عودة إنكار الإبادة الجماعية

عودة إنكار الإبادة الجماعية
تحميل المادة

على سبيل التقديم..

تكشف مقالة الدكتور جيك سونينبيرغ JAKE SONNENBERG[1] والمنشورة في موقع جاكوبين (jacobin)[2]، بعنوان (The Return of Genocide Denial) التقنيات التي استخدمها الساسة الأمريكيون لإنكار الإبادة الجماعية التي وقعت على الفلسطينيين في قطاع غزّة بدعم واضح ومكشوف، وذلك من خلال رفض الحكم على الفعل، أو بالقول إنّ السياسي ليس قاضيًا ولا هو عضو في هيئة محلّفين، أو أنّ الموقف غير واضح للحكم عليه بنحو حاسم. رفض الحكم في حقيقته كما يحاجج الدكتور جيك سونينبيرغ، هو نفي للإبادة، لأنه عملية صناعة لسردية مواجهة لسردية الإبادة. إنّه منع للفلسطيني من أن يقدم سرديته، علاوة على كون رفض الحكم يستند إلى تحريف للواقع بعمليات الانتقاء للوقائع وكيفيات تضمينها في الخطاب وهو ما يحتاج إلى اختلاق أكاذيب وإبراز أحداث وإسقاط أخرى.

لا يهدف السياسي الأمريكي إلى حماية نفسه فحسب من خلال رفض الحكم على الجرائم الإسرائيلية بأنّها إبادة جماعية، ولكنه أيضًا يسعى لتمرير مخطط هو موجود، أي الإبادة التي كانت تحكي عن نفسها بالممارسة، بل وبالإعلان، والخطير في ذلك، أنّ رفض الحكم هذا، يعني في نهاية الأمر إمكان تكرار الإبادة من جديد.

قد يحسن التنبيه، إلى أن إطار زادت المادة تفقيرًا لتوضيح النصّ وتسهيل قراءته، وصنعت للمادة بعض العناوين الفرعية، ونوّهت في الهوامش إلى ما كان من صنعها لتلك العناوين، وكلّ ما في الهامش هو من صنع إطار، وأمّا مصادر الكاتب الأصلية فهي مضمنة في صورة روابط تشعبية.

هيئة التحرير

أحد أكثر الجوانب الصادمة في حملة العنف الإسرائيلية التي استمرت 15 شهرًا ضد سكان غزة كان رفض الطبقة السياسية في الولايات المتحدة، حتى في ظل تزايد الأدلة، وصف ما يحدث بأنه إبادة جماعية.

في أواخر تشرين الثاني/ نوفمبر، بعد وقت قصير من بدء الولايات المتحدة إدانة المحكمة الجنائية الدولية بسبب توجيهها اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ضد قادة إسرائيليين كبار لتورطهم في الإبادة الجماعية للفلسطينيين في غزة، طرح أحد الصحفيين سؤالًا مهمًا على المتحدث الرسمي المنتهية ولايته باسم وزارة الخارجية الأمريكية، ماثيو ميلر: "من يملك الحق في محاكمة إسرائيل؟… أي منظمة في العالم يمكنها محاسبة إسرائيل على أي اتهام؟" ميلر، الذي يمثل وجهه المتبسم بالنسبة للكثيرين رمزًا لمدى وقاحة دعم إدارة بايدن لجرائم إسرائيل، امتنع عن إصدار حكم واضح، مكتفيًا بالقول: "كل شخص يمكنه التوصل إلى استنتاجاته الخاصة."

في هذا التفاعل الذي يدور حول طرح فكرة الحكم على إسرائيل ثم رفضها، تجلت نزعة أساسية مكّنت إسرائيل من تدمير غزة بشكل ممنهج على مدار خمسة عشر شهرًا: الرفض شبه التام للطبقة السياسية الأمريكية للحكم على أبسط المسائل المتعلقة بالصواب والخطأ. وربما يضع وقف إطلاق النار، الذي طال انتظاره وأصبح الآن ساري المفعول، حدًا أخيرًا لمشاهد الوحشية الإسرائيلية المتواصلة في غزة، والتي ارتُكبت أمام أنظار العالم دون خجل.

