ذكريات سيرين الحسيني من القدس .. من أجل بناتي والأجيال الآتية

ذكريات سيرين الحسيني من القدس .. من أجل بناتي والأجيال الآتية
تحميل المادة

"كثيرًا ما أعود، عبر الحُلُم، إلى القدس. وهذه الرحلة الداخلية لا تحمل دائمًا بصمة الحزن واليأس؛ فأحيانًا، مجرد الفرح بأن أوجدَ فيها من جديد، يملؤني دفء عميق. أغمض عيني وأحلم في دخيلتي. أختار رفقائي والأمكنة التي أتمنى زيارتها والأشخاص الذين أرغب في رؤيتهم، شيوخًا وشبابًا، وبعضهم قد طواهم الموت منذ سنوات، والبعض الآخر هم على قيد الحياة". سيرين شهيد الحسيني.

كنت قد دوّنت مقالتي الأولى على منصة إطار، أدلل فيها على خصوصية كتابة المرأة عندما تكتب عن نفسها وذكرياتها، وتفاصيل أماكن الذاكرة في مخيلتها. قرأت ذلك في مذكرات هالة السكاكيني، في "أنا والقدس"؛ أحيائها وشوارعها ومدارسها، وأين جلس والدها يقرأ، وأين أعدت أمها الطعام. هكذا تكتب المرأة، بحميميتها ومشاعرها الدافئة. وتحسّسنا أماكن ذاكرتها بتفاصيلها الدقيقة، فقلنا إن الذاكرة تكتب التاريخ في صورته الأولى.

المرأة التي أكتب عنها، هنا كذلك، تكتب عن نفسها، في مذكراتها "ذكريات من القدس"، هي سيرين شهيد الحسيني، وقد كتبت مذكراتها بالإنجليزية ثمّ ترجمت إلى العربية.

"أكبر الأسئلة شخصيةً حول الحقيقة: ما الذي أفعله حقًا؟ ولماذا أنا الذي يفعل؟"، هذا ما يقول نيتشه، بينما أسأل سؤالي الأكثر خصوصية: من الذي يتوجب عليه فعل الكتابة ولماذا؟

تقول سيرين الحسيني: "كتبت هذه الصفحات عن طفولتي وعن فلسطين في ثلاثينيات القرن الماضي، من أجل بناتي والأجيال الآتية، التي لعلها تجهل كل شيء عنا وعن طريقة عيشنا. ويبدو لي مهمًا الحفاظ على ذاكرة تلك الأيام المندثرة؛ ذلك أن الأمل في مستقبل أفضل لا يمكنه أن يتغذى إلا بمعرفة حقيقيّةٍ للماضي".

أما محررة الكتاب، جين مقدسي، فتقول إن سيرين عندما قدّمت لها مذكراتها بدت متحفظةً خجولةً، ولكنها تعتقد أن سبب كتابتها كانت استجابة لضرورة قاهرة، فبينما تكتب هالة السكاكيني أن الضرورة التي دعتها لكتابة مذكراتها هي موت أمها بعد مدة قصيرة من المرض، كانت حقيقة الموت، بالرغم من أنها الحقيقة الوحيدة حولنا، إلا أنها صادمة، لقد خافت هالة من أن تندثر الذكريات، وتندثر أمها وعائلتها، وجلهم ماتوا مبكرًا، فالسكاكيني حفظت القدس بمذكراتها، إنها كالتقاط صورة فوتغرافية لإيقاف لحظة من الزمن. وهكذا تفعل سيرين، إن مبررات الكتابة تكاد تكون متشابهةً، فسيرين تكتب لبناتها وللأجيال التي ربما ستجهلنا، فلنكتب إذن عن أنفسنا "لنثبتنا" والقدس في صورة!

