جباليا.. المعجزة في صورة مدينة ومخيم

على سبيل التقديم....
"لن يسقط مخيم جباليا"... جملة قيلت وكُتبت على جدران المخيم قولًا وفعلًا، فهذا المخيم ظل عصيًا صامدًا حاميًا بأطفاله ونسائه ومقاتليه. ظلت مدينة جباليا ومعسكرها شوكة في حلق الاحتلال؛ فلم يتراجع أهله وصمدوا في وجه حرب الإبادة، حتى أن بيتًا لم يبق قائمًا فيهما، هُدمت المساجد والمنازل والمستشفيات، وجرفت الشوارع ولا يزال الأهالي يرددون "لن يسقط المخيم"، "عاشت كتيبة جباليا"، "عاش مخيم الثورة".
يشكل مخيم جباليا هاجسًا للجيش الإسرائيلي، إذ كان عرينًا للمقاومين والفدائيين الفلسطينيين من أمثال عماد عقل ونزار ريان وحمدي أبو القرع وغيرهم من قادة كتائب القسام. وفي معركة "طوفان الأقصى" تبرز جباليا ومخيمها في العمليات العسكرية الميدانية والعمليات الاستشهادية النوعية التي يخوضها المقاتلون، إذ يقع المخيم بالقرب من الأراضي المحتلة ومعبر بيت حانون "إيرز"، وقد تعمّد الجيش الإسرائيلي تطويقه بالكامل، واستهداف أهله، وإخراج مشافيه عن الخدمة، ونسف المربعات السكنية فيه بالكامل، ومحاصرته ومهاجمته برًا وجوًا، واستخدم سياسة التجويع والحصار الغذائي والطبي منذ بدء الحرب.
أصدر الاحتلال الإسرائيلي أوامر الإخلاء لسكان شماليّ قطاع غزة وأمرهم بالتوجه نحو جنوبيه، ولكنّ عددًا كبير من أهالي جباليا أصروا على البقاء في بيوتهم، فمنهم من نزح داخل حدود الشمال وعاد بعد انتهاء العمليات العسكرية بعد كل مرة، ومنهم من رفض النزوح من المخيم، وهؤلاء منهم من نجى بأعجوبة بعد مداهمة الجنود الإسرائيليين المنازل، ومنهم من قُصفوا ودُفنوا تحت ركام منازلهم. ومنذ الاجتياح الأخير ينتظر أهالي جباليا الذين أخرجوا قسرًا أن تنسحب القوات، التي دمرت البنية التحتية بالكامل، ليعودوا إلى ركام منازلهم التي لا لم تعد تصلح للسكن، أما سكان المخيم النازحون إلى جنوبي القطاع فينتظرون أن تنتهي الحرب ويزول "حاجز نتساريم" الذي يفصل شمالي القطاع عن جنوبيه، للعودة لأرض المخيم الذي احتضنهم وعائلاتهم منذ النكبة. هذه مساهمة وصلت منصة إطار تتحدث عن جباليا المدينة والمخيم، تاريخها منذ مهدها، ونضالها منذ فجر القضية الفلسطينية.
جباليا تاريخًا
تُعدّ جباليا Jabalia تاريخيًا، قرية عربية كنعانية، استوطن فيها الرومان في أواخر القرن الرابع للميلاد، وأقاموا على مساحة منها قرية "أزاليا"، وبقيت هكذا حتى الفتح الإسلامي. أما عن تسميتها فيُقال إن لفظ جباليا مشتق من الجبل، في ما يقول البعض إنه مأخوذ من "أزاليا" الرومانية أو "جبالايا" باللغة السريانية، أو من "الجبالية" الذي حطوا رحالهم فيها في العهد البيزنطي، وربما من لفظ "جبلا" الذي يعني الطين والفخار.
