خليل بدوية في أوراق أكرم زعيتر.. المثل العالي للوطنية الباذلة

خليل بدوية في أوراق أكرم زعيتر.. المثل العالي للوطنية الباذلة
تحميل المادة

"إن هذا الفتى من أخلص من عرفت. وهو فوق اتقاد قلبه، فهيم، جذاب، تقرأ الرجولةَ في قسمات وجهه".

كانت هذه الكلمات خاتمةَ يومية 2 كانون الثاني/ يناير 1936، التي دوّنها أكرم عمر زعيتر (1909-1996) الشاب الداعي للثورة على "أصل الداء". وفي خاتمته ليومية 6 أيلول/ سبتمبر 1936 كتب زعيتر المعتقل في سجن صرفند، ضمن عشرات الشخصيات التي اعتقلتها السلطات الاستعمارية البريطانية لوأد الثورة: "قال لي هاشم السبع: أنعي إليك خليل بدوية، فلقد استشهد في معركة بلعا! فصحت ماذا تقول يا هاشم؟ فأكد الخبر لي، فوجمت، ثم أسبلت دمعة على هذا الفتى البار الوفي المقدّم. إن خليل بدوية المثل العالي للوطنية العاملة الباذلة..".

لم تكن يومية 2 كانون الثاني/ يناير، ولا يومية 6 أيلول/ سبتمبر، أثر خليل الوحيد، إذ وُجد في أوراق زعيتر المحفوظة في أرشيف مشروع توثيق القضية الفلسطينية في "المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات" مجموعة مكاتبات خطها بدوية لزعيتر. أمكن من خلالها إعلاء صوت مقاتل، استشهد في بواكير ثورة أهل البلاد الكبرى على المشروع الاستعماريّ البريطاني. ولعل هذا الصوت يتجاوز الإسكات المفروض على أصوات عشرات الشهداء والمقاتلين، الذين قُتل صوتهم، ومُحيَ أثرهم بفعلٍ استعماري بريطاني أولاً، تلاه محوٌ استعماري صهيوني لما بقي.

 

مبتدأ اللقاء

وصلت أول مكاتبات خليل بدويّة إلى زعيتر يوم 2 كانون الثاني/ يناير 1936، فاستدَعَت تدوين اليومية الأولى لزعيتر. أُرسلت الرسالة من يافا/ حي العجمي، يوم 5 شوال سنة 1354 هـ الموافق لـ 31 كانون الأول/ ديسمبر 1935. وكما ظهر من يومية زعيتر ومن متن الرسالة فإنها جاءت إتمامًا لحديث سابق. فخليل -كما دوّن زعيتر- "فتى يتقد حماسةً. مات أبوه وهو صغير، إنه وحيد أمه، جاءني منذ أسبوعين [-في ظلال احتفاء زعيتر ورفاقه بشهادة عز الدين القسام وصحبه-] وعرّفني بنفسه، وطلب إليّ أن آخذ بيده للالتحاق بالمدرسة العسكرية في بغداد. هناك صعوبة، وقد وعدته بالكتابة إلى بعض الأصدقاء، وطلبت أن يكتب إلى الأستاذ درويش المقدادي [-كان يعمل مدرّسًا آنذاك في العراق التي عاد منها زعيتر حديثًا، وهو من أصدقاء زعيتر المقربين-] وأن يوسط الأستاذ رفيق التميمي لدى أخ زوجته تحسين قدري، ذي الكلمة النافذة في البلاط العراقي".

وُجد في أوراق أكرم زعيتر المحفوظة في أرشيف مشروع توثيق القضية الفلسطينية في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسة مجموعة مكاتبات خطها الشهيد خليل بدوية لزعيتر. أمكن من خلالها إعلاء صوت مقاتل، استشهد في بواكير ثورة أهل البلاد الكبرى على المشروع الاستعماريّ البريطاني

