حسام أبو صفية.. طبيب يتحدّى الإبادة

مقدمة
في خضم حرب الإبادة الجماعية التي شنتها "إسرائيل" على قطاع غزة، وما نجم عنها من مآس إنسانية عصفت بالقطاع، برزت شخصيات استثنائية كرست حياتها لخدمة الإنسان في أحلك الظروف وأقساها، ومن بين هذه الشخصيات يبرز اسم الدكتور حسام أبو صفية، الطبيب الفلسطيني الذي جسد نموذجًا نادرًا من التفاني والمقاومة الطبية، ولم يكن مجرد طبيب يؤدي واجبه المهني فحسب، بل كان رمزًا للصمود الإنساني والطبي في وجه العدوان الإسرائيلي المستمر، الذي لم يقتصر على استهداف المدنيين، بل طال المستشفيات والطواقم الطبية، في انتهاك صارخ للقوانين الدولية.
عمل الدكتور حسام أبو صفية في بيئة تتداخل فيها الأزمات الصحية مع المخاطر الأمنية، فقد فرض الحصار والعدوان الإسرائيلي تحديات جسيمة على القطاع الصحي في غزة، مما جعل مهمته تتجاوز حدود العمل الطبي التقليدي لتصبح معركة يومية من أجل إنقاذ الأرواح.
بوصفه مديرًا لمستشفى الشهيد كمال عدوان، لم يكن دوره مقتصرًا على تقديم الرعاية الطبية، بل شكّل خط دفاع أول عن حياة الأطفال المرضى، متحملًا مسؤوليات جسيمة وسط نقص حاد في الإمدادات الطبية والاستهداف المباشر للمرافق الصحية من قبل جيش الاحتلال.
اعتقاله وإصابته لم يكونا مجرد استهداف لشخصه، بل كانا اعتداءً على الدور الإنساني للأطباء الذين يحملون على عاتقهم رسالة إنقاذ الأرواح في أكثر البيئات خطورة وتعقيدًا.في زمن تتشابك فيه الأزمات الإنسانية مع الصراعات السياسية، يظل الدكتور حسام أبو صفية نموذجًا للطبيب الإنسان الذي لم تثنه التهديدات أو المخاطر عن أداء واجبه المقدس.
إن قصته ليست مجرد شهادة على معاناة الأطباء في غزة، بل هي توثيق لبطولة فردية تعكس صمود القطاع الصحي الفلسطيني في وجه آلة الحرب والدمار الإسرائيلية، ومن خلال مسيرته الحافلة بالتضحية، يبرز دوره مثالاً يُحتذى به في العمل الإنساني، ليظل اسمه محفورًا في سجل الشرف، حيث تتجسد أسمى معاني الإيثار والمقاومة في أروقة المستشفيات المنهكة تحت وطأة العدوان.
النشأة والمسيرة التعليمية
وُلِد حسام إدريس أبو صفية -وكنيته "أبو إلياس" - في 21 تشرين الثاني/ نوفمبر 1973 في مخيم جباليا للاجئين شمالي قطاع غزة، لعائلة تنتمي إلى إحدى العائلات البارزة في شمالي القطاع، والتي كانت قد هُجِّرت من بلدة حمامة الواقعة في قضاء عسقلان خلال نكبة عام 1948، تأثر منذ صغره بواقع اللجوء والمعاناة، مما زرع فيه روح العطاء والرغبة في خدمة مجتمعه.
تلقى تعليمه الأساس في مدارس المخيم، ثم سافر إلى كازاخستان لمتابعة دراسته في مجال الطب، وخلال فترة إقامته هناك، التقى بزوجته إلبينا، التي اختارت العودة معه إلى قطاع غزة عام 1996. حصل على درجة الماجستير وشهادة البورد الفلسطيني في طب الأطفال وحديثي الولادة.ومن خلال تفانيه في الدراسة والتدريب، أصبح واحدًا من أبرز الأطباء في مجاله في قطاع غزة، إذ كرس جهوده لخدمة الأطفال المرضى وسط تحديات معقدة.
الدور المهني والإنساني
يعد أبو صفية إحدى الشخصيات البارزة في المجال الصحي، وهو أحد قادة الفرق الطبية في قطاع غزة، عمل مع طواقم وزارة الصحة الفلسطينية، وتولى رئاسة قسم الأطفال في مستشفى الشهيد كمال عدوان في شمالي القطاع، قبل أن يتولى إدارة المشفى كاملة.
بذل جهودًا جبارة من أجل تحسين مستوى الرعاية الصحية للأطفال في غزة، وسعى إلى تطوير قسم الأطفال في مستشفى الشهيد كمال عدوان، على الرغم من العقبات الهائلة التي فرضها الحصار الإسرائيلي للقطاع، ونقص الإمدادات الطبية، لكنه عمل بلا كلل على تطوير قسم الأطفال في المستشفى، مما مكنه من تقديم الرعاية الطبية لمئات الأطفال يوميًا، حتى في ظل شح الموارد الطبية الأساسية، وحرب الإبادة الجماعية.
