بجدي وخروف وخيمة: عن الاستيطان الرعوي في الضفة الغربية

بجدي وخروف وخيمة: عن الاستيطان الرعوي في الضفة الغربية
تحميل المادة

  على سبيل التقديم...

في الماضي السحيق، لم يعرف الإنسان حياة الاستقرار في جغرافيا محددة، بل عمدَ معظم وقته إلى مغادرة المناطق ذات الموارد الزراعية المحدودة، فركب حماره وساق قطيع ماشيته وتنقل بها من مكان إلى آخر ساعيًا وراء الماء والمرعى. هذا ما كان في الماضي، ولكن في أيامنا هذه، في الألفية الثانية في القرن الحادي والعشرين بعد الميلاد، في الوقت الذي يحاول فيه الإنسان إعمار المريخ، واستكشاف الثقوب السوداء، واستطلاع عوالم جديدة قد تكون مأهولة بمخلوقات عاقلة، عاد هذا النوع من النشاط البشري، ولكن، ليس سعيًا وراء الماء والعشب، ولكن للسيطرة على الأرض، وتهجير أهلها منها بالإكراه!

عن فلسطين أتحدث، وعن المحتل الصهيوني الذي يبتكر الأساليب لسلب الأرض الفلسطينية وترحيل الفلسطينيين عنها بالقوة. فما هي أنماط الاستيطان التي يتبعها المحتل في الضفة الغربية الفلسطينية؟ وبماذا يختلف الاستيطان الرعوي عن الأنواع الأخرى؟ ما هي البؤر الاستيطانية؟ هل من أمثلة حية عليها؟ ما المآلات التي يؤول إليه أمرها؟

أيمكن لفتى يهودي أن يسرق أرضًا فلسطينية بحجة أنه يرعى فيها جديًا وخروفًا وينصب خيمته فوقها؟ كيف يكون ذلك؟ وهل حقًا يمكنه أن يجد من يسانده ويوفر له احتياجاته ويُقره على سرقته تلك، بل ويحث الخطى إلى جانبه لإيجاد مخارج قانونية لتلك السرقة؟

ماذا لو انتهج المستوطنون سياسة "أينما تصل ماشيتي فتلك حدود أرضي"؟ هل يستطيعون السيطرة على مساحات كبيرة من أراضي الضفة الغربية بموجبها؟ وهل من تبعات لهذه السياسة؟ وهل للهجمات التي ينفذها المستوطنون على القرى الفلسطينية علاقة بها؟ وما علاقة هذه السياسة بالتهجير القسري للتجمعات الفلسطينية؟

المدارس والمعاهد الدينية اليهودية التي تتوزع في مستوطنات الضفة الغربية، هل ترتبط بتصاعد وتيرة الاستيطان؟ كيف يكون ذلك؟ وهل لفتية التلال علاقة بتلك المدارس؟ وما موقف حكومة الاحتلال من تلك المدارس والمعاهد الدينية؟ وكيف تتمكن تلك المدارس من تمويل مشاريعها الضخمة؟ هل هناك ممولون لها؟

الاستيطان الرعوي: جذوره وأهدافه وآلياته

حملت الصهيونية منذ بداياتها الأيديولوجيا الريفية، التي تقوم على قيام المجتمع اليهودي الناشئ في الأرياف واعتماده على نمط الحياة الريفية التي تتمحور حول العمل الجماعي بشقية الرعوي والزراعي، بعيدًا عن الحياة الحضرية والتجارة، ونظرت الصهيونية للعودة للأرض وللعمل اليدوي على أنها أداة لتجديد الروح اليهودية بعد شتات طويل.

بدأ التجسيد العملي لهذه الأيديولوجيا عبر إنشاء الكيبوتسات (وهي مزارع جماعية تعاونية ذات طابع اشتراكي، بملكية مشتركة، وعمل جماعي)، والموشاف (مستوطنات زراعية). لم تكن تلك التجمعات مشاريع زراعية بحتة، بل مؤسسات اجتماعية أيدويولوجية لها أهدافها التي يتربع على رأسها السيطرة على مساحات واسعة وخلق مجتمع قائم على التعاون والإنتاج الذاتي، كانت الفردية تذوب غالبًا وسط المجموع في سبيل نهضة مجتمع رسمه قادتهم. ولم تكن الزراعة أيضًا مجرد نشاط اقتصادي، بل أداة سياسية لترسيخ الوجود اليهودي، في البلاد الجديدة التي يعتزمون احتلالها. حتى غدت حراثة الأرض وغرس النباتات في التربة، عملًا وطنيًا يرسخ ما يرونه حقهم التاريخي كيهود في أرض الميعاد.

ونتيجة طبيعية لهذه الأيديولوجيا، أنشئ الكيبوتس الأول دغانيا عام 1910 على وادي الأردن قرب بحيرة طبريا شمال فلسطين، وهو الذي يُلقَّب أحيانًا بـأم الكيبوتسات، الذي كان أول تطبيق عملي لفكرة الاستيطان التعاوني، واختير اسم دغانيا بعناية، فهو يعني أرض القمح. وكانت الحركة الصهيونية تستقطب يهود العالم ليهاجروا إلى أرض" السمن والعسل" التي ستطرح خيراتها، ويحلمون في حبة القمح التي ستنبت فيها بحجم كلية الثور بعد أن يُحكموا سيطرتهم على هذه الأرض، والعقلية ذاتها تستنهض هذه الرموز دومًا لحاجتها لربط اليهود بهذه الأرض بكل قوة.

وكان الفلاح اليهودي في تلك الأيديولوجيا هو صاحب الجسد القوي المتجذر في أرضه الذي يزرع ويرعى الماشية لتأسيس أمة يهودية قوية ومستقلة، رغم أنه في واقع الأمر لم يبق كما رُسم له أن يكون، إذ تطور الاقتصاد "الإسرائيلي" بعد ذلك نحو الصناعة والتكنولوجيا رغم الدعم والتشجيع الكبير الذي تلقاه الزراعة! ودعم الحكومة والحركات الصهيونية لنماذج الكيبوتس والموشاف وضع أساسًا للاستيطان الزراعي الذي أصبح نهجًا يسير على دربه الاستيطان الرعوي في الضفة الغربية لاحقًا، ويفرض واقعًا توسعيًا استعماريًا على الأرض.

ويعتبر الاستيطان الرعوي شكل جديد من الاستيطان غير الرسمي الذي انتشر في الضفة الغربية بعد تسعينيات القرن الماضي، واعتمد على الرعي وتربية المواشي، وهو من أخطر أدوات التوسع الاستيطاني؛ إذ إنه لا يبدأ بقرار حكومي، بل بمبادرة مستوطن وحده أو برفقة عائلته، ليتحول لاحقًا إلى مستوطنة كاملة تعترف بها حكومة الاحتلال رسميًا.