وأضاف زعيتر: "ويقول خليل أنه يهدف من الانتماء إلى المدرسة العسكرية أن يتعلم فنون القتال، لأنه يؤمن بأن القتال وحده هو سبيل مقاومة الإنكليز في فلسطين". تخبر رسالة بدوية، تفاصيل عن طريقه نحو الإعداد. لكن سَبَق هذه الرسائل تفاصيل عن اللقاء الأول بين بدوية وزعيتر، بثها زعيتر في يوميته لما أتاه خبر شهادة خليل، فكتب: "عرفته منذ سنتين في حرم سيدنا علي، حيث كنت أقضي والسيدين عزة دروزة وواصف كمال بعض أيام الصيف. يوم جاء الفتى خليل يعرفني بنفسه ويحمل إليّ سلامًا من مدير ثانوية يافا رفيق التميمي ويقول: لقد أنجزت الدراسة في ثانوية يافا. إن أقصى آمال أن التحق بالمدرسة العسكرية في العراق. جئتك أرجو أن تدلني على السبيل لقبولي في المدرسة المذكورة، فشرحت له صعوبة ذلك، وضربت له مثلاً إخفاقي في جهودي لقبول السيد ذو الكفل عبد اللطيف في المدرسة العسكرية، وأشرت عليه بأن يرجو الأستاذ رفيق التميمي أن يوسط السيد تحسين قدري وهو شقيق زوجته، ورئيس التشريفات في الديوان الملكي العراقي في الأمر. وانصرف وقد أعجبت بروحه وطموحه".

سعى خليل لتحقيق مبتغاه، لكن كان الحاجز الأول أمامه ذووه. إذ رَغِبَت العائلة في أن يتوجه ابنها إلى مصر، حيث حصل على بعثة من إدارة المعارف في فلسطين، خشي خليل أن يمنعه الالتحاق بمدرسته الجديدة في القاهرة، من الالتحاق ببغداد، فالخروج من البعثة قد يحمّل العائلة مسؤوليةً ماليةً لا تستطيع تحملها. فعمل على البحث عن بدائل تسهل عليه مسعاه، كتب بدوية في رسالته الأولى لزعيتر:

"حاولت أن أقنع أهلي بالذهاب إلى مصر وترك البعثة من هناك، وبعد أن أنتمي إلى إحدى المدارس الأجنبية، فأتزود من الإنكليزية وأتعلم الفرنسية، لأن الفرنسية تفيد في المدرسة الحربية بقراءة بعض كتبها في الاستراتيجية- إلا أن خالي [-وكان خاله كما يبدو متولي أمره بعد وفاة والده-] قال: بدل أن تذهب إلى مصر وتتعلم ما تريد، تعلم هنا. فرأيت من قوله فرصةً مناسبةً لدخول النجاح، فلاقيت منه بعض القبول، طبعًا بدفع المصاريف عن بقية السنة، لأنه لا أريد أن أضيع السنة سدى".

وأضاف خليل:

"أما أنا فأفضل الذهاب من الآن إلى العراق إن كان بالإمكان الدخول في دار المعلمين، إن كانت حكوميةً ويُقبل من يتخرج منها في المدرسة الحربية، وإذا كان لا بد من المدارس الثانوية، فأنا أفضل أيضا الانتماء من الآن لإحدى مدارسها الثانوية -السنة أو السنة المقبلة على شرط أن تكونوا يا سيدي العزيز واثقين من الدخول في تلك المدارس- أي تأخذوا وعدًا صريحًا بقبولي فلا تُعرقَلُ المسألة حين الوصول".

"يقول خليل أنه يهدف من الانتماء إلى المدرسة العسكرية أن يتعلم فنون القتال، لأنه يؤمن بأن القتال وحده هو سبيل مقاومة الإنكليز في فلسطين". زعيتر عن بدوية

بعد أيام توجه زعيتر وبدوية إلى حيفا، للقاء القنصل العراقي كاظم الدجيلي، بواسطة رشيد الحاج إبراهيم، وفي انتظار نتيجة مراسلة الدجيلي لوزارة الخارجية العراقية، غادر بدوية فلسطين إلى القاهرة، ليلتحق في القسم الداخلي من المدرسة السعيدية الثانوية في الجيزة. هناك جاء خبر مبشر كما يبدو من الخارجية العراقية، فكتب على إثره بدوية لزعيتر رسالته الثانية يوم 27 ذو القعدة سنة 1354 هـ الموافق لـ 20 شباط/ فبراير 1936. تضيء هذه الرسالة على بعض سمات خليل، التي سبق وانتبه إليها زعيتر، فمما جاء فيها:

"أما حالتي المدرسية مع بعض المدرسين فغير مرضية لأنه لا معنى للكرامة أو عزة النفس عندهم لأنهم على الذل مجبولون".

