صعود العلم... إضاءة على أحداث ثورة العشرين (1)
على سبيل التقديم...
تنبع أهمية الحديث عن ثورة العشرين[1] التي اندلعت أحداثها في مدينة القدس بين الرابع والعاشر من نيسان عام 1920، وامتدت إلى أماكن أخرى وسط فلسطين وشمالها، من كونها من بواكير الوثبات الفلسطينية في وجه المشروع الصهيوني وجملة التحولات التي شهدتها بلادنا منذ سقوطها بيد الإنجليز، ومن طليعة التعبيرات عن الغضب الفلسطيني الذي أخذ بالتصاعد مع دفعة التشجيع والمناصرة التي حصل عليها الصهاينة من حليفتهم بريطانيا إثر انتهاء الحرب العالمية الأولى، وفرض الأخيرة سياسات قمعية بحق الفلسطينيين تستهدف ترويضهم لقبول رؤيتها لمستقبل بلادهم[2]، كما أنَّها كانت من أوائل المؤشرات على التفاعل بين الإرث الديني/ الاجتماعي والنضال الوطني، حيث منح هذا التفاعل النضال الوطني واحدة من أهم ميزاته على مدى عقود طويلة.
في الطريق إلى ثورة العشرين
شكَّل سقوط فلسطين بيد الإنجليز نقطة تحول مركزية في تاريخ فلسطين المعاصر، إذ أصبحت الإدارة البريطانية العسكرية ثم المدنية لاعبًا محوريًا في تشكيل المشهد الفلسطيني العام، وفُرض على الفلسطينيين مجابهة السياسات البريطانية، والعمل للحيلولة دون تحقيق المشروع الصهيوني.
استهل الفلسطينيون تلك المرحلة بسلسلة من التحركات السياسية والفعاليات الوطنية[3]، التي جاءت على وقع نشاط إقليمي ودولي حميم لتقرير مستقبل المنطقة[4]، إذ أنشأوا الجمعيات الإسلامية والمسيحية[5]، وعقدوا الاجتماعات الوطنية[6]، وركَّزوا في فعالياتهم على إرسال رسائل احتجاج للإنجليز[7]، وتنظيم عددٍ من المظاهرات، انطلقت أولاها في القدس في الذكرى السنوية الأولى للإعلان عن وعد بلفور[8]، وسلَّم المتظاهرون رسائل احتجاج لكل القناصل الأجنبية[9]، وتوالت المظاهرات، إذ نُظِّمت مظاهرة في القدس في السابع والعشرين من شباط/ فبراير[10]، وجرت مظاهرة في صفد في الثامن عشر من آذار/ مارس، وحاول الفلسطينيون تنظيم مظاهرة أخرى في القدس في آذار/ مارس[11]، قابلها الإنجليز بمرسوم يحظر على الفلسطينيين التظاهر[12]، وتمثَّل المشهد الميداني الأكثر سخونة خلال تلك الفترة، بتنفيذ هجومٍ على مستعمرتي "المطلة وتل حاي" شمال فلسطين أدى إلى قتل سبعة من المستوطنين اليهود في الأول من آذار عام 1920[13]، وقد شارك في الهجوم عدد من أهالي قرية الخالصة ومنطقة الحولة بزعامة كامل الحسين اليوسف [14].
ألقت الأحداث سالفة الذكر بظلالها على المناسبات الدينية والتراثية الفلسطينية، وفكَّر البعض في توظيفها خدمة لطموح الفلسطينيين الوطني وتطلعاتهم السياسية[15]، منها موسم النبي موسى[16] الذي أطلقه صلاح الدين قبل مئات السنين استعراضًا للقوة أمام جموع الفرنج في أعيادهم الدينية، حيث بدا في عامي 1919 و1920 وكأنَّه استعاد وظيفته الأساسية، حين حوَّله الفلسطينيون إلى مناسبة للتعبير عن رفض المشروع الصهيوني وسياسات الإنجليز، وقد أشار السكاكيني إلى ذلك عام 1919، فكتب في إحدى يومياته: " أن العاطفة الوطنية التي ظهرت آثارها في هذا العيد، لا تستطيع عاطفة أخرى أن تزاحمها، فإذا أخذنا للأمر أهبته ظهرت هذه العاطفة في السنة القادمة بصورة مدهشة والأمور مرهونة بأوقاتها"[17]، ثمَّ اتبعها في يومية كتبها عام 1920: "لم يكن يشترك في هذه المواكب قبل اليوم إلا رعاع الناس، أمَّا هذه السنة والتي قبلها فقد جعل الشباب من كل البيوت يشتركون فيه بثيابهم الرسمية. جُعل هذا العيد لأغراض سياسية أو حربية، ثم تنوسيت هذه الأغراض، وهذه السنة والتي قبلها جعل الشباب له غرضًا جديدًا وهو إثارة العاطفة الوطنية، ومقاومة الحركة الصهيونية"[18].
