حماس وطهران.. قصة التحالف في مواجهة "إسرائيل" من الألف إلى الياء

على سبيل التقديم...
شكَّلت العلاقة بين حركة المقاومة الإسلامية- حماس والجمهورية الإسلامية الإيرانية أحد العناوين التي شغلت بال المهتمين بالقضية الفلسطينية على مدى قرابة العقدين من الزمن، وكتب كثيرون حول جذور هذه العلاقة وأبعادها وتداعياتها، وتصاعد الحديث عنها في أروقة السياسة الإقليمية وفي قاعات المؤتمرات الأكاديمية وفي وسائل الإعلام، خصوصًا مع التحولات الكبرى التي شهدتها منطقتنا، إن على صعيد التحرك الإقليمي باتجاه التطبيع وإنهاء القضية الفلسطينية، أو على صعيد استراتيجية المقاومة في مواجهة الاحتلال التي كان طوفان الأقصى في السابع من تشرين أول/ أكتوبر عام 2023 التجلي الأكبر لها.
يركز هذا المقال على تتبع التاريخ العملي للعلاقة بين حركة حماس وإيران، اعتمادًا على ما ورد في كتاب إيران وحماس من مرج الزهور حتى طوفان الأقصى ما لم يروَ من القصة[1]، تأليف فاطمة الصمادي[2]، وهو الإصدار العربي الأهم حول الموضوع[3]، إذ تمكَّنت مؤلفته بمهارةٍ من تتبع التطور التاريخي للعلاقة بين الطرفين، وسرد تفاصيلها، وتسليط الضوء على محطاتها المركزية، وأبطالها، سواءً داخل النظام السياسي الإيراني ونخبته السياسية أو ضمن المستوى القيادي لحركة حماس، وكانت قادرة على تفنيد جملة الأكاذيب والادعاءات التي لاكتها وسائل إعلامٍ ومؤسسات أكاديمية وساسة ومحللون على مدى سنوات، وعلى اكتشاف الأبعاد الأيديولوجية والاستراتيجية التي وقفت خلف هذه العلاقة، ورصد تداعياتها على القضية الفلسطينية والعلاقات بين دول الإقليم، ومآلات هذه العلاقة حتى لحظة الطوفان المبارك.
· وقفة مع الكتاب ومحتوياته
هذا الكتاب نتاج جهد ثماني سنوات من العمل الجاد، وقد جاء في 380 صفحة، وتكوَّن من مقدمة وثلاثة أقسام وخاتمة وقائمة بالمصادر والمراجع ومجموعة من الملاحق. اعتمدت الصمادي في تأليفه على مقابلات شفوية مع مسؤولين إيرانيين وفلسطينيين وملاحظات دوَّنتها ابتداءً من عام 2005، وعلى وثائق رسمية إيرانية وفلسطينية، وكُتب وأبحاث ودراسات ومقالات باللغات العربية والإنجليزية والفارسية.
افتتحت الصمادي كتابها بثمانية مشاهد تُمثِّل مراحل تطور العلاقة بين الطرفين، فمن مشهد قيام وفد إيراني رسمي بزيارة مخيم مرج الزهور في شتاء عام 1992، مرورًا بزيارة الشيخ أحمد ياسين لطهران عام 1997، وكذلك زيارات خالد مشعل العلنية لطهران ابتداءً من 2006، إلى مشهد تشيع جثمان الشهيد إسماعيل هنية في طهران عام 2024، ثمَّ تتبَّعت موقف إيران من القضية الفلسطينية منذ أواخر القرن التاسع عشر حتى يومنا هذا، وحللت تحولاته والعوامل الرئيسة التي حكمته منذ إقامة أول قنصلية لإيران في فلسطين عام 1897 ثم اعتراف طهران بدولة الاحتلال عام 1950، والقطيعة معها بعد نجاح الثورة الإيرانية عام 1979، وما واكب ذلك من تفاعلات وضعت طهران في مقدمة العواصم المناوئة لـ "تل أبيب".