لكن الدور الإنساني للدكتور حسام لم يكن مقتصرًا على المستشفى فقط، بل امتد إلى العمل في الخطوط الأمامية أثناء العدوان، فقد خاطر بحياته لإنقاذ المصابين في ظل القصف والاستهداف الإسرائيلي المتكرر للمرافق الصحية، وكان بمثابة قائد إنساني يوجه الطواقم الطبية في الأزمات، ويقدم الدعم النفسي والمعنوي للمرضى وأسرهم، ما جعله محبوبًا ومحترمًا من قبل زملائه والمجتمع بأسره.
التحديات والصمود
في الثامن من تشرين الأول/ أكتوبر 2024، اجتاح جيش الاحتلال الإسرائيلي مخيم جباليا للمرة الثالثة، ليتبين بعد شهرين من العمليات العسكرية أن مستشفى كمال عدوان كان الهدف الأساس لجيش الاحتلال. شكّل هذا الاجتياح مرحلة فارقة هي الأطول والأشد قسوة في تاريخ المستشفى، ومديره الدكتور حسام أبو صفية.
بعد شهرين من الحصار والتدمير، اقتحم جيش الاحتلال الإسرائيلي المستشفى، مجبرًا جميع من فيه من أطباء ومرضى ونازحين وجرحى على مغادرته بالقوة، واعتقل الدكتور حسام أبو صفية وعددًا من زملائه، وأخضعهم لتحقيق ميداني استمر لساعات في ساحة المستشفى، قبل أن يواصل عمليات التدمير والخراب في جميع مرافقه، وخلال هذا العدوان استشهد الطبيب محمد غانم والممرض محمد سلمان.
عقب الإفراج عنه، واجه الدكتور حسام أبو صفية فاجعة فقدان نجله البكر، الذي استشهد جراء قصف إسرائيلي استهدف مخيم جباليا، استقبل جثمان ابنه داخل المستشفى المدمر، وتقدم ليؤم صلاة الجنازة عليه وسط زملائه من الأطباء والممرضين والنازحين، في تلك اللحظة بدا الطبيب المناضل ثابتًا في ميدانه، مستمرًا في معركته الطويلة ضد الاحتلال، في قلب مستشفى تحوّل إلى أنقاض، لكنه ظل رمزًا للصمود والتحدي.
الإصابة في المستشفى أثناء العمل
في 24 تشرين الثاني/ نوفمبر 2024 تعرض الدكتور حسام أبو صفية لمحاولة اغتيال أثناء خروجه من غرفة العمليات إلى باحة المستشفى، بعدما استهدف بقنابل من طائرة مسيّرة إسرائيلية، مما أدى إلى إصابته بجروح خطيرة، إذ استقرت ست شظايا في فخذه، تسببت بتمزق الأوعية الدموية والشرايين، مما استدعى تدخلاً جراحيًا عاجلًا لإنقاذ حياته. لم تكن هذه الحادثة سوى حلقة أخرى في مسلسل استهداف العاملين الطبيين في غزة.
الاعتقال الثاني
في 27 كانون الأول/ ديسمبر 2024، اقتحم جيش الاحتلال الإسرائيلي المستشفى مجددًا، واعتقل الدكتور حسام أبو صفية مرة أخرى، وسط حملة اعتقالات طالت العشرات من الكوادر الطبية في غزة، وتعرض خلال اعتقاله للضرب المبرح والإهانة، وأُجبر على خلع ملابسه، وتعرض للجلد باستخدام سلك غليظ، أثار هذا الاعتقال موجة من الغضب على المستوى الدولي، فقد أدانت منظمات حقوق الإنسان والجمعيات الطبية العالمية هذا التصرف الوحشي، واعتبرته انتهاكًا صارخًا للقوانين الدولية التي تحمي العاملين في المجال الطبي أثناء النزاعات.
ورغم المطالبات الدولية والمحلية بالإفراج عنه، لا يزال مصيره مجهولًا، مما يثير قلقًا كبيرًا على حياته وسلامته. وانتشرت للدكتور حسام صورة قبل اعتقاله تظهره وهو يسير وسط ركام المستشفى الذي أحرقه جيش الاحتلال، ولاقت رواجًا وتفاعلًا كبيرين على وسائل التواصل الاجتماعي.
وسط الدمار المتناثر وكأنه أشلاء حلم مبعثر، سار الدكتور حسام بخطى ثابتة، تخط طريقه بين الركام والأنقاض، ورائحة الموت من حوله تفوح في كل مكان، وسيطر على المشهد صمت ثقيل إلا من أنين جدرانٍ كانت يومًا مأوى للأمل. حمل نظراته المثقلة بالحزن، وودع مشفاه الذي لطالما كان ملاذًا للجرحى والمكلومين، واليوم صار مسرحًا لشظايا الغدر وآثار القصف.