نزول العلم وصعوده... اندلاع الثورة في القدس
بدأت فعاليات موسم النبي موسى عام 1920 في الحادي والثلاثين من آذار، بقدوم موكب قرى القدس إلى المدينة المقدسة[19]، في حين وصل موكب أهل نابلس إلى القدس في الثاني من نيسان، إذ تمت فعالية نزول علم النبي موسى بسلاسة وهدوء، وبحضور جماهيري لافت[20]، وكانت وُضِعت الترتيبات ليوم الرابع من نيسان بما في ذلك إلقاء الخطب الحماسية، وتجهيز مرطبات من قبل النادي العربي والمنتدى الأدبي لتقديمها للجماهير، بالإضافة إلى إعداد الطعام للجموع التي من المتوقع أن تحتشد في ساحات المسجد الأقصى في نهاية الفعالية، ووفق خليل بيدس الذي كان حاضرًا في الحدث، ونشر تقييمًا مبكرًا له، فلم يكن ضمن الترتيبات أو الفعاليات ما يشي بنية مضمرة لمهاجمة اليهود، وإنَّما كانت معدَّة لتحقق راحة المشاركين وزيادة تفاعلهم[21].
ومع ذلك فقد كان هنالك توجس من تطورات تفضي إلى مواجهة، وقد عبَّر واصف جوهرية عن ذلك في مذكراته، فقال عن لحظات ما قبل انفجار الموقف" كنت واقفًا في صيدلية صديقي جورج مشحور خارج باب الخليل انتظر مع الشعب مرور موكب أهالي مدينة خليل الرحمن، وقد تخوف الناس عندما لاحظوا أن موكب أهالي مدينة خليل الرحمن يسير ببطء متزايد، وخصوصًا عندما وصل إلى موقع بركة السلطان حتى وصل إلى مدخل المدينة عند باب الخليل ساعات طويلة، وكان الموكب بهياج شديد ينشد الأناشيد الوطنية الحماسية"[22].
تقدَّم موكب الخليل (مدينة الخليل وقراها) من ساحة باب الخليل صبيحة اليوم الرابع من نيسان، واستقبله المقدسيون والنابلسيون[23]، فأصبح الحشد كبيرًا، واعتلى الخطباء الشرفات منهم موسى كاظم الحسيني، وخليل بيدس، وعبد الفتاح درويش، وعارف العارف، فرحَّبوا بالجموع، وأكدَّوا على أماني العرب وطموحاتهم، وأنَّهم عازمون على مواجهة التحديات، ويقال بأنَّ الحاج أمين الحسيني ألهب الجماهير ومنح الفعالية بعدًا سياسيًا جليَّاً، حين رفع صورة الأمير فيصل وطلب منهم أن يحيوه[24].
ثمَّ أخذ بعض اليهود باستفزاز الجماهير[25]، في وقتٍ كانوا فيه في أشد لحظات حماسهم، وانطلقت صرخات من الحشود بأن اليهود على وشك مهاجمتهم[26]، وقيل أن يهوديًا بصق على علم من أعلام الموكب فأوسعه الأهالي ضربًا، ثمَّ تدخَّل اليهود لإنقاذه[27]، فتطور المشهد إلى صدامات واسعة، وقيل "أن قنبلة وضعها المندسون انفجرت أثناء المسير فثارت ثائرة الجماهير"[28]، وروى بعض الشهود بأن اليهود لما رأوا صور الأمير فيصل مرفوعة، أخذوا يرددون شعارات ضد العرب، واعتدوا على من كانوا على مقربة منهم[29]، فعاجلهم العرب بالحجارة، واتسعت دائرة الاشتباك، ووفق راوية جوهرية، فقد "ساعد أشاوس مدينة خليل الرحمن وجود الحجارة التي كانت ملقاة على ضفتي شارع باب الخليل لرصف الشوارع صدفة، فكانوا يستعملونها ويقذفون بها حوانيت اليهود بسهولة"[30]، وتدخلت قوة من الإنجليز، فساد الهدوء، وبدا بأن الموكب سيعاود سيره المعتاد، حتى جاءت تظاهرة يهودية قادمة من الغرب، يتقدمها فلاديمير جابوتنسكي، ويحمل أفرادها السلاح، وأرادت اختراق باب الخليل، فحاول العرب منعهم، وحدثت مقتلة، ارتقى فيها شهيدان من العرب[31]، واستمر الصدام، وأطلق جمع من اليهود المرتدين للبزَّات العسكرية الإنجليزية النار على الفلسطينيين[32]، وقد أكد السكاكيني على حادثة الاستفزاز وعلى كون اليهود كانوا مسلحين وبادروا بإطلاق النار[33].