يقود السكرتير العام لحركة "أماناه" الاستيطانية زئيف حيفر مشروعًا لشرعنة المزارع الرعوية الاستيطانية ويمارس ضغوطًا على سلطات الاحتلال من أجل زيادة عددها، وقال مؤكدًا لوسائل الإعلام أهمية هذه المزارع:" المزارع الاستيطانية الرعوية وسيلة أكثر نجاعة من البؤر التي تعتمد البناء الاستيطاني التقليدي، فمن خلاله استطعنا السيطرة على 100 كيلو متر مربع من مساحة الضفة الغربية بعد مضي 50 سنة، بينما سيطرت المزارع الرعوية الاستيطانية في فترة قصيرة على أكثر من ضعف هذه المساحة".

وأكد بوضح سافر أنهم يخططون لإنشاء مزيد من البؤر الاستيطانية المخصصة لرعاة الأغنام والأبقار في مناطق "ج" التي يُخصص لها فورًا آلاف الدونمات، حتى لو سكنها بضع مستوطنين فقط. فلإنشاء مزرعة أو بؤرة استيطانية، يحتاج المستوطنون موارد قليلة مقارنة بأنواع الاستيطان التقليدي الأخرى، إنهم يسيطرون على مساحات كبيرة من الأرض بقطيع من الغنم ويركبون حمارًا أو حصانًا أو سيارة دفع رباعي في أحسن الأحوال، ويسكنون بيتًا متنقلًا وأحيانًا خيمة، وتصبح المراعي وآبار وعيون الماء والحقول التي تضمها تلك الأرض، ملكًا خالصًا لهم بسهولة ويُسر!

ظهرت حركة غوش إيمونيم ونشطت بعد احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة والجولان بعد حرب حزيران 1967 في تكثيف الاستيطان اليهودي في تلك المناطق، وضعت تلك الحركة التصور الأولي لفكرة إنشاء نقاط استيطانية صغيرة للسيطرة على أكبر مساحة ممكنة من الأرض. كان هدف غوش إيمونيم الاستيطان في المناطق التي تجنبتها المشاريع الاستيطانية، وذلك لسد الثغرة في المشاريع الأخرى للمحافظة على عمق البلاد من نهر الأردن وحتى السهل الساحلي، والسيطرة على سلسلة الجبال في الضفة الغربية، وإنشاء شبكة واسعة من الطرق لربط المستوطنات.

أماناه (وهي حركة صهيونية استيطانية متشددة تأسست عام 1976، وتُعتبر الذراع الاستيطاني الرسمي لـحركة غوش إيمونيم)، نشطت في تنفيذ هذه المخططات، وعملت على تأسيس البؤر الاستيطانية  الرعوية وغيرها ودعمها ماديًا وتنظيميًا، واعتمدت على الرعي وتربية الأغنام، ووضع سياج يثبت نفوذ المستوطنين على الأرض في المناطق التي يسيطر عليها.

ظهرت أول بؤرة استيطانية عام 1984 في حي تل الرميدة في قلب مدينة الخليل، وبلغ عدد سكانها حوالي 850 مستوطناً. وقد بُنيت فوق موقع أثري فلسطيني (كجزء من سياسة توسيع للتواجد اليهودي في البلدة القديمة) وسُميت رمات يشاي. ثم توسعت لتضم سوق الخضار المركزي في البلدة القديمة وتحاصرة نحو 20% العقارات الفلسطينية، لتصبح جزءًا من البؤرة الاستيطانية، ووضعت عليها حراسة عسكرية مكثفة قوامها 1500 جندي" إسرائيلي". وفي عام 1998، حوّلتها سلطات الاحتلال إلى مستوطنة شرعية، وأُضيفت لها وحدات سكنية لتتوسع من مجرد بؤرة استيطانية صغيرة إلى مستوطنة كاملة دائمة.

أما أول بؤرة استيطانية رعوية، وبحسب تقرير مطول لمنظمة كرم نفوت، فقد بدأت في أوائل سبعينيات القرن الماضي، في منطقة قريبة من مستوطنة مِفو هورون (شمال غرب رام الله). لم تكن تلك الأرض تتبع للمستوطنة نفسها، بل في محيطها ولا تسيطر عليها بل تتبع لمحافظة رام الله، حيث خُصص نحو 22كم2 منها لرعي الماشية، بعد أن أصدر الاحتلال أمرًا عسكريًا بتحويلها لأراضي دولة، ثم مُنحت الأرض للمجلس الاستيطاني الذي خصصها لرعي مواشي المستوطنين (كما يحدث عادةً). واستُعمل الرعي هنا كوسيلة لبسط سيطرة المستوطنة على أراضي إضافية.

وقد اعتبر تقرير كرم نافوت أيضًا أن فكرة البؤر الاستيطانية الرعوية تبلورت فعليًا في ثمانينيات إلى تسعينيات القرن العشرين، على تلال سوسيا جنوب الخليل، حيث بدأت مزرعة هار سِناي عملها في السيطرة على أراضي سوسيا عبر الرعي، واعتبروا أنفسهم الأوائل في" يهودا والسامرة" الذين يحمون أراضي الدولة بتربية الأغنام ورعيها، وهو ما حدا بالباحثين إلى ذكر سوسيا كنواةٍ مبكرةٍ لنمط البؤر الرعوية الاستيطانية.

وتصف تقارير متعددة لمؤسسات حقوقية مثل (كرم نافوت، ويش دين، وبتسيلم) البؤر الاستيطانية الرعوية بأنها منهجية للاستحواذ على الأرض الأسرع نموًا في العقد الأخير، تمت بموجبها إنشاء عشرات البؤر الاستيطانية والسيطرة الفعلية على عشرات آلاف الدونمات من الأرض، ورصدت كرم نفوت 77 بؤرة استيطانية في العام 2022.

بعد توقيع اتفاقية أوسلو، تأسست بؤر رعوية حول مستوطنات عديدة مثل ياعكوف تاليا، وإيتمار، وكفار تابواح، وماعون، ومنحت رخص رسمية للرعي لبعضها بعد الموافقة الرسمية عليها. وبعد العام 2010 وحتى الآن تضاعف عدد البؤر الاستيطانية الرعوية بشكل مريع.

بناءً على ملاحظات ميدانية، ومقابلات مع رعاة فلسطينيين، وعلى تحليلات للصور الجوية لرصد مساحات الأراضي التي أُخضعت للسيطرة الاستيطانية، أكدت منظمة كرم نافوت أن مساحات الأراضي التي تسيطر عليها البؤر الاستيطانية تقارب 200-250 كم2، وتُشكل حوالي 7% من المنطقة C في الضفة الغربية، وتقع هذه البؤر غالبًا في المناطق التي تغلقها حكومة الاحتلال أمام الفلسطينيين بزعم أنها مناطق تدريب عسكري ومناطق إطلاق نار ومحميات طبيعية، رغم أنها غالبًا لا تُستخدم فعليًا للأغراض المدَّعاة، عدا عن أن كثير من الأراضي التي تستولي عليها البؤر الاستيطانية لها ملكيات فلسطينية خاصة مسجلة وأحيانًا تكون غير مسجلة( لا يمتلك أصحابها أوراق رسمية تثبت ملكيتهم لها لأنهم حصلوا عليها بالوراثة أبًا عن جد دون أن يكون لدى الآباء والأجداد أوراق طابو تثبت ملكيتهم لهذه الأراضي)، ما يؤكّد أن الزعم بأنه يُعاد "استغلال أراضٍ عامة" هو مجرد ستار.

