عندما انهمر الرصاص على رؤوس الأعداء.. استهداف المسؤولين البريطانيين وأعوانهم أثناء الثورة الفلسطينية الكبرى

عندما انهمر الرصاص على رؤوس الأعداء.. استهداف المسؤولين البريطانيين وأعوانهم أثناء الثورة الفلسطينية الكبرى
تحميل المادة

تهدف هذه المقالة إلى تسليط الضوء على عمليات استهداف قادةٍ وكوادر في الشرطة والجيش والمخابرات البريطانية في فلسطين أثناء الثورة الفلسطينية الكبرى (1936-1939)، وتحاول استخلاص الخصائص العامة لهذه العمليات، وتسرد تفاصيل بعضها، بما في ذلك أسماء المستهدَفين ووظائفهم، ودورهم في فلسطين، وحيثيات عمليات الاستهداف، والمسؤولين عنها، ونتائجها، وتستعرض ردة فعل بريطانيا عليها.  

 

عمليات استهداف البريطانيين في فلسطين.. خصائص عامة

تقصد المقالة بالاستهداف أعلاه الهجماتِ التي شنَّها الثوار على أفرادٍ بعينهم من الجيش والشرطة والمخابرات البريطانية بقصد اغتيالهم، وأتت في إطار مخطط مسبق، يضمن معرفةً دقيقةً بالمستهدَفين من حيث أسماؤهم ورتبهم وإرثهم الاستعماري في فلسطين، ويحقّق رصدًا لتحركاتهم. ولا يدخل ضمن هذا التعريف الذين قتلوا في المعارك أو في عمليات قنص عام أو هجمات عامة.

في البداية لابد من الإشارة إلى أن استخدام الفلسطينيين لهذا الأسلوب سابق على الثورة الفلسطينية الكبرى، فقد حاول محمد عبد الغني أبو طبيخ سباعنة من بلدة قباطية اغتيال النائب العام البريطاني في فلسطين "نورمان بنتويش Norman Herbert Bentwich"[1]، وتمكَّن من الوصول إلى مكتبه وإطلاق الرصاص عليه وإصابته، وذلك في الرابع والعشرين من تشرين الثاني/ نوفمبر عام 1929[2].

"نورمان بنتويش Norman Herbert Bentwich"

لكنَّ عمليات الاستهداف المنظم لقادة البوليس وحكام الألوية والمدن البريطانيين اتسع نطاقها أثناء الثورة الفلسطينية الكبرى، وباستعراض قائمة المستهدفين سنكتشف بأنهم ممن عُرِفوا بارتكاب أعمال وحشية بحق الفلسطينيين قبل الثورة الفلسطينية الكبرى وأثناءها؛ تضمنت ملاحقةَ قادة الحركة الوطنية وكوادرها، وقتلَ العرب وسجنهم وتعذيبهم وإهانتهم، وفرضَ منع التجوال والغرامات على البلدات والمدن الفلسطينية، وهدمَ البيوت، بالإضافة إلى الوقوف مع المشروع الصهيوني، ودعمِ الاستيطان. وقد شكَّل اغتيال هؤلاء ضربةً قاسيةً للوجود البريطاني في فلسطين، نظرًا لأهمية المراكز التي شغلوها، ولما يتمتعون به من خبرة ميدانية عالية في سياسات القمع والإخضاع التي اكتسبوها أثناء العمل في إيرلندا والهند وغيرها من مناطق النفوذ البريطاني.

 جاءت عمليات الاغتيال بعد محاولات عديدة لثني الشخصيات المستهدفة عن ممارساتها القمعية، إذ قدَّم الفلسطينيون عرائض وبرقياتٍ احتجاجيةً للحكومة البريطانية بحق هؤلاء وأمثالهم[3]، وكتبوا مقالاتٍ ونَظَموا أشعارًا ضدهم[4]، وأرسلوا رسائل تهديد تتوعدهم[5]، لكنَّها لم تجدِ نفعًا.  