اعتنى خليل أيضًا في رسالته ببث أشواقه الثورية، فكتب:

"وإنني جد منزعج لحوادث سوريا الشمالية المحبوبة، ولكن شيئا واحدًا يعزيني هو أنكم تنظرون إليها بفائق عطفكم في سوريا الجنوبية المفداة. ومما يجدر بالمقام أنني رأيتني معكم في ذات ليلة وكنا نعد للثورة عدتها وعتيدها ونجند الشباب لمصارعة الاستعمار الغاشم، والاستبداد الظالم. وهذا مما يزيدني شغفًا بحبكم، وتقديرًا لمقامكم الكريم، ثقةً بشهامتكم وغيرتكم الوطنية، دمتم للواء الوطن المفدى رافعين".

تلا هذه الرسالة، رسالة ثالثة من بدوية، أُرسلت من مدرسته في القاهرة يوم 5 محرم سنة 1354 هـ، الموافق لـ 28 آذار/ مارس 1936، ردًا على رسالة سابقة من زعيتر، وصلت رسالة بدوية زعيتر، فيما كان مشغولاً ورفاقه في الإعداد للثورة المقبلة، والتحريض على المواجهة، وانعكست أحوال البلاد المضطربة على مضمونها. تحدث في هذه الرسالة عن مسعاه للالتحاق بالمدرسة الحربية، وأنه يحاول إيجاد بعض الطرق التي قد تؤهله للالتحاق فيها، ومنها التجنس بالجنسية العراقية. عن هذا الطريق كتب بدوية:

"تعرفت على شاب عراقي وبعد المباحثة عرفت أن الشهادة التي لدي تخولني دخول السنة الثالثة ثانوي، وكما فهمت أنه يمكن دخول الرابعة إذا كان يوجد من يتولى هذا الأمر وعلمت أن التجنس ممكنٌ بعد تقديم طلب إلى وزارة الداخلية وللقضية عملية تطول وبعض التحقق والتحري يمنح الجنسية العراقية ولا يتوظف إلا بعد مضي خمس سنوات فما رأيكم فيما إذا كان بالإمكان دخول المدرسة الحربية بدون تجنس أظن هذا أفضل بكثير، فلا يكون لدى الاستبداد مبرر في إخراجي من البلاد وحين العمل..."

وبدأ خليل كما يبدو بالاستعداد لقطع بعثته، التي كان يخشى -كما عبر في رسالته الأولى- أن يضطر للكذب والاختلاق -وهو ما لم يعتد عليه- لقطعها، فيتعرض لـ "تأنيب الزاجر الناهي". فوضع مسارًا أوليًا لذلك في رسالته الثالثة إلى زعيتر:

"كتبت لإدارة المعارف في 17 مارس بأني مريض -بحالة نفسية بأمراض عصبية وأرسلت مع الرسالة شهادات الأطباء الذين راجعتهم وطلبت منها، إما التصريح بالمجيء إلى فلسطين لمراجعة طبيبي الخاص، وطبيب الصحة المختص بالأمراض العصبية، وإما أن يراني طبيب أخصائي بالأمراض العصبية في مصر على نفقة الإدارة".

لم تمض رسالة بدوية هذه إلى زعيتر، قبل أن يبث فيها أشواقه الثورية من جديد، وتحت عنوان، سوريا، كتب عن الحالة الثورية، وترقبه للثورة:

"حوادث الشمال السابقة جعلتني أضرب عن المعايدة والمزاورة، وعن زيارة المعرض مشاركة، وقد سعدت لما قد أسفرت عنه حوادثها [يقصد حوادث الشمال] من نجاح باهر كما ابتغي وأرجو للوفد السوري كل التوفيق. وإنه لبادرة خير ومجلبة فخر قيام العمال في الجنوب بحركاتهم الأخيرة، إذا كانت معززةً بالقوة المعنوية والمادية ومنتظِمةً تنظيمًا مثمرًا، ولا عائق يخلفني عن الاشتراك معهم، إذا احتاج الأمر دفع شأن حبيبتي المعبودة..."

