الهيمنة الأمريكية وعمال العالم.. أسئلة النضال الاجتماعي والإمبريالية

الهيمنة الأمريكية وعمال العالم.. أسئلة النضال الاجتماعي والإمبريالية
تحميل المادة

الهيمنة الأمريكية وعمال العالم.. أسئلة النضال الاجتماعي والإمبريالية

العنوان الأصلي لهذه المادة: الهيمنة الأمريكية على العالم مؤذية للعمال في أمريكا وخارجها[1]

عزيز رنا

 

ترجمة: بيسان عابد

 

على سبيل التقديم..

تندرج هذه الترجمة في مساعي منصة إطار لفهم السجالات والنقاشات السياسية والفكرية الدائرة داخل الولايات المتحدة، ومحاولة التعرّف أكثر على اليسار الأمريكي بتنوعاته المتباينة، وتداخلاته المتعددة، ومستويات التقاء بعض تلك التنوعات مع المؤسسة الأمريكية أو افتراقها عنها، بالإضافة إلى الإضاءة على النقد الذي يوجه لهذه المؤسسة وسياساتها، وتأتي أهمية ذلك، ليس فقط من موقع ضرورة الفهم لما تفعله أمريكا أو ما يجري داخلها لكونها القوّة الأكثر هيمنة عالميًّا من النواحي كلّها، الاقتصادية والعسكرية والأمنية والتقنية والثقافية، بل وأيضًا من كون القضية الفلسطينية خصوصًا، والمنطقة العربية عمومًا، من أبرز ضحايا هذه الهيمنة.

أقوال عزيز رنا، وهو اليساري وأستاذ القانون في جامعة كورنيل، ومؤلف كتاب " The Two Faces of American Freedom"، تمثّل سقفًا مرتفعًا في نقد السياسات الأمريكية، وذلك بالنسبة لتيارات اليسار الأمريكي المستظلّة بالقانون، أو غير المتهمة بالخروج عليه، أو بالإرهاب، ويتضح ذلك بالنقد الصريح والمباشر للنخب المسيطرة على الولايات المتحدة، سواء النخبة العسكرية أم نخب الشركات، وسياسات الهيمنة العالمية المدمّرة التي تتخدها، ومن ثمّ الحديث عن ضرورة التخلص من هذه السيطرة، ومن احتكار تلك النخب لخيرات العالم.

لا يعني ذلك التطابق مع أطروحات هذا الفريق من اليسار، ابتداء من تفاوت الإمكانات وأدوات القوّة، بين القوى السياسية والاجتماعية الأمريكية، والقوى المناهضة للسياسات الأمريكية في جنوب العالم وشرقه، مما قد يفضي إلى تبعية الشرق والجنوب إلى تلك القوى الأمريكية، والتي، وعلى فرض قدرتها على التأثير على السياسات الأمريكية، فإنّ التبعية لها، سوف تعني تبعية إلى تمظهر جديد للإمبراطورية الأمريكية، وعدم ملاحظة السياقات الذاتية والمحلية والداخلية والأوضاع الخاصّة لشعوب الشرق والجنوب، مما قد يدفع القوى الضعيفة لصياغة مواقف تحت تأثير القوى الأقوى، أو لأجل إثارة إعجابها، وهذا متحصّل بالفعل الآن، في البرامج النضالية في فلسطين والمنطقة العربية.

كما أنّ قوّة اليسار الأمريكي، وذلك بمقارنته بالقوة المادية المماثلة للنشاط السياسي والاجتماعي في بلادنا، لا ينبغي أن تخلق أيّ أوهام بخصوص قوته داخل الولايات المتحدة، فهو غير ممثل في حزب حقيقي، باستثناء نزول بعض عمد المدن بوصفهم مرشحين اشتراكيين، فليس هناك حركة جماهيرية أو حزب جماهيري سياسي لليسار في أمريكا، حتى برني ساندرز ترشح بوصفه مستقلاً، وقد يمكن تشخيص هذه الحالة، بالبنية الأمريكية نفسها، من حيث الدستور والنشأة والنظام، على النحو الذي يجعل اليسار غريبًا وطارئًا في بلاد مجبولة بالعنصرية والطبقية الاجتماعية.