 كانت عمليات الاغتيال تُنفَّذ بعد تخطيط مسبق ومتابعة سرّية حثيثة للمستهدفين[6]، سواءً نفَّذها عناصر من فصائل الثورة بأمر من قياداتهم أو كانت عمليات فرديةً. استخدمت المسدسات في تنفيذ العمليات، وامتازت في الكثير منها بالجرأة، إذ نُفِّذت بإطلاق النار من مسافة قريبة، وفي وضح النهار، وقرب مراكز البوليس البريطاني، ووسط المدن الكبرى مثل القدس وحيفا والناصرة، وامتاز بعضها بدقة التنفيذ، وغالبًا ما كان المنفّذون يحققون الهدف ويغادرون مكان العملية بسلام، وامتازت أيضًا بالإصرار، فعندما كان الثوار يخفقون في تحقيق هدفهم يعاودون الكرة من جديد، ويظهر من تتبع عمليات الاغتيال أن القساميين كان لهم نصيب الأسد في تنفيذ هذه العمليات خصوصًا في منطقة الشمال.

 

استهداف ضباط الشرطة البريطانية وعناصرها

استهدف الثوار ضباط الشرطة البريطانية وعناصرها في مرحلة مبكرة من الثورة الفلسطينية الكبرى. فقد أطلق ثوارٌ ثلاث رصاصات قاتلةً على الكونستابل البريطاني روبرت بيرد Bird Robert داخل البلدة القديمة بالقدس، من داخل مبنى، استقرت إحداها في قلبه في الثامن والعشرين من أيار/ مايو 1936[7]، ثم استهدف الثائران سامي الأنصاري[8] وبهجت أبو غربية[9] القائمَ بأعمال مساعد مراقب الشرطة البريطاني آلن سيكرست  Alan Edward Sigrist [10] في صباح الجمعة الثاني عشر من حزيران/ يونيو عام 1936، فقد أطلقا النار من مسدسيْن أوتوماتيكيين عيار 7 ملم على سيكرست وحارسه من مسافة متر وسط الشارع أثناء مرورهما من طلوع سنتا مريم عند مفترق وادي الجوز[11]، وأصيب سيكرست إصابةً بالغةً في كتفه وخصره[12]، ويروي أبو غربية تفاصيل الحادثة إذ يقول: "وصلت السيارة إلى محاذاتنا فبدأنا أنا وسامي إطلاق النار على سيكرست من مسافة متر واحد، وأصيب فورًا، وألقى برأسه وجسده إلى الخلف رافعًا يديه عن المقود. كما رفع قدمه عن البنزين فتوقفت السيارة، ثم راحت تنحدر إلى الخلف لشدة انحدار الطريق. إلا أن عدة مفاجآت جرت تباعًا: فاجأنا حارسه بإطلاق النار من مسدس كان بيده وبدأ الرمي في اللحظة نفسها التي بدأنا فيها الرمي[13] .. بعد إطلاق رصاصتنا الأولى ارتدّ سامي إلى الخلف قليلًا وهو يطلق النار بسرعة غريبة خلافًا لما اتفقنا عليه وصاح (طُخ بهجت طخ) وأفرغ مسدسه بسرعة فائقة، واتجه راكضًا نحو وادي الجوز مع أننا كنا اتفقنا أن ننسحب إلى كرم الشيخ. وفي هذه اللحظة بقي في مسدسي ثلاث رصاصات بعد أن أطلقت على سيكرست أربع رصاصات، فبدأت أطلق النار على الحارس وهو يطلق النار والسيارة تنحدر إلى الخلف منحرفةً إلى جانب الوادي وأنا أتابعها ويدي اليسرى على جناحها الأمامي الأيسر. وكانت رصاصتي قبل الأخيرة موجهة إلى الحارس من خلال زجاج السيارة الأمامي، ولدهشتي لم تحطم الزجاج وانزلقت عنه. وأطلق الحارس علي أيضًا من خلال زجاج السيارة الأمامي فتحطم فأعطاني فرصة لأُطلق عليه آخر رصاصة في مسدسي فأصابته واستدرت لأنسحب"[14].