لأكثر من عام، كان الامتناع عن إصدار الأحكام موقفًا ثابتًا بين العديد من القادة الأمريكيين الذين سارعوا لتسليح وتمويل وتوفير الغطاء الدبلوماسي لإسرائيل رغم التقارير الواسعة عن الفظائع الجماعية في غزة. ففي وقت مبكر من ديسمبر 2023، وبعد شهرين من الهجمات الإسرائيلية التي قتلت بالفعل أكثر من 14,000 فلسطيني بمعدل قتل يفوق أي نزاع حديث آخر في العالم – وفي وقت أعلن فيه الرئيس الإسرائيلي أن "الحديث عن مدنيين غير واعين وغير متورطين ليس صحيحًا"، وحذّر الباحثون حول العالم من خطر الإبادة الجماعية الوشيك – صرّح ميلر من منصة البيت الأبيض بأنه "من المبكر جدًا التوصل إلى استنتاج نهائي" بشأن ما إذا كانت إسرائيل تحمي المدنيين أم لا.

وفي حزيران/ يونيو، بعد هجوم إسرائيلي على مدرسة في مخيم النصيرات للاجئين أدى إلى مقتل أكثر من ثلاثين شخصًا، بينهم أربعة عشر طفلًا، تهرّب ميلر مرة أخرى قائلاً: "لا أريد أن أستبق الأحكام." وفي تشرين الأول/ أكتوبر، وهو الشهر نفسه الذي أعلنت فيه مجموعة عسكرية إسرائيلية بشكل صريح: "مهمتنا هي تسوية غزة بالأرض"، لم يكن لديه ما يقوله عن سبب عدم امتلاك الولايات المتحدة أي معلومات جديدة أو تعليق بشأن قتل إسرائيل الطفلة هند رجب، ذات الستة أعوام، مع عائلتها والمسعفين الذين حاولوا إنقاذها، باستخدام سلاح يُرجح أنه أمريكي الصنع، بعد تحقيقات صورية استمرت تسعة أشهر. اكتفى ميلر حينها بالرد قائلاً: "لسنا في موقع يسمح لنا بالحكم النهائي."

تقريبًا لا أحد في الحكومة، حتى خارج دائرة ميلر، كان مستعدًا لاستخلاص استنتاجات بشأن حملة عسكرية دعمتها الولايات المتحدة بنحو نشط بما يقارب 20 مليار دولار من الأسلحة والمساعدات الأخرى منذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023. عندما سُئل مستشار الأمن القومي لجو بايدن، جيك سوليفان، على قناة CNN في وقت مبكر من الغزو عما إذا كانت إسرائيل تستخدم السخاء الأمريكي بما يتماشى مع القانون الإنساني الدولي، أجاب: "لن أجلس هنا وأتصرف كقاضٍ أو هيئة محلفين."

أما جون كيربي، المتحدث السابق باسم الأمن القومي للبيت الأبيض، فقد قال في الشهر التالي: "لن نحكم… من حيث كوننا القاضي وهيئة المحلفين." وفي تقرير صدر في أيار/ مايو إلى الكونغرس، كان من المفترض أن يحدد ما إذا كانت استخدامات إسرائيل للأسلحة الأمريكية متوافقة مع القانون الأمريكي، أعلنت إدارة بايدن أنها حرة في مواصلة نقل الأسلحة لأنها "غير قادرة على التوصل إلى استنتاجات حاسمة."

وفي أيلول/ سبتمبر الماضي، تبيّن أن وزير الخارجية الأمريكي، أنتوني بلينكن، أعفى نفسه من الحاجة إلى الاستجابة لاستنتاجات عدة وكالات أمريكية بأن استمرار تزويد إسرائيل بالأسلحة ينتهك القانون الأمريكي، وذلك من خلال الادعاء بأن مسألة ما إذا كانت إسرائيل تعرقل إيصال المساعدات الإنسانية للفلسطينيين هي أمر "لا يقيّمه صانعو القرار في وزارة الخارجية حاليًا."

ورغم أنه لم يجد دليلاً على انتهاك القانون، فإنه لم يعلن أيضًا عن الامتثال له. ثم طمأننا لاحقًا بأنّ هذا "في الواقع أمر شائع جدًا." على الأقل، في هذه النقطة، لم يكن مخطئًا.