وعودة إلى ما سلف قوله، من تنوع اليسار الأمريكي، تنبغي ملاحظة أن القاسم المشترك الأدنى بين تيارات اليسار الأمريكي هو الدفع بالمساواة بين الناس بالمجمل، في سيرورة متصلة بالتجربة الاجتماعية والأخلاقية الغربية عمومًا، بما لا تشترك معه البلاد العربية والإسلامية على وجه التحديد، مما يعني أنه لا يمكن استدعاء مقولات ذلك اليسار بوصفها حزمة متكاملة إلى بلادنا، وهو ما يذكّر بتاريخ اليسار العربي، والفلسطيني منه، حينما عجز عن تكييف الماركسية داخل المجتمعات العربية الإسلامية، في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، وهو ما يمكن أن يتكرر مع اليسار الأمريكي وبما من شأنه أن يخلط أولوياتنا النضالية، ويفتح المجال لصراعات اجتماعية داخلية وهوياتية فرعية على أسس ثقافية مستدعاة من الخارج وغير منبثقة من تجربتنا الاجتماعية، وعلى حساب الصراع مع الاستعمار الصهيوني الاستيطاني، أو الهمينة الإمبريالية العالمية. خطورة التقاطع الثقافي والاجتماعي المطلق، مع اليسار الأمريكي، دون ملاحظة خصوصياتنا القيمية والأخلاقية والثقافية، بادية في السجالات التي باتت تُستدعى إلى مجالنا العربي والفلسطيني، فضلاً عن طبيعة التحرك العربي والإسلامي داخل الولايات المتحدة، بما يتطابق أحيانًا لدى البعض مع مقولات اليسار الأمريكي بالكامل وبما يتناقض مع القيم الدينية الإسلامية، أو بمداراته والشراكة السياسية الكاملة معه.

أيضًا، من الضروري ملاحظة أن موقف عزيز رنا، المرتفع نسبيًّا، غير سائد في عموم تيارات اليسار في أمريكا، وهذا يمكن التنبه لها، بسيولة دعوى اليسارية داخل الولايات المتحدة، بحيث يدعيها ليبراليون، وتقدميون في الحزب الديمقراطي، بالرغم من أنهم رأسماليون بالكامل، مما يجعل دعوى اليسارية في هذه الحالات، محاولات للتهذيب والتقليم، وليست موقفًا جذريًّا من نخب الشركات والنخبة العسكرية، وهو ما يعني في التحليل النهائي عدم القدرة على انفكاك عموم الحالة اليسارية الأمريكية عن سياسات المؤسسة الأمريكية.

ليس هذا تحليلاً، بقدر ما هو واقع، ومشاهد من تصويت ممثلي هذه التيارات في الحزب الديمقراطي على الحروب وأجندات التسليح التي هي عماد السياسة الخارجية للدولة الأمنية التي تحدث عنها عزيز رنا. بل إن عزيز رنا نفسه يقول إنه لا يجد ضيرًا في أن تدعم الولايات المتحدة تسليح أوكرانيا، على قاعدة أن اليسار الحق هو ضد الغزو وضد الاستبداد، لكن في المقابل، هذا الموقف لا يأخذ بالحسبان أنّ هذه الدولة الأمنية لا يمكن الثقة بها، وأنّها ساهمت في وصول الأوضاع في أوكرانيا إلى حيث هي الآن، وإن كان بالتأكيد يختلف مع السياسة الأمريكية إزاء الأزمة الأوكرانية من جوانب متعددة.

ما سبق من عدم إمكانية الانفكاك الكامل عن المؤسسة، نتيجة ذلك التنوع، وتلك السيولة، في اليسار الأمريكي، هو من معالم ضعفه، ومنه بالضرورة، ضعف الموقف من فلسطين، والتي وإن أتى عزيز رنا على ذكرها، فإنّ خطابه إزاءها لم يكن بالقدر الذي تستحقه من كونها التجلي الأبرز، للمواجهة ضد دولة نخبة الشركات والمؤسسة الأمنية.

ثمّة الكثير مما قاله عزيز رنا، حول سياسات الدولة الأمنية الأمريكية، وسياساتها العالمية المدمّرة، والسياقات التاريخية لهذه السياسات، وذرائعها، أو الفلسفات التي تنبثق عنها، وتلاقي مصالحها مع الدولة الأمنية في الشرق والجنوب، والعلاقة العضوية بين ما جرى من تسويات عمالية داخل الولايات المتحدة والسياسات الأمنية الأمريكية في العالم، كذلك دعوته لصياغة نموذج تحرري يجمع بين مناهضة الإمبريالية الأمريكية ومناهضة الاستبداد، وعلى ضوء ذلك ينتقد النموذج متعدد الأقطاب الآخذ بالتشكل، لكون الولايات المتحددة ما تزال مهيمنة، في حين أن الأقطاب المنافسة، كروسيا والصين، غير تحررية، وتنافس على مكانة في السلم الرأسمالي، بينما القطبية التعددية المطلوبة هي التي تقرّر فيها الشعوب بشأن المشاعات العالمية. لكن نترك المجال للقارئ للاطلاع على ذلك كلّه، فهذا التقديم يهدف إلى توسيع الدائرة التي تدور هذه الأطروحات داخلها، وليس إلى إعادة تقديم أفكار عزيز رنا في النص المترجم.