تناول القسم الأول من الكتاب علاقة إيران بفلسطين في العهدين القاجاري والبهلوي، في حين أبرز القسم الثاني الموقف الإيراني من القضية الفلسطينية وعلاقتها بالمقاومة الفلسطينية وبدايات علاقتها بحركة حماس، وركَّز القسم الثالث على العلاقة بين حماس وطهران في ظل اندلاع الربيع العربي مع الاهتمام بتداعيات الثورة السورية حتى انبعاث "طوفان الأقصى"، أمَّا الملاحق فشملت وثائق وبوسترات وصور وطوابع بريدية ومحضر اجتماعات حركة حماس مع المسؤولين الإيرانيين في طهران عام 2016، ونص تعزية الحركة بمقتل قاسم سليماني، ووثيقة داخلية لحركة حماس بعنوان "الوثيقة الشرعية للمقاومة الفلسطينية".
· العلاقة التاريخية بين إيران وفلسطين
أشارت الصمادي إلى أن العلاقة بين إيران وفلسطين تعود إلى أواخر القرن التاسع عشر، حين وصلت فلسطين مجموعة من التجار الإيرانيين، في حين بدأ وصول اليهود الإيرانيون إلى فلسطين بداية القرن العشرين متأثرين بالدعاية الصهيونية. دعمت طهران المطالب الفلسطينية منذ ثلاثينيات القرن الماضي وعارضت خطة التقسيم، وتبنى علماء الدين الإيرانيون[4] موقفًا مؤيدًا للفلسطينيين، وبدأوا بإصدار البيانات ضد المشروع الصهيوني خصوصًا مع اندلاع حرب عام 1948، وأخذوا يحشدون المتطوعين للمشاركة في الدفاع عن فلسطين.
تقلب الموقف الإيراني الرسمي بين الاعتراف بدولة الاحتلال عام 1950، وإغلاق القنصلية الإيرانية في القدس في عهد رئيس الوزراء محمد مصدق (1951-1953)، ثمَّ قيام شاه إيران بتقوية علاقته بـ "تل أبيب". في المقابل بقيت القضية الفلسطينية عنوانًا مركزيًا في نشاطات المعارضة الدينية والسياسية للشاه؛ وقد أصدر الخميني مع مجموعة من علماء قُم عام 1963 إعلانًا تضمن براءة علماء الإسلام من "إسرائيل"، وأصدر فتوى أخرى تقضي بتقديم المساعدة المادية للثورة الفلسطينية من أموال الزكاة والخُمس، وأقام علاقات مع المقاومة الفلسطينية منذ النصف الثاني من ستينيات القرن الماضي. ومع نجاح الثورة، حدث التحول الاستراتيجي في الموقف الإيراني الرسمي، إذ قُطعت العلاقة مع "تل أبيب" وتصاعدت التصريحات ضدها، وتبع ذلك استقبال رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات (أبو عمار) في طهران، وتحويل السفارة الإسرائيلية إلى السفارة الفلسطينية[5].
لقد قام الموقف الإيراني الداعم لفلسطين بعد نجاح الثورة على عدد من الأسس منها الدستور الإيراني الذي نص على أنه "من واجب إيران الدفاع عن المظلومين والمسلمين في العالم ودعمهم"، وأنَّها "لن تتوانى عن دعم النضال المشروع للمستضعفين ضد المستكبرين في كل بقعة من بقاع العالم"، ومنها التزام إيران في سياساتها الخارجية بفكرتي الاستقلالية عن النظام الدولي "لا شرقية ولا غربية" وتصدير الثورة، وقد بقي الموقف الإيراني الرسمي الداعم لفلسطين ثابتًا طوال عقود. [6]
لعب السيد علي خامنئي دورًا محوريًا في جعل القضية الفلسطينية في صلب الأولويات الإستراتيجية لإيران، انطلاقًا من جملة من الركائز منها: رفض الاعتراف بـ "إسرائيل" أو التسوية معها وإدانة التطبيع معها، ودعم المقاومة الفلسطينية سياسيًّا وعسكريًّا، وانتقاد سياسات الدول العربية تجاه فلسطين، والإيمان بأنَّ تحرير فلسطين وعد إلهي لابد أن يتحقق، وقد نتج عن هذه الاستراتيجية تأسيس وحدات إيرانية عسكرية ستلعب دورًا محوريًا في توطيد العلاقة مع المقاومة الفلسطينية منها الحرس الثوري الإيراني، ويبقى أن نشير هنا إلى ما أكدته الصمادي في أن "أبعاد الموقف الإيراني لا يمكن فهمها بمعزل عن فهم طبيعة الإستراتيجية الدفاعية الإيرانية التي تقوم على بناء حالة ردع تجنِّبها الدخول في حرب. وما العلاقة التي نسجتها مع حلفائها في المنطقة إلا استجابة لما تفرضه هذه الإستراتيجية... تجنب المواجهة الشاملة" (ص289- 290).
