطرة الفلسطينية بالكامل، مع صلاحية حفظ الأمن الداخلي وانتشار دوريات تابعة لشرطة السلطة الفلسطينية في شوارع هذه المناطق.

المناطق (ب):

تُشكل حوالي 22% من الضفة الغربية، وتضم مئات القرى والبلدات الصغيرة الملاصقة للمدن الواقعة في المناطق (أ). تخضع المناطق (ب) لسيطرة مدنية فلسطينية (من خدمات، وبلديات، وتعليم، وصحة... الخ)، ولكن الأمن يُنسق أمنيًا بين الفلسطينيين وإسرائيل، وتحتفظ  "إسرائيل" بالسيطرة الأمنية بالمجمل.

- المناطق (ج):

تشكل المنطقة (ج) حوالي 61% من أراضي الضفة الغربية، وهي المساحة الوحيدة الموحدة التي تربط 227 وتضم منطقة سكنية فلسطينية صغيرة منفصلة بشكل متصل. على أن تقدم السلطة الفلسطينية الخدمات الطبية والتعليمية للفلسطينيين في المنطقة (ج)، بينما تسيطر إسرائيل على الجوانب الأمنية والإدارية والقانونية، وتضم المناطق (ج) المستوطنات والطرق الالتفافية التي تربط بينها (وهي متوزعة في معظم الضفة)، ومناطق الأغوار (وادي الأردن)، والمنطقة المحيطة بالقدس الشرقية والمستعمرات الكبيرة حولها (مثل معاليه أدوميم، غوش عتصيون، غفعات زئيف)، والمناطق المفتوحة (المناطق الاستراتيجية التي تعتبرها" إسرائيل" غير المأهولة) مثل المناطق الريفية والجبلية بين نابلس ورام الله والخليل، والمناطق الجنوبية من الخليل وصولًا إلى البحر الميت.

تتوزع المناطق ج في قرى فلسطينية غالبًا ما تكون صغيرة أو تجمعات بدوية (خاصة في الأغوار ومحيط القدس)، المدن الفلسطينية الكبرى (رام الله، نابلس، بيت لحم، طولكرم، جنين، قلقيلية...) تقع كلها تقريبًا داخل (أ) و (ب)، ولكن تحيط بها مساحات واسعة من (ج).

خلاصة القول: إن المناطق (ج) هي كل ما تبقى خارج مناطق المدن والقرى المصنفة (أ) و (ب)، وتشمل جميع المستوطنات الإسرائيلية، والأراضي المفتوحة، ومعظم الموارد الطبيعية، والطرق الالتفافية.

في الملحق الثالث- الشؤون المدنية في اتفاق أوسلو الثاني، تتضمن المادة الرابعة أحكام خاصة تتعلق بالمنطقة (ج):

الفقرة 1: في المنطقة (ج)، وخلال المرحلة الأولى من الانسحاب، تُنقل الصلاحيات والمسؤوليات التي لا تتعلق بالأرض إلى المجلس الفلسطيني.

ويُقصد بالمجلس الفلسطيني في اتفاق أوسلو (المجلس الفلسطيني المنتخب- التشريعي، الذي أنشئ بموجب اتفاقية أوسلو ليكون الهيئة المنتخبة التي تمثل الفلسطينيين وتدير شؤون الحكم الذاتي في الضفة الغربية وقطاع غزة خلال المرحلة الانتقالية)، أي أن صلاحيات المجلس التشريعي هي مدنية في ما يخص السكان فقط (مثل التعليم، الصحة، الشؤون الاجتماعية، الضرائب المباشرة… إلخ)، ويُستثنى من صلاحياته كل ما يتعلق بالأرض والسيطرة المكانية، التي تبقى بيد" إسرائيل" مثل (الأمن، المستوطنات، الأراضي، التخطيط والبناء).

الفقرة 2: خلال مراحل الانسحاب التالية، تُنقل الصلاحيات والمسؤوليات المتعلقة بالأرض تدريجيًا (والأرض هنا قُصد بها المناطق ج، حيث كان من المفترض أن تنتقل صلاحيات السيطرة على المناطق ج، وإدارتها والبناء فيها والتخطيط والبنية التحتية) إلى الولاية الفلسطينية (المجلس التشريعي والسلطة الوطنية الفلسطينية). واستثني من هذا الاتفاق القضايا الرئيسة التي سيُتفاوض بشأنها في المفاوضات الدائمة (القدس، المستوطنات، الأمن الخارجي والحدود، المياه، اللاجئين).

على أن يُكمل  نقل الصلاحيات خلال فترة 18 شهرًا من تاريخ تنصيب المجلس التشريعي. ولكن دولة الاحتلال لم تلتزم بالجدول الزمني، وبدلًا من نقل تدريجي للمسؤوليات، استمرت بالسيطرة على المنطقة (ج)، ووسعت الاستيطان فيها، وحتى الآن، لا تزال تقسيمات أوسلو قائمة فعليًا، رغم أنها كانت وضعًا مؤقتًا فقط.

كان الفريق" الإسرائيلي" المفاوض برئاسة إسحق رابين (رئيس الوزراء آنذاك) وشمعون بيريز (وزير الخارجية) ويهود باراك (رئيس الأركان) هم من دفعوا نحو التقسيم الأمني المدني لمناطق الضفة. ولم تولد فكرة تقسيم الضفة مع بدء المفاوضات، بل وُجدت بعد اتفاق أوسلو الأول (إعلان المبادئ 1993) بعدما اعترضت طريق الوفد" الإسرائيلي" قضية تطبيق بند إعادة انتشار جيش الاحتلال في الضفة كأحد الملفات الجوهرية لتطبيق الاتفاق.

إعادة الانتشار تعني- انسحاب جيش الاحتلال من داخل المدن والبلدات الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، وإعادة تموضعها في مناطق محددة، مع بقاء السيطرة الأمنية الإسرائيلية على الحدود والمعابر والمستوطنات.

كانت هندسة فكرة تقسيم المناطق في الضفة ووضع خطط لها، هي نتاج مجهود جماعي لقادة الجيش" الإسرائيلي" تحت غطاء سياسي وأمني من إسحق رابين وشمعون بيريز ويوسي بيلين (مستشار في القانون الدستوري، وأدى دورًا كبيرًا في صياغة السياسات الإسرائيلية المتعلقة بحقوق الفلسطينيين، وكان العقل القانوني والسياسي وراء الوفد" الإسرائيلي" في اتفاق أوسلو، وساهم في وضع الأسس القانونية والسياسية للتسوية المؤقتة بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية)، كما استعان فريق التفاوض"الإسرائيلي" بمستشارين عسكريين لإتمام المخطط، لأن التقسيم قام على منطق أمني، هدفه ضمان بقاء السيطرة الأمنية" الإسرائيلية" على معظم مساحة الضفة الغربية (خصوصًا المناطق المفتوحة والمستوطنات).