يبقى القول إنّ هذه المادة في الأصل لقاء مصوّر، جرت ترجمته من التفريغ النصي له في مجلة "جاكوبين"، وهو ما يجعل مهمة الترجمة أكثر صعوبة مما لو كانت من نص مكتوب أصالة، مما يحمل القارئ على التركيز لنظم الكلام في ذهنه، بيد أنّها واحدة من المحاولات التي نأمل أن تفتح على مزيد من المعرفة بالموضوعات التي تناولها النص أو هذه المقدمة.

·     التحرير

مُقدمة المُترجمة

أجرَت مجلّة "جاكوبين" الأمريكية حوارًا مع عزيز رنا، بروفيسور القانون في جامعة كورنيل، والذي ترتكز أبحاثُهُ حول مفاهيم العِرق والمواطنة والإمبراطورية، وتشكيلها الهويةَ القانونية والسياسية للولايات المُتحدة. يوضّح رنا في اللقاء أثَر السياسات الأمريكيّة العالميّة على العُمّال في الولايات المُتحدّة والعالَم؛ وتعزيزها للنُخب والشركات ولدولة الأمن القومي المُهيمنة، ويُقرر أنّ الحلّ يكون بإعادة بناء المؤسسات اليسارية التي تربط العمّال معًا مُتجاوزةً الحدود، وبالنضالِ المُشترك من أجل نظام عالمي أكثر عدلاً.  

·     بيسان

 

"الأُمميّة".. ماذا تعني للولايات المتحدّة، وفي المُقابل، كيف ينظر إليها اليسار؟

لربّما بات لِزامًا علينا اليوم أن نستلهم من اليسار الأممي (Internationalis Left) في القرنين التاسع عشر والعشرين، الذي بنى تضامُنًا مُتجاوزًا للحدود الوطنية بالنقابات العمّالية والأحزاب اليسارية والمنظمات المناهضة للاستعمار. إننا فقط ومن خلال إعادة بناء هذه المؤسسات؛ سنتمكّن من هيكلة قرارات السياسة الخارجية الأمريكيّة لتلائم احتياجات العمّال حول العالم ومصالحهم ، وإن معاودة البناء هذه، مُقدَّمة على ضرورات المصالح التجارية والأمن القومي للولايات المتحدة.

عَدّت النُخب الأمريكية في القرن الماضي، ومنذ الأربعينيات منه، أن المشروع الأمريكي قائمٌ على أساس الحرية والمساواة: "المؤسسات التمثيلية الأمريكية ورأسمالية السوق مُتّسقة مع قيم العدالة وإشراك الكُلّ"، وأنّ الولايات المتحدة تسعى لهذه الالتزامات العالمية الجوهريّة في الخارج، لذا فإن مصالحها هي، إلى حدّ ما، تُعدّ مصالِح الكُلّ.

وأضِف أنّ ثمّة اعترافًا جليًّا بتاريخ أمريكا العنصريّ في التمييز على أساس الجنس، وعدم المساواة الطبقية؛ بيدَ أنّ هذه الأمور لا تدخل في صميم المشروع الوطني، ولا يُنظر إليها بوصفها إشكاليّة قائمة؛ إنها مشاكل البلاد العرضيّة التي هي بصدد التغلُّب عليها وإنهائها، وبهذا تروّج الولايات المتحدّة خارجيًّا لأساس نظامها، بدلاً من الاعتراف بهذه الجوانب الإشكالية منه، وضرورة مُعالجتها.

وإقرارٌ آخر وهو أنّ الولايات المتحدة على المستوى الدولي، تُسيء فهم الأمور أحيانًا -فلنقُل بشكلٍ كارثيّ- كما في حالة فيتنام أو غزو العراق. وقد نعدّ هذه استثناءات، وأنّ هدف السياسة الخارجية الأمريكية عمومًا، هو إنشاء نظام عالميّ سلمي ومزدهر. ومُنتهى هذه الرؤية تبرير نسخة من الأممية الليبرالية تُعرِّف ماهيّة مشروع دولة الأمن القومي الأمريكيّة، فمن أجل وجود نظام دولي مستقر؛ يتعيّن وجود دولة مهيمنة لديها سلطة التوسط وحتى التحرّك خارج القواعد، لضمان اتباع القواعد ككل، وهذه الدولة والقوّة هي الولايات المتحدة.

