بيان نويهض الحوت: السيرة والمسيرة.. من النكبة إلى التأريخ
على سيبل التقديم
تعد بيان نويهض الحوت (1937-2025) شخصية فكرية وتاريخية فلسطينية بارزة على الصعيد الثقافي والسياسي العربي، لا سيما فيما يخص القضية الفلسطينية، إذ حملتها حميتها الوطنية لنصرة شعبها المضطهد؛ فهي سليلة أسرة مناضلة جمعت بين العمل الوطني والاهتمام بالثقافة والمعرفة، ما أسهم في تكوين شخصيتها الفكرية في سن مبكرة.
كرست حياتها للبحث والتوثيق والتأريخ، مقدمةً إسهامات بارزة في فهم أبعاد الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، ومسلطةً الضوء على تاريخ الشعب الفلسطيني ونضاله. لم تكن بيان مجرد مؤرخة أكاديمية، بل شاهدةً على الأحداث وعاصرت النكبة وعاشت الجوء، ناضلت بقلمها وفكرها. جمعت بين العمل الأكاديمي والبحث التاريخي والنشاط الإعلامي والسياسي، وقدمت أثناء مسيرتها مؤلفات توثيقية مهمة أرخت لتاريخ فلسطين الحديث، وكانت صوتًا بارزًا وضميرًا حيًا في الدفاع عن حق الشعب الفلسطيني وحفظ ذاكرته حتى رحيلها في 12 تموز/ يوليو 2025.
المولد والنشأة .. ذكريات الطفولة والنكبة
ولدت بيان عجاج نويهض الحوت عام 1937 في مدينة القدس، والدها المؤرخ والمناضل القومي عجاج نويهض الحوت (1897-1982) تعود أصوله إلى رأس المتن في لبنان، في ما تعود أصول والدتها الشاعرة جمال سليم إلى منطقة جباع الشوف اللبنانية.[1] نشأت في بيت أسرتها في حي البقعة الفوقا غرب القدس رفقة شقيقها خلدون وأخواتها الثلاث: نورا وسوسن وجنان. تزوجت من المناضل الفلسطيني الراحل شفيق الحوت أحد مؤسسي جبهة تحرير فلسطين - طريق العودة عام 1963، كان ممثلًا لمنظمة التحرير الفلسطينية في لبنان بين عامي 1964 و1993، واختاره المجلس الوطني عام 1966 عضوًا في الجنة التنفيذية لمنظمة التحرير[2]، ورزقا بثلاثة أبناء: حنين وسيرين وهادر[3].
تأثرت بوالديها، وأغنت معارفها بفضل مكتبة والدها الذاخرة بالكتب المتنوعة، والتي تركت بصمة في عقلها لا تُنسى. وكان لخالها المجاهد فؤاد سليم وابنة خالتها الشاعرة والناقدة سلمى الخضراء الجيوسي بصمة بارزة في تشكل وعيها في سن مبكرة، ما غرس فيها حب المعرفة منذ الصغر والالتزام بالقضايا الوطنية.
تفتحت عيونها في القدس، ومراهقتها عرفت تشرد النكبة، الطفلة بيان التي بقيت في قدسها تسعة سنوات اضطُرت لترك مرابع الطفولة والهجرة مع أهلها إلى الأردن ولبنان وسوريا قبل أن تستقر في بيروت. تقول بيان نويهض: "بيتنا كان في حي بناه الألمان في أوائل القرن العشرين، فالبيوت كانت على النسق الألماني ومما أذكره أنا طبعًا بأذكر بيتنا الدرج الطويل، الجنينة شو كان فيها من أشجار إلى آخره، مكتبة الوالد لأنه دائما كنت أدخل إلى المكتبة ويطلب مني كتابًا معين أعرف تمامًا أين هو الكتاب، كل هذه الذكريات أعرفها تمامًا ومدرستي وسكة الحديد أمام المنزل والقدس القديمة، والمسجد الأقصى[4]".
