حكايا النازحين: أم ضياء.. حياة تُقايضُ بالنَفَس

حكايا النازحين: أم ضياء.. حياة تُقايضُ بالنَفَس
تحميل المادة

قبل أن تغدو الأرض غريبة والسماء ملبدة بغبار البيوت المهدومة والشوارع مجرَّفة والأزقة مُحيت ومُحي معها ذاكرة زمن ممتدة من لجوء طويل، كان لتغريد أبو شرقية "أم ضياء" مملكة صغيرة في مخيم نور شمس، حيث عاشت أجمل فصول حياتها محاطة بزوجها وأبنائها الأحد عشر في بيتٍ  "كنا عايشين أحلى حياة.. استقرار وأمان ودفء" تقول أم ضياء. هناك في المخيم، كانت "الراحة النفسية" هي العملة المتداولة؛ فلا إيجارات تثقل الكاهل، ولا فواتير ماء وكهرباء تلاحق الأنفاس. تترحم أم ضياء على تلك الأيام قائلة: "بالمخيم الصيدلية والدكاكين بعرفوني وبدينوني، وعمرهم أولادي ما حسوا بنقص لا بأكل ولا شرب، حتى الطلعات كنت أطلعهم عطولكرم وعلى الجبل وننبسط". تقول أم ضياء هذا الكلام رغم علمها ببؤس حياة المخيم الذي كان حتى قبل اجتياحه وتدميره بشكل شبه كلي يفتقد لمقومات الحياة الكريمة، لكنها حين تقارنه مع واقعها الحالي من نزوح ومرض وديون تراه جنة الأرض بدفئه وحنانه، لكنها لم تكن تدرك أن هذا الاستقرار سيتبخر، وأن رحلة نزوحها ستبدأ مبكرًا، قبل نزوح أهل المخيم الشامل إذ ستبدأ قصتها قبل ذلك الموعد بقرابة السنة لتكون حكايتها قصة مصغرة لما سيحدث مع أهله المخيم.

في اجتياحٍ دام ثلاثة أيام لمخيم نور شمس في نيسان 2024، وقبل دخول الجيش بوقت قليل خرجت أم ضياء بقلبٍ مرتجف عند الساعة الخامسة وعشر دقائق عصرًا لزيارة زوجها في العناية المكثفة، وحملت معها أبناءها المعاقين وأطفال بنتها بصعوبة بالغة؛ فقد رفضت بناتها تركهما وحدهما في المخيم دون علمهن أن شيئًا ما سيحدث للمخيم بعد ساعات قليلة وأن أحداثًا كبيرة ستقلب حياة العائلة رأسًا على عقب خلال أيام فقد شائت الأقدار أن تخرج العائلة بأكملها من البيت نحو المستشفى عند الوالد المريض في العناية المكثفة. تصف تلك اللحظة بخوفٍ استباقي: "لو دشرتهم بالمخيم.. لو ظلوا هذول بالدار شو بدي أعمل أنا هسا؟".

وقت قصير بعد خروج العائلة من المنزل اقتحم جيش الاحتلال المخيم في اجتياح استمر لـ3 أيام حينها حين حاصرت قوات الاحتلال شبان من المقاومة ومواطنين قرب منزلها ما اضطر الشبان للاحتماء في المنزل عندما وجدوه فارغًا، ليبدأ الاحتلال على الفور بإطلاق النار على المنزل بكثافة وقصفه بقذائف الإنيرجا وطائرات الدرون الأمر الذي تسبب بدمار كبير جدًا في المنزل. تصف الحاجة أم ضياء حال بيتها بمرارة: "تدمر البيت.. ما ظل إشي، الجدران والسقف كله رصاص وإينيرجات".