بهجت أبو غربية

لقد عُرف سيكرست بوحشيته في التعامل مع الفلسطينيين، واستمتاعه في إيذائهم، حتى أنَّه وُصف بـ "أوحش بريطاني رأته فلسطين" وبـ "الوحش الهمجي" وبـ "الطاغية" [15]، ثم تلا ذلك محاولات أخرى منها محاولة اغتيال مساعد السكرتير العام البريطاني المستر ماكس نيوروك والأدون تاتنباون أحد موظفي دائرة الهجرة والسفر، فقد أُطلق عليهما خمس رصاصات بالقرب من عمارة النوتردام أمام باب الجديد في القدس، وهما في طريقهما إلى مبنى سراي الحكومة في باب العمود عند الساعة السابعة والربع صباحًا دون وقوع إصابات، وذلك في السابع من شهر أيلول/ سبتمبر عام 1936، وقد فرَّ مطلق النار إلى داخل البلدة القديمة[16]، واستمرت عمليات الاغتيال عام 1937، حيث حاول الثوار اغتيال مساعد مدير بوليس الناصرة المستر فرادي  J.A.M. Faraday[17] أكثر من مرة، ونُفِّذت إحدى المحاولات في السادس من نيسان/ إبريل عام 1937، حيث أطلق الثوار عليه ثماني رصاصات[18]. وحاولوا اغتيال مفتش البوليس العام البريطاني المستر سبايسرRoy G. B. Spice [19] في الثالث عشر من حزيران/ يونيو حينما كان "خارجًا من المسكوبية بالقدس في الساعة العاشرة والربع صباحًا فأطلق عليه ثلاثة من العرب بلباس الفلاحين عدة عيارات ناريةً في اللحظة التي كانت سيارته تجتاز بوابة المسكوبية، فلم يصب مفتش البوليس العام بينما أصيب الكونستابل البريطاني الذي كان يقود السيارة في ذراعه، فنقل إلى مستشفى الحكومة"[20]، وقالت صحيفة الدفاع إن اثنين من المهاجمين وقفا "بجانب باب المسكوبية والثالث وقف عند الباب من الجانب الثاني، وأطلق كل واحد منهم عيارين على السيارة في وقت واحد، وقد اخترقت رصاصة النافذة اليسرى للسيارة، وهذه الرصاصة هي التي أصابت الكونستابل البريطاني الذي كان يقود السيارة، وأحدثت رصاصة ثانية خدشًا في عنقه، أما بقية الطلقات فجاءت في المركبة، وبعد أن أطلق المجهولون العيارات النارية الستة ركض ثلاثتهم وبأيديهم مسدساتهم في طريق الملكة ميلسندة فشارع سانت بول فالمصرارة، حيث يُظن أن سيارةً كانت بانتظارهم"[21]. واتهمت صحف صهيونية جماعة "الكف الأسود" بالضلوع في الحادثة[22]، وقد عُرف سبايسر بقراراته التعسفية بحق العرب، وكان قد شغل منزلًا في القدس شهد أعمال تنكيل وحشية ضد المعتقلين العرب[23].

وجرى اغتيال المستر د. س. ب سندرسون D.S.P. Sanderson [24] المساعد الخاص لمفتش البوليس العام، حيث قُتل في كمين أعدَّه ثوار سلواد على طريق نابلس – القدس عند الكيلو 30، في الحادي والثلاثين من كانون الأول/ ديسمبر عام 1938، وذلك في الساعة الخامسة والنصف مساءً، وكان مع القتيل في داخل السيارة السير تشارلز تيجارت  Sir Charles Tegart[25]، والميجر برانسكل Major Brunskill  من هيئة أركان الجيش G.S.0.2[26]، وكانت السيارة في طريق عودتها من حيفا، وقد قطع الفدائيون أسلاك التلفون، وسدُّوا الطريق بالحجارة وانتظروا حتى توقفت السيارة فأمطروها بصلية من الرصاص بشكل كثيف ومباشر من جانب الطريق[27]، وليس مستبعدًا أن يكون ثوار سلواد قد نسقوا تتبع أمر تحرك السيارة من حيفا مع أهل سلواد القاطنين في حيفا[28].

 