وذكر أميل الغوري الذي كان حاضرًا وقت المعمعان، أنَّه بعد الانتهاء من خطبة الحاج أمين الحسيني، فجأة "ساد الساحة هرج ومرج عظيمان، وتلفَّتُّ حولي فرأيت الناس يتعاركون، فظننت حينئذ أن خلافًا -وهو ما يحدث عادةً- قد وقع بين بعض فئات المحتفلين، ثمَّ سمعت الشباب يصيحون "عليهم عليهم"، وبعد قليل سمعت أصوات الرصاص تلعلع في الساحة، ورأيتُ "الكراسي" يُقذف بها من شرفات المقاهي، ولم أفهم حقيقة ما كان يجري إلا عندما سحبني أحد الشباب من أقاربي إلى داخل باب الخليل وقال إنَّ "مذبحة" تجري بين العرب وبين اليهود والإنجليز"[34].
وكتب السكاكيني واصفًا جانبًا مما جرى: "وقع اضطراب في الموكب، وجعل الناس يتراكضون، وكانت الحجارة تتساقط على اليهود، فأقفلت المخازن وارتفع الصياح، فلم يسعني إلا أن أنزل لعلي أستطيع ان أخلص أحدًا، فما نزلت حتى كان الموكب قد دخل المدينة من باب الخليل، فرأيت أبواب المخازن اليهودية وزجاجها محطمة، ورأيت أحد الجنود الصهيونيين معفرًا بالتراب ملطخًا بالدم، ثم رأيت خليليًا جاء إلى يهودي مساح أحذية كان مختبئًا في إحدى زوايا باب الخليل بجانب السور تحت كيس، فأخذ صندوقه وضربه به على رأسه، فصاح وقام يركض ورأسه يمج دمًا"[35]، وتطورت الأحداث إلى التمرد على السلطة الإنجليزية المحتلة ومهاجمة شرطتها[36].
ومما تناها إلى مسامع السكاكيني عن ذلك اليوم: "أن الموكب سار إلى حارة اليهود، فنهب الدكاكين وضرب اليهود فوقع جرحى كثيرون، وأن أحد الجنود الصهيونيين أطلق الرصاص على أحد المسلمين من بيت الحلو فقتله، وأن طلقًا آخر أصاب امرأة من الخليل وأن حالتها تنذر بالخطر، فجعلت الحكومة تقبض على الجنود الصهيونيين، ويقال إنها قبضت على القاتل ووجدت معه المسدس" [37]، كما أنَّه روى عن حوادث يوم الخامس من نيسان، فقال بأن المدينة أقفلت، وأشيع عن مقتل هندي[38]، كما لاحقت مجموعة من اليهود المسلحين ثلاثة من الفلاحين عند منازل عويضة والمقبرة، فرأهم جندي إنجليزي وفرقهم، وقيل أن ضابطًا انجليزيًا قتل يهوديًا مسلحًا رفض تسليم سلاحه [39].