ولأن لحظات الحزن على الفلسطيني اعتادت أن تأتي مجتمعة لا متفرقة، فقد توفي زوجها بعد معاناة مع المرض لكن المصادفة المؤلمة أن الوفاة جاءت في ذات اليوم الذي تدمر فيه المنزل ففقدت زوجها وبيتها في آن واحد، تصف تلك اللحظة بحرقة: "كان أسوأ يوم بحياتي، لا شفت بيتي بآخر لحظة، ولا قضيت العدة في بيتي.. قضيتها في دور الناس". عندما لم تستطع حتى فتح "بيت أجر" له في بيته وحارته ومخيمه الذي قضى عمره فيه، واضطرت للسكن في "ذنابة" أربعة أشهر قبل أن تستطيع إصلاح ما أمكن إصلاحه من منزلها والعودة إليه، لكن عدوان الاحتلال المتواصل على مخيم نور شمس لم يمهلها كثيرًا إذ اجتاح الاحتلال مخيم نور شمس في نهايات كانون الثاني/ يناير من العام 2025 الجاري وهجّر كل أهله منه خلال أيام.
تقول "أم ضياء" أنها وطنت نفسها على حياة عدم الاستقرار فقد كانت تجهز "كيس" به أغراض أبنائها المعاقين وعربتهم المتحركة، لكن الاحتلال في النزوح الكبير لم يمهلهم ليأخذوا شيئًا من أغراضهم فقد خرجت أم ضياء رفقة عائلتها "بأواعيهم" فقط، كما تصف، واضطرت للذهاب عند ابنتها في جبل الصالحين الملاصق لمخيم نور شمس، لكن رحلة العذاب التي لا تنتهي فصولها، إذ لاحقتها هناك في بيت ابنتها حيث أجبر الاحتلال أهالي الجبل على النزوح لتضطر للانفصال عن ابنتها حيث نزحت ابنتها إلى بلدة علار وهي إلى بلدة بلعا.

تصف أم ضياء لحظات النزوح والخروج من البيت وشهقات بكائها تسيطر على المشهد "تركنا روحنا وذكرياتنا وحياتنا .. مش سهل إنه تدشر بيتك إلي عشت فيه أكثر ما عشت في دار أهلك" لتبدأ هنا رحلة النزوح الطويل المستمر منذ قرابة العام تحمل معها آلام البعد عن المنزل وفقد الزوج وصعوبة الاعتناء بأبنائها المعاقين.

في ظل هذا الشتات، تحمل أم ضياء أمانةً تنوء بها الجبال؛ ابنان من ذوي الاحتياجات الخاصة يصارعان المرض والنزوح معًا. ابنها علاء "25 عامًا" المصاب بمتلازمة داون، يعيش بجسدٍ متهالك يفتك به التهاب رئوي مزمن وفتحة في القلب، ما يجعل حياته معلقةً بجهاز أكسجين اضطرت لتأمينه بـ "كمبيالة بـ 6 آلاف شيكل". إذ تقول أنها "لفَّت الدنيا كلها" بين جمعيات المعاقين والمؤسسات الصحية والأهلية والاجتماعية والحكومية لتأمينه ولم تستطع أن تؤمنه إلا من الهلال الأحمر وبالتوقيع على كمبيالة بقيمة 6 آلاف شيقل،  تصف الأم حالة ابنها علاء في الشتاء بوجع ودموع العيون: "هذا الولد التهاب الرئة عنده باستمرار يما، والكحة والبلغم ما بطلعه ببلعه، وبعاني معه معاناة بعلم فيها الله". علاء الذي كان يمشى يومًا، خرج من العناية المكثفة "بحبي حبي" إذ خرج من العناية المكثفة بوضع صعب جدًا.