استهداف حكام المناطق

حدث تطور في عمليات الاستهداف في المرحلة الثانية من الثورة، إذ اغتال القساميون المستر لويس أندروز Lewis Yelland Andrews حاكم لواء الجليل[29] بتسع رصاصات[30] وقتلوا في العملية حارسه الشخصي الشرطي بيتر ماكوين Peter McEwan في السادس والعشرين من أيلول/ سبتمبر عام 1937، في حين نجا مساعده المستر بيري غوردون Harry Pirie-Gordon، وجاء في إعلان رسمي بريطاني عن الحادث أنَّه "في الساعة الخامسة والدقيقة الأربعين حصل اعتداء على المستر أندروز حاكم لواء الجليل بينما كان يغادر الكنيسة الانجليكانية في مدينة الناصرة، وكان يرافقه المستر بيري غوردون، مساعد حاكم اللواء، وأحد الحرَّاس، وقد أُطلقت النار من مسافة قريبة من قبل أربعة أشخاص، قيل بأنهم عرب، اثنان منهما يلبسان الطرابيش واثنان بثياب قروية، ويأصيب المستر أندروز برصاصات في صدره ومعدته ورأسه، فتوفي في الحال، وأصيب حارسه في كتفه ورأسه، وتوفي بعد ذلك بنصف ساعة. أما المستر بيري غوردون فقد وقع على الأرض وأطلقت عليه النار فلم يصب بأذى"[31]، ويروي أبو إبراهيم الكبير، أحد القادة القساميين في شماليّ فلسطين، بأن المنفِّذين اتخذوا "شكل باعة خضار وحبوب مثل الفلاحين الذين يحضرون إلى الناصرة من الأرياف المجاورة، وكمنوا للحاكم وأطلقوا عليه النار وقتلوه"[32]، ووفق مصطفى كبها ونمر سرحان فقد كان على رأس المنفّذين القائد القسامي محمد أبو جعب[33] الذي روى تفاصيل الحادثة، فقال: "أخذنا نراقبه حتى عرفنا أنَّه يذهب في كل يوم أحد في الساعة الخامسة مساءً للصلاة في الكنيسة الانجليكانية. كان أندروز حريصًا جدًا حتى أنه كان ينزل في فندق يسمى فندق الجليل (تابع للجالية الألمانية)، لأنه كان يخاف على نفسه، ولكن الحرص لا يمنع القدر، ففي يوم 26/9 1937 قررنا اغتياله، وجئنا من قرية صفورية إلى الناصرة، وصلينا العصر في مسجد الناصرة، وطلبت من زملائي أن يكونوا حذرين خوفًا من المفاجآت... ولما جاء بسيارة يقودها شرطي عرفنا من العلم المرفوع عليها أنَّها سيارته، نزل أندروز، ودخل الشارع الفرعي المؤدّي إلى الكنيسة، فلما توقف هناك رفعنا المسدسات وأطلقنا عليه، عند ذلك التفت إلى مساعده وقال له أنجُ بنفسك، فلما رأيت المسافة ثلاثين مترًا بيني وبينه، وكان يحاول دخول الكنيسة، انطلقت في إثره، ومررت على الحارس فوجدته منكبًّا على وجهه ومسدسه على جنبه، فأطلقت عليه طلقتين، فقد يكون ما زال حيًا، وأدركت أنني في عتبة الباب، فأطلقت ثلاث طلقات عليه وانصرفت رغم وجود عدد كبير من الناس في المدخل العام لجميع المصلين"[34].  

لويس أندروز Lewis Yelland Andrews حاكم لواء الجليل

لقد كان أندروز متهمًا بملاحقاته العنيفة لكوادر الحركة الوطنية، وبدعم الاستيطان الصهيوني في الجليل خصوصًا في منطقة الحولة، وبتأييد تقسيم فلسطين، ودعم فكرة إنشاء تنظيم دفاعي مسلح تابع لليهود[35]، وشكّل اغتياله نقطة تحول في مسار الثورة الفلسطينية الكبرى باتجاه تجدد المواجهة المسلحة الواسعة والعنيفة مع البريطانيين.  

واستمرت عمليات الاغتيال عام 1938، إذ اغتيل المستر موفات W.S.S. Moffat[36] حاكم مدينة جنين الذي أطلق عليه ثائر رصاصه القاتل في مكتبه ومن مسافة الصفر في الرابع والعشرين من شهر آب/ أغسطس عام 1938، وأصابه بست رصاصات في العنق والبطن والكتف، ونقل على فوره إلى مستشفى حيفا[37]، لكنَّه ما لبث أن فارق الحياة[38]، وقد لاحقت القوات البريطانية الثائر، وألقت القبض عليه مساءً، وحاول الهرب من السجن فأطلق البريطانيون النار عليه مما أدّى إلى استشهاده[39]، وكان المستر موفات يقوم بأعمال تنكيل بحق الفلسطينيين خصوصًا في حملات التفتيش، ونفَّذ عمليات تصفية ميدانية ضد الفلسطينيين بحجة عدم تسليمهم مخابئ السلاح[40].