استمرّ النقد اليساري لهذا النهج، والذي مفادُه أن مشروع دولة الأمن القومي يتمركز داخله مزيج من النخب المؤسسية والعسكرية، ونتيجةً لذلك، كان التاريخ الطويل "للقرن الأمريكي" تدخلاتٍ وانقلاباتٍ واغتيالاتٍ اطّردت في جميع أنحاء العالم، وبدلًا من اتباع القواعد، تحوّل المعيار إلى العُنف والخروج عن القانون تحت عباءة اتباع القاعدة، وبديلًا عن الازدهار العالمي، عززت السيادة الأمريكية -من خلال هيمنتها الدولارية والمكانة الاقتصادية العالمية- تراكم الثروة بيد النُخب. يردّ اليسار على هذه السياسات عمليًّا،  ولا أدلّ على ذلك من النضالات ضد الاستعمار، والحراكاتِ العمّالية، وأنه في سبيل أممية حقيقية، يتعين على الأمريكيين الالتزام بسياسة خارجية مستقلة تختلف عن أهداف الدولة الأمنية، وإلّا فسنفقد القُدرة على التعامل مع المشاعات العالمية بوصفها موردًا عالميًّا، وأن نعيد توزيع الثروة العالمية بطرق تضمن عدم استغلالها، وتعزز قيم حريّة الإرادة وتقرير المصير.

يجب أن تُنظّم هذه السياسة الخارجية -المستقلة- من خلال التزامات وطنية، تربط العمال والشعوب المستعمرة في كل مكان؛ وستتشكّل حينئذٍ، ارتباطات المجتمع لا بين عامل وآخر (ذي نفوذ وقوّة) ينتميان إلى القوميّة ذاتها، ويختلفان في المصالح، إنّما بين عُمّال لديهم الهموم المُشتركة ذاتها في إطار بديل.

استمرّ النقد اليساري لهذا النهج، والذي مفادُه أن مشروع دولة الأمن القومي يتمركز داخله مزيج من النخب المؤسسية والعسكرية، ونتيجةً لذلك، كان التاريخ الطويل "للقرن الأمريكي" تدخلاتٍ وانقلاباتٍ واغتيالاتٍ اطّردت في جميع أنحاء العالم، وبديلًا عن الازدهار العالمي، عززت السيادة الأمريكية -من خلال هيمنتها الدولارية والمكانة الاقتصادية العالمية- تراكم الثروة بيد النُخب.

 

"اليسار الأممي في قلب الإمبراطورية" .. ضعف الأممية اليسارية الأمريكية وعلاقته بالمؤسسات اليسارية دوليًّا

تغيّر الواقع منذ الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، فكنّا نلحظُ صُعود منظمات التحرير ومناهضة الاستعمار في جميع أنحاء العالم، المؤتمر الوطني الإفريقي (ANC) مثالاً، وعدد آخر من مجموعات التحرر المرتبطة بالمنظمات اليسارية في الولايات المتحدة مثل ال SNCC (لجنة التنسيق الطلابية ضد العنف)، والنمور السود، وغيرها، بالإضافة إلى أنه كان لدينا الجيل الأول من قادة الاستقلال، أمثال جوليوس نيريري في تنزانيا، وميخائيل مانلي في جامايكا، وغيرهم ممن فكروا في كيفيات بناء ترتيبات دولية بديلة. أما اليوم، فقد كتبت أدوم جيتاشيو عن هذا النظام الاقتصادي الدولي الجديد، والذي كان محاولة للتفكير في إقليمية متعددة الأقطاب، من شأنها أن تعيد تصور المشاعات العالمية على أسس بعيدة عن الإجحاف والاستغلال، لقد قدم هذا الطرح الأخير إطارًا للمحادثات العابرة للحدود حول كل شيء بدءًا من النقاط الأمنيّة إلى الاقتصاد السياسي.

يردّ اليسار على هذه السياسات عمليًّا من خلال النضالات ضد الاستعمار والحراكاتِ العمّالية التي تربط العمال والشعوب المستعمرة في كل مكان؛ وستتشكّل حينئذٍ، ارتباطات المجتمع لا بين عامل وآخر ينتميان إلى القوميّة ذاتها، ويختلفان في المصالح، إنّما بين عُمّال لديهم الهموم المُشتركة ذاتها في إطار بديل.

إنَ الحركة العمالية العالمية لم تزُل، رغم ضعفها الحاليّ مقارنة بما كانت عليه في وقت سابق من القرن، لقد ارتبطت مؤسساتُها ارتباطًا وثيقًا بالمؤسسات المناهضة للاستعمار، ولعب كلاهُما دورًا مركزيًّا في التنظيم الجماهيري ضد الإمبريالية والاستعمار، ووحدوا الكُلّ معًا على أساس التضامن الطبقي المشترك.

أمّا قادة الاستقلال من الجيل الأول، فمن المؤسف أن انتهى بهم الأمر إلى إرساء أشكال من السلطويّة والبلوتوقراطية[2] التي حطمت عناصر الخيال التحرري. وإضافة إلى مشكلة الاستبداد، فبمجرّد الحصول على دول مستقلة عبر أجزاء كبيرة من آسيا وأفريقيا، نتج أمران اثنان؛ تمثّل أوّلهما في محاولة الدولة الأمنية الأمريكية مع مختلف حلفائها تدمير هذه الشبكات بشكل منهجي، بالاغتيالات والانقلابات التي زعزعت استقرار مؤسسات عدم الانحياز والاشتراكية واليسارية وحكوماتها.