أنوع الاستيطان التي يمارسها الاحتلال في الضفة الغربية

يتَّبع الاحتلال أنماط مختلفة من الاستيطان في الضفة الغربية بهدف إحكام سيطرته ديموغرافيًا وجغرافيًا على المنطقة، أبرز هذه الأنماط:

* الاستيطان التقليدي الرسمي

ويندرج تحت هذا النوع المستوطنات التي تُقيمها سلطات الاحتلال بشكل معلن ورسمي وبدعم مباشر من الحكومة، تُبنى بالقرب من الخط الأخضر أو في مواقع استراتيجية (من طرق رئيسة، وقمم جبلية). ويسبق إقامة هذه المستوطنات تخطيط هندسي، وشق طرق، وشبكات من الكهرباء والماء، وخدمات مثل مدارس، ومؤسسات. وتُسجَّل المستوطنة كبلدية أو مجلس محلي داخل منظومة الحكم" الإسرائيلي"، وتوفر لها حماية عسكرية لتأمينها.

تعتمد السياسات الاستيطانية قانونيًا على قوانين الأراضي" الإسرائيلية" التي تستند أحيانًا إلى القوانين العثمانية والبريطانية، إضافة إلى أوامر عسكرية تجعل الاستيلاء على الأراضي لأغراض أمنية مشروعًا من وجهة النظر" الإسرائيلية". يهدف هذا النوع من الاستيطان للسيطرة على الأرض، ومحاصرة المدن الفلسطينية، وتفتيت التواصل الجغرافي بينها. مدن أو بلدات استيطانية رسمية مثل: معاليه أدوميم، أريئيل، موديعين، كريات أربعة.

* البؤر الاستيطانية

هي نقاط استيطانية صغيرة (مجموعة كرافانات أو بيوت متنقلة)، يقيمها المستوطنون بدعم من منظمات استيطانية غالبًا فوق تلال أو أراضٍ زراعية، من دون قرار حكومي معلن عند إنشائها، لكنها تتم بتسهيلات أو تغاضي من سلطات الاحتلال، تحظى بالحماية العسكرية منذ لحظة إنشائها، وكثير منها يُشرعَن لاحقًا ويُحوّل إلى مستوطنات معترف بها.

تُستخدم كتكتيك لفرض وقائع على الأرض بسرعة، للسيطرة التدريجية على الأراضي الفلسطينية، خصوصًا الأراضي المملوكة ملكية خاصة من الفلسطينيين. مثل بؤرة أفاتار على جبل أبو صبيح جنوب نابلس.

* الاستيطان الرعوي

بؤر استيطانية رعوية صغيرة ينشئها المستوطنون ويستولون على مسافات شاسعة من الأراضي المحيطة بحجة استخدامها كمراعي. يسيطرون على الأرض بأدوات مثل الخيام أو الكرافانات، وتسيير القطعان، وحراسة بالأسلحة النارية والأسلحة البيضاء والكلاب، ويستخدمون أحيانًا الطائرات المسيّرة والتقنيات الحديثة لترويع الفلسطينيين ومنعهم من الوصول لأراضيهم. مثل: مزرعة ايتمار الرعوية.

* الاستيطان الزراعي

بؤر أو مستوطنات يرتكز نشاطها على الزراعة، سواء عبر زراعة محاصيل (زيتون، عنب وغيرها)، وإنشاء بساتين وحقول لزراعة الخضراوات، وإقامة بنى تحتية زراعية ترتبط بالمستوطنات. يستهدف الاستيطان الزراعي عادةً الأراضي الخصبة: مثل السهول، الأودية، والمناطق القريبة من مصادر المياه (خاصة في الأغوار).

يبدأ هذا النوع الاستيطاني عادةً بهدوء دون لفت الانتباه إليه، فتكون البداية بكرم من العنب أو أرض تزرع بالخضراوات وغيرها، تُسيّج ثم تتوسع تدريجيًا. يحظى الاستيطان الزراعي بدعم من جيش الاحتلال ويُمنع الفلسطينيون من دخول المناطق المزروعة أو الوصول إليها. ومع الوقت تتحول المزارع الصغيرة إلى أحياء استيطانية أو تُلحق بمستوطنات قريبة. يهدف هذا الاستيطان إلى الاستيلاء على الأراضي الخصبة ومصادر المياه. مثل مئات الدونمات التي يزرعها المستوطنون بالتمور المعدة للتصدير في الأغوار الفلسطينية، ومزارع العنب في الخليل في أراضي دورا ويطا وبني نعيم، ومزارع الزيتون في مستوطنات نابلس.

* الاستيطان العسكري أو الأمني

أُنشئت النقاط العسكرية بعد 1967 في مواقع استراتيجية، تحت غطاء "أغراض عسكرية" وذلك بهدف الالتفاف على القانون الدولي، ليتحول كثير منها بعد ذلك إلى مستوطنة مدنية مكتملة (مثل بيت إيل)، وكريات أربع بالقرب من الخليل التي بدأت كنقطة عسكرية ثم أصبحت مستوطنة مدنية كبيرة، ومستوطنة أريئيل قرب سلفيت، وهي إحدى أكبر المستوطنات اليوم، وبدأت كنقطة ناحال ثم تطورت.

ناحال: نموذج لسياسة الاستيطان العسكري التي انتهجتها" إسرائيل" بعد عام 1967. تأسس البرنامج عام 1948 تحت اسم "نوعار حلوتسي لوحيم" (ناحال)، أي "الشباب الطلائعي المحارب"، وكان يهدف إلى دمج الخدمة العسكرية بالاستيطان الزراعي في المناطق الحدودية والنائية. في هذه النقاط، كان الجنود يعيشون ويعملون في الأرض، فيدمجون بين الزراعة والحراسة الأمنية.

نقطة ناحال: هو موقع استيطاني يُنشأ أولاً كوحدة عسكرية زراعية لشبان يخدمون في الجيش. يعيش هؤلاء الجنود في المكان، يزرعون الأرض، ويحرسون المنطقة. وبعد فترة، عندما يتم تثبيت الموقع كمكان آمن، يتم تحويله إلى مستوطنة مدنية دائمة.

مثل مستوطنة حومش التي بدأت كنقطة ناحال عام 1978، وتحولت إلى مستوطنة مدنية عام 1988. ثم أُخليت عام 2005، ولكن أُعيد تأسيسها كبؤرة استيطانية، وألون موريه التي بدأت كبؤرة عسكرية أمنية، ثم تحولت إلى مستوطنة مدنية، وكذلك ومستوطنة يتسهار التي بدأت كنقطة ناحال وتحولت إلى مستوطنة معروفة بنشاطها الاستيطاني الأمني.

* الاستيطان الصناعي

أحد أشكال الاستيطان الاستعماري، يقوم فيه الاحتلال بإنشاء مناطق صناعية أو مستوطنات ذات طابع اقتصادي على الأراضي التي يسيطر عليها بالقوة في الضفة الغربية. يرتكز هذا النوع من الاستيطان على إنشاء مصانع، وورش، وبنى تحتية إنتاجية وتجارية، بهدف تثبيت الوجود الاستيطاني عبر الاقتصاد، فيصبح الاستيطان مربحًا ومرتبطًا بالإنتاج والتجارة، واستغلال الموارد الطبيعية (الأرض، المياه، المواد الخام) لصالح المحتل، إضافة إلى توظيف اليد العاملة الرخيصة من السكان الأصليين في تلك المصانع والمناطق الصناعية، ما يخلق واقعًا جديدًا يجعل من الصعب تفكيك المستوطنات.