· حماس وإيران.. التحالف في مواجهة المشروع الصهيوني
أشارت الصمادي إلى أن سياسة حركة حماس تجاه إيران ضبطتها مجموعة من المرتكزات الأساسية منها: أن العلاقات السياسية للحركة لا تنفصل عن منظومة النضال ضد الاحتلال، بل تتكامل مع فعل المقاومة ومن ذلك المقاومة المسلحة، ووجوب استناد علاقات الحركة إلى رؤية إستراتيجية واضحة من حيث الأهداف، وضرورة إدارة علاقات الحركة بصورة مؤسسية لضمان سلامة المسار السياسي واستمرارية العلاقات السياسية وحسن أدائها.
قاعدة المصالح في علاقات الحركة السياسية تستند دائمًا إلى مصالح الشعب الفلسطيني، وانتماء الشعب الفلسطيني لأمته العربية والإسلامية، وهي تمثل عمقه الإستراتيجي، دون إغفال البعد الإنساني ودعم أحرار العالم للقضية الفلسطينية، والبحث عن المشترك في العلاقات وتعزيز نقاط الالتقاء على ألا يكون تباين الرؤى في القضايا غير القضية الفلسطينية مانعًا لبناء العلاقات، واستقلالية القرار، ورفض التبعية للخارج، وبقاء قاعدة الأخلاق والضوابط الإسلامية هي الحاكمة في أداء الحركة وعلاقاتها. أما في إطار السياسات، فهنالك جملة مرتكزات منها: الكيان الصهيوني هو العدو الوحيد للشعب الفلسطيني ومقاومته، وبناء العلاقات مع الحلفاء على المستويين الشعبي والرسمي، واعتماد الوضوح في العلاقات واتباع سياسة عدم التدخل في الشأن الداخلي للدول، وعلاقات حماس الدولية ليست موجهة ضد دول أو أطراف أخرى، وعمل الحركة داخل الأراضي المحتلة موجه مباشرة ضد الاحتلال الإسرائيلي، وشكل العلاقة مع الدول والحلفاء وطبيعتها يجري بالتوافق مع الجهة التي تُبنَى معها العلاقة.
وأوضحت الصمادي أن العلاقة بين حماس وطهران "متعددة الأبعاد، وتقوم على قواسم مشتركة في الخطاب والفكر والمصالح والأهداف" (ص9). لقد رأت حركة حماس أن تحقيق هدفها الاستراتيجي يتطلب "بناء منظومة علاقاتها الخارجية بحثًا عن الدعم والمساندة، إقليميًّا ودوليًّا" (ص9)، أمَّا طهران فرأت في العلاقة، تعزيزًا لنفوذها في المنطقة، وانسجامًا مع الحضور المركزي للقضية الفلسطينية في الخطاب الفكري والسياسي للثورة الإيرانية، وإيمان صانع القرار الإيراني بأن القضية الفلسطينية قضية محورية في منظومة الأمن القومي الإيراني، وهي تعد "حجر الزاوية في سعي الجمهورية الإسلامية إلى بناء موقع مركزي لها في العالم الإسلامي" (9).
· المسار التاريخي للعلاقة بين الطرفين
تعود علاقة إيران مع الإسلاميين الفلسطينيين إلى ما قبل الانتفاضة الأولى، وقد عقد وفد إيراني بقيادة مجتبى أبطحي[7] اجتماعًا مع ممثلين للحركة الإسلامية في فلسطين في لارنكا في عام 1985، ومع اندلاع الانتفاضة الأولى تجددت اللقاءات في الجزائر وأنقرة واستنبول. دارت نقاشات داخل إيران حول الموقف من حركة حماس حضره ممثلون عن رئاسة الجمهورية ووزارة الخارجية والحرس الثوري ومكتب آية الله منتظري، ووضعت توصيات بهذا الشأن، وعلى إثرها قرَّر آية الله خامنئي التواصل مع الحركة.