في اللغة المبنية للمجهول التي أصبحت سمة مميزة للسرد الليبرالي حول الفظائع الإسرائيلية، لجأ المشرعون أيضًا إلى المراوغة والتعبير عن "القلق"، بينما كانوا يكدسون الأموال والأسلحة لإسرائيل. خذ كمثال واحد فقط رئيسي السابق، السيناتور مايكل بينيت.[3]

بعد أسابيع قليلة فقط من تصويته شخصيًا لصالح إرسال 14.1 مليار دولار إضافية لنظام نتنياهو، وإلغاء تمويل الوكالة الرئيسة المسؤولة عن تقديم المساعدات الإنسانية للفلسطينيين الذين يجري تجويعهم عمدًا في غزة، ومنع تحقيق غير ملزم حول ما إذا كان استخدام إسرائيل للأسلحة الأمريكية ضد المدنيين المهجّرين يتوافق مع القانون الأمريكي، ظهر بينيت على التلفزيون لدعم جولة جديدة من نقل الأسلحة إلى إسرائيل.

أما فيما يتعلق بما إذا كانت حكومة بنيامين نتنياهو ستستخدم هذه الأسلحة بما يتماشى حتى مع أبسط معايير حقوق الإنسان، فقد تهرّب بينيت من الإجابة، مقدمًا نسخته الخاصة من رفض إصدار الأحكام بقوله: "ليس واضحًا لي." وفي الشهر نفسه، صرّحت ماي غولان، وزيرة المساواة الاجتماعية وتمكين المرأة في إسرائيل، للعالم بأنها "تفخر شخصيًا بالأنقاض في غزة."

ورغم كل الاحتجاجات المزعومة بـ"عدم الوضوح"، كان بينيت، ومعه تقريبًا جميع زملائه، متأكدًا بما يكفي للتصويت مرارًا وتكرارًا ضد إرادة الشعب الأمريكي لصالح تزويد نظام الفصل العنصري بالأسلحة، وهو النظام الذي كان واضحًا، منذ أشهر، أنه يستخدم هذه الأسلحة تحديدًا لارتكاب إبادة جماعية.

إن الاستعراض المستمر للمراوغة والتردد والصياغات الغامضة فيما يتعلق بالعنف الإسرائيلي المدعوم أمريكيًا، والذي لا يمكن وصفه إلا بأنه مدان بوضوح، لا يرقى فقط إلى مستوى النفاق، بل يتجاوزه ليصل إلى التخلي الكامل عن المسؤولية.

فأكثر من عام، كان رفض إصدار الأحكام وسيلة لتأجيل أي استنتاجات غير مرغوبة بشأن أدلة غير مريحة إلى أجل غير مسمى، ومن خلال هذا الإغلاق الممنهج للبدائل، أصبح هذا الرفض عنصرًا أساسيًا في استمرار الإبادة الجماعية، والتي لن تتضح حجم فظائعها بالكامل إلا عندما يعود الفلسطينيون المهجّرون إلى منازلهم المدمرة في أنحاء غزة.

إذن بالرواية[4]

قبل أربعين عامًا، تناول إدوارد سعيد مسألة إصدار الأحكام على القضية الفلسطينية بطريقة مختلفة، وذلك في مقاله "إذن بالرواية" الذي نُشر عقب الغزو الإسرائيلي الوحشي للبنان عام 1982. حيث تأمل سعيد، في تأملاته الشهيرة، في كيفية أن "الحقائق لا تتحدث عن نفسها أبدًا."

كان اهتمام سعيد عند مراجعته عدة أعمال منشورة عن هذا الغزو منصبًا جزئيًا على السؤال عن الكيفية التي يمكن بها لكمٍّ هائل من الأدلة حول الفظائع أن يفشل تمامًا في التأثير على الفهم السائد. وتساءل: "ما الذي يجعل من الممكن لنا، كبشر، أن نواجه الحقائق، أو نصنع حقائق جديدة، أو نتجاهل بعضها ونركز على أخرى؟"

وجد سعيد الجواب في الرفض الغربي المستمر لرواية الأحداث من وجهة نظر فلسطينية. وأوضح أن هذا ينبع من عدم الرغبة في وضع الحقائق ضمن سياق يراعي كيف يختبر الفلسطينيون الصهيونية. فلكي تُصوَّر الأحداث بهذه الطريقة اليوم، يجب أن يُعتراف بالخلفية التاريخية المتمثلة في الهيمنة الاستعمارية والتطهير العرقي والإبادة الجماعية، إضافةً إلى تجارب الأفراد – أي الإنسانية البسيطة التي نادرًا ما يجري تصويرها في الإعلام أو السياسة الغربية.