وبقيت المدينة في السادس من نيسان تحت الأحكام العرفية، ووضع الإنجليز إعلانات بهذا الشأن على الجدران خارج المدينة، وذكروا فيها أنَّه لا يجوز لأحد الدخول أو الخروج إلا بإذن الحاكم العسكري، كما شهدت المدينة نقل جرحى من باب الخليل، وسُمعت أصوات عيارات نارية، واستخدم الإنجليز ست طائرات للمعاونة في فرض الأمن جيء بها من الرملة[40]، وأشيع أن ريفيين وبدو بأعداد كبيرة قادمين إلى القدس من الجهة الشرقية[41]، وفي الوقت ذاته تحركت الجمعية الإسلامية المسيحية، فأصدرت بيانًا طالبت فيه الإنجليز بإطلاق سراح الأسرى، وتجريد الصهاينة من السلاح وعزل ستورس[42].
واجتمع أعيان القدس ووجهاؤها وشبابها في اليوم ذاته، وخطَّوا رسالة احتجاجٍ إلى "سعادة المدير العام لبلاد العدو المحتلة الجنوبية الجنرال بولز ولجميع معتمدي دول الحلفاء" اعترضوا فيها على سياسات الإنجليز، وألقوا باللائمة في الأحداث على اليهود، وطالب البيان بإخراج اليهود المجندين في الجيش من فلسطين، وجمع السلاح من اليهود، وإطلاق سراح الأسرى العرب، وإيقاع عقوبات على المتسببين بالأحداث[43]، وأشعلت النيران في بعض المنازل[44]، وشوهدت أعداد من اليهود يحملون أغراضهم ويهمون بالخروج من المدينة[45]، وقيل أن أرمنيًا قتل على يد البوليس بينما كان يخرج من بيته ليلًا.[46]
وظل التوتر حاضرًا في المدينة في السابع من نيسان، ورغم أن الجند أباحوا الدخول إلى المدينة والخروج منها دون وثائق، إلا أنَّهم استمروا في تفتيش المارة، ومصادرة العصي، واعتقال من بحوزته سلاحًا، وفي الوقت نفسه أطلق الإنجليز سراح عددٍ من الموقوفين منهم عبد الفتاح درويش وسعيد درويش وعارف العارف وخليل بيدس وحسن أبو السعود وكامل البديري[47] بكفالة مفتي الديار القدسية ورئيس البلدية وعارف باشا ويعقوب فراج، وأشيع أن فلاحًا لفتاويًا قُتل على يد الجنود داخل المدينة[48] .
وتراجعت الحوادث في الثامن من نيسان إذ جرت حفلة صعود العلم من النبي موسى بهدوء، لكنَّ الإنجليز استمروا في ملاحقة بعض الشخصيات، خصوصًا الحاج أمين الحسيني، وقد اقتحم الجنود بيت أخيه مفتي الديار القدسية السيد محمد كامل الحسيني بحثًا عنه، والأمر الذي أغضب المفتي ومناصريه، حتى أنَّه أعاد الوسام الذي منحته إياه السلطات البريطانية[49]، وأُطلقت النار على بيت المفتي في التاسع من نيسان، من خمسة من الجنود اليهود، بينما كان يجتمع مع الكولونيل سكوت، وقد اعتقل الإنجليز عدد من اليهود على خلفية الحادثة[50]، وقد زار الكولونيل ستورس المفتي مرارًا معتذرًا عما جرى، ولكن المفتي لم يقبل اعتذاره[51]، وجرت حفلة المسيحيين بظهور النور في العاشر من نيسان، ورفعت فيها الشعارات الوطنية المنسجمة مع روح الثورة[52]، وخفَّف الإنجليز في الثاني عشر من نيسان نظام منع التجوال داخل المدينة، إذ فرضوه ابتداءً من الثامنة مساءً[53]، ثم إنَّ الهدوء عاد إلى المدينة مجددًا.
نتج عن الأحداث في القدس مقتل ستة من اليهود، ثلاثة في محلة النصارى وثلاثة في محلة الوادي[54]، وارتقى أربعة من الشهداء العرب، وجرح 251 شخصًا أغلبهم من اليهود[55]، ووفق صحيفة القدس الشريف فقد جُرح "ستة عشر يهوديًا ومسلمان ومسيحيان بجروح خطرة، و195 يهوديًا وعشرون مسلمًا وسبعة جنود بريطانية جرحوا بجروح عادية" [56]، وحسب رسالة الاحتجاج التي أرسلها أهل القدس لقيادة الإنجليز فإن السبب في كثرة المصابين من اليهود يعود إلى أنّ عددًا كبيرًا منهم جرحوا أنفسهم[57]، رغبة في تشويه الحقائق، وتصوير العرب بأنَّهم المعتدين.