 

ردة فعل بريطانيا على الاغتيالات

اتسمت ردة فعل بريطانيا على حملة الاغتيالات باتخاذ إجراءات قاسية بحق الفلسطينيين، فكانت تشرع فور حدوث أي عملية اغتيال بملاحقة الفاعلين، وشن حملة اعتقالات، وتفتيش البيوت، وفرض منع التجوال، وهدم البيوت، وفرض الغرامات، ففور مقتل أندروز، حضر إلى مكان الحادث حاكم لواء الشمال، ومساعد حاكم اللواء في صفد، وحضر أيضًا فريق التحقيق من القدس من بينهم مدير دائرة المباحث الجنائية وعدد من موظفي دائرة الاستخبارات في سلاح الطيران[41]، ومنعت السلطات البريطانية التجول على مدينة الناصرة لعدة أيام، وجلبت تعزيزات عسكريةً كبيرةً إلى المدينة، وشنّت حملة تفتيش واسعةً، واعتقلت 106 أشخاص في الساعات الأولى من الحادثة، وتركزت الاعتقالات في لواء الجليل وفي لواء الشمال[42]، وشملت مدن صفد وحيفا والناصرة وطبريا وطولكرم ونابلس[43]، كما عقدت الحكومة عدة اجتماعات لكبار مسؤوليها في القدس إثر الحادثة[44]، وحلّت بريطانيا اللجنة العربية العليا، واعتقلت أعضاءها، ونفتهم، وأقالت الحاج أمين الحسيني من منصبه رئيسًا للمجلس الإسلامي الشرعي الأعلىولاحقته[45]، كما أعلنت عن مكافأة تصل إلى 10 آلاف جنيه فلسطيني لمن يدلي بمعلومات عن الفاعلين[46]. أمَّا عند اغتيال موفات في جنين، فقد فرضت بريطانيا منع التجوال على جنين، وهدمت 21 منزلًا ومخزنًا[47]، وأعلنت عن مكافآت لمن يدلي بمعلومات عن الفاعلين، وشنت حملة اعتقالات واسعةً. وفور محاولة اغتيال سبايسر اتصلت إدارة الأمن العام "بجميع المراكز والمخافر لاتخاذ التدابير لمعرفة الفاعلين واعتقالهم، وبسرعة البرق انتشر رجال البوليس البريطاني بسلاحهم الكامل في أنحاء مختلفة، ورابط فريق منهم أمام مداخل المدينة القديمة واستمروا إلى ساعة متأخرة من الليل يفتشون الداخلين والخارجين وكذلك فعلت الدوريات التي رابطت على طريق يافا والخليل ورام الله وأريحا وطاف فريق آخر في الأحياء العربية المجاورة وفتشوا دار اللجنة القومية، ومكتب الجمعية القومية، ومكتب شركة دار الصناعة العربية، ومنزل فضيلة الشيخ إبراهيم الأنصاري، وذهبت قوة أخرى إلى ضواحي المدينة وفتشت مقهى لفتا ومنازل بعض أهاليها ولم تعثر على شيء في الأماكن المذكورة"[48].

القائد القسامي محمد أبو جعب

لقد كان للعمليات تداعياتها على العاملين في الدوائر الرسمية البريطانية، فقد كان البريطانيون يقيلون من يتعرضون لمحاولة اغتيال أو ينقلونهم إلى مراكز خارج فلسطين، وهذا ما حدث مع بنتويش قبل الثورة، ومع الضابط سيكرست الذي نُقلَ إلى إنجلترا ثم خدم في قسم الشرطة في تنزانيا[49]، والمفتش سبايسر الذي غادر فلسطين بعد تكرار محاولة اغتياله وعمل رئيسًا للشرطة في جزيرة وايت في إنجلترا[50].

 

الخاتمة

كان الاستهداف بالرصاص لقادة المؤسسة الأمنية والإدارية البريطانية وكوادرها في فلسطين أحد أساليب المقاومة المسلحة أثناء الثورة الفلسطينية الكبرى، وقد نجح الثوار في تحييد عدد من البريطانيين بالاغتيال أو الإصابة. ورغم أن هذا الأسلوب لم يكن سببًا مباشرًا في إخراج بريطانيا من فلسطين، إلا أنَّه ساهم في استنزافها، وإهانتها، وأكَّد وجود تطور نوعي لدى الثوار سمح بتحقيق اختراقات أمنية مسَّت بقيادات وكوادر بريطانية مهمة. وعلى صعيد آخر كان هنالك استهداف للعاملين العرب مع السلطات البريطانية، وجرى اغتيال عدد منهم، وقد آثرتُ عدم التطرق لهذا الموضوع لقناعتي أنّه محتاجٌ لمزيد دراسة وتحليل، وربما يكون عنوانًا لمقالة قادمة بإذن الله.    

