رياضة فلسطين ونكبتها.. الملاعب وساحات القتال

رياضة فلسطين ونكبتها.. الملاعب وساحات القتال
تحميل المادة

مقدمة

تعود جذور الرياضة في فلسطين إلى نهاية القرن التاسع عشر، وما زالت ترافق الشعب الفلسطيني حتى يومنا هذا، مشكّلةً مرآةً عكست الظروف التاريخية المختلفة التي مر بها، بدءًا من وعد بلفور عام 1917 مرورًا بالاحتلال البريطاني، والهجرة الصهيونية إلى فلسطين، ونكبة عام 1948، وتشتت الفلسطينيين، وصولًا لمعاناة شعبنا المستمرة بفعل الاحتلال الإسرائيلي.

وشكلت الرياضة ثقافةً خاصةً للفلسطينيين فقد ولدت وترعرعت في ظل صراع مرير مع الصهيونية، وتعرضت وما زالت تتعرض  لهيمنة الاحتلال وعراقيله حتى يومنا هذا، وعلى مدى 123 عامًا، لعبت الرياضة دورًا بارزًا في صقل شخصية الإنسان الفلسطيني، وساهمت في الحفاظ على الهوية الوطنية الفلسطينية.

كما اتسمت الحركة الرياضية الفلسطينية بثلاث سمات أساسية وهي: الوطنية والاجتماعية والتنظيمية، ولعبت دورًا هامًا في دعم الحركة الوطنية وساهمت في بناء صروح للثقافة الفلسطينية التي شكل النشاط الرياضي جزءًا هامًا منها، من خلال الفعاليات والأنشطة التي كانت تقيمها الأندية الرياضية في العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضي.

وعملت هذه الحركة على توطيد الروابط بين الشعب الواحد في المدن والقرى المختلفة، وعمقت من  الترابط القومي والثقافي بينها، ومدت جسور التعاون مع الفرق الرياضية في الأقطار العربية، فقد كانت الحركة الرياضية موازيةً ومتداخلةً مع الحركة الوطنية، فهي لم تكن بمعزل عن الأوضاع  السياسية وعن التعاون الوثيق بين الاحتلال البريطاني والحركة الصهيونية في فلسطين، وبرغم العوامل الموضوعية والذاتية في تلك الفترة، والمسار المتموج لهذه الحركة، إلا أنها عرفت تطورًا تصاعديًا في أربعينيات القرن الماضي، لاسيما بعد إعادة تشكيل الاتحاد الرياضي الفلسطيني، فقد تميزت هذه الفترة بتنظيم قاعدة النشاط الرياضي وتوسيعها.

بلغ عدد الأندية العربية في فلسطين قبل النكبة نحو 65 ناديًا في المدن والقرى الكبرى، كان منها 55 ناديًا مسجلًا في الاتحاد الرياضي الفلسطيني، وهذا ليس بالرقم القليل مقارنةً بما تدّعيه المصادر الإسرائيلية اليوم، موحيةً للعالم أن اليهود وحدهم هم الذين كانوا يمارسون النشاط الرياضي، وكأن فلسطين كانت أرضًا خاليةً من السكان.[1] وكنا قد تحدثنا في مادة سابقة عن تاريخ الحركة الرياضية في فلسطين قبل النكبة.[2]

 

السمة الوطنية للرياضة الفلسطينية قبل النكبة

اتسمت الرياضة الفلسطينية بالوطنية منذ بداية تأسيس الأندية التي كانت تعكس الوعي الاجتماعي في التصدي للاحتلال البريطاني والمد الصهيوني، وقد ساهمت الأندية الرياضية في دعم  الحركة الوطنية والثقافية منذ بداية العشرينيات، فكانت مراكز لتجمع الشباب والمثقفين.