وجباليا مدينة تقع على بعد 4 كيلومتر (2.5 ميل) شمال مدينة غزة. ووفقًا للجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، بلغ عدد سكان جباليا 172,704 نسمة في عام 2017. ويقع مخيم جباليا للاجئين بجوار المدينة من الشمال، وبلدة نزلة القريبة هي جزء من بلدية جباليا. فيما يحدها من الشرق الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948، ومن الشمال بيت لاهيا وبيت حانون، ومن الغرب البحر الأبيض المتوسط، أما من الجنوب مدينة غزة. كما يوجد في جباليا إرث تاريخي منذ العهد الروماني وحتى البيزنطي والإسلامي والعثماني معالم تاريخية بارزة مثل المقبرة الرومانية والكنيسة البيزنطية.
في عام النكبة هُجر الآلاف إلى جباليا من المجدل ودير سنيد وبئر السبع والجورة والمغار وبرير وغيرها من المدن الفلسطينية، وأقاموا المخيم فوق أرض جباليا، وسمي معسكر جباليا للاجئين. وقد نهجت "إسرائيل"، تاريخيًا، سياسة الترحيل القسري في جباليا؛ ففي العام 1970 أجبرت نحو 975 عائلة من سكان المخيم إلى النزوح لمشروع بيت لاهيا والنزلة، وفي العام 1971 دمرت أكثر من 3600 غرفة تسكنها 1173 عائلة، بزعم حاجتها لتوسيع أزقة المخيم لتتمكن من دخول جباليا وتطويقها وقتما تريد ولملاحقة المقاومين فيها.
المعالم الأثرية
عُثر على مقبرة كبيرة تعود إلى القرن الثامن الميلادي بالقرب من جباليا، ويشير المكان إلى أن المجتمع المسيحي في غزة كان لا يزال موجودًا حتى أوائل عصر الحكم الإسلامي في فلسطين، وله أعمال فنية وأثرية. كما اكتشف العمال، أثناء العمل على طريق صلاح الدين، بالصدفة، ديرًا من العصر البيزنطي نقبت عليها في ما بعد دائرة الآثار الفلسطينية. وقد غُطيت فسيفساء الدير البيزنطية بالرمال لحمايتها من التآكل الناتج عن التأثير المباشر لأمطار الشتاء، كما عُثر على الخزف البيزنطي.
وحتى عام 2014، كان في جباليا أيضًا المسجد العمري القديم، ويُعتقد أن الموقع كان يضم مسجدًا منذ القرن السابع، ويعود تاريخ رواقه ومئذنته إلى القرن الرابع عشر، إلا أن العمري تعرض للتدمير بسبب القصف الإسرائيلي عام 2014. يتكون الرواق من ثلاثة أروقة مدعمة بأربعة أعمدة حجرية. تحتوي الأروقة على أقواس مدببة، والرواق مغطى بأقبية متقاطعة.
اندمجت جباليا في الإمبراطورية العثمانية عام 1517 مع كل فلسطين، وظهرت في سجلات الضرائب عام 1596 على أنها تقع في ناحية غزة التابعة للواء غزة. وكان عدد سكانها 331 أسرة، جميعهم من المسلمين، يؤدون الضرائب على القمح والشعير وكروم العنب وأشجار الفاكهة. ما مجموعه 37,640 آقجة، وذهب ثلثا الإيرادات إلى الوقف.
في عام 1863، عثر فيكتور غيران في المسجد على بقايا مباني قديمة، وعلى بعض الأعمدة المكسورة عند البئر. وقال: "تحد هذه القرية من الغرب كثبان الساحل. وتحيط بها من الجهات الثلاث الأخرى حدائق خصبة، يفصل بينها سياج من نبات الصبار وغيره من الشجيرات الشائكة. وزُرعت بعناية. وهي مزروعة بأشجار التين والرمان واللوز والمشمش والليمون والبرتقال، كما يوجد عدد قليل من أشجار التفاح التي يذهب إليها السكان لبيع فاكهتها في أسواق غزة المختلفة".