 



[1] نورمان هربرت بنتويش Norman Herbert Bentwich (1883-1971): ناشط يهودي صهيوني متطرف. شارك في المؤتمرات الصهيونية العالمية بين عامي (1907-1912)، وزار فلسطين أول مرة 1908. عمل سكرتيرًا قانونيًا لحكومة الاحتلال البريطاني في فلسطين منذ عام 1918، ونائبًا عامًا منذ عام 1922، وقد عُرف بإصداره قوانين لمصلحة الصهاينة. عمل مدرِّسًا للقانون الدولي في الجامعة العبرية في القدس.

[2]كان من تداعيات العملية استقالة بنتويش من منصبه.  لمزيد من التفاصيل حول العملية، انظر: فارس، عوني، في الذكرى الثانية والتسعين لمحاولة الفدائي محمد أبو طبيخ اغتيال بنتويش، مجلة إشراقات الالكترونية: http://ishraqat.info/?p=16278

 

[3] كما في البرقيات الاحتجاجية المقدمة للسلطات البريطانية على سلوك ضابط الشرطة البريطانية في الناصرة المستر فرادي. انظر، صحيفة فلسطين، 1 أيار/ مايو 1936. وعلى سلوك مدير شرطة القدس الضابط آلن سيكرست، انظر، الحركة الوطنية الفلسطينية 1935-1939 يوميات أكرم زعيتر، بيروت، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ط2، 1992، ص 178-179.

[4] نظم بعض الشعراء قصائد تصف ظلم هؤلاء كما في قصيدة قيلت في وصف ظلم المستر فرادي وطالبت بوقفه عند حده. انظر، صحيفة فلسطين، 11 تموز/ يوليو 1934.

[5] صحيفة الدفاع، 19 نيسان/ إبريل 1937.

[6] على سبيل المثال، انظر تفاصيل محاولة اغتيال المفتش العام للشرطة المستر سبايسر في صحيفة الدفاع، 15 حزيران/ يونيو 1937.

[7] Matthew Hughes, “A History of Violence: The Shooting in Jerusalem of British Assistant Police Superintendent Alan Sigrist, 12 June 1936,” Journal of Contemporary History 45/49 (October 2010). p8.

[8]  سامي الانصاري (1918-1936): ولد في القدس. درس المرحلة الابتدائية في المدرسة البكرية، وحصل على الشهادة الثانوية من المدرسة الرشيدية، ونال شهادة المعلمين من قسم التربية في الكلية العربية، واجتاز امتحان التعليم العالي "متروكليشن" باللغة الإنجليزية، وأصبح مدرسًا للإنجليزية في المدرسة الرشيدية في أيلول/ سبتمبر 1935. شارك في الثورة الفلسطينية الكبرى، ونفَّذ عددًا من العمليات منها عملية سينما أديسون في القدس في أيار/ مايو عام 1936، وعملية استهداف سيكرست التي أصيب فيها واعتقله الانجليز، ويُعتقد أنَّهم قاموا بتصفيته، وقد جرى تسليم جثمانه ودفن في مقبرة باب الرحمة بالقدس. 

[9]بهجت أبو غربية (1916-2012): ولد في مدينة خان يونس. درس المرحلة الأساسية في مدارس الخليل وحيفا والقدس، وأنهى المرحلة الثانوية من المدرسة الرشيدية في القدس، وعمل مدرِّسًا في المدرسة الإبراهيمية في القدس. شارك في الثورة الفلسطينية الكبرى (1936-1939)، وكان قائِدًا في جيش الجهاد المقدّس (1947-1949)، ومن مؤسسي منظمة التحرير وعضو لجنتها التنفيذية (1964-1965)، (1967-1969)، وعضو المجلسين المركزي والوطني بين عامي (1964 – 1991)، قائد سابق في جبهة النّضال الشعبي.