كان والدها عجاج نويهض الحوت من رجالات الحركة الوطنية الفلسطينية ومن مؤسسي حزب الاستقلال العربي في آب/أغسطس 1932. اضطرت في 26 نيسان/ أبريل 1948، لمغادرة مدينة القدس مع والدتها وأخواتها، والانتقال إلى لبنان بانتظار تحسن الأوضاع في فلسطين[5].
بينما بقي والدها في منزله، وكان يتردد يوميًا على مقر الهيئة العربية العليا في البقعة التحتا للتباحث والعمل مع أحمد حلمي باشا عبد الباقي المسؤول الوحيد من الهيئة في فلسطين، ولما سقط الشطر الغربي من القدس نقلا عملهما إلى دار الأيتام الإسلامية في القدس القديمة. وفي أعقاب النكبة سكن نويهض رام الله بعد تعيينه مديرًا للإذاعة الأردنية، ثم استقر في عمّان منذ مطلع الخمسينيات[6].
الدراسة والتكوين العلمي
بدأت تعليمها في مدرسة شميدت الألمانية للراهبات في حي باب الساهرة على مقربة من البلدة القديمة للقدس.، وبعد النكبة تابعت دراستها في الكلية العلمية للبنات في منطقة الشويفات في لبنان، ودرست المرحلة الثانوية في مدرسة الملكة زين الشرق في عمّان، وحصلت منها على شهادة الثانوية العامة عام 1952، ونالت درجة الدبلوم من كلية دار المعلمات في رام الله عام [7]1956. انتسبت إلى كلية التربية في جامعة دمشق لفترة قصيرة، قبل أن تلتحق بكلية الحقوق والعلوم السياسية في الجامعة اللبنانية، تزامنا مع عودة أسرتها بشكل نهائي للاستقرار في لبنان عام 1959[8].
حصلت على درجة البكالوريوس في العلوم السياسية عام 1963 من الجامعة اللبنانية، ودرجة الماجستير في القانون من الجامعة ذاتها عام 1970، ودرجة الماجستير في العلوم السياسية من الجامعة ذاتها عام 1971، ثم نالت شهادة الدكتوراه في العلوم السياسية عام 1978 بأطروحة تحت عنوان: "القيادات والمؤسسات السياسية في فلسطين 1917-1948" التي أشرف عليها الدكتور أنيس صايغ[9].
الرؤية الفكرية والمنهجية والمسار السياسي
اتسم فكر بيان نويهض الحوت بالتزام قومي عربي راسخ، وارتبطت إسهاماتها ارتباطًا وثيقًا بالقضية الفلسطينية بوصفها القضية المحورية في الصراع العربي الإسرائيلي. التحقت بالعمل الوطني في سن مبكرة، وانتسبت إلى حزب البعث العربي الإشتراكي بعدما وجدت في مبادئه تعبيرًا عن ايمانها بالوحدة العربية. وفي ظل وطأة الأحكام العرفية في الأردن عام 1957، انغمست في العمل السري، فتولت التوعية العامة وأضحت حلقة وصل حيوية لنقل الرسائل بين الضباط الأحرار في عمان والمناضلين الأردنيين والعرب في دمشق[10].
وتسلمت مسؤولية قيادة "شعبة الشياح" التابعة للحزب، ثم انضمت إلى شعبة فلسطين عند تأسيسها عام 1959، قبل أن تستقيل من الحزب بعدما شعرت بـعدم التوافق مع مواقف قياداته، لا سيما بعد انفصال الوحدة السورية-المصرية في أيلول/سبتمبر 1961[11].