"كتبت هذه الصفحات عن طفولتي وعن فلسطين في ثلاثينيات القرن الماضي، من أجل بناتي والأجيال الآتية، التي لعلها تجهل كل شيء عنا وعن طريقة عيشنا. ويبدو لي مهمًا الحفاظ على ذاكرة تلك الأيام المندثرة؛ ذلك أن الأمل في مستقبل أفضل لا يمكنه أن يتغذى إلا بمعرفة حقيقيّةٍ للماضي". سيرين الحسيني

في "ذكريات من القدس"، ذاكرة بصرية نشطة، فكما شعرنا أننا نسير في المصرارة والقطمون والكولونية الألمانية، ونشاهد الدكاكين والبنايات التي تغيرت مع هالة، نشعر بأماكن القدس وروائها في سيرين.

ولم يكن في نية سيرين أن تكتب تاريخًا سياسًا واجتماعيًا لفلسطين، ولا أن تكتب سيرة ذاتية في طابع تقليدي، وإنما أرادت أن تستذكر وأن تثبت ما تستذكره، باستعادة الماضي، صورِه، وألوانِه، وأحاديثِه، وملامحِ الشخصيات فيه.

وإن ما يجعلني أكتب عن مذكرات النساء، هي ما تتميز به كتابتهن عن ما يكتبه الرجل، إن هذه الكتابات القليلة تستحق أن يُضاء عليها، بل وأن تُجمع وتدّون وتنقد وتُتناول بالدراسة، وأن تنشر كذلك. إن لكتاباتهن  رائحةً، ولونًا، وملابسَ، ومشاهدَ، ومحكياتٍ، ليس في التاريخ الذي يكتبه الرجال، "في بعض الأيام، يثقل الماضي كثيرًا على القلب، لكنني أعاود الاستغراق فيه وأتذكر"، كما كتبت جين سعيد مقدسي، محرّدة المذكرات.

 سيرين شهيد الحسيني، ولدت في عام 1920، لأسرة من أعيان القدس آنذاك. وهي منذ البداية تقول إنها تكتب القدس وما جاورها، وشبكة الأهل والعلاقات في كل مكان حلّت فيه أو ارتحلت إليه. والغريب في كل ذلك أن أنها لا تتصدر حتى في مذكراتها، وإن كانت المذكرات نوعًا من الكتابة الذاتية التي تحتمل بكل تأكيد تثبيت الذات، وهي بالأساس تكتب لهذه الغاية، ولكن سيرين تقول إنها لا تعدّ نفسها أدبيةً ولا مناضلةً! فمن أي مواقع الذات تكتب إذن؟

إن مراحل سفرها وزواجها وإنجابها مناطق بارزة في مذكراتها. أما تشكل وعيها فقد كان في دوائر مختلفة؛ الانتداب ومآسيه، الزواج والمشاعر، الأمومة، التنقلات، ومن ثم الشيء الحاسم الذي قلنا إنه الحقيقة الواحدة التي نعلمها من حولنا وهي الموت!

وإن ما يجعلني أكتب عن مذكرات النساء، هي ما تتميز به كتابتهن عن ما يكتبه الرجل، إن هذه الكتابات القليلة تستحق أن يُضاء عليها، بل وأن تُجمع وتدّون وتنقد وتُتناول بالدراسة، وأن تنشر كذلك. إن لكتاباتهن  رائحةً، ولونًا، وملابسَ، ومشاهدَ، ومحكياتٍ، لا تجدها في التاريخ الذي يكتبه الرجال

تستحضر سيرين سنوات المصائب والهجرة، تصف المهاجرين المارين. والأهم والدها جمال الحسيني الذي نُفي وقيادتٍ فلسطينيةً في أعقاب الثورة الفلسطينية في عام 1936. ومن ضمن الشخصيات التي تستعرضها، الحاج أمين الحسيني، المفتي، وموسى العلمي، خالها، وفيضي العلمي، جدها. درست الحسيني في مدارس الفرندز في رام الله ومن ثم الجامعة الأمريكية في بيروت.