ويعود ذلك إلى الدور الوطني الذي اتخذه قادة تلك الأندية وأعضاؤها، وفهمهم للظروف التي كانت تمر بها فلسطين، وانخراطهم في العمل الوطني، فكان أعضاء الأندية الرياضية وفرقها الكشفية يقومون بواجبهم الوطني من خلال مساهمتهم في المظاهرات ضد الاحتلال البريطاني، ومساعدتهم في نقل الجرحى والشهداء إلى عيادات الأطباء والمستشفيات، أو في حراسة الشواطئ لمنع تهريب اليهود. [3]

 

"النجادة".. الرياضة والقتال

وفي ربيع العام 1944 قامت إدارة النادي الرياضي الإسلامي في يافا بتأسيس "منظمة النجادة" لتكون أول منظمة شبه عسكرية على غرار منظمة النجادة اللبنانية، لمواجهة  المنظمات الصهيونية التي نشطت على أرض فلسطين في الأربعينيات من القرن الماضي مثل منظمة الهاغانا وغيرها، وكان أعضاء النادي متحمسين للفكرة أيضًا، لذا اتخذ الاتحاد الرياضي العربي الفلسطيني قرارًا بتأييد النجادة، وأصبح مكتوبًا على بطاقة هوية لاعبي الاتحاد أنه يمكن اعتبارهم أعضاءً في الفرق الرياضية وشبه العسكرية "النجادة"، وبما أن الاتحاد يضم في عضويته غالبية الأندية التي تعج بالشباب الفلسطيني فقد كان من السهل انتشار فكرة النجادة بين شباب تلك الأندية، الأمر الذي أدى إلى انتشار النجادة في معظم مدن فلسطين وقراها. [4]

وأقيم أول استعراض محلي للنجادة في أول أيام عيد الفطر عام 1944 بيافا، حيث قام نجادة النادي الرياضي الإسلامي باستعراض كبير في شوارع المدينة استمر ساعتين، وكانوا يرتدون زي النجادة شبه العسكري، وقد قوبلوا من الجمهور بالترحاب ولفتوا الأنظار إليهم، وبعدها زاد الإقبال على الانتساب للنجادة من داخل النادي وخارجه.[5]

 

النجادة

صحيفة فلسطين 1 آب/ أغسطس 1946

 

لاحقًا أسس النادي الرياضي الإسلامي في حيفا فرقة مماثلةً، ثم تبعها تأسيس فرق للنجادة في العديد من المدن الفلسطينية مثل: غزة وصفد والحولة والرملة ونابلس وقلقيلية وبيت حنينا، وأصبح المقر الرئيس للنجادة فيما بعد في مدينة يافا، وبعد أن ازداد عدد أعضاء فرقة النجادة في النادي رأى قادتها أنه حان الوقت للانفصال عن النادي الرياضي الإسلامي، وأُعلن عن تأسيسها رسميًا في أيار/ مايو 1945، وأراد حزب المفتي، الحزب العربي الفلسطيني أن يكون هذا التنظيم تابعًا له، ولكن قيادته رفضت ذلك، مما أدي إلى أن يقوم جمال الحسيني بتأسيس منظمة الفتوة في تشرين الأول/ أكتوبر 1946 لتكون منافسةً للنجادة، وليكون ذلك السبب الرئيس لاضمحلال منظمة النجادة، ثم زوالها، حيث اندمجت المنظمة شكليًا مع منظمة الفتوة تحت اسم منظمة الشباب.[6]

 

النجادة يافا

صحيفة فلسطين 15 أيار/ مايو 1947

عام النكبة 1948

وفي عام النكبة 1948 قاتل الكثير من أعضاء الأندية -رياضيين وغيرهم- دفاعًا عن وطنهم، واستشهد الكثيرون منهم، فكانت النزعة الوطنية هي القيمة الأسمى التي ميزت الحركة الرياضية والأندية في فلسطين، فعلى سبيل المثال استشهد زكي الدرهلي الجناح الأيسر لمنتخب فلسطين والنادي الرياضي الإسلامي بيافا في كانون الثاني/ يناير 1948، بعدما زرعت العصابات الصهيونية عبوةً ناسفةً في عمارة السراي في يافا، كما استشهد حارس مرمى نادي إسلامي حيفا محمد نفاع على أسوار مدينة عكا عام 1948.[7]

كما نجد في صحيفة فلسطين نعي الأبطال الشهداء: "استشهاد شاب مناضل في ريعان عمره - نادي الاتحاد القروي بالقدس ينعى بمزيد الحزن والأسى عضوه العامل والرياضي الكبير الشهيد عارف النعمان، وقد وافاه الأجل المحتوم في مستشفى الحكومة بالقدس إثر إصابته في ميدان الشرف بعد أن أبلى بلاءً حسنًا". [8]

 وفي نعي آخر: "تنعي اللجنة الرياضية لنادي الشبيبة الإسلامية بيافا بمزيد من الحزن والأسى أحد أعضائها العاملين الرياضي المرحوم محمد أحمد الناقة الذي استشهد بينما كان يقوم بواجبه الوطني بمعركة أبي كبير الأخيرة عن عمر يناهز الثانية والعشرين ربيعًا".[9]