دماؤه – التي لم تجف بعد على معطفه الأبيض – ظلت شاهدة على معركته الأخيرة ضد الموت، لكن هذه المرة، لم يكن يذهب لإنقاذ روحٍ أخرى، بل ليسلم روحه لقدر مجهول. في الأفق، كانت آلية جيش الاحتلال الإسرائيلي تنتظره، وكأنّها وحش معدنيّ يبتلع الضوء من حوله، سار إليها دون وجل، ورأسه مرفوعة، فقد اعتاد مواجهة القدر بكل شجاعة، بينما خلفه تهاوى جدار آخر، كأنه يبكي رحيل الطبيب الذي لم يُهزم يومًا، إلا أمام قسوة عالم بلا ضمير.
خاتمة
إن حياة الدكتور حسام أبو صفية ليست مجرد قصة إنسانية عابرة، بل هي شهادة حية على الصمود والتضحية في وجه العدوان، نموذج فريد من نوعه للطبيب الذي لا يقف عند حدود مهنته، بل يكرس كل ما لديه من طاقة من أجل إنقاذ حياة الآخرين، رغم التحديات الجسيمة التي واجهها، ورغم استهدافه باستمرار من قبل آلة الحرب الإسرائيلية. ظل الدكتور حسام رمزًا للإنسانية والتفاني، قصته تعكس واقعًا مريرًا يعيشه القطاع الصحي في غزة، لكنها أيضًا تبرز الأمل والتحدي الذي لا يخفت أمام قسوة الظروف.
أثبت الدكتور حسام أبو صفية أن الكرامة الإنسانية لا تنتزع، وأن أطباء غزة، الذين يواجهون الخطر المحدق بهم كل يوم، هم من يقفون في الخطوط الأمامية للحفاظ على الأمل وسط الرماد.
إن استهداف الأطباء والطواقم الطبية من قبل جيش الاحتلال يعكس تحديًا غير مسبوق للادعاءات الدولية وأنظمتها القانونية والحقوقية، ويكشف حجم المعاناة التي يعيشها الفلسطينيون في ظل الحصار والعدوان المستمر، وعلى تخاذل ما يسمى بالمجتمع الدولي تجاه مسؤوليته في حماية العاملين في المجال الطبي وتوفير الدعم اللازم لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من حياة وأمل.
إن الأثر النفسي الذي يترتب على مثل هذه الظروف ليس هينًا، فالأطباء الذين يتعرضون لهذا النوع من الاستهداف المستمر يعانون من ضغط نفسي هائل، ففي ظل غياب الحماية الدولية، تعاني الطواقم الطبية من حالات إجهاد نفسي جسيم، فكل يوم يمثل تحديًا جديدًا ليس فقط من ناحية الأداء الطبي، بل من ناحية الحفاظ على روحهم المعنوية، وفي ظل هذا التحدي يُعد صمود الدكتور حسام أبو صفية مثالًا على قدرة الإنسان على مقاومة الصدمات النفسية التي لا تحصى، مما يعكس حجم الصراع الداخلي الذي يعيشه الأطباء في غزة بين الحفاظ على حياتهم والوفاء برسالتهم الإنسانية.
إن استهداف الأطباء لا يؤثر فقط على حياة الأفراد، بل يهدد المجتمع بأسره، أذ يؤدي نقص الكوادر الطبية إلى انهيار منظومة الرعاية الصحية، مما يزيد من أعداد الضحايا غير المباشرين للحصار والعدوان، لذا، فإن حماية الأطباء والعاملين الصحيين يجب أن تكون أولوية أي تحرك دولي لإنهاء هذه الانتهاكات.
ومن المهم أن يضغط المجتمع الدولي على "إسرائيل" لوقف هذه السياسات الممنهجة التي تسعى لتدمير القطاع الصحي في غزة من خلال الاعتقالات والاغتيالات، ينبغي أن يكون هناك تحرك فاعل من قبل المنظمات الدولية لضمان حماية حقوق العاملين في القطاع الطبي، مع التأكيد على ضرورة اتخاذ إجراءات قانونية رادعة ضد الدول التي تستهين بتلك الحقوق.
وإن فقدان كفاءات طبية مثل الدكتور حسام أبو صفية يترك أثرًا طويل الأمد على المجتمع الفلسطيني، لا سيما على الأجيال القادمة، فالعجز عن تدريب أطباء جدد في ظل الظروف الحالية، وانعدام الفرص لتطوير الكوادر الطبية، يهدد بزيادة الفجوة الصحية في المستقبل.
إذا كانت غزة اليوم تشهد معركة من أجل البقاء، فإن المستقبل القريب قد يشهد معركة من أجل إعادة بناء القطاع الطبي، وهو ما يتطلب دعمًا دوليًا طويل الأمد لضمان استدامة المنظومة الصحية في غزة، ولمنع الانهيار الكامل للنظام الطبي.
إن ما يمثله الدكتور حسام أبو صفية من صمود هو دعوة للجميع بأن لا يتوقفوا عن النضال من أجل الإنسانية، وأن يتبنى كل فرد فينا قيم العطاء والتضحية في سبيل الإنسان، وإذا كانت غزة قد قدمت هذا النموذج الاستثنائي، فإن صوته يجب أن يسمع في كل مكان كدعوة لتغيير حقيقي يحمي الإنسان ويصون حياته.