تضم هذه المناطق الصناعية مصانع: بلاستيك، وكيماويات، وأدوية، وصناعات غذائية… إلخ، وكثير منها مُقام على أراضي فلسطينية مصادرة، وتستفيد من الإعفاءات الضريبية والتشجيع الحكومي" الإسرائيلي"، في الوقت الذي يعاني فيه الفلسطينيون من منع تطوير صناعاتهم أو استغلال مواردهم.

مثل منطقة بركان الصناعية (التي تقع في محافظة سلفيت). ومنطقة ميشور أدوميم الصناعية (التي تقع بين القدس وأريحا وتتبع لمستوطنة معاليه أدوميم).

* الاستيطان السياحي- التوراتي

استيطان استعماري يقوم على توظيف الدين والتاريخ المزعوم كغطاء لإقامة مشاريع استيطانية سياحية تحت شعار المقدسات التوراتية أو إحياء التاريخ اليهودي، وتُربط هذه المشاريع بتراث ديني أو مواقع أثرية مزعومة لتبرير السيطرة على الأرض. يُحول المكان إلى مقصد سياحي- ديني يخدم الرواية التوراتية، ويُستخدم كأداة دعائية واقتصادية للمشروع الاستيطاني، لترسيخ الوجود الاستيطاني في المناطق الحساسة دينيًا وتاريخيًا.

يُزوَّر التاريخ وتُقدم رواية أخرى توراتية تخفي أو تهمِّش الرواية العربية والإسلامية والمسيحية، تهدف لجذب السياحة العالمية لصالح الاقتصاد الاستيطاني بدل الاقتصاد الفلسطيني. ويُمنع الفلسطينيون من استثمار مواقعهم السياحية والأثرية عبر السيطرة عليها وتحويلها لمستوطنات أو مواقع جذب استيطاني.

مثل "مدينة داوود" في سلوان- القدس، التي يُقدَّم فيها للزوار رواية توراتية عن المملكة القديمة لليهود، ومثل الاستيطان حول الحرم الإبراهيمي في الخليل، وقبر راحيل في بيت لحم، والمشاريع السياحية التوراتية قرب نهر الأردن والبحر الميت، وقبر يوسف في نابلس.

بؤر استيطانية رعوية تحولت إلى مستوطنات في الضفة الغربية

يتعمد الاحتلال دعم هذه البؤر الرعوية، فتبدو في البداية كمبادرات فردية من مستوطنين يرعون ماشيتهم، ولكن بعد سنوات تتحول إلى مستوطنات كاملة تعترف بها الحكومة بشكل رسمي.

** بؤرة" معاليه رحبعام" الرعوية: بدأت كمزرعة رعوية عام 2001، شرق بيت لحم على أراضي بلدة تقوع الفلسطينية، حاليًا هي مستوطنة شبه رسمية تضم بيوتًا دائمة وبنية تحتية.

** بؤرة" حفات جلعاد": تأسست بدايةً كمزرعة للأبقار والأغنام عام 2002، على أراضي محافظتي نابلس وقلقيلية على أراضي قرى فرعتا، وجيت، وتل، وصرة. اعترفت بها الحكومة الإسرائيلية كمستوطنة رسمية عام 2018.

** بؤرة" متسبيه كراميم": أُقيمت على أراضي خاصة تتبع لقرية دير جرير شمال شرق رام الله. قريبة من مستوطنة كوخاف هَشاحار، وتُعتبر امتدادًا لها. أُنشئت عام 1999 كبؤرة رعوية، توسعت تدريجيًا لتضم منازل ثابتة، في عام 2018 أصدرت المحكمة العليا قراراً بإخلاء البؤرة لأنها بُنيت على أراضٍ فلسطينية خاصة، ولكن لاحقاً، في عام 2020 ألغت المحكمة العليا" الإسرائيلية" قرار الإخلاء بعد تدخل من الحكومة" الإسرائيلية" لتسوية الوضع القانوني للبؤرة من خلال مصادرة الأراضي الفلسطينية.

** بؤرة أفيغيل الرعوية: واحدة من البؤر الاستيطانية الرعوية التي أقامها المستوطنون في 2001 على أراضي الفلسطينيين في قرى التوانة وأم الخير في منطقة مسافر يطا جنوب الخليل، وهي منطقة فلسطينية ريفية يعيش أهلها حياة زراعية ورعوية. بدأت البؤرة بكرفانات وقطيع من الأغنام، وتوسعت تدريجيًا لتضم بيوتًا ثابتة وشوارع ومزارع، اعترفت بها الحكومة الإسرائيلية كمستوطنة رسمية عام 2023 كجزء من قرار شامل لشرعنة عدد من البؤر الاستيطانية الرعوية.

تُعتبر اليوم من أخطر المستوطنات على حياة الفلسطينيين في تلك المنطقة، حيث يشنُّ مستوطنوها هجمات واعتداءات متكررة على رعاة الأغنام والمزارعين الفلسطينيين في مسافر يطا، ويزيد من حساسية وضعها وقوعها على تلال مرتفعة، ما يجعل المستوطنون يستخدمونها كنقطة مراقبة وسيطرة على القرى الفلسطينية المحيطة. وتعتبر جزء من مشروع تهويد الجنوب للسيطرة على المراعي ومصادرة أكبر مساحة ممكنة من الأراضي.

البؤر الرعوية الاستيطانية: عقيدة السيطرة الصامتة على الأرض وترحيل ساكنيها:" أينما تصل ماشيتي فتلك حدود ممتلكاتي" و" من يسيطر على القمة يبسط نفوذه على السفوح والوديان المحيطة وتخضع المنطقة له دون منازع".  وهي ليست مجرد خيام وقطعان من الماشية، بل هي جزء من عقيدة توسُّعية يعتمدها المشروع الاستيطاني" الإسرائيلي" في الضفة الغربية، وخاصة على الجبال الفلسطينية المطلة على الوديان والقرى، ما يعني أن السيطرة عليها تعني التحكم في المنطقة المحيطة، بالمراقبة والسيطرة على الطرق.

ويعني أيضًا منع الفلسطينيين بالقوة من استغلال أراضيهم في الزراعة والرعي والبناء، بحجة أن المنطقة هي مراعي خاصة للمستوطنين، ويعني أيضًا خلق فرص لتوسيع المستوطنات القائمة، إذ إن البؤر الرعوية عادة تُقام بين مستوطنة وأخرى، حيث يفرض وجودها تواصل جغرافي استيطاني، يخلق أمرًا واقعًا بشكل تدريجي يبدأ بخيمة، ثم تُفتح طرق ترابية تربط البؤرة بالشارع الرئيس، ويُجلب لها المياه والكهرباء عبر تمديدات بسيطة، ويتطور الأمر هكذا حتى تصبح البؤرة أكثر ثباتًا. وتُستخدم عادة الأسلاك أو الحجارة لتسييج مساحة معينة يعلنونها "مزرعة استيطانية" مملوكة للمستوطنين، ما يصعِّب على الفلسطينيين استعادتها، ومع مضي الوقت تتحول إلى مستوطنة معترف بها رسميًا.