أما ثانيهما، فكان اتّباع الولايات المتحدة والدول الأوروبية رؤية اقتصادية معاكسة تمامًا؛ مثل النظام الاقتصادي الدولي الجديد، القائم على رأس المال الحرّ، وحقوق ملكية الشركات العابرة للحدود، وتوسيع الوصول إلى الأسواق والخصخصة. لقد سارت سياسات التقشف النيوليبرالية هذه جنبًا إلى جنب مع هجوم عالمي دراماتيكي على مؤسسات العمل، وعلى الأسس الطبقية للسياسة الدولية اليسارية. والدول الأمنية هي من تتحدّث الآن عن الأمن القومي والسياسة الخارجية، ليس فقط في الولايات المتحدة وأوروبا، بل في الجنوب العالمي، حيث غالبًا ما تتفق الدول الأمنية بشدة مع المصالح الأمريكية.

بمجرّد الحصول على دول مستقلة عبر أجزاء كبيرة من آسيا وأفريقيا، نتج أمران اثنان؛ تمثّل أوّلهما في محاولة الدولة الأمنية الأمريكية مع مختلف حلفائها تدمير هذه الشبكات بشكل منهجي، بالاغتيالات والانقلابات، أما ثانيهما، فكان اتّباع الولايات المتحدة والدول الأوروبية النظام الاقتصادي الدولي الجديد، القائم على رأس المال الحرّ، وحقوق ملكية الشركات العابرة للحدود، وتوسيع الوصول إلى الأسواق والخصخصة.

 

مناهضة الإمبريالية الأمريكية.. معاداة "مُبتذلة"

جادلت المؤسسة السياسية ودولة الأمن القومي بعد نهاية الحرب الباردة بأن السياسة الخارجية الأمريكية ليست ذاتَ طابع سياسي، وأنه إبّان فترة الحرب الباردة، كانت هناك مواجهة أيديولوجية بين الرأسمالية والاشتراكية، أما الآن وفي عالم أحادي كذلك، الولايات المتحدة وحدها هي حامية القواعد، أمّا بقية الدول فتتسبب بالفوضى والضرر للإنسانية، وأنها -الولايات المتحدة- حينما تشارك في غارات جوية وتفرض عقوبات قاسية؛ فإن ما تفعله هو تتبع ومعاقبة الدول المارقة، وهو فقط التزام بالواجب الأخلاقي لحماية العالم.

والحقيقة أن فترة ما بعد الحرب الباردة من القطبية الأحادية، كانت فترة من الانشقاق المستمر للحكم الأمريكي، فالقواعد نفسها التي وعدت الولايات المتحدة التمسُّكَ بها، أصبحت تنتهكها بشكل منهجي.

اجتهدت التحليلات المناهضة للإمبريالية في التسعينيات والعقد الأول من القرن الحادي والعشرين، في فضح هذا الطابع السياسي المستمر للقوة الأمريكية، والطعن أيضًا في البراءة الأخلاقية التي حجبت أحادية القطب الأمريكي، في الشرق الأوسط مثالاً، والخوض في الحروب الوحشية، وكان هذا يعني تسليط الضوء على العواقب المدمرة للاستراتيجية الشاملة للدولة الأمنية، سواء كانت حماية الوصول إلى النفط وتعزيز مصالح الشركات، أم دعم الأولويات الإقليمية للمملكة العربية السعودية وإسرائيل، لقد ركزت هذه التحليلات على الكيفية التي أدّت بها القطبية الأحادية بعد الحرب الباردة إلى نتائج سلبية، على الصعيدين الدولي والمحلي.

لكن هيكل القطبية الأحادية الأمريكية ينهار اليوم؛ فقد بدأنا نرى أشكالاً أوليّة من تعدد الأقطاب، نلحظُ دولاً بديلة قوية بمشاريع خاصة مثل الصين وروسيا، وتشارك أيضًا بفاعليّة على المسرح العالمي، أما انتقاد الإمبراطورية الأمريكية الذي ظهر في تسعينيات القرن الماضي والعقد الأول من القرن الحادي والعشرين، فإن الردّ هو القولُ بأن تعدد الأقطاب أمر جيد، فنحن لا نريد عالمًا أحادي القطب، يتميز بالأولوية الأمريكية.