الإدارة العسكرية البريطانية في مواجهة الثورة.. تَسيُّد القمع والحلول الأمنية
لابد أن نشير بداية إلى أن العديد من المعطيات حكمت الموقف الإنجليزي تجاه ثورة العشرين في القدس، فقد اندلعت المواجهات بين الفلسطينيين واليهود في سياق اضطراب عام شهدته المنطقة، تمثَّل في ثورة الـ 1919 في مصر، وثورة العشرين في العراق، وتصاعد التوتر في المناطق الحدودية مع لبنان وسوريا، ولم يخفِ الإنجليز تخوفهم من مغبة امتداد الأحداث إلى فلسطين، وقد ذكر السكاكيني وغيره إلى أن قادة الإنجليز في فلسطين عبَّروا لهم عن خشيتهم هذه في أكثر من مناسبة[58]، كما أن الإنجليز كانوا قد خرجوا للتو من أتون حرب عالمية وما زالت رائحة البارود تحت جلودهم ودخان البنادق عالق على ثيابهم، وكانوا ما زالوا يعتبرون فلسطين أرض أعداء، وهذا كله يقود إلى توقع انحيازهم للعنف في مواجهة أي تحرك فلسطيني وطني مهما كان سلميَّاً.
وما أن اندلعت الأحداث حتى أرسل الإنجليز " قوة عسكرية لضبط الحالة، وأقفلت أبواب المدينة وبُث رجال الدرك في كل مكان وأعلنت الأحكام العرفية وأقامت المدافع الرشاشة في جميع الساحات ومعاطف الطرق"[59]، وشنَّ الإنجليز حملة اعتقالاتٍ[60] شملت كثيرين منهم خطباء ساحة باب الخليل وهم: عبد الفتاح درويش وكامل البديري وحسن أبو السعود، وعبد اللطيف الحسيني، وعارف العارف، في حين تمكَّن الحاج أمين الحسيني من مغادرة فلسطين بمساعدة محي الدين الحسيني يوم الرابع من نيسان أي قبل اعتقاله بساعات[61]، وقد اضطر عارف العارف لمغادرة فلسطين في وقت لاحق، وعندما أراد الانجليز اعتقاله مجددًا لم يجدوه، فقاموا بتعقب من اعتقدوا أنَّه عاونه على الهرب[62].
وأعلن قائد الجيش البريطاني ب. ل. بيدي الإحكام العرفية في الخامس من نيسان، وفرض الإنجليز منع التجوال بين السادسة مساء والسادسة صباحًا [63]، وقُيِّد إصدار الصحف[64]، واستعان الانجليز بقوة يهودية أعدها فلاديمير جابوتنسكي وبنحاس روتنبرغ قوامها 100 رجلًا وأطلقا عليها اسم " قوات الدفاع الذاتي"[65]، وأُطلقت حملة لتفتيش البيوت والمحلات والمخازن ومقار المؤسسات، وقد فتش جنود الاحتلال بيت عارف باشا الدجاني رئيس الجمعية الإسلامية المسيحية وفتشوا المنتدى العربي والنادي العربي[66]، وأصدر الإنجليز أمرًا للجنود المسرحين من الجيش البريطاني بعدم ارتداء ملابسهم العسكرية[67]، ربما خشية من قيام أحدهم بتنفيذ هجمات متخفيًا باللباس العسكري الرسمي، وصدر أمر آخر بمنع السفر إلى فلسطين برًا وبحرًا ومنع صرف تذاكر سفر القطار إلا بتصريح عسكري[68]، وصدر بلاغ من المدير العام الجنرال لويس بولز هددَّ فيها الأهالي بأن القوة تقابل بالقوة وبأنَّ "في هذه البلاد حكومة واحدة فقط، وهذه الحكومة هي أنا، وإني مجهز بقوة عسكرية هائلة تسحق كل من يعكر الأمن وسأستخدم هذه القوة في المستقبل من دون قيد"[69]، ونَشر بلاغ آخر حول القوانين الناظمة لظاهرة حمل السلاح، والعقوبات الواقعة على المخالفين[70].