وأضاف خاتمًا رسالته:

"آمل أن تكون أحوال بلادي المفدّاة آخذةً في التحسن المطرد[1] كما أرجو أن تكونوا بمؤازرة الشباب قد وضعتم حدًا نهائيًا ثابتًا لتهريب السلاح وأن يشرع الشعب العربي بالتسلح إذ يكاد يبلغ ما عند اليهود الآن من ذخيرة ثلث ما كان لدى القيادة الروسية سنة 16 على الجبهة الغربية. وأنني لأشكر كل الشكر حسن تقديركم إياي كما أنني عند حسن الظن دائمًا دمتم لخير الوطن المفدى عاملين وللوائه رافعين".

 

منتهى اللقاء.. "وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ"..

 أيام قليلة، حتى كانت الحادثة التي هزت البلاد -بتعبير زعيتر- مساء 15 نيسان/ أبريل 1936، "إنها عصابة وطنية مجاهدة"، نفذت عمليتها الأولى بالقرب من سجن نور شمس. بعد ليلتين، كتب زعيتر: دق باب الدار بغد المغرب. إنه شاب يلبس لباسًا قرويًا قال إنه يحمل رسالة ليسلمها إلى شخص أكرم زعيتر. تفرست فيه فلم أتبين ملامحه لانسدال الكوفية على جبينه. سلمني الكتاب ورفض أن يدخل الدار وانصرف من دون أن يقول لي ما اسمه. فضضت المغلف ’المطعوج‘ أربعة أسطر تقرأ بصعوبة، الإمضاء ’مشربك‘ وقد خمنت أنه إمضاء فرحان السعدي. يقول: ’نقوم بالواجب في سبيل الله، بدأنا وسوف ننتصر، الحاجة ماسة إلى خرطوش، المال نأخذه لهذه الغاية، نعتمد عليكم".

أيام قليلة أخرى، واجتمع أهل نابلس، وزعيتر من أبرزهم، ليعلنوا عن الإضراب العظيم، أما زعيتر ورفيقا دروبه الخفية، واصف سعيد كمال (1907- 2007) وممدوح أحمد السخن (-1974) فعقدوا اجتماعًا خاصًا، تقرر على أثره ضرورة مرافقة أعمال العنف ضد السلطات للحركة الشعبية المقرة من عموم النابلسيين، بتعبير زعيتر: "أردنا بالإضراب المستمر أن يوّلد الثورة المنشودة". وأضاف: "ارتأى واصف وممدوح أن أختصّ بالشؤون العلنية والاتصالات السياسية، وأن يشرعا هما في تدبير حوادث العنف بنابلس ضد الحكومة".

 

 

اشتعلت الثورة، وعاد خليل

كتب زعيتر في يوميته الأخيرة عن الشهيد بدوية: "في العطلة المدرسية نشبت ثورتنا، وإذا به يتجول في القرى داعيًا إلى الجهاد، حاثًّا على التضحية، وبينما كنت ذات يوم في النادي الرياضي بنابلس، منهكًا في العمل، إذا بخليل يقدم بكوفية وعقاله ولباسه الكشفي. لقد جاء ليستشيرني في واجبه في المعركة، وأقسم ألا يعود إلى المدرسة، والبلاد ثائرة. وعاد إلى بلده يافا".

ردت السلطات الاستعمارية على أهل البلاد بعنفها القديم الجديد، وكان من ذلك اعتقال عدد من أبرز الشخصيات الفلسطينية، كان زعيتر أحدهم، والذي نقل إلى عوجة الحفير[2]، هناك حاول خليل الوصول إليه ولم ينجح، فاكتفى بترك قطف موز هديةً منه. فرد زعيتر الهدية برسالة، فرد عليها بدوية في رسالته الأخيرة التي أرسلت بتاريخ 27 ربيع الآخر سنة 1355 هـ الموافق لـ 17 تموز/ يوليو 1936، بعد عودة بدوية من القاهرة إلى مدينته يافا. كانت هذه الرسالة استثنائيةً في محتواها، إذ ظهر أن بدوية حقق مسعاه ووصل إلى مبتغاه، فكانت رسالته/ إعلانه، وصية أخيرة على أبواب الثورة فالشهادة، كتب بدوية:

أخي الهمام أكرم

تحيات الله وسلامه وأشواق الوطن ووداده

لم أكن أفكر بأن السياسية الصهيونية الاستخرابية الخاطئة في هذه البلاد التعيسة ستحول بيننا فلا نستنشق بهناء.. نسيم الحرية العليل فنفترش أرض تلك الشاهقات الحصينة ونلتحق بسمائها الصافية، ولكن نفذ السهم. نعم هو كذلك، ولكنه سينفذ في صميم الإمبراطورية بإذن الله تعالى.