 

آثار النكبة على رياضة فلسطين

أتت النكبة عام 1948 فدمّرت البنية التحتية للرياضة الفلسطينية، وشتتت اللاعبين والإداريين، لتخسر الحركة الرياضية الفلسطينية ما بنته خلال العقود السابقة، فأُغلقت الأندية الرياضية الفلسطينية، وهدمت بعض مقراتها، ومنها ما حُوّل لمراكز إدارية لسلطات الاحتلال الإسرائيلي، كما جرى تحويل بعض الملاعب إلى مواقف للسيارات.

إضافةً إلى ذلك، مُنع "فلسطينيو "48" من تأسيس أندية فلسطينية خاصة بهم، ما اضطر بعض اللاعبين للانتساب قسرًا للأندية الإسرائيلية الناشئة؛ وعلى الرغم من ذلك بقيت  فلسطين حاضرةً في الدورات العربية والمنافسات الإقليمية، واستمر النشاط الرياضي في ظل الاحتلال الإسرائيلي، أو في الأجزاء التي أدارتها دول عربية، وتشكلت أندية وروابط للأندية الفلسطينية في الضفة الغربية، وقطاع غزة.

ففي لبنان على سبيل المثال شكل الشباب الفلسطيني فرقًا شعبيةً داخل المخيمات، أطلقوا عليها أسماء بلداتهم التي هُجّروا منها للمحافظة على العلاقة مع الأرض والتاريخ، وقد وصل عددها مطلع الخمسينيات إلى أكثر من 60 فريقًا موزعةً على مخيمات: برج البراجنة وصبرا وشاتيلا ومار الياس وتل الزعتر والضاحية والبص والرشيدية والبرج الشمالي وعين الحلوة والبداوي ونهر البارد والمية ومية وجرود بعلبك. حيث كانت أكثر من نصف هذه الفرق في بيروت وضواحيها. [10]

وفي سوريا سطع نجم  مئات اللاعبين الفلسطينيين في العديد من الألعاب الرياضية، ليساهموا إلى حد كبير بتطوير النشاط الرياضي في سوريا، ومن بين هؤلاء اللاعب الفلسطيني جورج مارديني الذي لعب في فريق الجيش السوري لكرة القدم حتى عام 1951، كما لمع اسم جبرا الزرقاء وكان لاعبًا في منتخب فلسطين قبل عام 1948 وأصبح بعد النكبة لاعبًا في فريق الدرك السوري لكرة القدم حتى عام 1961، ومن الأسماء الهامة إسماعيل النجار الذي كان في النادي الإسلامي في حيفا وانتقل بعد النكبة ليلعب خط وسط في منتخب سورية لكرة القدم حتى عام 1961؛ أما أسدور الذي كان حارس مرمى في النادي العربي بحيفا؛ فقد بات لاعبًا هامًا في فريق الجيش السوري ثم سافر إلى أرمينيا في أواسط الخمسينات من القرن العشرين، وأحمد عليان الذي درّبَ منتخب شباب سوريا في منتصف السبعينيات، وكان لاعبًا لفترة وجيزة في منتخب سوريا.[11]

 

مارديني

صورة للمنتخب السوري عام 1951.. من اليسار وقوفًا اللاعب الفلسطيني جورج مارديني

 

ومع خضوع الضفة الغربية للإدارة الأردنية استمر اللاعبون في أنديتهم على هيئتها قبل النكبة، وجرى تسجيلهم في الاتحاد الجديد الذي تكونت إدارته من مسؤولي الأندية، ونذكر في تلك الفترة أنديةً أنجبت لاعبين كبارًا، ففي القدس كان هناك ناديا "الموظفين" و"ثقافي البيرة"، وفي الخليل برز نادي "شباب الخليل"، وفي نابلس "النادي الأدبي"، والذي تحول إلى اسم نادي "الاتحاد الرياضي"، ومن أبرز لاعبيه: نهاد كمال، تيسير النابلسي، زيد عبده، منير عبده، وضاح طوقان، زاهي كمال، زياد الحبش، رياض الحبش، محمد العارضة، رشدي أبو غزالة، سليم طه، غسان طه، حسين جابر، منير ملحس، يوسف الريشة، علي أبو رعد، وفي فترة تالية أنشئ نادٍ باسم النادي العربي قبل أن يجريَ إغلاقه، ومن أبرز لاعبيه حسين جابر، عفيف جميلة، عبد الله شلباية، عبد الرحيم شلباية. كما أسس نادي الإخاء الرياضي وكان من أبرز من لعبوا له الشاعر الشهيد عبد الرحيم محمود.[12]