يتخذ المستوطن من قطيع أبقاره وسيلة لتوسيع نفوذه في الأراضي المحيطة بالبؤرة، فيطلقها للرعي، وكلما توسع نطاق رعيها، اعتبر الأرض تحت سيطرته، ومنع الفلسطينيين من دخولها. والأنكى من ذلك أن المستوطنين يتخذون من هذه البؤر مناطق ينطلقون منها لمهاجمة المزارعين والرعاة الفلسطينيين، فيعتدون عليهم جسديًا ويطردونهم من الأرض، ويحرقون المحاصيل ويقطعون أشجار الزيتون. ويحمي الجيش المستوطنين أثناء اعتداءاتهم، ويمنع الفلسطينيين من الدفاع عن أنفسهم والاقتراب من أراضيهم ويعلنها مناطق عسكرية مغلقة. وينجح المستوطنون الرعاة بذلك في تحويل الرعي من نشاط اقتصادي بسيط إلى أداة استعمارية لسرقة الجبال والوديان، بدعم مباشر من الدولة والجيش.

تقرير لمنظمة بتسليم ورد فيه أن جيش الاحتلال يمتنع عن الدخول في مواجهات مع المستوطنين المعتدين رغم أنهم قانونيًا يمتلكون صلاحية توقيفهم واعتقالهم، ولكن، وكنهج روتيني، يسمح الجيش للمستوطنين أن يُلحقوا الأذى بالفلسطينيين وممتلكاتهم، ويفضِّلون إخراج الفلسطينيين من أراضيهم الزراعية أو من مراعيهم عوضاً عن مواجهة المستوطنين؛ ومن ضمن ذلك يلجؤون لإصدار أوامر تعلن الموقع "منطقة عسكرية مغلقة" تسري فقط على الفلسطينيين، كما يفرق الجنود الفلسطينيين باستخدام قنابل الغاز المسيل للدموع وقنابل الصوت والرصاص المعدني المغلف بالمطاط وحتى بالرصاص الحي، وأحيانًا يشارك الجنود أنفسهم في الهجمات التي يشنها المستوطنون على الفلسطينيين أو يقفون جانباً متفرجين دون التدخل لمنع الاعتداء.

وينوه تقرير بتسيلم إلى أنه وبعد أي هجوم للمستوطنين على الفلسطينيين يعمل جهاز إنفاذ القانون" الإسرائيلي" كل ما في وسعه للامتناع عن معالجة الأمر، فيضع العراقيل لتعقيد تقديم الشكاوى، وإذا قُدمت شكوى وفتح تحقيق (ويحدث ذلك في حالات نادرة)، يُسارع الجهاز إلى طمس الحقائق، فلا تُقدم لائحة اتهام ضد مستوطن اعتدى على فلسطيني، وإذا حوكم مستوطن وأُدين، فإن العقوبة التي تُوضع عليه هي مجرد عقوبة رمزية فقط.

سُجل ارتفاع حاد في عدد الاعتداءات اليومية للمستوطنين على التجمعات الفلسطينية (وبلغ متوسط عدد الهجمات اليومية أربع هجمات يوميًا، وسُجلت 740 حادثة اعتداء من المستوطنين بين يناير ونهاية يونيو في العام 2025).

وقد وثقت أوتشا (مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية) بين 1- 31 يناير 2025 وقوع 356 حادثًا نفَّذها مستوطنون يهود، أسفرت عن إصابات بين الفلسطينيين ومحاولات انتزاع ممتلكاتهم، ووثقت أيضًا 102 حالة قتل لفلسطينيين في خلال الربع الأول (من بداية يناير إلى نهاية مارس 2025).

مثال حي لإحدى المناطق في الضفة الغربية والتي تحاصرها المستوطنات، وتقام فيها البؤر الاستيطانية الرعوية وتتعرض لهجمات مستمرة من المستوطنين ويعيش سكانها ظروفًا غاية في الصعوبة والقسوة، فباتوا يعتمدون على الكهوف الطبيعية والمنازل الحجرية كمسكن لهم؛ بسبب منعهم من البناء لأن الاحتلال يصنف تلك المنطقة "ج" ويرفض منحهم تصاريح بناء قانونية ويحرمهم من الحصول على الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والماء، ما يزيد من معاناتهم اليومية، هي منطقة مسافر يطا (وهي منطقة فلسطينية تقع جنوب شرق مدينة الخليل، تتألف من حوالي 28 تجمعًا سكانيًا، غالبيتها تجمعات بدوية تعتمد بشكل رئيسي على الزراعة وتربية المواشي كمصادر دخل أساسية). في عام 2021 أسس مستوطن" إسرائيلي" يُدعى يينون ليفي بؤرة استيطانية رعوية سُميت "حفات ميترم" على تلة تطل على الأراضي الرعوية التي يرعى فيها الرعاة الفلسطينيون من خربة زنوتا في مسافر يطا ماشيتهم، ومنذ تأسيسها أصبحت البؤرة قاعدة انطلاق لاعتداءات متكررة ضد الفلسطينيين في خربة زنوتا والتجمعات الفلسطينية الأخرى في مسافر يطا، وتهديدهم بالقتل، وتدمير ممتلكاتهم، والسماح لقطعان مواشي المستوطن بالتجول في المحاصيل الزراعية وتدميرها، والاعتداء على الرعاة الفلسطينيين ومواشيهم، وتدمير خزانات المياه الرئيسية والخزانات الأخرى المتصلة بها. الأمر الذي دفع عائلات خربة زنوتا البالغ عددها 35 عائلة للنزوح إلى أطراف بلدة الظاهرية جنوب الخليل في نوفمبر 2023، بسبب هجمات المستوطنين المتواصلة عليهم. وبعد 10 أشهر من التهجير القسري، عادت عائلات زنوتا إلى قريتهم رغم الدمار الكبير الذي خلفه المستوطنون فيها، بما في ذلك تدمير البيوت والمدرسة والمجلس القروي، ورغم قرار الاحتلال بمنعهم من البناء في المنطقة أو إقامة خيامهم.

خربة أم الخير، وهي إحدى التجمعات البدوية التي تقيم في مسافر يطا وقريبة من خربة زنوتا، وفي مساء يوم 28 يوليو 2025، هاجم المستوطن الراعي يينون ليفي خربة أم الخير برفقة مجموعة من المستوطنين ترافقهم جرافة قاموا بكسر أنبوب صرف صحي لأهالي الخربة وتكسير أشجار زيتون لهم أيضًا، وكان يعتزم تنفيذ عملية توسع للبؤرة الاستيطانية التي أقامها في المنطقة، فتصدى له أهالي الخربة لمنع تدمير ممتلكاتهم، وأخذوا يصورون الاعتداء، في هذه الأثناء، قام المستوطنون بدعس أحد الأهالي بالجرافة، ما تسبب بإصابته بجروح بالغة وفقدانه للوعي، فتجمع الناس لمنع الاعتداء، فأطلق ليفي النار بشكل مباشر على الناشط عودة الهذالين ما أدى إلى استشهاده على الفور.