وقد وردت مسألة تقسيم الضفة إلى مناطق في شهادات ومذكرات مسؤولين وأكاديميين "إسرائيليين"، فمثلًا: كتب شمعون بيريز في كتابه (الشرق الأوسط الجديد) وفي سيرته الصادرة عام 1995 باللغة الإنجليزية (المعركة من أجل السلام: مذكراتي) إن تقسيم الضفة جاء نتيجة نقاشات عسكرية أمنية أصر فيها الجيش على حل وسط يُبقى له وجود وسيطرة في المناطق الحيوية، ويفوِّت الفرصة على الفلسطينيين الذين أرادوا سيادة كاملة وسريعة. فكان الحل المرحلي ضروري لإقناع الجيش بقبول أوسلو واستمرار العملية السياسية وطمأنة المستوطنين، مع إبقاء السيطرة على المناطق الحيوية. ومنح الفلسطينيين حُكمًا يديرون فيه شؤونهم ذاتيًا.

كما تحدث يوسي بيلين في كتابه (ملامسة السلام، من أوسلو إلى الاتفاق النهائي) عن النقاشات التي كانت تدور بين أعضاء فريق التفاوض ودورها في صياغة التقسيم المرحلي للضفة إلى مناطق (أ، ب، ج)، وأشار إلى أن فكرة التقسيم كانت مجرد تكتيك تفاوضي مؤقت وُلدت بين أعضاء الفريق" الإسرائيلي" كحل عملي لمعضلة: كيف ننسحب من مدن وقرى فلسطينية، ونبقى في الوقت ذاته مسيطرين على ما نعتبره مناطق أمنية حيوية؟، كما اعتبر أن الحل المرحلي ليس حلًا مثاليًا بل كان وسيلة لتفادي الصدام حول القضايا النهائية (مثل القدس وعودة اللاجئين). ونوه في كتابه إلى أن الهدف كان إدارة عملية انسحاب تدريجي دون أن يُعتبر ذلك تنازلًا كاملًا أمام الفلسطينيين أو خطرًا على أمن المستوطنات.

ووردت شهادات عسكرية للجنرال اسحاق موردخاي (قائد القيادة المركزية) وأمنون شاحاك (رئيس الأركان لاحقًا) في مقابلاتهم الإعلامية وتصريحاتهم أن التقسيم صُمم وفقًا لاعتبارات أمنية بحتة، خصوصًا منطقة (ج). ويمكننا التوصل إلى خلاصة مفادها أن إبقاء المناطق (ج) تحت سيطرة "إسرائيلية" كاملة يضمن عمليًا استمرار التوسع الاستيطاني ويسهل النشاط العسكري فيها.

رون بونداك (أحد مهندسي أوسلو من الجانب الإسرائيلي) أكد في كتاباته، أن الفلسطينيين لم يقترحوا أي تقسيم، بل قبلوا الفكرة الإسرائيلية على مضض كحل مؤقت.

ورقة أكاديمية بعنوان" الضفة الغربية، المناطق (أ) و (ب) و (ج)- كيف جاءت للوجود؟ ونشرت في مجلة المفاوضات العالمية، كتبها جيؤل سينغر بوصفه راعيًا قانونيًا سيرَّ المفاوضات عن الجانب" الإسرائيلي" في اتفاقيات أوسلو (1993–1995)، وهو صاحب خبرة عريضة في الجهاز العسكري والدبلوماسي الإسرائيلي، وهو الشخص الذي صاغ الصيغة القانونية للتقسيم أثناء مفاوضات أوسلو. وضح سينغر في الورقة أن فكرة تقسيم الضفة الغربية إلى مناطق (أ، ب، ج) طُرحت من الجانب "الإسرائيلي" كآلية تفاوضية إسرائيلية لتجاوز الخلاف حول السيادة، بهدف التوصل إلى حل عملي يحافظ على الأمن "الإسرائيلي" ويتيح" للإسرائيليين" الاحتفاظ بالسيطرة الأمنية ويمنح الفلسطينيين نوعًا من الحكم الذاتي المرحلي يتيح مساحة تفاوضية تمنع الانسداد ويخفف العبء الإداري عن إسرائيل. وشرح كيف اختيرت الحروف (أ) و (ب) و (ج) بدلًا من أسماء سياسية أو حدودية، لتجنب أي خلافات أو دلالات نهائية حتى يتم التوصل إلى تسوية دائمة، ووافقت السلطة الفلسطينية فورًا على هذه التسميات.

ووصف جيؤل المناطق (أ) بأنها مدن فلسطينية كبيرة، تخضع لإدارة مدنية وأمنية فلسطينية. أما المناطق (ب) فهي قرى وبلدات، تُدار مدنيًا من سلطة فلسطينية، وتخضع لأمن مشترك مع إسرائيل مع وجود شرط التنسيق الأمني المشترك. بينما المناطق (ج)، فتبقى تحت السيطرة" الإسرائيلية" الكاملة أمنيًا ومدنيًا، وتشمل غالبية مساحة الضفة والمستوطنات.

إذن: تجاوز الوفد الفلسطيني المفاوض بقيادة ياسر عرفات قضية أن الاتفاقية لا تُنهي الاحتلال، رغم ثقته بأنها تؤسس لوضع مؤقت، ووافق على فكرة التقسيم كحل مؤقت لمدة 5 سنوات انتقالية، ومضى لتوقيع الاتفاق الذي منح الفلسطينيين حكمًا ذاتيًا يدير شؤون المدن والقرى المكتظة مدنيًا. وتعاملت السلطة مع الاتفاق باستسلام تام تآكلت معه أراضي الضفة الغربية وخيراتها.

وفي الوقت ذاته، عارضت غالبية الفصائل الفلسطينية (إسلامية ويسارية) الاتفاق بشكل عام، وتقسيم الضفة بشكل خاص، واعتبرته شرعنة للاحتلال وتكريسًا للتجزئة. وحتى داخل حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح ذاتها، ظهرت أصوات تتحفظ على الاتفاق وتحذر من تداعياته. مروان البرغوثي (العضو في حركة فتح) مثلًا، وصف اتفاق أوسلو بأنه تضمن 3 خطايا، هي: توقيع اتفاق دون وقف الاستيطان، الاعتراف بإسرائيل دون اعترافها بالدولة الفلسطينية، وأنه كان يتناول مرحلة انتقالية.