[10] آلن إدوارد سيكرست Alan Edward Sigrist (1893-1983): ولد في جزيرة بورت سي Portsea Island في إنجلترا. شارك في الحرب العالمية الأولى، والتحق بالشرطة البريطانية في فلسطين عام 1922، عُرف بقسوته في التعامل مع مظاهرات يافا عام 1933، وقد جُرح أثناء قمعه للمتظاهرين. حصل على الميدالية الملكية للشرطة مكافأة على أدائه. غادر فلسطين بعد محاولة اغتياله، وخدم في عدن وتنزانيا وبرقة. استمر سيكرست ضابط احتياط في الجيش إلى أن تقاعد ومات في بيته في إنجلترا في الأول من آذار/ مارس عام 1983.  

[11] يعتقد بهجت أبو غربية بأن سيكرست قُتل في الحادثة، ويرى أكرم زعيتر أنه فُصل من عمله بسبب شلله وإصاباته الخطيرة، انظر: أبو غربية، بهجت، في خضم النضال العربي الفلسطيني مذكرات المناضل بهجت أبو غربية 1916-1949، بيروت، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1993، ص 72-78، وانظر أيضا: أكرم زعيتر، مصدر سابق، ص 178.

[12] حول تفاصيل محاولة اغتيال سيكرست، انظر: هيوز، ماثيو. "اغتيال في القدس حزيران 1936" حوليات القدس، العدد 15، ربيع- صيف 2013، ص 38-45.

[13] أبو غربية، مصدر سابق، ص 74.

[14]  المصدر نفسه، ص 74.

[15] تعود هذه التوصيفات إلى أكرم زعيتر.

[16] صحيفة فلسطين، 8 أيلول/ سبتمبر 1936.

[17] المستر فرادي J.A.M. Faraday (1899-1937): ولد في كاليفورنيا في الولايات المتحدة، أصبح جنديًا في الحرس الإيرلندي 1917، وقاتل على الجبهة الفرنسية في الحرب العالمية الأولى، والتحق بالشرطة البريطانية في فلسطين برتبة ملازم عام 1922، جُرج أثناء مظاهرات يافا عام 1933. استهدف الثوار بيته بطلقات من الرصاص في الثاني من حزيران/ يونيو عام 1936، واستُهدف مرةً أخرى في الخامس عشر من شباط/ فبراير 1937 في الناصرة، ورُقي لرتبة عميد في الفيلق العربي بقيادة غلوب باشا عام 1939، واستقال منه في العام ذاته. وعمل وكيلاً لإحدى الشركات في مصر وإسبانيا. مات في لندن عام 1986.

[18] صحيفة الدفاع، 7 نيسان/ إبريل 1937.

[19] روي جي بي سبايسر Roy G. B. Spicer: خدم في سلك البوليس في جزيرة سيلان بين عامي (1909-1925)، ثم شغل منصب رئيس البوليس الكيني. وصل فلسطين عام 1931، وأصبح المفتش العام للشرطة والسجون بين عامي (1931-1937). أعفي من منصبه بعد محاولة اغتياله. وعمل رئيسًا للشرطة في جزيرة وايت في إنجلترا بين عامي (1938-1946).

[20] هيوز، ماثيو. الاستعمار البريطاني وإجهاض الثورة العربية الكبرى في فلسطين 1936-1939، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربيةـ، 2021، ص 431.

[21] صحيفة الدفاع، 15 حزيران 1937.

[22]المصدر نفسه.  ذكر أكرم زعيتر في مذكراته (ص 395) خبرًا مفاده أن الفلسطينيين أطلقوا النار على بيت سبايسر 39 مرة خلال سبعة أشهر.

[23] ماثيو هيوز، الاستعمار البريطاني وإجهاض الثورة العربية الكبرى، مصدر سابق، ص 429.

[24] المستر د. س. ب سندرسون D.S.P. Sanderson (1895-1939): عُيِّن المساعد الخاص لمفتش البوليس العام في فلسطين أواخر تشرين أول عام 1938 قادمًا من الهندـ حيث كان نائبًا للمفتش العام للشرطة في الحدود الشمالية الغربية في الهند

[25] السير تشارلز تيجارت  Charles Augustus Tegar(1881-1946): إيرلندي الأصل. مفوض الشرطة السابق في كلكتا في الهند بين عامي (1923-1931)، وقاضي صلح، ومستشار كبير في الإدارة البريطانية في فلسطين، بين عامي (1937-1938) والعقل المدبر لإنشاء مراكز التحقيق والتحصينات في فلسطين أثناء الثورة الفلسطينية الكبرى. حاصل على نيشان الإمبراطورية الهندية من رتبة فارس قائد.