بادرت طهران إلى الاتصال بحركة حماس، وكان حسين شيخ الإسلام[8] من المؤسسين لهذا الاتصال، كما بادرت وزارة الخارجية بقيادة علي أكبر ولايتي بإقامة علاقة رسمية مع حماس، ولعب الشهيد فتحي الشقاقي حينها دورًا في تشجيع الحركة على التواصل مع إيران.
ترددت حركة حماس في البداية، وكان بعض قياداتها من يعارض التواصل مع إيران، وبعد عدة محاولات إيرانية، عُقد لقاءٌ رسمي في الإمارات عام 1990 وُضِعت فيه الأسس للعلاقة بين الطرفين، وتقتبس الصمادي كلامًا لموسى أبو مرزوق حول هذا اللقاء، حيث قال: "عندما كنت في الولايات المتحدة الأميركية تواصل معي شخص على صلة بوزارة الخارجية الإيرانية، وجرى نقاش طويل مهَّد لأول لقاء مع الجانب الإيراني الذي مثله همايون علي زاده وأصغر محمدي، وشاركت فيه مع خليل القوقا مُمَثِلَيْن عن حماس". عرضت إيران في ذلك اللقاء مساعدات مالية إلا أن حركة حماس رفضت تَسلُّم المبلغ. وقد أوضح وفد الحركة للإيرانيين أنه يسعى لإقامة علاقات مع العراق والسعودية تسبق العلاقة مع إيران لخلق نوع من التوازن، وهذا ما جرى بالفعل.
تلا ذلك حضور وفد من الحركة مكوَّن من إبراهيم غوشة وعماد العلمي ومحمد صيام مؤتمر دعم الانتفاضة في طهران عام 1991. عقد الوفد سلسلة لقاءات مع كبار مسؤولي الدولة منهم السيد خامنئي ووزير الخارجية علي أكبر ولايتي، وعُيّن عماد العلمي أول ممثل للحركة في إيران[9]، وافتتح مكتب الحركة في بداية عام 1992، وأصدر وزير الخارجية قرارًا بأن يعامل مكتب حركة حماس معاملة باقي السفارات في طهران، واقتصر الدعم الإيراني في ذلك الوقت على الدعم اللوجستي وعلى المنح الدراسية. شجَّع تطور مسار السلام بين منظمة التحرير الفلسطينية ودولة الاحتلال حركة حماس على طلب الدعم الإيراني، فقدَّمت طهران دعمًا سياسيًا ملحوظًا لكن الدعم المالي بقي دون المستوى المأمول، إذ اقتصر على توفير نفقات المكتب والقليل المال.
حدثت أول زيارة رسمية لحماس إلى طهران في أيلول/ سبتمبر عام 1992، وترأس وفد الحركة في حينه موسى أبو مرزوق رئيس المكتب السياسي للحركة. اجتمع الوفد مع المرشد الأعلى ورئيس الجمهورية ورئيس مجلس الشورى ووزير الخارجية وقائد الحرس الثوري، ونجح اللقاء في التأسيس لتفاهم سياسي شامل حول القضية الفلسطينية، وتوسيع مستوى التعاون بين الطرفين.
شكَّل الإبعاد إلى مرج الزهور أواخر عام 1992 نقطة تحول قادت إلى توسيع العلاقة بين الطرفين وتعميقها. ففي اليوم التالي للإبعاد زار ممثل إيران (الحاج رمضان) المبعدين وعرض المساعدة، ثم تكررت زيارات أبطحي لمخيم مرج الزهور، وأدى فتح هذه العلاقة إلى كسر الحواجز بين الطرفين، وإزالة الكثير من الغبش حول تصور كل طرف للآخر من النواحي المختلفة، ودُرّب عشرات الكوادر العسكرية لحركة حماس، وتطور التدريب لاحقًا ليشمل جوانب مختلفة منها الجانب الإداري وكيفية الحكم، وكل ما تحتاجه الحركة من مهارات في الإدارة المحلية من دورات إطفاء النيران والإسعاف وحتى جمع القمامة، وكذلك الشؤون الصحية ومياه الشرب.. إلخ.