وكما أوضحت ماري تورفاه في مقال نشرته العام الماضي في مجلة Protean، كان جوهر حجة سعيد هو أن "الفلسطينيين يجب أن يُنظر إليهم كفاعلين، لا كموضوعات سلبية في السرد."

الفجوة بين الواقع والرواية الرسمية[5]

في أروقة واشنطن وأرشيفات الإعلام الغربي، فشلت الحقائق مرة أخرى في التحدث عن نفسها، إذ تم التعمّد في طمسها بين الحدث والفهم، مما أدى إلى اتساع الفجوة بين الواقع والسرد الرسمي.وقد ساهم في هذا الانفصال أحكام غير معلنة ترفض منح الفلسطينيين مجرد وكالة إنسانية بسيطة، مثل:

Ø     الافتراض الضمني بأن المجازر التي يبلغ عنها سكان غزة ليست كما تبدو.

Ø     التصور الحذر بأن المطالبات الفلسطينية بالأمان هي تهديدات للإسرائيليين.

Ø     الاستنتاج المشبوه بأن العرب الذين يبلغون عن اضطهادهم قد لا يكونون صادقين.

وعندما يُضاف إلى ذلك الاستعداد المتحمس لتكرار دعاية إسرائيلية مفضوحة حتى بعد دحضها مرارًا، يصبح الرفض العام لإصدار الأحكام على الجرائم المستمرة بمثابة إنكار صريح لإنسانية الضحايا.

السرد والإنكار: بناء واقع مزيف[6]

عند النظر إليه من هذا المنظور، يبدأ التمييز بين "إصدار الأحكام" و"السرد" في التلاشي، مما يساعد على توضيح الدور المحوري الذي لعبه رفض الكثيرين للحكم على مشاركتهم في الفظائع الإسرائيلية المدعومة أمريكيًا. فالأكاذيب السياسية العميقة – مثل الزعم بأن "ما فعلته إسرائيل بدعم أمريكي في غزة ليس واضحًا بعد" – غالبًا ما تتطلب ما أسمته حنة آرنت عند تأملها لقضايا مماثلة لما ناقشه سعيد "صناعة واقع آخر" لاستيعابها.

إلى جانب حماية الذات السياسية، فإن هذا هو المشروع الذي انخرط فيه أولئك الذين أصروا على "الاحتفاظ بأحكامهم" طوال الأشهر الماضية. لم تكن الغاية أبدًا طرح أسئلة ليُجاب عنها لاحقًا، بل الإبقاء على الوهم الضروري للاستمرار في تنفيذ ما اتُخذ القرار بشأنه مسبقًا.وبالطبع، هذا البناء المشوّه مجرد تمثيلية، لكنه أيضًا في حد ذاته نوع من السرد.

في الوقت الحقيقي

إحدى أكبر الفظائع في الإبادة الجماعية في غزة كانت توثيقها في الوقت الحقيقي من قبل الفلسطينيين الذين واجهوا وحشية الإمبريالية الغربية العارية. في تشرين الأول/ أكتوبر، علّق الطبيب والناجي من الهولوكوست غابور ماتيه قائلاً: "إنه كما لو أننا نشاهد أوشفيتز[7] على تيك توك."

أحد أكثر الأصوات الفلسطينية اتساقًا في سرد هذا الرعب خلال الأشهر التي سبقت وقف إطلاق النار الأخير كان طبيبًا آخر، حسام أبو صفية، الذي شكلت تقاريره القادمة من غزة مثالًا واضحًا على إنسانية الفلسطينيين المرفوضة من خلال الامتناع عن الحكم والتحرك ضد الفظائع.