وتوالت الأحداث فأطلق الجنود الإنجليز النار على جماعة من الفلسطينيين كانت تحاول دخول المدينة من باب العمود صبيحة يوم الثلاثاء السادس من نيسان، فأصابت عددًا منهم[71]، وطلب الإنجليز من الناس تقديم شهاداتهم والإفادة بأي معلوم حول الأحداث[72]، وعزموا على تشكيل فرقة من "الحرس الوطني" لمرافقة "الحرس الإنجليزي أو الهندي للمحافظة على الأمن وجمعتهم في دار الحكومة وكتبت أسماءهم"[73]، وقد تقدَّم للانتساب لها خمسون شابًا مسلمًا وأربعون مسيحيًا وأشيع أن المنتسبين للفرقة رفضوا المهمة لمَّا علموا أنَّه لن يتم تسليحهم[74].
وكان مجموع المعتقلين على خلفية الأحداث 105 أشخاصًا[75]، ومن المعتقلين الفلسطينيين محمود الدباغ، وعارف الجاعوني، وشكيب الدقاق، وفخري الجاعوني[76]، وعمر الصالح البرغوثي [77]، وحسن التتونجي، وزهدي العلمي وإسماعيل القنبور[78]، وما لبث الإنجليز أن أطلقوا سراح عدد منهم[79]، في حين حكموا على عدد آخر مثل مع يوسف سمعان الحبش ومحمد إسماعيل اقنيبي اللذان حُكم عليهما بخمسة عشرة سنة مع الأشغال الشاقة[80]، وخليل بيدس وعبد الفتاح درويش اللذان حكما بالسجن سنتين لكل منهما ودفع غرامة مالية مقدارها عشرون جنيهًا، وحُكم غيابيًا على الحاج أمين الحسيني وعارف العارف بعشر سنوات مع الاشغال الشاقة، في المقابل صدرت أحكام على عددٍ من الصهاينة منهم جابوتنسكي الذي حُكم بالحبس خمسة عشرة سنة، وحُكم على تسعة عشر صهيونيًا[81] بالسجن ثلاث سنوات مع الاشغال الشاقة ونقلوا إلى سجن عكا، ثمَّ خُفف الحكم على جابوتنسكي لسنة والباقي ستة أشهر[82]، وقد أصدر هربرت صموئيل فور توليه منصبه عفوًا عامًا عن جميع المعتقلين العرب واليهود على خلفية الأحداث[83].
وأرسل البريطانيون لجنة بالين لتقصي الحقائق، وهذه عادة ستلازم الإنجليز خلال العقود الثلاثة القادمة. عملت اللجنة طوال 50 يومًا، واستجوبت 152 شخصًا، وسلَّمت تقريرها في الأول تموز عام 1920، لكن التقرير لم ينشر، إلا بعد عشرات السنين، ووفق عدد من المصادر، فإن اللجنة انحت باللائمة على الصهاينة، وأشارت إلى توتر العلاقة بين الصهاينة والإدارة العسكرية البريطانية[84]، وقد نشرت صحف عبرية مقتطفات من الشهادات التي استمعت لها لجنة بالين منها شهادة موسى كاظم الحسيني[85].
[1] أطلق المؤرخون الفلسطينيون عدة توصيفات على أحداث نيسان عام 1920 مثل ثورة العشرين (عبد الوهاب الكيالي، الموسوعة الفلسطينية)، واضطرابات نيسان (بيان نويهض الحوت)، انتفاضة 1920 (رشيد الخالدي)، وأحداث النبي موسى (عبد القادر ياسين)، أمَّا الصحافة الفلسطينية في لحظة الحدث فأطلقت عليها عدة تسميات مثل فتنة القدس أو حوادث القدس (النفير ومرآة الشرق والقدس الشريف)، واضطرابات القدس (فلسطين والكرمل)، وبعض هذه التوصيفات تشابه توصيفات شهود عيان كتبوا عن الأحداث في يومياتهم ومذكراتهم ومقالاتهم مثل خليل السكاكيني وواصف جوهرية وخليل بيدس وخليل البديري.
[2] رصد خليل السكاكيني في يومياته بعضًا من هذه الإجراءات مثل احتلال البيوت، ونهب أرزاق الناس، والتأخر في إطلاق سراح أسرى الحرب، وفرض الأحكام العرفية، والتمييز بين المواطنين على أساس طائفي.. إلخ، انظر: أكرم مسَلَّم (تحرير)، "يوميات خليل السكاكيني يوميات. رسائل. تأملات الكتاب الثالث. اختبار الانتداب وأسئلة الهوية 1919-1922"، (رام الله: مؤسسة خليل السكاكيني ومؤسسة الدراسات المقدسية، 2004)، ص 64- 65.