أعتقد أن النتيجة المثالية هي عالم متعدد الأقطاب تكون الشعوبُ فيه صانعة للقرارات حول كيفية تنظيم المشاعات العالمية[3]، لكن نسخة تعدد الأقطاب التي تظهر الآن ليست التحررية التي أردناها؛ إنها نسخة من التعددية القطبية حيث لا تزال الولايات المتحدة قوة مهيمنة، وتتأرجح من حال إلى آخر دون وضوح حقيقي، بمؤسساتها المحلية المختلة التي تُنازع قيم الديمقراطية وتُقصيها، وبسياساتها العالمية المتمثلة في العقوبات العدوانية والمواجهات العسكرية.

على الجانب الآخر، نجدُ الدول الرأسمالية الاستبدادية متعددة الأقطاب لما يسمّى بالسلطة الإقليمية، مشاريعها أبعد ما تكون عن التحرر، بل إنها تشكلت خلال نصف قرن إثر التحولات في النظام العالمي، وتقويض المؤسسات اليسارية، وفي هذا المقام، فإنّه من السهل انتقاد ما تفعله الولايات المتحدة دون صياغة نهج، كما يطرحُ بسام حداد ، نهجٌ يجمع بين مناهضة الاستبداد ومعاداة الإمبريالية في كل مكان.

 

الحركات القوميّة المناهضة للاستعمار في مواجهة الحكومات المحليّة أم التحالف معها ضد الرأسمالية العالمية؟ وجدل المواجهة بين المستغلِّين والمُستغَلين.

إنّ اليسار اليومَ مُحاصرٌ داخل الحدود الوطنية، وهذا الانقسام الحادّ بين المحلي والأجنبي قد يعزز تآكل ديناميكيات الرأسمالية العالمية وعلاقتها بديناميكيات الإمبراطورية؛ وقد يحوّل أيضًا معظم النقاش حول السياسة الخارجية إلى أخذ ورد مع دولة الأمن القومي فقط، ونجدُ تشابهاتٍ بين الأجهزة الأمنية في الولايات المتحدة وأعدائها من حيث طريقة بنائها، واستخدامها لأدوات مكافحة الإرهاب ضد المعارضين المحليين، وارتباطاتهم أيضًا داخل الشبكات العالمية للقوة.

ولنأخذ إيران مثالاً، والتي تم تأطيرها بشكل جليّ عدوًّا لأمريكا؛ ولكن يبدو أن الحكومة الإيرانية تريد أن تكون جزءًا من شبكات عالمية لرأس المال، فهي لا تقدم منظومة اقتصادية بديلة. إنّ الانحياز إلى الأمّة/ الدولة يعني أنه لا يمكننا التفكير في هذه المشكلات من منظور مجتمعيّ عابر للحدود، وسيتعذّر علينا التوحّد على أسس المصالح المشتركة، وتجارب الطبقة المشتركة، والنضال جماعيًّا لمناهضة الاستعمار، وبدلاً من ذلك سيكون سقف التفكير، كما فكّر هنري كيسنجر، في مستوىً لا يتجاوز أهداف الدولة، والاستراتيجيات الكبرى، والمنافسات.

اليسار اليومَ مُحاصرٌ داخل الحدود الوطنية، وهذا الانقسام الحادّ بين المحلي والأجنبي قد يحوّل معظم المحادثات حول السياسة الخارجية إلى تبادلات مع دولة الأمن القومي فقط، ونجدُ تشابهاتٍ بين الأجهزة الأمنية في الولايات المتحدة وأعدائها من حيث طريقة بنائها، واستخدامها لأدوات مكافحة الإرهاب ضد المعارضين المحليين

 

الغزو الروسي لأوكرانيا وموقف اليسار في حال تملُّكِه السُلطة .. والتنظير للبدائل

يجبُ أن ينخرط اليسار في موازنة بعض القرارات بسبب استبعاده التاريخي المُمنهج من السلطة، فأصبح نموذج دولة الأمن القومي هو الإطار الوحيد المطروح على الطاولة وهو فقط من يقود النقاش؛ ومن أجل ذلك يتحتّم صياغة بدائل يسارية بمصداقية من خلال تصوّر كيفية ممارسة اليسار لسلطة الدولة، إننا بحاجة إلى تقديم بديل موثوق، وإلى إبراز كيف أن نهج الدولة الأمنية يؤدي بشكل منهجي إلى نتائج سيئة.

إنّ الالتزام بحق تقرير المصير المناهض للاستعمار، يعني عندي أنه يتعين عليك معارضة كل غزوٍ إمبريالي، كما في حالة أوكرانيا. وإنّ الإقرار يُبرر المساعدة العسكرية الدفاعية، إلى جانب الالتزام بالدبلوماسية ووقف التصعيد، وإننا إذا كنا سنفرض عقوبات تستهدف بشكل ضيق من يقود العدوان الروسي، يجب بالضرورة أن نقف في وجه نظام عقوباتٍ موسّع يعاقب السُكان والشعوب، وإذا كنت الأوليغارشية الروسية ستُلاحَق، فمن الإنصاف أن يكون هذا العقابُ مشروعًا عالميًّا، وإغلاقًا للملاذات الضريبية ومهاجمةً للأُوليغارشية في كل مكان، بدلاً من الأولغارشية الروسية فقط.