حيدر عبد الشافي (عضو المجلس الوطني الفلسطيني)، وفي لقاء مع مجلة الدراسات الفلسطينية حذر من أن الاتفاق يؤسس ضمنيًا لكيانين منفصلين في المناطق الفلسطينية، وبإدارتين منفصلتين، ونظامين قضائيين منفصلين، أي سياسة تمييز عنصري بصورة غير مباشرة. فبدلًا من انسحاب إسرائيلي كامل، قُسّمت الأرض إلى مناطق يخضع بعضها لإدارة فلسطينية جزئية (مدنية أو خدماتية) فيما بقيت إسرائيل تسيطر على الجوهر (الأرض، الأمن، الحدود، الموارد)، دون أن ينص الاتفاق على وقف الاستيطان ولا على انسحاب إسرائيلي كامل يتجاوز الانسحاب المؤقت، ما يتيح لإسرائيل أن تحتفظ بالحق في الأفعال التي تقوّض السيادة الفلسطينية لاحقًا.

فاروق القدومي (رئيس الدائرة السياسية لمنظمة التحرير الفلسطينية) عارض اتفاق أوسلو، وانتقد تقسيمات الضفة الغربية إلى مناطق أ، ب، ج بحدة، واعتبر ذلك خطوة نحو تعزيز الاحتلال.

المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد في مقال بعنوان الصباح التالي وصف أوسلو بأنها أشبه باستسلام لا بإنجاز تاريخي، ورأى أن القيادة الفلسطينية قدّمت تنازلات كبرى بلا مقابل حقيقي. اعتبر أن الاتفاق جعل الضفة وغزة أراضي متنازع عليها بدلًا من كونها أراضي محتلة، وهو ما يشرعن عمليًا لاستمرار السيطرة" الإسرائيلية". فما حصلت عليه منظمة التحرير ليس سلطة سيادية، بل إدارة مدنية محدودة (شرطة محلية، شؤون تعليمية وصحية) بينما احتفظت" إسرائيل"  بالتحكم في الأمن، والحدود، والمياه، والمستوطنات، والطرق. وكان محقًا وصاحب نظرة ثاقبة حين حذّر من أن تقسيم الضفة الغربية إلى مناطق منفصلة، مع استمرار المستوطنات والطرق الالتفافية، يجعل من المستحيل قيام دولة فلسطينية متصلة وقابلة للحياة، فأوسلو لن تكون بداية تحرر، بل بداية مرحلة جديدة من الهيمنة" الإسرائيلية"، التي ستقود إلى مزيد من الإحباط والانقسام.

كما اعتبر إدوارد سعيد أن الاتفاق أعطى" إسرائيل" شرعية غير مسبوقة عربيًا ودوليًا، لأنها حصلت على اعتراف فلسطيني رسمي من دون إنهاء الاحتلال أو تجميد الاستيطان، وفي الوقت ذاته حوَّل المنظمة من حركة تحرير وطني إلى سلطة محدودة بلا سيادة، تنفذ ما يريده الاحتلال أكثر مما تحقق أهداف الشعب الفلسطيني.

مصطفى البرغوثي (الأمين العام للمبادرة الوطنية الفلسطينية)، أكد بأن إسرائيل جزّأت الضفة الغربية إلى 225 جزيرة صغيرة مقطَّعة الأوصال عبر الحواجز وجدار الفصل العنصري والمستوطنات الاستعمارية، هذا التقسيم يهدف إلى تفكيك الأرض الفلسطينية، ويمنع قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافيًا.

نقمة المناطق (ج)

فرض توقيع الفلسطينيين على اتفاق أوسلو، وموافقتهم على تقسيم الضفة الغربية إلى مناطق تخضع لقوانين مختلفة، قيودًا على جميع مناحي حياتهم تقريبًا، قيودًا أثَّرت في حاضرهم، وما تزال تبعاتها تتوالى في مستقبلهم ومستقبل أبنائهم أيضًا، رغم مضي ثلاثة عقود على الاتفاق.

فقد فرضت اتفاقية أوسلو على الفلسطينيين قيودًا أمنية وعسكرية أبقتهم تحت السيطرة الأمنية "الإسرائيلية" الكاملة، ومنعت أي وجود عسكري وأمني للسلطة الفلسطينية في المناطق التي أفرزتها الاتفاقية تحت مسمى (ج). ليس هذا فقط، بل حجبت الاتفاقية عن السلطة الفلسطينية أي صلاحيات تنظيمية أو تخطيطية، وفرضت على الفلسطينيين الحصول على تصريح خاص من الإدارة المدنية" الإسرائيلية" قبل البدء بإنشاء أي بناء في تلك المنطقة. الأمر الذي يحدُّ من قدرة الفلسطينيين على إدارة حياتهم اليومية أو توسيع بلداتهم. إضافة إلى ذلك، سيطرت" إسرائيل" على الموارد الطبيعية في المناطق(ج)، واحتفظت لنفسها بحق التحكم بها من مياه جوفية ومياه أمطار، ومحاجر، وأراض زراعية، ومراع، ومعادن وأملاح طبيعية، وموارد سياحية والبحر الميت، ومنعت الفلسطينيين من استغلال هذه الموارد، أو قيدت قدرتهم على استغلالها في أحسن الأحوال.

أما فيما يخص المستوطنات في مناطق (ج)، فالاتفاقية نصَّت بصراحة ووضوح أن المستوطنات والمستوطنون، وكل ما يتعلق بأمنهم يبقى تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة، وأن أي مفاوضات حول مستقبل المستوطنات وما يتعلق بها، يؤجِّل للبتِّ به مع القضايا الكبرى (القدس، الحدود، اللاجئين...) إلى مفاوضات الحل النهائي التي لم تأتِ.

 

وقد ورد في اتفاقية أوسلو الثانية (المادة الثانية عشرة- الترتيبات الأمنية والنظام العام) الآتي:

"من أجل ضمان النظام العام والأمن الداخلي للفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، يقوم المجلس (المجلس التشريعي المنتخب الذي أُنشيء بموجب اتفاقية أوسلو الأولى) بإنشاء قوة شرطية قوية كما هو موضح في المادة الرابعة عشرة. وتستمر إسرائيل في تحمل المسؤولية في الدفاع ضد التهديدات الخارجية، بما في ذلك المسؤولية عن حماية الحدود المصرية والأردنية، والدفاع ضد التهديدات الخارجية من البحر والجو، وكذلك المسؤولية عن الأمن الشامل" للإسرائيليين" والمستوطنات، بهدف الحفاظ على أمنهم الداخلي ونظامهم العام، وسيكون لها جميع الصلاحيات لاتخاذ الخطوات اللازمة للوفاء بهذه المسؤولية".