الطبيب وسط المجزرة[8]

الدكتور حسام أبو صفية، طبيب أطفال، هو مدير مستشفى كمال عدوان في بيت لاهيا. ومع جميع المستشفيات المجاورة، تعرض كمال عدوان للقصف عدة مرات واقتحمته القوات الإسرائيلية المدعومة أمريكيًا، في إطار حملة تجويع وتطهير عرقي معلنة علنًا لإفساح المجال أمام بناء مستوطنات إسرائيلية مخطط لها في شمال غزة – وهي، كما وصفها مبعوث فلسطين إلى الأمم المتحدة، "إبادة جماعية داخل إبادة جماعية."

وعلى الرغم من حظر هذه الخطط بموجب اتفاق وقف إطلاق النار، فإن القادة الإسرائيليين يواصلون التصريح علنًا بعزمهم على الاحتفاظ بالسيطرة على معظم هذه المنطقة.

مقارنةً بالسكان الأصليين الذين كانوا بالمئات الآلاف، قُدّر أنه لم يبقَ سوى أقل من 50,000 فلسطيني في هذه المنطقة المنكوبة. وعلى مدار أشهر، منعت إسرائيل دخول الطعام والوقود والمياه والأدوية، وحوّلت أحياءً كاملة إلى ركام.لخص سعيد كلاني، أحد سكان بيت لاهيا، الوضع بوضوح: "لقد دُمِّر كل شيء لإجبار الناس على الرحيل."

نداءات استغاثة تتجاهلها الآذان الصماء[9]

منذ تشرين الأول/ أكتوبر، بدأ الدكتور أبو صفية بنشر فيديوهات شبه يومية عن الوضع في مستشفى كمال عدوان، مقدّمًا توثيقًا مباشرًا لكيفية تحول الرفض الغربي للحكم على الفظائع الجماعية إلى رفض مباشر للروايات الفلسطينية.

النتائج المادية لهذا الرفض ظهرت بنحو بارز في التقارير المتواصلة التي لم تلقَ أيّ استجابة من داخل مستشفاه المحاصر. في أوائل تشرين الثاني/ نوفمبر، ظهر في فيديو وهو يرتدي زيه الطبي الأبيض، متحدثًا بعد أكثر من شهر على الحصار الإسرائيلي:

"لقد أطلقنا نداءات استغاثة إلى جميع المنظمات الدولية، والمجتمع الدولي، ومنظمات حقوق الإنسان، والصليب الأحمر."ثم أضاف: "للأسف، حتى هذه اللحظة، لم نشهد أي اختراق."

ومع تزايد الطلبات غير المجابة للحصول على الحماية والغذاء والمياه والإمدادات الطبية، كرر الرسالة نفسها في فيديو عشية عيد الميلاد، حيث هزّت الانفجارات المستشفى بينما كان يتحدث: "نُقتَل كل يوم… نحن الآن نقترب من اليوم الثمانين للحصار، وما زلنا نناشد العالم… لكن لا أحد يسمع، وكأننا نتحدث إلى آذان صماء."

بعد ثلاثة أيام، بينما كان الأمريكيون يحتفلون بالأعياد، اقتحمت القوات الإسرائيلية، المزودة بأسلحة أمريكية، مستشفى كمال عدوان للمرة الثالثة، وقامت بتفتيش المرضى والعاملين في المجال الصحي بطريقة مهينة، وضربهم بوحشية. اختُطِفَ العشرات، من بينهم الدكتور حسام أبو صفية، الذي نُقل إلى معسكر اعتقال إسرائيلي سيئ السمعة معروف بممارسة التعذيب والعنف الجنسي.

أَضرمت قوات الاحتلال الإسرائيلي النار في مستشفى كمال عدوان، بينما كانت الحكومة الإسرائيلية تطمئن العالم بأن المرضى الذين يعانون من حالات غير مستقرة يمكنهم الإخلاء إلى مستشفى آخر قريب. ولكن وفقًا لمنظمة الصحة العالمية، فإن المنشأة التي وجهت إسرائيل المرضى إليها كانت "مدمرة وغير صالحة للعمل."

تحذيرات مبكرة جرى تجاهلها[10]

قبل أكثر من عام، تحدث مجموعة من الأطباء إلى العالم من ساحة مستشفى الأهلي العربي في مدينة غزة، محذرين من أن رفض الغرب الحكم على الفظائع الإسرائيلية سيكون الآلية الأساسية التي تسمح بتكرارها.