وكان عودة الهذالين ناشطًا بارزًا ومعلمًا للغة الإنجليزية في مدرسة في التجمع البدوي أم الخير ومعروفًا في مقاومة الاستيطان، وشارك في إنتاج الفيلم الوثائقي الفائز بجائزة الأوسكار "No Other Land- لا أرض أخرى"، والذي يتناول عنف المستوطنين تجاه التجمعات الفلسطينية مثل مناطق مسافر يطا. احتجزت سلطات الاحتلال جثمان الشهيد عودة الهذالين لأكثر من 10 أيام، ما اضطر نساء أم الخير للدخول في إضراب جماعي عن الطعام للمطالبة باستعادته، وبعد تسليم الجثمان جرت الجنازة، لكن بقيود وشروط فرضتها القوات مثل منع إقامة خيمة عزاء أو حضور عدد كبير من الناس، واقتحم جيش الاحتلال القرية وأغلَق المنطقة كموقع عسكري، واعتقل أكثر من 20 شخص من سكان أم الخير، بما في ذلك أفراد من عائلة عودة الهذالين، إضافة إلى ناشطتين أجنبيتين وحظر التغطية الإعلامية.

بعد الحادثة، أوقفت شرطة الاحتلال القاتل ليفي، ثم أفرجت عنه بعد ساعات مع فرض الإقامة الجبرية، ثم رفضت محكمة الصلح في القدس تمديد الإقامة الجبرية، معتبرةً أن الأدلة ضد ليفي ضعيفة وأنه تصرف بدافع الدفاع عن النفس، رغم وجود مقطع فيديو يثبت تورطه في القتل.

الاعتداء على قرية كفر مالك هو نموذج آخر يكشف خطر الاستيطان الرعوي. تقع قرية كفر مالك شمال شرق مدينة رام الله، في 25 يونيو 2025، شنَّ نحو 100 مستوطن ينتمون لبؤر رعوية استيطانية مقامة بالقرب من مستوطنة كوخاف هشاحر القريبة من أراضي القرية هجومًا واسعًا على قرية كفر مالك شمال شرق رام الله، قتَلوا خلال الهجوم 3 شبان فلسطينيين من القرية هم: لطفي صبري بعيرات، ومرشد نواف حمايل، ومحمد قاهر الناجي، وأصابوا 7 آخرين، بينهم إصابة خطيرة، تخلل الهجوم حرق منازل ومركبات وتدمير ممتلكات للفلسطينيين. وقد وصفت وسائل الإعلام الهجوم بـالمجزرة.

ولم يكن هذا الهجوم الوحيد من نوعه، فقد سبقه وتبعه عدة اعتداءات منها اعتداء حدث في ليلة 21 يوليو 2025 عن عين سامية (وهي ينبوع الماء الطبيعي الذي يقع على السفوح الشرقية لجبال رام الله، قريبة من قرية كفر مالك، وتمتد أراضيها حتى الأغوار. من أقوى وأغزر ينابيع المياه العذبة في فلسطين، وتزوّد رام الله والبيرة بالمياه منذ ستينيات القرن الماضي إضافة إلى عشرات القرى من محافظة رام الله).

بعد الهجوم، أعلنت مصلحة مياه محافظة القدس عن توقف ضخ المياه من آبار عين سامية، بسبب اعتداءات المستوطنين التي شملت تحطيم كاميرات المراقبة، وقطع خطوط الاتصال والانترنت، وسرقة المعدات وتخريب البوابات. هذه الاعتداءات أدت إلى فقدان السيطرة على محطة المياه مما أثر على إمدادات المياه لعشرات التجمعات الفلسطينية في شمال وشرق رام الله والبيرة، وهددت بحرمان أكثر من 70,000 مواطن من حقهم في المياه.

مثال آخر على اعتداءات المستوطنين في هذا العام 2025 ما حدث في منطقة جبل الباطن بين قريتي سنجل والمزرعة الشرقية شمال شرق رام الله، وهي تلال زراعية مزروعة بأشجار الزيتون. في يوم 11 يوليو 2025 ذهب الشابان الفلسطينيان محمد رزق الشلبي (23 عامًا) وسيف الله مصلّط (20 عامًا ويحمل الجنسية الأمريكية) وأصدقاءهما إضافة إلى متضامنون أجانب إلى خربة التل في جبل الباطن لإزالة البؤرة الاستيطانية التي أقامها المستوطنون على أراضي القرية هناك. اعترض مستوطنون مسلحون من البؤر الاستيطانية الرعوية القريبة طريق الشبان الفلسطينيين، وبدأوا يرشقونهم بالحجارة، كما أظهرت تسجيلات مصورة من ذلك اليوم، ونشر المستوطنون تسجيلات مصورة تفيد بأن الشبان ردوا بإلقاء الحجارة أيضًا.

وأمام عنف المستوطنين، وامتلاكهم للأسلحة، تفرق الشبان في المنطقة، ولكن المستوطنين المهاجمين استقدموا مستوطنين آخرين لدعمهم فأصبح عددهم قرابة 70 مستوطنًا، واستمروا في هجومهم لعدة ساعات وجابوا منطقة جبل الباطن يلاحقون الشبان ويعتدون على كل من يجدونه أمامهم.

أطلق المستوطنون الرصاص الحي، فاستشهد الشاب محمد الشلبي برصاصة أصابت صدره واخترقت ظهره، أما سيف مصلط فقد نزف حتى فارق الحياة تحت شجرة بلوط حيث عُثر عليه ملقى على الأرض بعد أن اختبأ أسفل الشجرة هربًا من المستوطنين المعتدين، بعد أن ضربوه بالعصي والحجارة، وظل يُكافح لساعات متشبثًا بالبقاء لعل نجدة تستطيع إنقاذ حياته، وعندما وصلت النجدة بعد ساعات كان سيف قد ارتقى شهيدًا أيضًا. وتعرض أحد النشطاء الفلسطينيين للدهس من مستوطن، كما أصيب في العدوان 50 فلسطينيًا، لم يقتصر الهجوم على هؤلاء فقط، بل  هاجم المستوطنون مركبتي إسعاف فلسطينية بالحجارة ما تسبب في تحطيم زجاجهما، وأعاق جنود الاحتلال تقدم مركبات الإسعاف لنقل المصابين بإطلاق قنابل الغاز عليها وتأخيرها في أداء مهامها لإنقاذ حياة الشبان. وقد وثقت كاميرات المراقبة في المنطقة العدوان.

بحماية الجيش الإسرائيلي، يستخدم المستوطنون الرعاة هذه البؤر كوسيلة لـطرد المزارعين الفلسطينيين من أراضيهم عبر: تخويف المزارعين بالهجمات، تدمير المحاصيل أو سرقة المواشي، منع الوصول للأراضي بزعم أنها مناطق أمنية أو مراعي للمستوطنين. حادثة استشهاد محمد وسيف كانت إحدى أخطر نتائج هذه السياسة، إذ تحولت السيطرة على الأرض إلى جريمة قتل موثقة.