إنه لمما يسرك كثيرًا: النظر إلى تلك النفوس الثائرة الكارهة لرؤية الإنكليز تحفزًا للعمل، بل للجهاد المتواصل وللمعركة الحاسمة. كل ذلك الاشمئزاز من الإنكليزي ناتج عن مناصرتهم للسياسة الصهيونية الاستخرابية لتلك الشرذمة الفتاكة بالفضيلة الخُلقية الإنسانية -اليهود- ماذا ترى؟ إنهم يئسوا من سياسة البندوق السامج الخاطئة، كما يقول القرويون، فالحماس آخذ في الازدياد يومًا بعد يوم فانتظر. إنهم يقولون: إننا لن نتراجع مهما كلفنا الأمر وسوف لا نفتح مخازننا بدون أن تجاب مطالبنا الحقة، إن الموت خيرٌ ألف مرة من البقاء تحت نير الاستعباد وجبروت البريتاني[3]، وسوف لا تضيع حقوقنا فإن الموت هو الخلود بعينه بل هو الحياة كل الحياة. لقد وطدنا أنفسنا وأقسمنا ألا نتراجع قيد شعرة عن الدفاع عن مطالبنا المشروعة ولو أدى ذلك إلى إفنائنا جميعًا ولن تضيع حقوقنا ولن تذهب أصواتنا دون أن تُحدث أثرًا فعالاً في العالميْن العربي والإسلامي. يجب أن نعتمد على أنفسنا الاعتماد كله قبل كل شيء وفي أي عمل.

ثم انظر إلى نفسية الجندي الإنكليزي فقد انحطت معنوياته الأدبية الانحطاط كله، وقد ظهر لي تمامًا ورأيت بعيني بأنه لا يصلح للحرب في البلاد الجبلية خصوصًا، أمام العصابات الثورية التي تعرف مواقع بلادها الحصينة، لقد أصبح الجندي متعبًا فلا يقدر على أكثر من مائة متر ويستريح. لقد أيقنت هذه الأمة الباسلة التي اعترف لها التاريخ بشدة مراسها وقوة عزيمة رجالها الأبطال وثباتهم في الحروب والمواقف الحرجة أن بريتانيا عدوتهم اللدودة..

لقد أثبت الإنكليز في هذه الظروف بأنهم أعداؤنا وإننا نشكر للظروف التي عرفتنا حقيقتهم وسوء نواياهم فقد هضموا حقوقنا وشردوا أبطالنا ونفوا أحرارنا ومنحوا أرضنا لمتشردي الآفاق وليس لنا إلا أن نقف أمامهم كموقفهم. لقد أصبح أفراد الجيش يخافون من العربي وقد حدث هذا معي فقد كنتُ لابسًا مرةً لباسًا عربيًا ومررتُ وحدي أمام اثنين من الجنود كانت بندقيتهما بجانبهما ولما رأياني أسرعا إليها واستعدا خشية أن اختطفها من أحدهما هذا في الخارج. وقد كنت ذات مرة سائرًا في يافا وكان جندي إنكليزي وآخر ابن عرب فمددت يدي إلى جنبي لأتناول بعضًا من (الثيكس)[4] فغمز الإنكليزي ابن العرب ولم أكد أخرج يدي حتى اصفرّ وجه الأول فقلت له أريد أن اطلق عليك فاستعد ولما رأى ابن العرب العلبة قهقه وقهقه الباقون حولي. فانظر واستنتج بنفسك.

تبًا لوقت صار العربي المسلم يخضع لأمر اللص البريتاني المخادع. فتصبّر يا أخي فإن نصر الله قريب وتحمل مشقة النفي في سبيل الوطن المفدى فما ضر روسو بل ما ضر فولتير الاضطهاد والتعذيب والنفي.

فقد بدأت الحالة الآن تتطور تطورًا عنيفًا في جميع الجهات لأن السلطة الفاسقة مصرة على سياسة الإرهاب، والعنف والتقتيل والتخريب.