مع توسّع نشاط الحركة في مواجهة الاحتلال وتعدد مسؤولياتها، تصاعد الدعم المالي والعسكري، وتوسعت اللقاءات على المستويات القيادية، وحدثت قفزة نوعية في العلاقة بين الجانبين مع انتقال المكتب السياسي إلى دمشق عام 2000، إذ أصبح التواصل أكثر سلاسة وتسارعًا، ثم حدثت قفزة نوعية جديدة تحديدًا في مجالي التدريب والتسليح مع انتقال مسؤولية ملف الحركة إلى الحرس الثوري الإيراني عام 2006، وتعزَّز الدعم بعد حرب الفرقان (2008-2009) حتى وصل إلى ما مقداره 150 مليون دولار سنويًا.
بحسب الصمادي كانت الفترة الذهبية في الدعم الإيراني بين عامي (2005-2013)، وبقي الدعم الإيراني لحماس غير مشروط، وارتبط بنحو أساسيّ بالقضية الفلسطينية وخيارات المقاومة، مع التأكيد على إبعاد المسائل الطائفية والمذهبية عن العلاقة، والحرص على عدم التطرق إلى الموضوع الفكري والطائفي خلال التدريب. لقد "تلقت الحركة دعمًا كبيرًا ومهمًّا، سياسيًا وماليًا وعسكريًّا، ويرجع ذلك في واحد من أسبابه إلى عمق العلاقة بين قاسم سليماني[10] وأحمدي نجاد الذي كان مقتنعًا بأهمية العلاقة مع حماس كما كان لديه وفرة مالية بسبب مبيعات إيران من النفط التي وصلت إلى أرقام كبيرة" (ص 101)، لكن الدعم المالي من رئاسة الجمهورية توقف في فترة روحاني ولم يرجع بعدها.
· مطبات في مسار التحالف التاريخي بين الطرفين
واجه الطرفان بعض المطبات التي أثَّرت سلبًا على العلاقة، لكنهما تمكنا من تجاوزها، ومن هذه المطبات التعارض في المواقف بين إيران وحماس حول بعض القضايا مثل الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003، والانتخابات التشريعية الفلسطينية عام 2006، والحسم العسكري في غزة عام 2007، والثورة السورية عام 2011 والتي كان الموقف منها هو الأكثر خطورة على العلاقة بين الطرفين، إذ أدّى، وفق الصمادي، إلى شبه قطيعة إيرانية مع القيادة السياسية للحركة، كما أن إصدار حماس للوثيقة السياسية عام 2017 لعب دورًا هو الآخر في تعكير صفو العلاقة بين الجانبين.
في المقابل، بدأت الأصوات الإقليمية المنتقدة للحركة على علاقتها مع إيران بالتصاعد ابتداءً من عام 2000، ونسج كثيرون من مستويات رسمية وغير رسمية بعض الادعاءات من قبيل أن حماس أداة بيد إيران، ومنذ عام 2008، أصبحت مواقف بعض الدول أكثر عدائية مع حماس بحجة العلاقة مع إيران، وكانت العلاقة مع إيران حاضرة في الأزمة الخليجية عام 2017، كما صَنَّفت الرياض بعض قيادات حماس بأنّها "إرهابية" عام 2019، وشهدت العلاقة مع الإمارات تحولًا سلبيًا متصاعدًا منذ عام 2006، وكان العنوان الأبرز هو العلاقة مع إيران.
ورغم هذه المطبات إلا أنَّ التواصل مع الحركة لم ينقطع تحديدًا مع الجناح العسكري، وكان لصمود حركة حماس طوال خمسين يومًا في حرب العصف المأكول عام 2014 دور في دفع إيران لإعادة العلاقة مع الحركة. لقد تأكد لطهران أن حركة حماس قادرة على مواجهة "إسرائيل"، وأنَّ موقفها من سوريا لم يكن انقلابًا على مشروع المقاومة وإنما صدر عن رؤية وتقدير موقف، وأثبت كذلك أنَّه لا بديل عنها في الساحة الفلسطينية، وبعد الحرب فُعّل الخط الفني بين الحرس الثوري والكتائب، والاتفاق على تعزيز التسليح وإعادة ما دمره الاحتلال وكان ذلك بمعرفة القيادة السياسية للحركة وإذنها.