ويلاحظ المتابع أن هجمات المستوطنين لا تقتصر على القرى وأهلها وبيوتها، بل تطال الأشجار والحقول والمزارع. وقد رصدت تقارير أن المستوطنين قاموا بتدمير واقتلاع مئات أشجار الزيتون المعمِّرة في مناطق مختلفة من الضفة الغربية، منها مناطق الأغوار والسفوح الشرقية، ويعمد المستوطنون إلى تكسير الأشجار، اقتلاعها، وتسييج الأراضي لمنع وصول المزارعين إليها، وتهديد الفلاحين ومهاجمتهم بأسلحتهم.

وتطال اعتداءات المستوطنين رؤوس الماشية أيضًا، ففي النصف الأول من عام 2025، سُجّلت سرقة نحو 7,000 رأس من الماشية من قبل المستوطنين في مناطق مختلفة من الضفة الغربية، خاصة مناطق الأغوار الشمالية ومسافر يطا، كما يعتدون على المواشي، بالتسميم، والقتل، والركل، إضافة إلى الاعتداء الجسدي على الرعاة الفلسطينيين، وحرق المراعي وتدمير الحظائر وتكسير الأقفاص والأشباك التي تحمي المزارع، وتهشيم المعدات الزراعية المستعملة للماشية.

والهدف من وراء كل هذه الاعتداءات التي تتخذ أشكالًا مختلفة هو تهجير الفلسطيني من أرضه ودفع للنزوح من تلقاء ذاته بعد التضييق عليه ومحاربته في رزقه وسلب أرضه.

غرس العقيدة الاستيطانية أداة الصهيونية

الاستيطان الرعوي في الضفة الغربية لم يقم ولم يستمر بشكل عفوي أو فردي، بل تقف وراءه منظومة متكاملة تتكون من جهات عدَّة توجِّه وتدعم وتخطط وتموِّل وتُقدم الحماية وتساند بكل الوسائل وصولّا إلى مرحلة شرعنة البؤر لتصبح مستوطنات رسمية مُعترف بها. تتكون المنظومة التي تقف وراء هذا الاستيطان من مستويات هي:

- المؤسسات الدينية (الأيديولوجية)

الحاخامات في المدارس الدينية (اليشيفوت) هم المرجعية الروحية للمستوطنين الذين يؤمنون بالرعي وسيلة للسيطرة على الأرض، ويقدمون الفتاوى التي تربط الرعي والسيطرة على الجبال بالإلزام الديني لأنها تقدس الأرض وتمنع الفلسطينيين من استغلالها، ويغرس الحاخامات في عقول المستوطنين من طلبة المدارس الدينية أن هذه الأرض هي هبة إلهية لليهود. من هؤلاء: حاخامات من يشيفوت إيتمار ويشيفوت يتسهار قرب نابلس، المرتبطين بحركة" شبيبة التلال".

- الحركات الاستيطانية الشبابية

فتية التلال (ويُسمون أيضًا شبيبة التلال) هم نواة الاستيطان الرعوي، وغالبيتهم من خريجي المدارس الدينية مثل يشيفوت يتسهار، ويتشبعون بفكرة أن وجودهم على التلال وسيطرتهم على الأرض هي واجب ديني، وهم من ينطلقون بقطعان الماشية لإقامة البؤر الرعوية على التلال، ويُعرفون بهجماتهم العنيفة ضد الفلسطينيين. ويحصل هؤلاء على توجيهات من مستوطنين أكبر سنًا وحاخامات. ويمكننا اعتبارهم الذراع التنفيذية لمخططات الاستيطان.

إذ تزودهم المدارس الدينية بالشرعية الدينية للسيطرة على الأرض، وبالتدريب العسكري لحماية المستوطنات، وبالمهارات الزراعية والرعوية ليتمكنوا من إقامة البؤر الاستيطانية التي تتحول إلى مستوطنات لاحقًا.

- منظمات استيطانية

منظمات وجمعيات استيطانية" إسرائيلية" بعضها مسجل كـجمعيات خيرية، تمول شراء المواشي والكرفانات. مثل منظمة أماناه وهي الأداة الاستيطانية التنفيذية لحركة غوش إيمونيم الاستيطانية، ومنظمة هَشومر هَحَدَش (الحارس الجديد) التي تقدّم الدعم اللوجستي والتدريبات لحماية الأراضي الزراعية اليهودية التي تمت السيطرة عليها، وتدعم مشاريع البؤر الاستيطانية الرعوية، إضافة إلى تمويلات من يهود متدينين في الولايات المتحدة عبر قنوات غير حكومية.

- الحكومة والجيش

تتمثل حكومة الاحتلال في وزارة الاستيطان في حكومات اليمين التي خصصت منحًا للرعاة تحت بند" التنمية الزراعية"، كما توفر تغطية قانونية للبؤر وتعمل على شرعنتها، كما تلعب وزارة المالية دورًا محوريًا في دعم وتعزيز التوسع الاستيطاني، بما في ذلك الاستيطان الرعوي، من خلال تخصيص ميزانيات ضخمة، وتقديم تسهيلات مالية، وتوفير الدعم اللوجستي والقانوني للمستوطنات والبؤر الاستيطانية.

 وتقدم وزارة الزراعة في حكومة الاحتلال أيضًا دعمًا ماليًا للبؤر الاستيطانية الرعوية. على سبيل المثال، بين عامي 2018 و2024، حولت وزارة الزراعة والأمن الغذائي نحو 1.66 مليون شيكل إلى بؤر استيطانية رعوية غير قانونية في الضفة الغربية، وصادقت على تحويل مبلغ 1.5 مليون شيكل لم يتم تحويلها بعد. وتوفر دعمًا تقنيًا ولوجستيًا للمستوطنين الرعاة، يشمل توفير المعدات الزراعية، الإرشاد الزراعي، وتسهيل الحصول على تصاريح لاستخدام الأراضي. كما تعمل وزارة الزراعة بالتنسيق مع وزارات أخرى، مثل وزارة المالية ووزارة الأمن، لتوفير الدعم اللازم للبؤر الاستيطانية الرعوية، من خدمات أساسية كالماء والكهرباء، وشبكات البنية التحتية.

أما دور الإدارة المدنية والجيش فمن أهم أدوارهم هي غضِّ الطرف عن البؤر الرعوية والهجمات التي يقوم بها المستوطنون الرعاة، وتوفير الحماية لهم عند حدوث احتكاك مع الفلسطينيين. ويفرض الجيش سيطرته على مناطق واسعة ويعلنها كمناطق عسكرية مغلقة أو مناطق إطلاق نار، يُغلقها أمام الفلسطينيين ويسمح للمستوطنين الرعاة التحرك فيها بحرية وبدون أي قيود.