وإنّ الأصل في هذا يجبُ أن ينطلق من نظرية تضامُن مبنية ليس فقط حول المساعدة الإنسانية الضرورية في أوكرانيا؛ إنّما المساعدة الإنسانية العالمية. يواجهُ 1.7 مليار شخصٍ حول العالم أزمات في الغذاء والطاقة بالإضافة للأزمات المالية، والمُتسبب الجزئي هو نظام العقوبات الأمريكي، إنّه من المُفترض أن تكون الأموال كافية للتخفيف من حدة هذه الصراعات من خلال إعادة التوزيع، فلتتخيل ما سيكون عليه النهج البديل اليساري، نهج يأخذ مبادئ معاداة الإمبريالية، ومناهضة الاستبداد على حدٍّ سواء.

وهذا بالطّبع، خلاف ما تفعله الولايات المتحدة، فهي تجمع بين الالتزام برفض العدوان الروسي وبين السعي لتحقيق أهدافها الجيوستراتيجية، التي تشمل إضعاف خصمها العالمي، وهذا الإطار أحد أسباب فرض نفس السياسات مرة أخرى، نهج العقوبات المتشدد واسعِ النطاق، والذي يؤثر على الشعوب سواء في هذه الأزمة خاصّة أم في جميع أنحاء العالم، وإنّ التاريخ لا يشهد لهذه العقوبات القوية حلّها للصراعات، وتحقيقها النتائج السلمية.

وسبب هذا التعقيد، هو إغراق الصراع بالسلاح وتكثيف العسكرة، فتنتجُ عواقب إنسانية خطرة على الشعوب في منطقة الحرب، كما أن تأثيراتها تمتد إلى أوروبا على نطاق أوسع، فأوروبا المُسالمة برأيي، هي أوروبا منزوعة السلاح وتتبع سياسة أمنية تكافلية.

 

السياسة اليسارية ومعاداة الإمبريالية، واستراتيجية الجمع بينهما

شرعت السياسات الديمقراطية الاجتماعية في الولايات المتحدة ومنذ الحرب الباردة، بالفصلِ بين القضايا الخارجية والداخلية، ويمكنك القول إنّ هذا الإنجاز خطوة نحو تسوية دخلت فيها الحركة العُمّالية على وجه الخصوص، وحركة الحقوق المدنية أيضًا في منتصف القرن العشرين.

وقد نظّمت الحركة العمّالية فوائد هذه التسوية والصفقة الجديدة، وأهمّها أنّ الأعمال التجارية والعمل بالعموم والحكومة ستسير سويًّا لبناء دولة رعاية اجتماعيةٍ داخليًّا، بيدَ أنّ أحد شروط هذه التسوية، هو عدم اعتراض الُنشطاء العماليين على ما تفعله الولايات المتحدة في الخارج. وقد دفعت مجموعة من الأسباب العمّال لقبول هذا الحل، إحداها قلق الحركة العمالية بشأن الاتحاد السوفيتي، وخاصة استبداد ستالين، كما أنّ هيمنة الدولار الأمريكيّ وسيطرته على النظام المالي العالمي، ووصوله إلى الأسواق الخارجية، كل هذه الأمور غذّت الازدهار المحلي، وخاصة للطبقة العاملة والطبقة الوسطى من البيض.

في الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي، كان بإمكانك تقديم حُجّة معقولة مفادها أنه بالنسبة لجزء من الجمهور الأمريكي، فقد تحقق الائتلاف بين الديمقراطية الاجتماعية والأولوية الأمريكية معًا، غير أنّه على المدى الطويل، انتهى الأمر بأهداف الدولة الأمنية ونخب الشركات إلى قطع إجراءات الحماية العالمية للعمّال؛ فأصبحت الحركة العُمالية العالمية محاصرة داخل الحدود، بينما أصبح رأس المال طليقًا متحركًا.

وقد ولَّدت هذه الإجراءات تقشفًا وعدم استقرار في أماكن أخرى؛ ثمّ عادت هذه العواقب إلى الداخل فيما بعد، وواجه العمّال الأمريكيون رأس المال الذي يمكن أن يتحرك بسهولة؛ والذي يتمتع بحقوق ملكية قوية ويقوّض حماية العمال، وبمجرد أن دمر رأس المال الحركة العمالية محليًّا؛ أثّر ذلك عميقًا ليس فقط على حفظ مؤسسات الديمقراطية الاجتماعية، ولكن أيضًا على تجربة التقدم المادي والمدّ الصاعد.