كما نصَّت الاتفاقية على أن الأراضي التي كان من المقرر نقلها للسيطرة الفلسطينية (في المراحل التدريجية) لن تشمل: المستوطنات اليهودية، والأراضي المخصصة لمستوطنات جديدة أو توسيع القائم منها، والأراضي المخصصة لشقّ الطرق التفافية. ما جعل المناطق (ج) عمليًا الجغرافيا التي أُتيحت لبسط المشروع الاستيطاني عليها والطرق الالتفافية التي تربط أجزاءه. فالاتفاقية أبقت المجال مفتوحًا أمام دولة الاحتلال لتوسيع المستوطنات، دون أن تضع أي قيود على الاستيطان أو تتعهد بتجميده، وهو وضع استغلته" إسرائيل" جيدًا بمضاعفة أعداد المستوطنين، وشقِّ الطرق بين المستوطنات وربطها بالمناطق المحتلة عام 1948، وتمديد شبكات كهرباء وماء خاصة بالمستوطنات، الأمر الذي عمَّق الفصل الجغرافي بين المدن والقرى الفلسطينية، دون أن يكون للفلسطينيين أي مجال أو صلاحية للاعتراض أو تغيير شيء من الواقع الجديد المفروض.

وحتى بعد مضي قرابة ثلاثة عقود من الزمن، لم يحدث أي تعديل رسمي لاتفاق أوسلو لعله يغيِّر من وضع المناطق (ج) فيما يخص الفلسطينيين وحقوقهم فيها، بل إن إسرائيل عمّقت من سيطرتها على تلك المناطق عبر توسع استيطاني هائج ومحموم، حتى غدت كل المستوطنات تقريبًا الآن تقع داخل مناطق (ج)، مستوطنات ترتبط مع بعضها بشبكات واسعة من الطرق الالتفافية تسببت بتفتيت المناطق الفلسطينية الخاضعة للسلطة، وتحويل مناطق واسعة من المنطقة (ج) إلى مناطق عسكرية مغلقة أو محميات طبيعية؛ للسيطرة عليها، ومنع الفلسطينيين من استخدامها.

إحصائيات مهمة تتعلق بالمنطقة (ج)

في تقرير أصدره مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أوتشا في العام 2013، قدَّر وجود 542 تجمعًا سكانيًا فلسطينيًا يعيشون في المنطقة (ج)، منها 281 تجمعًا تقع كليًا أو جزئيًا (بنسبة ≥50%) داخل المنطقة (ج).

وأشار تقرير للبنك الدولي أن المنطقة (ج) غنية بالموارد الطبيعية، من أراضي زراعية وموارد مائية، وهي المنطقة المتواصلة الوحيدة في الضفة الغربية.

وذكر تقرير للاتحاد الأوروبي أن المناطق (ج) تحتوي على أراضي رعوية وزراعية ذات قيمة عالية، إضافة إلى موارد مائية، ومحاجر للرخام والحجر.

وأورد جهاز الإحصاء الفلسطيني في تقاريره أن حوالي 37% من أراضي الضفة عبارة عن أراضي ذات قيمة زراعية عالية أو متوسطة، متاح للفلسطينيين استخدام نحو 17% منها فقط، لوقوع حوالي 60% منها ضمن المنطقة (ج) وتقع تحت السيطرة" الإسرائيلية" التي تمنع الكثير من مزارعيها من الوصول لهذه الأراضي.

دراسة بحثية بعنوان:" خيارات واستراتيجيات للتخطيط من أجل أمن المياه والمناخ في الأراضي الفلسطينية المحتلة" نُشرت في: مجلة Water، بتاريخ 27 أكتوبر 2022، لخصت الوضع المائي في الأراضي الفلسطينية المحتلة بتأكيدها على وجود فجوة مائية بين العرض والطلب تتسع باستمرار، ما ينذر بعجز خطير في المستقبل، يرافقه وجود بنية تحتية غير كافية للمياه، خاصة في قطاع غزة، تؤدي إلى مشاكل صحية خطيرة، وارتفاع تكلفة الحصول على مياه الشرب، واعتماد بعض الأسر على مصادر غير رسمية أو ملوثة. وخلصت الدراسة إلى أن الاحتلال والعوامل الجيوسياسية تُعد من أكبر العوائق أمام قدرة الفلسطينيين على التكيف وبناء أمن مائي مستدام.

ويشير تقرير لمنظمة اليونسكو إلى أن حوالي 70% من التجمعات الفلسطينية في منطقة (ج) غير موصولة بشبكة مياه، ما يضطر السكان إلى شراء المياه بأسعار مرتفعة أو الاعتماد على مصادر غير موثوقة. وتفيد التقارير الإنسانية أيضًا لأوتشا والأمم المتحدة، أن غالبية التجمعات الفلسطينية في المنطقة (ج) ليست مرتبطة بشبكة مياه منتظمة، ويعتمد السكان على نقل المياه، ما يشير إلى أن السيطرة الأساسية على البنية التحتية للمياه تقع خارج أيديهم.

وأشارت منظمة بتسيلم إلى أن بعض السكان في المناطق الريفية داخل المنطقة (ج) يعانون من استهلاك يقل عن 20 لترًا للفرد يوميًا، وهو جزء من السياق الأكبر، حيث إن توزيع الماء يكون غير عادل، مع تمييز حاد في التخصيص بين الفلسطينيين والمستوطنين.

وأوضح تقرير لصحيفة الجارديان أن" إسرائيل" بسطت سيطرتها على حوالي 80% من احتياطات المياه في الضفة الغربية بالكامل، بينما يعاني الفلسطينيون في المناطق المحتلة، وخاصة المنطقة (ج) من حرمان فعلي من الموارد، ما يجعلهم يعتمدون على شراء المياه من مصادر إسرائيلية بتكلفة مرتفعة جدًا.

العقبات التي يواجهها الفلسطينيون الذي يسكنون المناطق (ج)

يعيش الفلسطينيون في مناطق (ج) بين مطرقة الاستيطان المسعور والتهجير القسري والهدم المتواصل، وسنديان الحرمان من أبسط مقومات الحياة والتنمية. وباتت مناطق (ج) تتحول بشكل تدريجي إلى مستودع استيطاني، يدفع الفلسطينيين إلى العيش في أوضاع هشة بعيدة عن الاستقرار، يتربص بهم الاقتلاع من أرضهم طوال الوقت.

بحسب تقرير لمكتب تنسيق الشؤون الإنسانية في الأمم المتحدة، أوتشا، عام 2014، فإن البيانات تشير إلى أن حوالي 300,000 فلسطيني يعيشون في مناطق سكنية تقع جزئيًا أو كليًا ضمن منطقة (ج)، موزعين على قرى صغيرة ومضارب بدوية، يواجهون يوميًا منظومة واسعة من العقبات البنيوية التي فرضتها" إسرائيل". فإنشاء أي بناء فلسطيني؛ بيت كان أو مدرسة أو عيادة أو حتى خيمة، يحتاج إلى تصريح من الإدارة المدنية- الحاكم العسكري" الإسرائيلي"، تصاريح نادرًا ما تُمنح، وبحسب استطلاع  أوتشا، بلغت نسبة الموافقة على طلبات التصاريح 1-2% فقط، ما دفع الفلسطينيين في تلك المناطق إلى البناء بدون تصاريح، ما جعل معظم المباني تصبح غير قانونية بحسب قوانين الاحتلال، وبالتالي فهي مُهددة بالهدم، ونشاهد بأعيننا عبر تقارير الإعلام والمقاطع المصورة التي تبثها وكالات الأنباء يوميًا تكرار عمليات هدم المنازل والمصانع والورش والمنشآت الزراعية وغيرها في المناطق (ج) بحجة عدم الترخيص.