أخي الكريم

إنه لا يخيب ظنك في أخيك خليل ولن يخيب بإذن الله فإن أخباري منذ أن أتيتُ من مصر تسُرّكَ بعض الشيء وستسرك أكثر من ذي قبل فإن الذي جعلني آتي رغم إرادة الإدارة -وقد تخلفت- هو الذي جعلني ويجعلني وسيجعلني أؤدي ما يوجب عليّ الوطن المفدى من خدمات ولن أضنّ عليه بالتضحية في نفسي فاطمأن يا أخي وإلى لقاء".

"في العطلة المدرسية نشبت ثورتنا، وإذا به يتجول في القرى داعيًا إلى الجهاد، حاثًّا على التضحية، وبينما كنت ذات يوم في النادي الرياضي بنابلس، منهكًا في العمل، إذا بخليل يقدم بكوفية وعقاله ولباسه الكشفي. لقد جاء ليستشيرني في واجبه في المعركة، وأقسم ألا يعود إلى المدرسة، والبلاد ثائرة. وعاد إلى بلده يافا". زعيتر في يوميته الأخيرة عن الشهيد بدوية

 

في الدم حياة

ختم زعيتر تذكّره للشهيد بدوية في يوميته الأخيرة، "حالَما علم [خليل بدوية] بوصول القاوقجي التحق به، واشترك في أولى معاركه، أي في معركة بلعا، واستبسل فيها حتى استشهد، وقال لي الناعي أنه دفن حيث استشهد بألبسته.. وخليل وحيد أمه وقرة عينها وجنة فؤادها... وقد توفي أبوه وهو صغير وها هي ذا تثكله أمه أفرغ الله عليها الصبر، إلا أنني أحس والله بلوعة كاوية لفقد هذا البطل.

"الموت هو الخلود بعينه بل هو الحياة كل الحياة. لقد وطدنا أنفسنا وأقسمنا ألا نتراجع قيد شعرة عن الدفاع عن مطالبنا المشروعة ولو أدى ذلك إلى إفنائنا جميعًا ولن تضيع حقوقنا ولن تذهب أصواتنا دون أن تُحدث أثرًا فعالاً في العالميْن العربي والإسلامي. يجب أن نعتمد على أنفسنا الاعتماد كله قبل كل شيء وفي أي عمل" من رسالة بدوية الأخيرة قبل استشهاده إلى زعيتر

واستلقيتُ على فراشي، ناحبًا، وإذا بالسيد عبد القادر اليوسف عبد الهادي، المعتقل معنا يدخل ويجلس بجانبي، وتبادلنا التحية ثم قال والدمع يتأرجح في عينه، جئتُ من كوخنا لأطمئن منك على الحالة، وعلى تطور الحوادث، إلى أن أتينا على ذكر مقدمة القاوقجي، فقال لي: يا أخي أكرم، إنني أذنبت في حياتي كثيرًا، لي سيئات، وإني والله لمشتاق إلى الاستشهاد، إنه السبيل الوحيد للتكفير عن سيئاتي. غاية ما أرجوه أن أختم حياتي بعد أن تجاوزت الستين من عمري بالشهادة.. ولقد كتبت اليوم إلى ولدي غالب أدعوه إلى أن يقوم بواجبه مع عمه رؤوف.. وأن يتصل بالثوار رغم صغر سنه، وبكى شيخي عبد القادر..."

انتهى...

"حالَما علم [خليل بدوية] بوصول القاوقجي التحق به، واشترك في أولى معاركه، أي في معركة بلعا، واستبسل فيها حتى استشهد، وقال لي الناعي أنه دفن حيث استشهد بألبسته" أكرم زعيتر في يوميته الأخيرة عن خليل بدوية

صورة خليل بدوية

الرسالة الأخيرة من خليل بدوية


رثاء أكرم زعيتر لخليل بدوية


[1]. مكتوبة في النص الأصلى المضطرد

[2] معسكر أقامه الاحتلال البريطاني في منطقة "عوجة الحفير" بالنقب اعتقل فيه قادةً فلسطينيين إبّان الثورة الكبرى.

[3]. يبدو أن كتابة بريطانيا بالتاء (بريتانيا) كان شائعًا في ذلك الوقت.

[4]. لم يتضح لنا المقصود بذلك بالضبط، لكن هكذا رسمها في النصّ الأصلي