تصف، سيرين، لا بقلمها، بل بعينيها، إنهاك الفلسطينيين والهاغاناه تتناوشهم، مجردين من كل شيء يدافعون به عن أنفسهم. موتٌ وفراق وخسائر، في مظهر حكائي مفكك، يقدم لنا محضرًا نفسيًا، غير رسمي، محضرًا شخصيًا عن حياة الناس الذين تحتم عليهم أن يواجهوا منظمةً سياسيةً حديثةً ومصمِّمَةً على حذفهم من التاريخ. وفي فترة المصائب، لم تكن فلسطين تحفظ أرشيفًا ولا توثيقًا، لا إحصاءَ ممتلكاتٍ ولا وثائق رسميةً، غير القليل القليل منها لدى بعض العائلات والمحاكم العثمانية، مما سهل أكثر محاولة اجتثاث فلسطين، وإحلالها.

ومما يهم تحليله هنا أنّ المذكرات في توصيفها لتلك الحالة هي أيضًا من القليل الذي كُتب لتدوين الحوادث والذاكرات، وهي بهذا يمكن أن توصف بأنها "الحقيقة المحدودة"، التي تواجه في المقابل الأرشيف "الإسرائيلي" الذي إن لم يكن مكتوبًا فهو مخترع أو متخيل، وبه يقاتل الاحتلال المطرودين بالإرغام، هؤلاء السائرين، وأعينهم تلتفت إلى بيوتهم وممتلكاتهم الضائعة، وأقدامهم ترتحل إلى أكواخ وخيام، هؤلاء المجردين من وثائقهم وصورهم وأحقيتهم، ليتحدث عنهم اليوم المؤرخون الإسرائيليون الجدد، يسكتونهم أو يؤوّلونهم أو يُسمِعون صوتهم بالطريقة التي يراها الصهيوني موائمةً. وإن كان كذلك، وقد كان، فتاريخ الضحايا، كما يقولون، لا يُمحى بالحكايات والمرويات. ومن هنا يستحق جهد سيرين شهيد هذا الأثر، فهي كانت تعي ذلك عندما دونت المدارس والبيوت والقرى والفضاءات كلها. وإنني أجد توصيف إدوارد سعيد لها مثيرًا إلى حد ما فمذكراتها كما يقول: "ذخيرة تاريخية وبشرية مؤلفة أساسًا على شكل فسيفساء من شذرات ممتعة في معظمها، ومن مسرات عابرة وشقاءات أكثر ديمومة. وكلها موضوعة بكثير من الحب والاحترام... إن هذا الكتاب يستحق أن يجد موضعًا في متحف الذاكرة جنبًا إلى جنب ذكرياتٍ أخرى، وذلك حتى لا يستطيع فقدانُ الذاكرة ولا التقدم التاريخي المزعوم، أن يطمس هذه الشهادات". إنها كتابةٌ لقارئ قد أضاع شيئًا من العالم في أحد جوانبه، وهي شهادة الرائي بألفة وحميمية صادقة.

تصف، سيرين، لا بقلمها، بل بعينيها، إنهاك الفلسطينيين والهاغاناه تتناوشهم، مجردين من كل شيء يدافعون به عن أنفسهم. موتٌ وفراق وخسائر، في مظهر حكائي مفكك، يقدم لنا محضرًا نفسيًا، غير رسمي، محضرًا شخصيًا عن حياة الناس الذين تحتَّم عليهم أن يواجهوا منظمةً سياسيةً حديثةً ومصمِّمَةً على حذفهم من التاريخ

 