ويشير تقرير للأمم المتحدة إلى أن سلطات الاحتلال أصدرت أوامر عسكرية منذ عام 1967، خصصت" إسرائيل" بموجبها حوالي 18% من الضفة الغربية كمناطق مغلقة للتدريب العسكري وإطلاق النار، أغلبها يقع في وادي الأردن وجنوب شرق محافظة الخليل، وحظرت على الفلسطينيين الدخول إليها إلا بتصاريح. وأشار التقرير أيضًا إلى أن حوالي 10% من الضفة الغربية أُعلنت بوصفها محميات طبيعية من قبل سلطات الاحتلال، فأصبح استخدام الأرض الفلسطينية نتيجة لهذه القرارات مقيدًا، فلا زراعة ولا أشجار ولا رعي ولا نشاط للفلسطينيين، إلا بتصريح من مسؤولي المحمية. بينما يُترك المجال للمستوطنين ليسيطروا على المراعي والأراضي الزراعية وكل ما تحويه من خيرات.

وبحسب منظمة بتسيلم، فإنه سرعان ما يجرى تخصيص هذه الأراضي للمستوطنات والطرق الالتفافية، وهو ما يحرم السكان الفلسطينيين من التوسع العمراني أو الزراعي ويؤدي إلى مصادرة أراضيهم أو عزلها، ويجعل تنقل الفلسطينيين مقيّدًا بالحواجز والبوابات العسكرية ويحتاج في أحيان كثيرة إلى تصريح خاص لاجتياز البوابة أو التفتيش للمرور عبرها.

وقد أدى انعدام الترابط الجغرافي بين التجمعات الفلسطينية في المناطق (ج) إلى عزلها، والنأي بها عن مراكز الخدمات القليلة (وتهديدها بالهدم بحجة عدم الترخيص)، عدا عن حرمانها من الكهرباء والماء والصرف الصحي. ودفعها إلى الاعتماد على صهاريج المياه المكلفة بسبب منع حفر الآبار.

تحوز المناطق (ج) على المساحة الأكبر من الضفة الغربية، وتحتوي على أغلب الموارد الطبيعية الفلسطينية؛ من مياه جوفية، ومياه أمطار، ومحاجر، ومعادن وأملاح طبيعية، وأراضي زراعية، ومراعي، وموارد سياحية إضافة إلى البحر الميت. باتت هذه الموارد تخضع وبشكل كامل للسيطرة" الإسرائيلية"، وبالمقابل يُحرم الفلسطينيين من حقهم فيها.

* المياه الجوفية- تسيطر دولة الاحتلال فعليًا على أحواض المياه الجوفية في الضفة الغربية (الحوض الغربي، والشمالي الشرقي، والشرقي). ويُمنع الفلسطينيون من حفر آبار جديدة في أغلب مناطق (ج) إلا بتصريح خاص (يصعب الحصول عليه) من الإدارة المدنية" الإسرائيلية"، وتُحدد سلطات الاحتلال كمية الضخ المسموح بها من الآبار القديمة، كما يُمنعون من صيانة أو تعميق الآبار القائمة، ومن تطوير شبكات المياه.

لذا نجد الفلسطينيين يعانون كثيرًا من شح الماء، في الوقت الذي تحظى فيه المستوطنات" الإسرائيلية" في المناطق (ج) بحرية كبيرة في حفر الآبار وتزويديها بالمضخات الحديثة أو استخدام شركة المياه الوطنية" الإسرائيلية"- ميكوروت كما يشاؤون؛ ويحصل المستوطنون في المستوطنات على أضعاف ما يحصل عليه الفلسطينيون، رغم أن الأحواض المائية تقع بمعظمها تحت أراضي الفلسطينيين، وهو ما يدفع الفلسطينيين إلى الاعتماد المتزايد على شراء المياه من شركة ميكوروت" الإسرائيلية" وبأسعار أعلى، أو شرائهم لصهاريج مياه متنقلة رغم ارتفاع ثمنها، أو الاعتماد على تجميع مياه الأمطار في خزانات منزلية، والتي يُمنع بناؤها بدون تصريح من الإدارة المدنية، لأن الاحتلال يعتبر مياه الأمطار حق من حقوقه.

* المحاجر والمعادن والأملاح- توجد في مناطق (ج) أغلب المحاجر ومقالع الحجر الطبيعي (مثلًا الحجر القدسي المشهور عالميًا)، ولكن دولة الاحتلال تمنح امتيازات لشركات" إسرائيلية وأجنبية" لاستغلال هذه المحاجر، وتبيع معظم الحجر المُستخرج للأسواق الإسرائيلية والمستوطنات، وتفرض قيودًا مشددة على استغلال الفلسطينيين لها، وترفض منحهم تصاريح وتُغلق محاجرهم.   

* البحر الميت والمناطق السياحية- يُمنع الفلسطينيون نهائيًا من استغلال شواطئه أو موارده أو تطوير مشاريع سياحية فيها، بينما تُدار شواطئه وتُستغل بشكل شبه كامل من قبل المستوطنات الإسرائيلية أو شركاتها، حيث تُمنح أحقية في استخراج الأملاح والمعادن والمنتجات العلاجية منه. كما إن الأراضي الواقعة على الشاطئ الغربي للبحر الميت (غالبيتها تتبع للضفة الغربية) غالبًا ما تُصنف كأراضي دولة، مما يُفقد الفلسطينيين إمكانية الاستفادة منها.

مثال على ذلك شركة "Ahava" مُرخّصة لاستخراج الطين والمواد الطبيعية من هذه المنطقة، وتدار الشركة من مستوطنات: متسبي شالم، وكاليا.

* الأراضي الزراعية والمراعي- مناطق (ج) تحتوي على أراضي زراعية خصبة ومراعي، لكن جزءًا كبيرًا منها تمت مصادرته أو أُغلق على أنه مناطق عسكرية أو محميات طبيعية أو بُنيت مستوطنات أو بؤر استيطانية فوقه، وبات المزارعون الفلسطينيون يواجهون قيودًا في الوصول إليها، ومُنعوا من تسييج أراضيهم كما مُنعوا من استصلاحها أو حفر الآبار فيها، ويستخدم الاحتلال أسلوب إغلاق الطرق، ووضع العقبات المادية، وتهديد المزارعين، وإزالة المحاصيل، وحتى المضايقات وتخريب المحاصيل والأدوات الزراعة للسيطرة على الأرض في مناطق (ج) ومنع أصحابها من زراعتها والاستفادة منها.