عُقدت عدة لقاءات غير معلنة بين الطرفين في استنبول وطهران منها لقاء خالد مشعل مع أمير عبد اللهيان (دبلوماسي إيراني) في الدوحة في أيار/ مايو عام 2014، وزار وفد من الحركة طهران عام 2016، وتوالت الزيارات، لكن طهران لم تستقبل خالد مشعل عام 2016 كما أن أوساطًا في حماس لم تكن ترغب في استعادة العلاقة مع إيران، ويُعدّ عام 2016 هو العام الذي حسمت الحركة فيه أمرها في قضية إعادة العلاقة مع إيران، إذ عقدت قيادة الحركة اجتماعًا في آذار/ مارس عام 2016 أقرت فيه موضوع عودة العلاقة مع إيران، وشُكل وفد زار لبنان وطهران سرًا في نهاية عام 2016، وفي هذا اللقاء تعهدت إيران بتقديم مبلغ 50 مليون دولار على الفور.
أثارت بعض التصريحات من كلا الطرفين في هذه المرحلة المتاعب أمام عودة العلاقة، لكن الطرفين تجاوزا ذلك، واستعادت العلاقة عافيتها مطلع عام 2017، وكان ممن بذلوا جهدًا كبيرًا لتحقيق ذلك الشيخ صالح العاروري الذي ناب عن هنية في عقد لقاءات مع قيادات من الصف الأول في حزب الله وإيران لمدة سنتين. ورغم أن العلاقة عادت إلى سابق عهدها إلا أن أيران أبقت على موقفها السلبي من خالد مشعل، وقد بدا واضحًا تأثير هذا الموقف في زيارته إلى لبنان عام 2021.
· طوفان الأقصى.. الموقف الإيراني والاختبار الأصعب في تاريخ العلاقة
ما أن علمت طهران بانطلاق عملية طوفان الأقصى، حتى تداعى صناع القرار فيها للنقاش بشأن الاستراتيجية الإيرانية في التعاطي مع الحدث. التقى خامنئي بـ "المجلس الجهادي" في الحرس الثوري، وطلب منهم تصورًا لكفية "مساعدة المقاومة في غزة، ويُنقل عنه أنه قال لأعضاء المجلس: أنتم أصحاب الاختصاص والمقترح الذي ستقدمونه هو ما سوف تسألون عنه يوم القيامة، وعاد المجلس ليقدم تقريره بأن خطة نتنياهو هي توسيع ساحة الصراع وجرّ إيران إلى حرب شاملة، ورسم المجلس ملامح وحدود خطة الإسناد التي شهدناها، ولذلك يبدو من الصعب تصور أن تنخرط إيران، التي بَنَت إستراتيجية دفاعية حذرة تقوم على الردع، في فعل عسكري خلف المقاومة الفلسطينية التي تدعمها" (ص 317-318).
أعلنت طهران دعم حركة حماس في قتالها ضد الاحتلال، ونفت أي دور مباشر لها في عملية طوفان الأقصى، وعدّت طوفان الأقصى هزيمة للاحتلال ليس من السهل التعافي منها، وهو حدث تاريخي على طريق "اجتثاث الأمركة" من المنطقة، تبع ذلك تحرك إيراني دبلوماسي حثيث لمعاونة المقاومة، ثم تدخل عسكري مضبوط على شكل عمليات نوعية، في المقابل أبدت حماس تفهمًا لمستوى الإسناد الإيراني، فالحليف هو "صاحب الحق في تقرير مستوى الاسناد وطرق تفعيله"، و"ما قامت به إيران جهد مقدر ومشكور"، رغم أن ذلك لم يكن بمستوى رغبة الحركة وتقديرها.