[3] كانت مضبوطة بسقف سلطة الاحتلال الجديدة.
[4] من هذا النشاطات المؤتمر السوري في 2 تموز/ يوليو عام 1919، ومؤتمر الصلح في باريس في 6 شباط/ فبراير عام 1919، ولجنة كينغ- كرين للتحقيق التي وصلت فلسطين في نيسان 1919، وقدمت توصياتها إلى عصبة الأمم في 28 آب/ أغسطس عام 1919، والترتيبات لعقد مؤتمر سان ريمو في نيسان 1920.
[5]عبد الوهاب الكيالي، "تاريخ فلسطين الحديث"، (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط9، 1985)، ص 91-92.
[6] مثل المؤتمر الفلسطيني الأول الذي عقد في القدس في كانون الثاني/ يناير عام 1919. انظر: المصدر نفسه، ص 104-105.
[7] للاطلاع على نماذج من رسائل الاحتجاج، انظر: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، "وثائق الحركة الوطنية الفلسطينية 1918-1939 من أوراق أكرم زعيتر"، (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ط2، 1984)، ص 1-41.
[8] حول تفاصيل المظاهرة انظر: عصام نصار وسليم تماري (محرران)، "القدس الانتدابية في المذكرات الجوهرية الكتاب الثاني من مذكرات الموسيقي واصف جوهرية 1918-1948" (القدس: مؤسسة الدراسات المقدسية، 2005)، ص305-306، وانظر أيضًا: عبد الوهاب الكيالي، مصدر سبق ذكره، ص 100.
[9] عيسى السفري، "فلسطين العربية بين الانتداب والصهيونية"، (يافا: مطبعة ومكتبة فلسطين الجديدة، ط1، 1937)، ص 38.
[10] الكيالي، مصدر سبق ذكره، 121.
[11] السكاكيني، مصدر سبق ذكره، ص 112.
[12] الكيالي، مصدر سبق ذكره، ص 122
[13] المصدر نفسه، ص 121.
[14] مصطفى العباسي، "صفد في عهد الانتداب البريطاني 1917-1948 دراسة اجتماعية سياسية" (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ط2، 2011)، ص 154-155.
[15]عمر الصالح البرغوثي، "المراحل (1894-1965)"، (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2001 )، ص 227.
[16] كامل العسلي، "موسم النبي موسى في فلسطين، تاريخ الموسم والمقام"، (عمان: الجامعة الأردنية، 1990).
[17]السكاكيني، مصدر سبق ذكره، ص 112.
[18] المصدر نفسه، ص 210.
[19]أميل الغوري، "فلسطين عبر ستين عامًا"، (بيروت: دار النهار، 1973)، ص 49.
[20] السكاكيني، مصدر سبق ذكره، ص 210.
[21] نشر خليل بيدس شهادته كاملة في مجلة النفائس العصرية، انظر: خليل بيدس، "حديث السجون"، "النفائس العصرية"، الجزء 18، السنة 7، (الخامس عشر من أيلول/ سبتمبر عام 1920)، ص 253-258، 267-274، 283-288.
[22] جوهرية، مصدر سبق ذكره، ص 348.
[23] السكاكيني، مصدر سبق ذكره، ص 213.
[24] بيدس، مصدر سبق ذكره، ص 253-254. ذكر أميل الغوري في مذكراته أن أحد أسباب رفع صورة الملك فيصل محاولة الحاج أمين منع المصورين التابعين للاستخبارات البريطانية من تصويره وهو يلقي خطابه. أميل الغوري، فلسطين عبر ستين عامًا، بيروت: دار النهار، 1973، ص
[25] المصدر نفسه، ص 254.
[26] The Sentinel, April 23 ,1920
[27] فرنسيس أملي نيوتن، "خمسون عامًا في فلسطين"، (عمان: وزارة الثقافة الأردنية، ط1، 2024)، ص 125.
[28] العسلي، مصدر سبق ذكره، ص 189.
[29] الغوري، مصدر سبق ذكره، ص 52.
[30] جوهرية، مصدر سبق ذكره، ص 348.
[31] الغوري، مصدر سبق ذكره، ص 52-53.