[26] صحيفة الأخبار، 1 كانون الثاني 1939.

[27]The Palestine Post, 1 January 1939

[28] تتوافق الرواية الشفوية التي تناقلها أهل سلواد مع ما ورد في الصحف عن الحادثة.

[29] لويس يلاند أندروز Lewis Yelland Andrews (1896-1937): ولد في مدينة سيدني في استراليا. خدم في قوات المشاة البريطانية في مصر أثناء الحرب العالمية الأولى، وحصل على رتبة نقيب بعدها، وخدم في الإدارة البريطانية في فلسطين منذ تأسيسها، اتقن العربية والعبرية، عمل مساعد ضابط منطقة ثم ضابط منطقة بين عامي (1920-1930، ثم مسؤولاً في دائرة التطوير بين عامي (1932-1936)، ثم عين ضابط ارتباط في لجنة بيل عام 1973، ثم استلم منصب حاكم لواء الجليل في العام ذاته، وقُتل يوم عيد ميلاده الحادي والأربعين.

[30]هيوز، ماثيو، الاستعمار البريطاني واجهاض الثورة العربية الكبرى في فلسطين 1936-1939، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 2021، ص 31.  

[31]صحيفة الجامعة الإسلامية، 17 حزيران 1937.

[32] أبو نضال، نزيه، مذكرات أبو إبراهيم الكبير (خليل محمد عيسى عجاك) القائد القسامي لثورة 36-37، منظمة التحرير الفلسطينية، المجلس الأعلى للتربية والثقافة، ط1، 2010، ص 74.

[33] محمد أبو جعب (1913-): ولد في قباطية في محافظة جنين، انضم إلى الشيخ عز الدين القسام، وكان أحد المسؤولين عن عمليات الاغتيال التي نفذتها جماعة القسام أثناء ثورة 1936. ألقي القبض عليه، وبقي في السجن حتى عام 1941، حيث تمكّن من الهرب، وبقي مطاردًا ثلاثة عشر شهرًا، ثم غادر فلسطين إلى الحجاز واستقر فيها.  

[34] كبها، مصطفى، سرحان، نمر، سجل القادة والثوار والمتطوعين لثورة 1936-1939. كفر قرع، دار الهدى، 2009، ص 229-231.

[35] ماثيو هيوز، الاستعمار البريطاني واجهاض الثورة، مصدر سابق، ص 31.

[36] و.س.س والتر موفات W.S.S. Moffat (1839-1938): حاكم جنين ومأمور تسوية المياه ووكيل مساعد حاكم لواء نابلس.

[37] صحيفة الصراط، 25 آب1938.

[38] صحيفة الصراط، 26 آب 1938.

[39] صحيفة الصراط، 26 آب 1938. يؤكد أبو إبراهيم الكبير أن الفدائي المنفذ تمكَّن من الفرار، ولم يتم القبض عليه. انظر: نزيه أبو نضال، مصدر سابق، ص 75.  

[40] هيوز، ماثيو. "اغتيال في القدس حزيران 1936" حوليات القدس، العدد 15، ربيع- صيف 2013، ص 42.  

[41] صحيفة الدفاع، 28 أيلول 1937.

[42] الجامعة الإسلامية، 28 أيلول 1937.

[43] صحيفة الدفاع، 28 أيلول، 1937.

[44] صحيفة الجامعة الإسلامية، 28 أيلول/ سبتمبر 1937.

[45] أكرم زعيتر، مصدر سابق، ص 331-332.

[46] صحيفة فلسطين بوست The Palestine Post، 29 أيلول/ سبتمبر 1937.

[47] صحيفة الصراط 27 آب/ أغسطس 1938.

[48] صحيفة فلسطين، 15 حزيران/ يونيو 1937.

[49][49] صحيفة الدفاع، 16 نيسان/ إبريل 1937.

[50] ماثيو هيوز، الاستعمار البريطاني واجهاض الثورة العربية، مصدر سابق، ص 558.