خاتمة
جرت تطورات كثيرة على المواجهة الطاحنة بين الاحتلال وحركة حماس بعد إعداد الصمادي لكتابها، كان منها تنفيذ إيران لعملية الوعد الصادق 2، ومنها اشتداد المعارك في شمالي قطاع غزّة وتمكن المقاومة من إفشال خطة التهجير، وبدء سريان وقف إطلاق النار في التاسع عشر من كانون الثاني/ يناير عام 2025، وانطلاق جولات من المفاوضات بين حماس والاحتلال في الدوحة، وتنفيذ عمليات تبادل للأسرى بين الطرفين، ويبقى الباب مفتوحًا على أكثر من سيناريو، لكنَّ الثابت هو استمرار الصراع بين الاحتلال والمقاومة، واستمرار نهج المقاومة في التحالف مع القوى المعادية لـ"تل أبيب" وفي مقدمتها طهران[11].
[1] صدر هذا الكتاب في تشرين الأول/ أكتوبر عام 2024، عن مركز الجزيرة للدراسات والدار العربية للعلوم ناشرون.
[2] أستاذة جامعية متخصصة بالشأن الإيراني، حاصلة على الدكتوراه من جامعة علامة طباطبائي في إيران. باحثة أولى في مركز الجزيرة للدراسات، وتشرف على الدراسات المتعلقة بإيران وتركيا ووسط آسيا.
[3] هنالك الكثير من الدراسات والأبحاث وأوراق العمل والمقالات التحليلية بالعربية حول علاقة حماس/ إيران، لكن كتاب الصمادي هو أول كتاب شامل متخصص يصدر حول الموضوع.
[4] منهم: آية الله كاشاني وآية الله بروجردي والإمام الخميني ونواب الصفوي وآية الله طالقاني والعلامة الطباطبائي وآية الله كلبايكاني ونجفي مرعشي وآية الله مطهري وغيرهم.
[5] تراجعت العلاقة مع أبو عمار بتأثير فشل وساطته لحل أزمة الرهائن الأمريكان في طهران واندلاع الحرب العراقية الإيرانية، وانتهى الرهان الإيراني على منظمة التحرير مع توقيع الأخيرة اتفاق أوسلو عام 1993.
[6] التزمت رئاسة الجمهورية بهذا الموقف خصوصًا في عهد أحمدي نجاد، لكنَّها كانت أقرب إلى قبول التسوية في فلسطين وفق الإرادة الدولية كما في فترة خاتمي ومع دخول الجيش الأمريكي بغداد، وكانت غير معنية بالمقاومة الفلسطينية كما في فترة روحاني الذي لم يلتقِ أيًا من قادة حركة حماس طوال فترة ولايته.
[7] ممثل الحرس الثوري لدى فصائل المقاومة الفلسطينية، والأمين العام لمؤتمر دعم الانتفاضة.
[8] نائب في مجلس الشورى الإيراني، وسفير إيران في سوريا سابقًا، ومستشار وزير الخارجية جواد ظريف.
[9] مثَّل الحركة في طهران أسامة حمدان بين عامي (1993-1998)، ثم أبو محمد مصطفى بين عامي (1998-2001)، ثم عبد المعطي زقوت بين عامي (2001-2010)، ثم خالد القدومي.
[10] وفق الصمادي كان "لقاسم سليماني، شبكة علاقات قوية مع شخصيات وزعماء في المنطقة، يقول قادة حماس إنه وظفها لخدمة القضية الفلسطينية. ويصفه أبو مرزوق بأنه كان سيد الخداع الإستراتيجي، هادئًا ومتدينًا طموحًا لا ينتهي في التمدد والثورة. يقول: أريد أن أكون شهيدًا وليس رئيس جمهورية.. كان إذا وعد أوفى، ما وعدنا بشيء إلا نفذه.. كان يقدم كل ما يستطيع" ص 246، وقال بيان كتائب القسام حول سليماني ودوره: إن "الحاج قاسم عمل على تقديم كافة أشكال الدعم للمقاومة، لمجابهة العدو الصهيوني، وإن دوره الكبير في هذا المسار جعله هدفًا كبيرًا لأمريكا والعدو الصهيوني" ص 245.
[11] زار وفد من الحركة طهران في الثامن من شباط/ فبراير عام 2025، والتقى المشرد الأعلى السيد خامنئي، والرئيس مسعود بزشكيان، ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، ووزير الخارجية عباس عراقجي، وقائد الحرس الثوري حسين سلامي، وهي الزيارة الأولى من نوعها بعد الإعلان عن وقف إطلاق النار.