كما وُجدت قائمة القرى العثمانية من حوالي عام 1870 أن عدد سكان القرية كان 828 نسمة، في إجمالي 254 منزلًا، على الرغم من أن عدد السكان يشمل الرجال فقط. وفي المسح الذي أجراه صندوق استكشاف فلسطين عام 1883 لغرب فلسطين، وُصفت جباليا بأنها قرية كبيرة من الطوب اللبن، بها حدائق وبئر في الشمال الغربي. وكان فيها مسجد اسمه جامع أبو برجس.
في تعداد فلسطين عام 1922 الذي أجرته سلطات الانتداب البريطاني، بلغ عدد سكان جباليا 1775 نسمة، جميعهم مسلمون، وزاد عددهم في تعداد عام 1931 إلى 2425 نسمة، وكلهم مسلمون، في 631 منزلًا.
وفي إحصاءات عام 1945، بلغ عدد سكان جباليا 3,520 نسمة، جميعهم من المسلمين، وتبلغ مساحة أراضيهم 11,497 دونمًا، وفقًا لمسح رسمي للأراضي والسكان؛ منها 138 دونمًا للحمضيات والموز، و1009 دونمًا للمزارع والأراضي القابلة للري، و1036 دونمًا للحبوب، في حين أن 101 دونمًا من الأراضي المبنية.
جباليا مهد الانتفاضة
انطلقت الانتفاضة الفلسطينية الأولى "انتفاضة الحجارة" في 8 كانون الأول/ ديسمبر 1987، بعد حادثة جباليا أو حادثة المقطورة الشهيرة، وهي الحادثة التي أشعلت الانتفاضة، على معبر بيت حانون (إيرز) حيث صدمت شاحنة صهيونية سيارة تقل ستة عمال فلسطينيين من بلدة جباليا، فقتلت وأصابت جميع من في السيارة، واعتبرت هذه الحادثة بأنها فعل قتل متعمد، وقد خرجت على إثر حادثة السير المتعمدة هذه مسيرة عفوية غاضبة في (جباليا) أدت إلى سقوط شهيد وعدد من الجرحى، وبهذا تكون جباليا ساحة الانطلاقة للانتفاضة الفلسطينية الأولى.
وقد خاضت جباليا معارك عديدة واجهت فيها الآلة العسكرية الإسرائيلية أهمها في عام 2003، وصدها اجتياح عام 2004، وكذلك إبان معركة الفرقان في عام 2009، ونجحت فيها المقاومة الفلسطينية شرق جباليا في اختطاف وقتل العديد من جنود الاحتلال ما دفع إسرائيل إلى استخدام نصف سلاح الجو.
وتواصل جباليا صدّ العدو منذ بدء معركة الطوفان في السابع من تشرين الأوّل/ أكتوبر، وخاضت معاركها وأبرزها "معركة جباليا"، وقد استمرت في قتال لـ 10 ساعات غرب جباليا يوم 8 تشرين الثاني/ نوفمبر. وتواصلت المعارك طيلة فترة الحرب الممتدة حتى الآن، ولا يزال المقاتلون فيها يقاومون العدو بما أوتوا من قوة رغم فقدانهم العديد من القادة فيها. وفي 19 كانون الأول/ ديسمبر 2024 نفذت كتائب القسام عملية نوعية، إذ تمكن أحد عناصرها من الإجهاز على قناص إسرائيلي ومساعده، قبل أن يفجر نفسه في مجموعة من جنود الاحتلال.
المعارك الرئيسة
في العملية الأولى في شهر كانون الأول/ ديسمبر الماضي لم تنجح القوات الإسرائيلية في الوصول إلى عمق مخيم جباليا، وعملت على أطرافه الغربية والشرقية، وذلك بسبب كثافة المقاومة التي تعرضت لها وجغرافيا المخيم المكتظ بالمنازل والسكان والأزقة الصغيرة التي لا تستطيع الآليات الدخول إليها.
أما العملية الثانية فجاءت في شهر أيار/ مايو الماضي، وكانت أكثر عمقًا، بالدخول من طرق التفافية جديدة إلى وسط المخيم مُخلِّفةً دمارًا كبيرًا طال حتى مراكز الإيواء وغيرها، ولكنها لم تسيطر على جميع المناطق في داخله.