[32] بيدس، مصدر سبق ذكره، ص 267.
[33] السكاكيني، مصدر سبق ذكره، ص 216.
[34] الغوري، مصدر سبق ذكره، ص 52.
[35] المصدر نفسه، ص 213-214.
[36] المصدر نفسه، ص 213-214.
[37] السكاكيني، مصدر سبق ذكره، ص 214.
[38] المصدر نفسه، ص 215.
[39] المصدر نفسه، ص 215.
[40] الأخبار، 13 نيسان 1920.
[41] السكاكيني، مصدر سبق ذكره، ص 216.
[42] المصدر نفسه، ص 216.
[43] القدس الشريف 13 نيسان 1920.
[44] الأخبار، 13 نيسان 1920.
[45] القدس الشريف، 13 نيسان 1920
[46] السكاكيني، مصدر سبق ذكره، ص 217.
[47] بيدس، مصدر سبق ذكره، ص 255؛ مرآة الشرق، 28 نيسان 1920.
[48] السكاكيني، مصدر سبق ذكره، ص217.
[49] المصدر نفسه، ص 218.
[50] القدس الشريف، 13 نيسان 1920.
[51] السكاكيني، مصدر سبق ذكره 220.
[52] المصدر نفسه، ص 219. يؤكد أميل الغوري أن بعض الشباب في تلك المرحلة كانوا عازمين على تحويل مناسبة "سبت النور" إلى مناسبة وطنية. انظر: الغوري، مصدر سبق ذكره، ص 49.
[53] المصدر نفسه، ص 220.
[54] السكاكيني، مصدر سبق ذكره، ص 217.
[55] الكيالي، مصدر سبق ذكره، ص 23.
[56] القدس الشريف، 16 نيسان 1920.
[57] القدس الشريف، 13 نيسان 1920.
[58] السكاكيني، مصدر سبق ذكره، ص 103.
[59] بيدس، مصدر سبق ذكره، ص 154، حول تفاصيل قرار إعلان الأحكام العرفية، انظر: مرآة الشرق، 14 نيسان 1920.
[60] اعتقل الإنجليز عدد من اليهود منهم جابوتنسكي (ضابط سابق في الجيش البريطاني) الذي قاد يهودية "قوة الدفاع اليهودية"، وشاركت في التنكيل بالفلسطينيين أثناء الأحداث، حول أسماء أبرز المعتقلين اليهود ومدة محكوميتهم، انظر: صحيفة النفير، 3 أيار 1920.
[61] بيدس، مصدر سبق ذكره، ص 255؛ القدس الشريف، 20 نيسان 1920؛ جوهرية، مصدر سبق ذكره، ص 349.
[62] الأخبار، 12 أيار 1920.
[63] مرآة الشرق، 14 نيسان 1920.
[64] القدس الشريف، 13 نيسان 1920.
[65] سحر الهنيدي، "التأسيس البريطاني للوطن القومي اليهودي فترة هربرت صامويل 1920-1925"، (بيروت، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ط1، 2003)، ص 57.
[66] مرآة الشرق، 14 نيسان 1920.
[67] القدس الشريف، 16 نيسان 1920.
[68] القدس الشريف، 13 نيسان 1920.
[69] مرآة الشرق، 21 نيسان 1920.
[70] صحيفة الأخبار، 29 نيسان 1920.
[71] صحيفة الأخبار، 13 نيسان 1920.
[72] مرآة الشرق، 21 نيسان 1920.
[73] القدس الشريف، 13 نيسان 1920.
[74] المصدر نفسه.
[75] مرآة الشرق، 21 نيسان 1920.
[76] صحيفة الأخبار، 12 أيار 1920.
[77] البرغوثي، مصدر سبق ذكره، ص 227.
[78] مسَلَّم، مصدر سبق ذكره، ص 222.
[79] مرآة الشرق، 28 نيسان 1920.
[80] صحيفة النفير، 3 أيار 1920.
[81] صحيفة النفير، 3 أيار 1920؛ صحيفة مرآة الشرق، 21 نيسان 1920.
[82] مرآة الشرق، 19 أيار 1020.
[83] السلام، 9 تموز 1020.
[84] الهنيدي، مصدر سبق ذكره، ص 51.
[85]بريد اليوم (صحيفة عبرية ناطقة بالعربية)، 11 أيار 1920.