لاحقًا انضمت إلى جبهة تحرير فلسطين – طريق العودة التي أسسها زوجها شفيق الحوت عام 1963، وكانت مسؤولة القسم النسائي فيها، واستمرت في النشاط ذاته حتى تاريخ حل الجبهة عام 1968[12]. "نشطت في العمل النقابي والمؤسساتي، فكانت عضوًا في عدد من الاتحادات والمؤتمرات مثل: الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية، والاتحاد العام للكتّاب اللبنانيين، والمؤتمر القومي العربي، والمؤتمر القومي الإسلامي، ومجلس الإدارة التأسيسية لمؤسسة القدس الدولية، وهيئة تحرير مجلة “المستقبل العربي”، ومجلس التحرير الاستشاري لمجلة الدراسات الفلسطينية[13]."
إسهاماتها الفكرية ومؤلفاتها البارزة
تعد الدكتورة بيان نويهض الحوت من أبرز المؤرخين الفلسطينيين الذين كرسوا حياتهم لتوثيق التاريخ السياسي والنضالي لفلسطين. نجحت في تحويل التاريخ إلى أداة للمقاومة من خلال الحفاظ على الذاكرة الفلسطينية، وجمعت بين التزامها الوطني والمنهجية العلمية التي يتميز بها البحث الأكاديمي، محققتًا توازنًا فريدًا بين حرارة الإنتماء، وبرودة الموضوعية الأكاديمية.
من أبرز مؤلفاتها التي تركت بصمة واضحة في المكتبة العربية:
- فلسطين، القضية، الشعب، الحضارة: التاريخ السياسي من عهد الكنعانيين حتى القرن العشرين
- صبرا وشاتيلا: أيلول 1982
- القيادات والمؤسسات السياسية في فلسطين 1917-19948
- الشسخ المجاهد عز الدين القسام في تاريخ فلسطين
- - مذكرات عجاج نويهض: ستون عامًا مع القافلة العربية
- إشكالية الوعي والذاكرة العربية على ضوء الصراع العربي-الإسرائيلي
- أحاديث ومراسلات عجاج نويهض: الحركة العربية (1905-1935
الجوائز والتكريمات[14]
حصلت عام 1964على الجائزة الأولى في مسابقة للقصة القصيرة نظمتها مجلة "الحوادث" اللبنانية، عن قصتها: "كانوا أربعة.."، وكرمها النادي الثقافي العربي في بيروت عام 2013. كما كرمتها سفارة فلسطين بلبنان عام 2014 تقديرًا لعطائها الوطني والثقافي. وحصلت عام 2015 على "جائزة القدس للثقافة والإبداع" لإنجازاتها في الدفاع عن القضية الفلسطينية وتوثيق تاريخها.
الوظائف والمسؤوليات[15]
امتد المسار المهني لبيان نويهض الحوت بين التدريس الجامعي والصحافة والبحث الأكاديمي والتوثيق التاريخي، واتسم بالتنوع والاستمرارية على مدى عقود. ومن أبرز المناصب التي تقلدتها، إذ عملت معلمة في مدرسة سكينة بنت الحسين في عمّان بعد تخرجها من دار المعلمات عام 1956. وبدأت العمل الصحفي في بيروت من بوابة مجلة "دنيا المرأة" تحت إدارة إدفيك شيبوب في مطلع الستينيات. عملت محررة وكاتبة سياسية في مجلة الصياد (1960-1966)؛ وأجرت مقابلات مع شخصيات عربية بارزة ونشرت مقالات عديدة عن الثورة الجزائرية. وترأست قسم التوثيق في مركز الأبحاث الفلسطيني-بيروت (1977–1987). كما عملت أستاذة في كلية الحقوق والعلوم السياسية بالجامعة اللبنانية-الفرع الأول، ودرّست مواد القضية الفلسطينية وقضايا الشرق الأوسط (1979-2001). عُينت الحوت في منصب مديرة قسم التوثيق في مركز دراسات الوحدة العربية عام 1979، وانضمت عضوًا في هيئة تحرير مجلة المستقبل العربي. وعقب عام 2001 عملت باحثة متفرغة في الصراع العربي-الإسرائيلي، وكتبت أبحاثا ومؤلفات تاريخية وتوثيقية.