أما العملية الثالثة المستمرة في شمالي القطاع وفيها تبلي المقاومة بلاء شديدًا، على إبداء مقاومة شديدة، واعتمدت على أسلوب تفخيخ المنازل ونصب عبوات ناسفة في الشوارع ونجاحها في استخدام الأنفاق، والاعتماد على أزقّة الشوارع الصغيرة بالمخيم لمفاجأة جيش الاحتلال.
وقد أعلن الجيش الإسرائيلي منذ مطلع العام 2024 بأنه نجح في تفكيك بنى المقاومة في جباليا في عملية امتدت منذ كانون الثاني/ يناير وحتى حزيران/ يونيو، ولكن العمليات على الأرض تثبت عكس ذلك، ومنها عملية مقتل عدد من الضباط والجنود، ومن أبرزهم قائد اللواء 401.
ولدى القسام في شمالي قطاع غزة (جباليا، وبيت لاهيا، وبيت حانون)، 6 كتائب قتالية، تضاف إليها كتيبة "تخصصات" تقدم خدمات عسكرية أخرى، مثل "الدروع، والقنص، والهندسة، والخدمات الطبية، وغيرها"، كما تشرح المصادر ذاتها.
ويوجد في مخيم جباليا وحده 3 من هذه الكتائب القتالية، هي: غرب جباليا (كتيبة عماد عقل)، ووسط جباليا (كتيبة فوزي أبو القرع)، وشرق جباليا (كتيبة سهيل زيادة)، وهي الكتائب الثلاث التي تقود حاليًا الاشتباكات وتنفذ سلسلة عمليات داخل المخيم، كما تتلقى دعمًا من كتيبة «الفرقان» (الشيخ رضوان)، وكتيبة «عسقلان» (بيت لاهيا)، من الجهات الجنوبية والشمالية والغربية لجباليا، وكلتا الكتيبتين تنفذ سلسلة عمليات من محاور عدة؛ مثل إطلاق صواريخ مضادة وتفجير عبوات ناسفة في آليات عسكرية إسرائيلية.
جباليا وتاريخ المجازر فيها
وكما تُعتبر جباليا ومعسكرها مهد الانتفاضة والمقاومة الفلسطينية فتاريخها شاهد على المجازر والشهداء كذلك، ومن بعد حرب الإبادة الجماعية كانت آخر المجازر تلك التي ارتكبت في 31 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، فقد قصف الاحتلال مربعًا سكنيًا محاذيًا للمستشفى الأندونيسي في جباليا شمالي غزة، وقالت وزارة الداخلية في غزة، إن مخيم جباليا تعرّض لقصف بـ6 قنابل تزن كل واحدة طنًّا من المتفجرات، وإن الاحتلال دمّر حيًّا سكنيًّا وسط المخيم بنحو كامل، وأشارت وزارة الصحة في غزة إلى أن المجزرة أسفرت عن سقوط 400 بين شهيد وجريح، في ما ادعى الاحتلال أن الضربة كانت موجهة الى قائد كتيبة وسط جباليا في حركة حماس، وهو المسؤول عن المعارك في شماليّ غزة منذ بدء الحرب،وقد نفت حركة حماس هذه المزاعم.
ومن المجازر التي شهدتها جباليا: مجزرة جباليا في يوم 7 حزيران/ يونيو1967، ومجزرة جباليا في سنة 1968، ومجزرة جباليا في سنة 1987، والتي أشعلت الانتفاضة الأولى، ومجزرة جباليا في يوم 6 آذار/ مارس 2003، ومجزرة جباليا في يوم 10 حزيران/ يونيو 2003، ومجزرة اجتياح شمالي غزة في يوم 29 أيلول/ سبتمبر 2004، ومجزرة جباليا في الفترة ما بين 27 شباط/ فبراير 2008 وحتى الرابع من آذار/ مارس 2008، ومجزرة شرقي جباليا أثناء الحرب الصهيونية على قطاع غزة عام 2009.