المناطق (ج) وعدوان المستوطنين

تفرض سلطات الاحتلال حول المستوطنات مناطق تحقق لها الأمن والحماية يُمنع الفلسطينيون من دخولها أو حتى الاقتراب منها، إلا بتصاريح خاصة وفي مواسم زراعية محدودة، هذه المناطق قد تكون أراضي زراعية فلسطينية خاصة جرى عزلها خلف أسلاك أو حواجز أو طرق التفافية للمستوطنات، الأمر الذي يمنع المزارعين الفلسطينيين من العناية بمحاصيلهم ومن حصادها، كما يمنع جيش الاحتلال الفلسطينيين من حماية أراضيهم والدفاع عنها أمام عدوان المستوطنين، بل يتعامل مع وجودهم قرب المستوطنة كتهديد، ما يتسبب بفراغ أمني فيها. في المقابل، يسمح الجيش للمستوطنين بدخول هذه الأراضي والاعتداء على المزروعات والأدوات الزراعية بل والاعتداء على المزارعين الفلسطينيين أنفسهم وترهيبهم، ودون أن تحدث أي نوع من المحاسبة للجناة، بل تحدث هجمات المستوطنين غابًا تحت حماية الجيش أو تغاضيه، ما يؤدي ببطء إلى تفريغ الأرض من أصحابها لصالح التوسع الاستيطاني.

وكثير من اعتداءات المستوطنين على الأراضي والتجمعات الفلسطينية من قطع أشجار الزيتون، وحرق المحاصيل، وسرقة المواشي، وتسميمها، وضرب المزارعين تحدث داخل هذه الأراضي "المغلقة" أو القريبة من المستوطنات الواقعة في المناطق (ج).

عرب الكعابنة، تجمع بدوي في الأغوار الوسطى، هجِّرت 25 عائلة بعد اعتداءات متكررة من المستوطنين بحماية الجيش، إذ سرقوا أغنامهم، واحتلوا منازلهم.

تجمع عرب المليحات، في الأغوار، 30 عائلة هُجروا قسريًا عن مساكنهم بسبب عنف المستوطنين المتكرر وهجماتهم، وكذلك الحال في تجمع أم الجِمال، وخربة مكحول، وخربة الحديدية، وجميعها تجمعات بدوية في مناطق الأغوار.

جدار العزل العنصري

جدار العزل العنصري، عائق حدودي بنته دولة الاحتلال بقرار من حكومة أرييل شارون بعد اندلاع الانتفاضة الثانية (انتفاضة الأقصى). في العام 2002، يتكون في معظم المناطق من سياج إلكتروني مزوّد بمجسات استشعار وحساسات للحركة، وأسلاك شائكة مكهربة تعيق المرور المباشر، وطرق معبدة توازيه من الجهتين تستخدمها الدوريات العسكرية وسيارات المراقبة، إضافة إلى قنوات أو خنادق حُفرت لعرقلة عبور المركبات. وفي بعض المناطق الحساسة أو القريبة من التجمعات السكانية، يُستعاض عن السياج بجدار إسمنتي يصل ارتفاعه من 10-8 أمتار.

شرعت إسرائيل في بناء جدار العزل العنصري بحجة منع الهجمات التي يشنها المقاومون الفلسطينيون داخل المناطق التي احتلتها" إسرائيل". ويقع الشطر الأعظم من مسار الجدار داخل الضفة الغربية ولا يمتد على خط الهدنة لسنة 1949 "الخط الأخضر". ويشار إلى المنطقة الواقعة بين الخط الأخضر والجدار بعبارة منطقة التماس (وهي المناطق ذات الاحتكاك الشديد- من مستوطنات، وشوارع التفافية، وحواجز دائمة)، وليس بالضرورة أن تكون ضمن المناطق (ج).

وثقت منظمة بتسيلم، في تقرير لها أن الطول الكلي للجدار (المبني والمخطط) هو 712 كم. قرابة 85% من مسار الجدار يمر داخل الضفة الغربية، ويزيد عن ضعفي طول الخط الأخضر، وسوف يعزل في حال إكماله حسب المخطط 9% من أراضي الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية. وبحسب تقرير آخر لمكتب تنسيق الشؤون الإنسانية في الأمم المتحدة، أوتشا، فإن إسرائيل أتمت في أيلول 2017 بناء نحو 65% من مسار الجدار (ما يقارب 460 كم). وهناك نحو 53 كم أخرى من المسار قيد البناء (ما يقارب 7.5%)، و200كم إضافية لم يبدأ بناؤها بعد.

أُنشأ جدار العزل العنصري ليكون وسيلة لمصادرة الأرض الفلسطينية، وأداة لتعزيز سيطرة الاحتلال على مناطق (ج)، حيث إن أغلب الأراضي التي صودرت أو عُزلت خلف الجدار تقع في مناطق ج، رغم أن تأثيره شمل المناطق (أ) و (ب)، كما عزز الجدار من وجود المستوطنات داخل مناطق (ج)، وربطها" بإسرائيل" فعليًا، وتسبب في دمج أجزاء واسعة من مناطق ج بالمستوطنات، وأحاط بالقدس وضم إليها كتلًا استيطانية كبيرة تقع في المناطق ج مثل: معاليه أدوميم، وغوش عتصيون، وتسبب أيضًا في السيطرة على المناطق الاستراتيجية والمناطق التي تمر منها الطرق الالتفافية.

ولأجل إقامة الجدار قطعت إسرائيل التواصل الحضري والريفي الفلسطيني، وفككت العلاقات بين التجمعات السكانية وعبثت بالجغرافيا وفرضت حدودًا تعسفية تلائم المستوطنات وقوات الأمن الإسرائيلية. فقد جعل الجدار الفلسطينيين معزولين في جيوب صغيرة داخل الضفة الغربية فحوَّل القرى والمدن الفلسطينية إلى كانتونات تحاصرها مناطق (ج) التي تسيطر عليها إسرائيل، في الوقت الذي بقيت فيه مناطق (ج) متصلة جغرافيًا مع إسرائيل والمستوطنات، كما فصل سكان هذه المناطق عن أراضيهم الزراعية أو عن مدن رئيسة مثل القدس.

المناطق (ج) وسياسات التهجير القسري

بات هدم وتدمير سلطات الاحتلال للمباني الفلسطينية في المناطق (ج)؛ سياسة ممنهجة واستراتيجية تهدف إلى تهجير الفلسطينيين واقتلاعهم من أراضيهم؛ وهي ليست مجرد إجراءات قانونية، تُمارس بذريعة أنها مباني غير مرخصة من الإدارة المدنية كما تدعي هذه السلطات! فلا يغيب عن أذهاننا أن الحصول على تراخيص للبناء هو مهمة شبه مستحيلة في هذه المناطق.