كما سبق لها أن شاركت في العديد من المؤتمرات العلمية والتاريخية منذ 1981، من أهمها[16]: مؤتمر "حقوق الشعب الفلسطيني" المنعقد في هافانا-كوبا عام 1981. وندوة "الجرائم الإسرائيلية المرتكبة ضد الشعبين اللبناني والفلسطيني" المنعقدة في بون-ألمانيا الاتحادية عام 1985. وندوة "الاتجاهات الحديثة في العالم العربي" المنعقدة في شيكاغو-الولايات المتحدة عام 1985. وندوة "الفلسطينيون في الأراضي المحتلة والمنافي" المنعقدة في نيوجيرسي-الولايات المتحدة عام 1986.
شغلت بيان كذلك عضويات بارزة في منظمات عدة[17]؛ فكانت عضوًا في المؤتمر القومي العربي في الفترة (1992-2025). وعضوًا في الاتحاد العام للكتاب اللبنانيين في الفترة (1995-2025). وعضوًا في المؤتمر القومي الإسلامي في الفترة (1996-2025). وعضوًا في مجلس إدارة مؤسسة القدس في الفترة (2000-2025). وعضوًا في الجمعية الدولية للمترجمين العرب (واتا) في الفترة (2004-2025).
خاتمة
تركت الدكتورة بيان نويهض الحوت إرثًا فكريًا ونضاليًا كبيرًا، تجاوز الأطر الأكاديمية ليلامس وجدان الشعب الفلسطيني والأمة العربية. كانت مؤرخة تروي أحداث الماضي، فهي صوت الذاكرة الفلسطينية، وراوية الحقيقة، وحارسة الهوية في وجه محاولات التشويه والطمس. يتجسد إرثها الخالد في كتبها التي وثقت تاريخ فلسطين، وفي تأثيرها بصفتها مثقفة ومؤرخة ملتزمة بالحق، ترفض تزوير التاريخ، وبمنهجها الذي وازن بين الإنتماء الوطني والموضوعية الأكاديمية.
ألهمت أجيالًا من الباحثين والناشطين، وستظل أعمالها مرجعًا حيًا لفهم القضية الفلسطينية ونضال شعبها. توفيت الدكتورة بيان نويهض الحوت في 12 تموز/ يوليو 2025 في بيروت، بعد مسيرة طويلة حافلة بالعطاء الفكري والنضالي. رحيلها خسارة كبيرة للمشهد الثقافي العربي، لكن إرثها سيظل خالدًا، يشهد على التزامها العميق بالقضية الفلسطينية، وعلى إسهاماتها المميزة في حفظ الذاكرة الوطنية وتوثيق التاريخ.
قائمة المصادر
[1] - الموسوعة التفاعلية للقضية الفلسطينية. https://linksshortcut.com/kLezA .
[2] - الموسوعة التفاعلية للقضية الفلسطينية. https://linksshortcut.com/UFNqn .
[3] - الموسوعة التفاعلية للقضية الفلسطينية. https://linksshortcut.com/kLezA .
[4] - بيان نويهض .. ذاكرة العمل النضالي العربي. https://linksshortcut.com/lOKqZ .
[5] - الموسوعة التفاعلية للقضية الفلسطينية. https://linksshortcut.com/kLezA .
[6] - المصدر السابق.
[7] - المصدر السابق.
[8] - بيان نويهض الحوت .. أيقونة الذاكرة الفلسطينية. https://linksshortcut.com/Iywuv .
[9] - الموسوعة التفاعلية للقضية الفلسطينية. https://linksshortcut.com/kLezA .
[10] - المصدر السابق.
[11] - المصدر السابق.
[12] - المصدر السابق.
[13] - مركز رؤية للتنمية السياسية. https://linksshortcut.com/ZeeIZ .
[14] - بيان نويهض الحوت .. أيقونة الذاكرة الفلسطينية، مصدر سابق.
[15] - المصدر السابق.
[16] - المصدر السابق.
[17] - المصدر السابق.