أما شقيقه الأكبر ضياء "38 عامًا"، فمصاب بالشلل الدماغي والسكري، وقد وصلت به حالته النفسية بسبب النزوح إلى الانهيار؛ "وصلت معه يصرخ ويسب ويدعي عليّ.. بده يرجع عالمخيم، ومفكرني حابسته وبكذب عليه، بقلي أنتِ بتكذبي فش يهود بدارنا وفش حدا بالمخيم". وتضيف الأم بأسى وبدموع تنسكب على القلب فتقرحه من شدة الحال الذي وصلت إليه أن ابنها الذي قارب على الـ40 سنة صار يتطلب طلبات كالأطفال في ظل شلله الدماغي: "صار بدّه جرافة وتراكتور، عقله صار زي ابن 10 سنين". وحتى ابنها الثالث، لم يسلم اجتماع ثنائية النزوح والمرض عليه، حيث ظهرت لديه كتلتان بجانب الغدة تؤثران على صوته وتتطلبان فحصًا دوريًا تعجز الأم عن توفير تكاليفه.

"الديون ذبحتني"

تنقلت أم ضياء بين أربعة بيوت في رحلة نزوح مريرة بين جبل الصالحين وذنابة وبلعا وشويكة. واليوم، تقطن بيتًا يفتقر لأدنى مقومات الحياة والستر؛ إذ تروي أم ضياء أن المنزل لا يوجد به "مروحة" تقيها من حر الصيف فقد كانت تضطر أن تخرج بأبنائها إلى الشارع ليبردوا عن أنفسهم ويستطيعوا التنفس لكون ابنها يعاني من مشاكل بالتنفس، والآن في ظل الأجواء الشتوية في المنزل الذي توفرت به أبوابًا خارجية لم تتوفر به أبوابًا داخلية ما يتسبب ببرد "ينخر العظم"، حتى أن باب الحمام لا يغطيه سوى "ستارة". تقول بمرارة: "متخيل حمام ما إله باب؟ الواحد حتى حاجته لما يقضيها مش عارف يستر حاله فيها".

لقد استنزف النزوح كل شيء، حتى ذكرياتها العزيزة؛ تروي بدموعها: "النزوح دمرني، قبل أسبوع كان معي حلق بأذني خلعته وبعته بدموع عيني لأنه ذكرى عزيزة عليّ، عشان أشتري غرض لأولادي المعاقين". إذ أن غياب الزوج ومرض الأبناء ومرضها وتعبها النفسي من النزوح والفقد وظروف الأبناء جعل منها جسدًا يتنفس حزنًا وألمًا وتعبًا، غير أن إيجار المنزل الذي تقيم فيه حاليا "1200 شيقل" بالإضافة لفواتير الماء والكهرباء والديون الديون "ذبحوا" هذه الأم -على حد وصفها- التي تعاني هي نفسها من تسارع دقات القلب وخضعت لعمليات كي شرايين، وتتحامل على أوجاعها قائلة: "رجلي بتمشي غصب عني، بشتغل لأولادي، وبطول الليل ما بنام بعيط على حالي، حيلي أنهد".

وين أروح بأولادي ؟ "أقتلهم؟ أكبهم بالشوارع؟"

تصرخ أم ضياء في وجه المؤسسات التي تتقاذف ملفها بين "الخدمات" و"الوكالة" و"التنمية" والمحافظ الذي كلما حاولت لقائه قيل لها أنه "في اجتماع"، وترفض كفالة أبنائها من كل المؤسسات بحجة أنهم "كبار في السن". تسأل بوجع وقهر: "أقتلهم؟ أكبهم بالشوارع؟ الصغير بتلاقي مية واحد يشفق عليه ويصرف عليه، بس هذول الكبار المعاقين لمين؟".

تقول في رسالتها للمسؤولين وهي تبكي : "اتقوا الله في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون.. غيروا الوجوه في المساعدات وانظروا لناس بوضعي؛ أرملة ونازحة ومعي معاقين وأيتام ومرضى، لمين حق المساعدة إذا مش لهذول؟". هي لا تطلب المستحيل، بل تترجى قلبًا رحيمًا يكفل مصروف واحتياجات هؤلاء الأيتام المعاقين لتكمل مشوارها الذي بدأ ببيتٍ دافئ وانتهى بـ "كمبيالة أكسجين" وبرادي تغطي أبواب الحمام.