المدارس الدينية والاستيطان

لعبت المدارس الدينية (اليشيفوت) في الضفة الغربية دورًا محوريًا في المشروع الاستيطاني بأنواعه يتجاوز التعليم الديني التقليدي، ولم يكن ارتباطها بالحركات الاستيطانية مثل غوش إيمونيم بدابة ثم أماناه لاحقًا مجرد ارتباط ثانوي، بل هو جزء من بنية المشروع الديني الاستيطاني. ومنذ البداية رافق إنشاء المستوطنات إنشاء فروع للمدارس الدينية داخلها، لتكون بمثابة معسكرات إعداد أيديولوجي للشباب اليهودي للعيش في المستوطنات وتعميرها، عدا عن كونها مراكز اجتماعية تستقطب العائلات لسكن المستوطنات، بعد أن كانت المستوطنات في بداياتها مجرد بؤر عسكرية محصنة يحرسها ويحميها الجيش، لتتحول من بؤر صغيرة إلى مستوطنات حديثة تشبه مدن دينية قومية كاملة فيها شوارع ومرافق ومدارس.

على سبيل المثال، مستوطنة حومش أُنشئت في شمال الضفة الغربية، بالقرب من بلدة برقة، شمال مدينة نابلس، في أواخر سبعينيات القرن الماضي كمستوطنة زراعية رعوية. تم إخلاؤها عام 2005 ضمن خطة فك الارتباط" الإسرائيلية" حيث أُخليت هي وثلاث مستوطنات أخرى آنذاك. في مايو 2023، قام طلاب من المدارس الدينية الذين يرتبطون بالتيار الديني الصهيوني ويربط بين التعليم الديني والنشاط الاستيطاني الزراعي أو الرعوي، بإنشاء مدرسة دينية ليلاً وبشكل سري، وبدعم من حكومة الاحتلال على أراضٍ فلسطينية خاصة في موقع المستوطنة المخلاة، بعد نحو 18 عامًا من إخلائها. وصرح ممثلون عن المستوطنين لصحيفة يديعوت أحرونوت أن تشييد المدرسة الاستيطانية هو بداية لعملية شرعنة البؤرة الاستيطانية في حومش بالكامل.

تمنح المدارس الدينية المشروع الاستيطاني بُعدًا عقائديًا قوميًا لتبرير الاستيطان في الضفة الغربية؛ فالبقاء في المستوطنات واجب مقدس يؤسس لبناء إسرائيل الكبرى التوراتية التي منحها الرب للشعب اليهودي. ويستخدم هذا التعليم لاحقًا لتبرير إقامة بؤر استيطانية لأن ذلك يعتبر واجب ديني يتقربون به للرب، وليس مجرد مسألة سياسية أو اقتصادية.

بعد حرب 1967 واحتلال الضفة الغربية وغزة والجولان، نشأت بين تيار الصهيونية الدينية- اليهودية الأرثذوكسية (المتمثل في حزب المفدال والمدارس التابعة له) قناعة بأن الاستيطان في ("يهودا والسامرة"- الضفة الغربية) هو واجب ديني، يسرِّع "الخلاص" وهو إتمام الوعد الإلهي لإقامة الدولة اليهودية على كامل "أرض إسرائيل"- أرض الميعاد.

وفي كثير من الحالات، بدأت المستوطنة بإنشاء مدرسة دينية، اجتمع حولها الطلاب والمدرسون لتأسيس نواة سكنية، لتتحول بعد ذلك إلى مستوطنة دائمة. مثل: مستوطنة عوفرا التي بدأت بمجموعة من تلاميذ مدارس دينية.

وظهر أيضًا نموذج اليشيفوت هسدر، وهي المدارس التي تجمع بين الدراسة الدينية والخدمة العسكرية، والتي يتعلم فيها الطلاب النصوص الدينية وينخرطون في جيش الاحتلال، ويكون مستقرهم في المستوطنات. وقد جعل هذا الدمج المدارس الدينية رافدًا بشريًا مباشرًا للجيش والمستوطنات معًا.

تعتبر المدارس الدينية خصوصًا في المستوطنات، أنها من أكثر المؤسسات المدعومة ماليًا في" إسرائيل"، حيث تجمع بين شرعية رسمية (دعم الدولة) وموارد ضخمة من الخارج، ما يمكنها من القيام بمشاريع الاستيطان.

فوزارة التعليم، ووزارة الدفاع، ووزارة الأديان، والسلطات المحلية في المستوطنات جميعها يسهم في تمويل المدارس الدينية، وبحسب تقارير مراقب الدولة في دولة الاحتلال، فإن مئات ملايين الشواكل تُحوَّل سنويًا للمدارس الدينية، وبعضها يُصرف على بؤر استيطانية غير قانونية. وهناك أيضًا التمويل الخارجي (اللوبي اليهودي والمنظمات الصهيونية في الولايات المتحدة، وكندا، وأوروبا التي ترسل تبرعات مباشرة، إضافة إلى جمعيات صهيونية دينية، وصناديق استيطانية خاصة (مثل صندوق عائلات أمريكية داعمة للاستيطان)، وتبرعات خاصة من أثرياء يهود في الخارج يتبنون يشيفوت أو يموّلون مباني ومشاريع باسمهم. كما تجمع بعض اليشيفوت تبرعات عبر الإنترنت أو عبر زيارات طلابها للجاليات اليهودية في الخارج.

وبعض المدارس الدينية لديها مشاريع اقتصادية صغيرة (مزارع، مطابع، معاهد تدريب، دور نشر دينية... الخ).

وهذا التمويل الضخم للمدارس الدينية متعدد المنابع، ليس مجرد دعم للتعليم، بل هو استثمار استراتيجي في تعزيز الاستيطان، ودمج الأيديولوجيا مع الأرض، بإرساء للبنية التحتية البشرية والاقتصادية وتوجيهها لتصبح أيديولوجية السيطرة على الأرض في الضفة الغربية أو يهودا والسامرة كما يسمونها في أدبياتهم.

خاتمة

الاستيطان الرعوي في الضفة الغربية يعتبر أحد أكثر أشكال الاستيطان خطرًا، لأنه يدمج بين السيطرة الفعلية على الأرض، وبين النشاط الزراعي والرعوي، والدعم الأيديولوجي الديني الذي يُبرر الاستيطان على حساب الفلسطينيين أهل الأرض وأصحابها، ويقف خلفه منظومة كاملة لا تقتصر على المنظمات الاستيطانية والمدارس الدينية وطلبتها من الشبان والفتية اليهود المتطرفين المهيئين للعمل الميداني بحماس منقطع النظير، لخلق واقع ديموغرافي وجغرافي جديد في الضفة الغربية، عدا عن دعم حكومة الاحتلال التي تدعم وبكل الوسائل لتفتيت الضفة الغربية وإحكام السيطرة عليها.

فخطر هذا النوع من الاستيطان جغرافي وسياسي مزدوج وهو أداة استراتيجية تستخدم لتسريع الاستيلاء على الأرض الفلسطينية، ومنع الفلسطينيين من التحرك في أراضيهم، بل ودفعهم للرحيل عنها، وفرض وقائع جديدة على الأرض.

ويتطلب الأمر متابعة حثيثة ودقيقة من المجتمع الفلسطيني وتعريته أمام المجتمع الدولي، وإبراز مخاطره، ونشر الوعي بكل ما يتعلق به، ومواجهته بشتى السبل، بما فيها القانونية في المحاكم الدولية، حفاظًا على حقوق الفلسطينيين على أرضهم، لعل جزءًا من العدالة يأخذ مجراه.