وعادة ما يشمل الهدم المنازل، والمساكن المؤقتة، وحظائر المواشي، والملاجئ، وخزانات المياه، والبنية التحتية للمياه، والمدارس، والعيادات، والمستودعات، ونتيجة للهدم والتدمير ومنع الحصول على تصاريح للبناء وتمديد شبكات المياه والبنية التحتية وحفر الآبار، تراجعت كافة أشكال التنمية الاجتماعية والاقتصادية المحلية وبات الآلاف من الفلسطينيين عرضة لخطر النزوح.

ويشارك في الهدم جهات عدة بعد صدور قرار الهدم من الإدارة المدنية" الإسرائيلية" والجيش" الإسرائيلي"، أما التنفيذ الميداني فيوكل إلى الجيش" الإسرائيلي" وحرس الحدود، ومقاولي الهدم، ويُنفذ الهدم بمشاركة جرافات عسكرية تحت حماية أمنية مشددة لمنع أي شكل من أشكال المقاومة الفلسطينية.

ينتج عن عمليات الهدم المستمرة في المناطق (ج) تهجير قسري واقتصادي، إذ يُمنع المزارعون من الوصول إلى أراضيهم، ويُجبرون على تركها، عدا عن اعتداءات المستوطنين عليهم وعلى مزارعهم ومزروعاتهم، وغياب الخدمات الأساسية. يؤدي ذلك إلى تراجع الإنتاج الزراعي في الضفة الغربية، ففقدان الأراضي الخصبة والتقييد على النشاط الزراعي يتسبب بفقدان سبل العيش، ما يجبر السكان على مغادرة مناطقهم، فيترك السكان بلا مأوى، ما يدفعهم للبحث عن أماكن بديلة للعيش، وغالبًا خارج مناطقهم الأصلية. فالهدف المباشر من الهدم ليس فقط هو إزالة البناء غير المرخص، بل خلق ظروف تجعل البقاء على الأرض صعبًا أو حتى مستحيلًا.

المباني التي تُبنى من دون تصاريح تتلقى بانتظام أوامر بالهدم، ما يخلق حالة من عدم اليقين المستمر والتهديد. وعندما تُنفذ أوامر الهدم، تُعطل سبل العيش، ويُكرس الفقر ويزيد الاعتماد على المساعدات، ما يدفع السكان إلى الهجرة القسرية، وأشارت منظمة أوتشا أن المنظمات الإنسانية تواجهه مجموعة من الصعوبات في تقديم المساعدات في المنطقة (ج)، منها هدم أو مصادرة المساعدات من قبل سلطات الاحتلال.

أمثلة على تجمعات فلسطينية هُجرت قسريًا: مستوطنات مثل ميتسبي شاليم وكاليا في الأغوار التي أُنشئت حولها مناطق محمية وعازلة، منعت الفلسطينيين الذي يسكنون في تجمعات صغيرة من الوصول إلى أراضيهم، وهدمت مساكنهم وحظائرهم، ما تسبب بتهجيرهم.

تجمعات فلسطينية صغيرة أيضًا في مناطق الخليل مثل خربة زعترة وخربة الحمام، هُجروا قسريًا ودُفعوا للانتقال إلى مناطق أخرى، وفقدوا القدرة على الاستمرار في الزراعة ورعي مواشيهم، بعد مصادرة أراضهم لإقامة مستوطنات مثل كريات أربع، ولإنشاء مناطق تدريب عسكري.

تصبح الأراضي الفلسطينية التي هُجر أهلها متاحة لتوسيع المستوطنات والبنية التحتية" الإسرائيلية"، الأمر الذي يضاعف من سيطرة الاحتلال على المنطقة (ج)، فلم يعد الاستيطان في الضفة الغربية مجرد سياسة سكنية أو توسعية، بل هو أداة استراتيجية تعمد إلى تفكيك الجغرافيا الفلسطينية، لتصل إلى هدف" إسرائيل" الكبرى في نهاية الأمر، والتي تضم الضفة الغربية. ومن خلال إنشاء مستوطنات جديدة وتوسيع المستوطنات القائمة، والسعي بقوة نحو فرض واقع جغرافي وديمغرافي جديد، يحول ذلك دون إقامة دولة فلسطينية مستقلة.

التجمع البدوي في منطقة الخان الأحمر، ويعيش أهله في خيام وكرفانات ويُمنعون من البناء، ويواجهون خطط هدم جماعية ضمن مشروع "E1" الاستيطاني. أصدرت المحكمة الإسرائيلية العليا قرارات بهدم التجمع وإزالته، لكن التنفيذ أُجِّل عدة مرات بسبب الضغوط السياسية والدولية.

مسافر يطا أيضًا مهددة بالتهجير، وهي مناطق جبلية حجرية، تمتد على مساحة واسعة جنوب الخليل قرب الخط الأخضر، يعيش أهلها على الرعي والزراعة منذ عشرات السنين. تضم أكثر من 12 قرية وخربة، منها: جنبة، المركز، الفخيت، الصفاي، الحلاوة، الطوبا، المجاز، خلة الضبع، خربة المفقرة، التبان... وغيرها، ويسكنها قرابة 1300 فلسطيني. في ثمانينيات القرن الماضي، أصدرت" إسرائيل" قرارًا بإغلاق أجزاء كبيرة من مسافر يطا كمنطقة إطلاق نار تحمل رقم 918- منطقة تدريب عسكرية. وفي 2022 أصدرت المحكمة" الإسرائيلية" العليا قرارًا بترحيل أكثر من 1000 فلسطيني من ثماني قرى في مسافر يطا. تتعرض مسافر يطا للمضايقات اليومية التي تشمل مصادرة الخيام، ومنع إعادة البناء، وإجراء التدريبات العسكرية داخل القرى، وإغلاق الطرق الترابية، ومصادرة المركبات، والهدم التدريجي لمنشآتهم ويطال ذلك حظائر الحيوانات، لجعل حياة السكان شبه مستحيلة لإجبارهم على الرحيل من تلقاء أنفسهم.

وهناك خِرب أيضًا مهددة بالهدم بحجة أنها تقع في مناطق أعلنتها سلطة الطبيعة كمحميات طبيعية، مثل:  خربة عينون قرب طوباس- طُرد الرعاة مرارًا وتعرّضوا لمصادرة الخيام والمواشي بحجة أن المنطقة تقع ضمن محمية طبيعية، وخربة الطويل قرب قرية عقربا، نابلس- تعرّضت للهدم عدة مرات، بحجة البناء داخل منطقة مصنفة محمية طبيعية"، وخربة الميتة والحُمّة في الأغوار الشمالية- يلاحق السكان بشكل متكرر، وتُهدم خيامهم أو مصادر المياه بحجة أن الأرض محميّة طبيعية.