وفي مصر كان اللاعبون الفلسطينيون الأكثر شهرةً: فؤاد أبو عيدا، ظافر الشوا، جمال الصوراني، فائق بسيسو، عبد الكريم عبد المعطي، ربيع عياد، عبد الكريم الشوا، يحيى الشريف. [13]

وفي غزة، التي كانت تخضع للإدارة المصرية، فقد جرى إنشاء النادي الشعبي، ونادي شباب رفح، والنادي الاجتماعي، إضافة لمراكز الخدمات التي أنشأتها وكالة غوث وتشغيل اللاجئين "الأونروا" وهي: خدمات جباليا، خدمات الشاطئ، خدمات البريج، خدمات النصيرات، خدمات المغازي، خدمات رفح، خدمات خانيونس، خدمات دير البلح.[14]

 

رياضات سوى كرة القدم

ولم تقتصر الرياضة في هذه الفترة على لعبة كرة القدم، بل كانت هناك ألعاب أخرى موجودة لكن دون ثبات، ولا ترقى إلى الاهتمام بكرة القدم، ففي نادي الاتحاد بنابلس كانت تمارس لعبة كرة الطاولة ومن لاعبيها خالد العبوة، والملاكمة، ومن أهم أبطالها اللاعب عبد الكريم سعد، بطل الأردن في الوزن الثقيل، وكامل عيران، بطل وزن الريشة.[15]

وفي مصر شارك فلسطينيون أقاموا فيها أو درسوا، في الأندية المختلفة، نذكر منهم: توفيق البواب لاعب كرة اليد في نادي هليوبوليس، ومنير الدجاني ومنير البورنو ونبيه صلاح، لاعبي الكرة الطائرة في النادي الأهلي.

أما محمد خليل علوش ومن خلال انتسابه لمعهد التربية الرياضية في الهرم – القاهرة، فقد كان بطلاً للعبة الجمباز في عموم مصر.

 

خاتمة

كان التشتت السمة الأبرز للحركة الرياضية الفلسطينية بعد النكبة، مشكلًا عقبةً كبيرةً في طريق تطويرها، فلا يخفى على أحد أن النشاط الرياضي للفلسطينيين في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة وسوريا ولبنان كان منفصلًا عن بعضه البعض، وكان التنسيق بين الرياضيين في أماكن وجودهم شبه معدوم.

فضلاً عن خضوع الحركة الرياضية الفلسطينية للظروف السياسة التي عصفت بالشعب الفلسطيني وتأثيراتها السلبية على تطورها، ومشاركة أبطالها في المحافل العربية والدولية الكبرى، لكن الرياضة ظلت المرآة التي تعكس الواقع الفلسطيني بأفضل صورة.

 

 



[1] - عصام الخالدي، مئة عام على كرة القدم في فلسطين، (رام الله، دار الشروق للنشر والتوزيع، 2013) ص 18.

[2] - https://bit.ly/3Or8Yq0

[3] - عصام الخالدي، مئة عام على كرة القدم في فلسطين، ص 93.

[4] - خيري أبو الجنبين، قصة حياتي في فلسطين والكويت، (عمان، دار الشروق للنشر والتوزيع، 2002) ص 469-471.

[5] - المصدر السابق، ص 474.

[6] - المصدر السابق، ص 478-494.

[7] - عصام الخالدي، مئة عام على كرة القدم في فلسطين، ص 97.

[8] - صحيفة فلسطين، 10 كانون الثاني\ يناير 1948.

[9] - صحيفة فلسطين. 14 شباط\ فبراير 1948.

[10] - نبيل السهلي، تاريخ الرياضة الفلسطينية.. "على هذه الأرض ما يستحق الحياة" https://bit.ly/3OyVSXw

[11] - المصدر السابق.

[12] - لمحة تاريخية، مركز المعلومات الوطني الفلسطيني، https://bit.ly/43eojhU

[13] - المصدر السابق.

[14] - المصدر السابق.

[15] - المصدر السابق.