ونحن الآن في عام 2022 ، يصعُب تصديق فكرة أن السيادة الأمريكية تخلق ثروة لشرائح كبيرة من السكان الأمريكيين، وليس فقط أولئك الذين يتمتعون بنفوذِ وفوائدِ قوة الشركات، فمزيج الديمقراطية الاجتماعية والإمبراطورية فاسد ولا يصلُح، وهذا الفشل يسلط الضوء على الكيفية التي تسبح بها الصراعات المحلية حول الاقتصاد السياسي، والطبقية، والديمقراطية الاجتماعية في مياه الحقائق العالمية.

إنّ النضالات لا يتطلّب منها إنشاء مؤسسات قوية ومتعددة الجنسيات فحسب، بل التفكير في السياسات الخارجية بأبعد من ذلك، علينا أن نفكر في السياسة الخارجية موقعًا للنشاط وتنظيم الحركة؛ حيث يعمل الأجانب والمحليون معًا، وإنّ تعزيز حقوق العمال العالمية، وإلغاء تجريم (عبور) الحدود، وتقليص الميزانية الأمنية، هي في جملتها سياساتٌ جيدة وضرورية للقوة المؤسسية لليسار في الداخل والخارج، ونجدُ مواقع ناشئة لليسار الدولي في الولايات المتحدة لم تكن موجودة قبل خمسة أو عشرة أو عشرين عامًا، ونشهدُ انخراطهم في الإجراءات التضامنية التي تُقام برغم عدم امتلاكهم روابط مؤسسية كثيفة.

فلنأخذ حركة "حياة السود مُهمّة" مثالاً، التي تؤكد على الرابط بين الإنصاف على أساس العرق في الولايات المتحدة وبين قضيّة الفلسطينيين، وقد قاد ذلك إلى تحويل الحوار الداخلي حول فلسطين والاستجابة له، حتى في وسائل الإعلام الرئيسية، وذِكر سياسات وجرائم إسرائيل في أماكن مثل غزة، واجتهد كثيرون منذ ذلك الوقت مُرتكزين على تقرير منظمة العفو الدولية وعلى وصفه لما يتعرّض له الفلسطينييون بكونه شكلاً من أشكال الفصل العنصري. إنّ لدينا مراكز ناشئة أُخرى للارتباطات المؤسسية، مثل المنظمة الدولية التقدمية، التي تحاول ربط الجهود التضامنية داخل الولايات المتحدة وخارجها من خلال النقابات والحركات السِلمية.

إنّ النضالات لا يتطلّب منها إنشاء مؤسسات قوية ومتعددة الجنسيات فحسب، بل التفكير في السياسات الخارجية موقعا للنشاط وتنظيم الحركة؛ حيث يعمل الأجانب والمحليون معًا، وإنّ تعزيز حقوق العمال العالمية، وإلغاء تجريم الحدود، وتقليص الميزانية الأمنية، هي في جملتها سياساتٌ جيدة وضرورية للقوة المؤسسية لليسار في الداخل والخارج

إننا نحاول استعادة نسقٍ من التفكير، ونمط من السياسة، ومن التنظيم الذي تم تفكيكه بشكل منهجي خلال نصف القرن الماضي، والحلُّ الوحيد، سواء في الداخل أو في الخارج يتمثّل في ربط مناهضة الإمبريالية بالديمقراطية الاجتماعية، والقيامَ بذلك بطرق تُدير المشاعات العالمية مستودعًا للجميع، وترتكز على السياسة الأمريكية المحليّة موقعًا للتحرر.

الحلُّ الوحيد، سواء في الداخل أو في الخارج يتمثّل في ربط مناهضة الإمبريالية بالديمقراطية الاجتماعية، والتركيز على السياسة الأمريكية المحليّة موقعًا للتحرر.

 

 

 

 

 

References

https://jacobin.com/2022/08/us-global-dominance-international-left-anti-imperialism?fbclid=IwAR2YYT1SIQILBZtiOniTMVsbsRw4TAZUGNijvNunsnmF3Y5Px2-afemv4Ko

 



[1]. نُشرت هذه المادة في موقع jacobin، بتاريح 10 آب/ أغسطس 2022، بعنوان: US Global Dominance Is Bad for Workers at Home and Abroad،https://bit.ly/3qq5AhM

[2] . حكم الأثرياء. وقد يراد به كذلك قدرة المال السياسي على التحكم بالعملية السياسية، والفجوات الهائلة بين ثراء الحكام وفقر المحكومين، وتميز الطبقة الحاكمة بالثراء مقابل ضعف الحراك السياسي والاجتماعي في المجتمع.

[3] . المشاعات العالمية هي موارد كوكب الأرض التي لا تخضع لولاية أي دولة، ويمكن لجميع الدول الوصول إليها.