بعد 30 عامًا- هل تعمل إسرائيل ببنود اتفاقية أوسلو الثانية؟

لا تزال المنطقة (ج) التي تشكل المساحة الأكبر في الضفة الغربية تخضع للسيطرة" الإسرائيلية" مدنيًا وأمنيًا وبشكل كامل بعد مضي 30 عامًا من توقيع الاتفاق، فبحسب اتفاق أوسلو الثاني الذي وُقع عام 1995 كما أسلفنا في الأعلى، كان من المفترض أن تبقى المنطقة (ج) تحت الإدارة الإسرائيلية مرحليًا، لتنقل الصلاحيات تدريجيًا للفلسطينيين لاحقًا، ولكن هذا لم يحدث أبدًا؛ وبقيت إسرائيل تسيطر على كل ما يتعلق بهذه المنطقة، ليس هذا فقط، بل استمرت المقترحات والخطط التي تتطلع بعناد إلى ضم هذه المناطق إلى" إسرائيل".

وتحمل مخططات الضم في طياتها خطرًا كبيرًا على هذه المناطق، إذ يصبح وضعها القانوني عرضة لتغيير عاصف يرجح لصالح الاحتلال في حال حدث الضم؛ فبقاءها تحت السيطرة" الإسرائيلية" من دون ضم يبقيها وفقًا للقانون الدولي أراضي فلسطينية محتلة، ولكن، في حال حدوث الضم، تتحول المنطقة رسميًا إلى أراضي دولة" إسرائيلية" يسكنها فلسطينيون بلا حقوق، حتى لو لم يعترف العالم بذلك.

في يناير 2020 جاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بخطته الخاصة للسلام في المنطقة، والمشهورة بمسمى صفقة القرن والتي تخرق مبدأ تقرير المصير للفلسطينيين، الذي هو مبدأ أساسي في القانون الدولي، والتي تتضمن خريطة مقترحة تُعطي لإسرائيل الحق في بسط سيادتها على المستوطنات في الضفة الغربية.

شُكلت في حينه لجان فنية مشتركة بين إسرائيل والولايات المتحدة لرسم خرائط المناطق التي ستشملها السيادة الإسرائيلية، بما في ذلك المستوطنات وطرق الربط. وكان نتنياهو، آنذاك يعمل على تشكيل حكومة وحدة مع بني غانتس، حيث تعهَّد أن يبدأ بتنفيذ الضم إذا أعيد انتخابه أو تشكّلت حكومته.

وبالرغم من التهديدات والفرقعات الإعلامية التي رافقت الإعلان عن الخطة، إلا أن تنفيذ قرار الضم أُجِّل ضمنيًا بعد توقيع اتفاق التطبيع مع الإمارات العربية المتحدة، حيث تضمن اتفاق التطبيع بندًا ينص على تعليق الإعلان الرسمي عن ضم المناطق (ج). ولكن رغم ذلك، هناك ضم فعلي ولكن بطيء وزاحف من دون بهرجة إعلامية فلا يكاد يكون ملحوظًا، يتم من خلال مصادرة الأراضي الفلسطينية والسيطرة على مواردها والتوسع الاستيطاني المستمر وتوسيع شبكة الطرق الالتفافية والبنية التحتية التي تخدم المستوطنات، وما يرافق ذلك من قوانين يسنها الاحتلال ويطبقها على الأرض.

لم تعمل إسرائيل على تنفيذ بنود الاتفاق، واستمرت في توسيع المشروع الاستيطاني، وما يتبع ذلك، ما يؤكد على عدم التزامها بالاتفاق.

تُطالب السلطة الفلسطينية المجتمع الدولي بالضغط على" إسرائيل" للوفاء بالتزاماتها، بما في ذلك وقف الاستيطان، والانسحاب من الأراضي المحتلة، والاعتراف بالقدس الشرقية عاصمة لدولة فلسطين. ولكن موقف السلطة ضعيفًا يفتقر إلى آليات تستطيع من خلالها فرض إرادتها على الأرض، واستعادة ولو جزءًا يسيرًا من حقوق الفلسطينيين.

ويعتمد موقف السلطة الفلسطينية على وسائل دبلوماسية، غالبًا ما تصطدم بجمود في السياسة الدولية، فمثلًا، نجدها تعتمد اعتمادًا كليًا على الضغط على المجتمع الدولي لإنصاف الفلسطينيين، رغم أن الوقائع وعلى مدى عقود من الزمان، أثبتت أن هذا الضغط لا يتحول إلى نتائج ملموسة، بسبب النفوذ الأمريكي في المنطقة وامتلاكها واستخدامها حق النقض الفيتو ضد أي قرار يدين" إسرائيل" أو يفرض عليها عقوبات على خلفية تتعلق بحقوق الفلسطينيين وارتكابها انتهاكات بحقهم، إضافة إلى وجود خلافات دولية عميقة بين الدول الكبرى فيما يتعلق بقضية فلسطين، ما يقوض وجود إمكانية لأي إجماع على إنصافهم.

في الوقت الذي تسعى فيه" إسرائيل" وبدون توقف لتحقيق التفوق العسكري والسياسي على دول المنطقة العربية جمعاء، وليس على الفلسطينيين فقط، كما تستمر في مواصلة انتهاكاتها ضد الفلسطينيين وضد دول الجوار دون رادع، ما يخلق حالة من عدم التوازن.

أما الموقف الدولي، فلم يكن واضحًا وفعالًا وداعمًا للفلسطينيين كما يجب، بل غالبًا ما يكون على شكل إدانات رمزية تفتقر للتطبيق الفعلي. كثير من الدول والمنظمات الدولية، مثل الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، تدين الاستيطان وتدين تهديدات" إسرائيل" بضم الضفة الغربية، لكن لا يرافق هذه الإدانة أي خطوات عملية يمكنها أن ترغم" إسرائيل" على التوقف. وحتى في حال صدور قرارات عن هيئات دولية ضد هذه الانتهاكات، فهي تصدر عن على شكل توصيات، وليس كعقوبات إلزامية.

خلاصة

يتبع الاحتلال ممارسات في المنطقة (ج) تتسم بالتضييق المستمر والهدم ومنع البناء والتطوير وحظر الخدمات الأساسية، عدا عن دعم وتشجيع وحماية اعتداءات المستوطنين، والاستمرار في مصادرة الأراضي، والسيطرة على الموارد الطبيعية، وتوسيع المستوطنات القائمة وإنشاء مزيد من البؤر الاستيطانية فوقها، والطرق الالتفافية، والبنية التحتية لخدمة المستوطنين، وفرض القوانين التي تهدف لشرعنة الاستيطان.. وممارسات أخرى أيضًا، لها هدف واضح المعالم لا يخفى على ذي لب ومتابع لما يجري على الأرض الفلسطينية، يتلخص الهدف باقتلاع أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين من أراضيهم وأماكن سكنهم، عبر جعل حياتهم جحيمًا لا تطاق ما يضطرهم الهروب، والسعي لكسب رزقهم في مناطق أخرى.