السنوات الأولى في القدس

إلى جانب والدها الذي يحتل سويداء قلب ذكرياتها في القدس كما تقول، إذ كانت تمضي معه جل وقتها نظرًا لانشغال والدتها بالأطفال المتتالين. تقول: "جميع الناس الذين كانوا يجتازون شوارع أريحا حاملين أمتعتهم على ظهورهم وهم يجرّون أطفالهم من ورائهم، كل ذلك بقي جد حاضر في ذهني". وتستذكر يوم قال لها والدها إن هؤلاء الراحلين يبحثون لهم عن ملاجئ، وإنهم إن لم يعملوا بكل قواهم فسيكون عليهم هم الآخرون البحث عن ملجأ... كان متشنجًا وهو يحادثها والدموع في عينيه، وتهرب هي على الفور لأنها لا تطيق رؤية الدموع في عينيه. ومن ثم تقفز سيرين إلى يوم أُبعدت هي وأبوها عن القدس، هو إلى الرياض، وهي إلى بيروت، وتسترجع كل الأوقات والأحاديث في مكالمة هاتفية بالكاد يميز فيها صوتها.

"ذخيرة تاريخية وبشرية مؤلفة أساسًا على شكل فسيفساء من شذرات ممتعة في معظمها، ومن مسرات عابرة وشقاءات أكثر ديمومة. وكلها موضوعة بكثير من الحب والاحترام...إن هذا الكتاب يستحق أن يجد موضعًا في متحف الذاكرة جنبًا إلى جنب ذكرياتٍ أخرى، وذلك حتى لا يستطيع فقدانُ الذاكرة ولا التقدم التاريخي المزعوم، أن يطمس هذه الشهادات"إدوارد سعيد عن مذكرات سيرين الحسيني

عاشت سيرين في حي المصرارة في القدس، ودرست منذ رياض الأطفال بما كان يسمى "الأميركن كولوني" التي يقطنها سكان البعثة الأمريكية، وهو اليوم حي الشيخ جراح. وقد كان آل الحسيني مقربين من الأسر الأميركية فيها، وقد اشتروا أقدم بيت في الحي من أحد الأجداد الحسينيين وهو رباح أفندي.

بعد دراساتها في روضة تابعة للبعثة الأمريكية، انتقلت إلى رياض أسستها نساء إيطاليات كنّ قد اشترين مقرّها من جدها العلمي. وكانت أمها قد درست فيها، وأتقنت الإنجليزية والإيطالية والفرنسية بطلاقة. وفي عمر الثماني سنوات انتقلت إلى المدرسة التي أسسها المجلس الإسلامي الأعلى. تقول في وصف الطريق إليها: "بعد بضع دقائق من المشي، كنت أصل أخيرًا إلى مدرستي الواقعة عند زقاق معتم وضيق. كنت ألمح في نهايته المسجد الأقصى المغمور بالشمس. وكانت البنايات المحيطة بالمسجد الأقصى ومنها مدرستي، جد عتيقة، ومعظمها يعود إلى عهد المماليك".

لقد تبين لسيرين أن أسعد ذكرياتِها هي صور أمكنة أكثر ماهي صور كائنات بشرية. وبعد كل شيء فإن الناس يموتون حاملين معهم قسطًا من ذواتنا، أما الأمكنة، فهي تعيش إلى الأبد.

المرء لا يثبت إلا إذا كُتب عنه أو كَتب هو عن نفسه، وهذا ينطبق بالطبع على النساء، فإذا كتبت المرأة وُجدت، أو حضرت، لذلك حاولتُ هنا، وما أنوي فعله مستقبلًا، لملمة أشتات ما كُتب عنهن أو كُتبنه هنّ، في نمط تحليلي نقدي لسمات هذه الكتابة.

يستحق جهد سيرين شهيد الانتباه والإشادة والأثر، فهي كانت تعي، عندما دونت المدارس والبيوت والقرى والفضاءات كلها، أنها تسجل ذاكرة الفلسطينيين وروايتهم في وجه الأرشيف "الإسرائيلي" والرواية "الإسرائيلية" التي يبنيها المؤرخون الإسرائيليون الجدد، يسكتون فيها الضحايا الفلسطينيين، أو يؤوّلونهم أو يُسمِعون صوتهم بالطريقة التي يراها الصهيوني موائمةً.