وفي مؤتمر صحفي، تحدث الدكتور غسان أبو ستة، الجراح الفلسطيني البريطاني الذي كان يعمل متطوعًا مع منظمة "أطباء بلا حدود"، باللغة الإنجليزية من خلف منصة محاطة بجثث الضحايا، موضحًا العلاقة المباشرة بين إصدار الأحكام، وصياغة الرواية، وتمكين الفظائع:

"لقد حذرت إسرائيل العالم بأسره من أنها ستهاجم المستشفيات الفلسطينية، وقد فعلت ذلك بالفعل… إذا نجت إسرائيل من المحاسبة مرة أخرى، فسيتم ارتكاب المزيد من جرائم الحرب، وستتعرض المزيد من المستشفيات للهجوم."

تدمير النظام الطبي في غزة: جريمة إبادة متعمدة[11]

منذ ذلك المؤتمر الصحفي، أصبح التدمير المنهجي للبنية التحتية الطبية في غزة أحد السمات الأساسية للإبادة الجماعية، وأحد أوضح الأمثلة على كيف أن رفض إصدار الأحكام لا يعد موقفًا حياديًا، بل بمثابة تأييد فعلي.

على مدار أكثر من عام، نقل العاملون في المجال الطبي في غزة ولبنان والضفة الغربية تجاربهم المروعة للعالم، وهم يكافحون لرعاية المرضى والمصابين تحت القصف الإسرائيلي المستمر. جرى جمع هذه التقارير، ومراجعتها، والتحقق منها، وعرضها على العالم مرارًا وتكرارًا، لتكشف عن حقائق مثل:

Ø     مقابر جماعية في ساحات المستشفيات.

Ø     جثث عُثِرَ عليها "وما زالت القساطر والأنابيب الطبية متصلة بها."

Ø     هجمات قناصة تستهدف الممرضين، والأطفال، والأطباء، والمرضى.

Ø     قصف سيارات الإسعاف.

Ø     اغتيال عمال الإغاثة.

Ø     اعتقالات جماعية للمرضى والطواقم الطبية.

كل هذه الحقائق الفادحة لم تكن مجرد نتائج جانبية للحرب، بل كانت سياسة متعمدة تهدف إلى إبادة الفلسطينيين وحرمانهم من أبسط حقوقهم في الحياة والرعاية الطبية.قتلت إسرائيل أكثر من ألف من العاملين في القطاع الصحي الفلسطيني، وكثير منهم عبر عمليات اغتيال مستهدفة.

تعرض عدة أطباء بارزين للتعذيب والقتل في معسكرات الاعتقال الإسرائيلية، ولا يزال العديد منهم قيد الاحتجاز. في أكتوبر، جرى حرق طالب الهندسة البالغ من العمر 19 عامًا، شعبان الدلو، حيًا في سريره داخل المستشفى، بينما كان لا يزال موصولًا بمحلول وريدي أثناء تعافيه من إصابات تعرض لها في قصف سابق.وفي غضون أسبوع واحد فقط، مع بداية العام الجديد، لقي ما لا يقل عن ستة أطفال رُضّع جائعين ومهجرين في شمال ووسط غزة حتفهم بسبب البرد القارس.

الرفض ليس حيادًا، بل تواطؤ صريح[12]

أن يقرأ المرء هذه الشهادات، وينظر إلى هذا المشهد من الدمار، ثم يرفض قبول حقيقته، لا يُعد حيادًا. إنه ببساطة إنكار متعمد. كما قالت الروائية إيزابيلا حماد في محاضرة حول السرد وفلسطين، قبل أيام فقط من هجمات 7 أكتوبر:

"الإنكار، يمكن القول، هو النقيض للاعتراف. لكنه، حتى في ذاته، يستند إلى نوع من المعرفة. إنه التفاف متعمد بعيدًا عن معرفة مدمرة…"إن هذا الرفض ليس مجرد تقاعس، بل هو بحد ذاته شكل من أشكال السرد والفعل. وهو نزعة شائعة في تاريخ الإبادات الجماعية لدرجة أنه أصبح جزءًا معترفًا به من الجريمة، يحمل اسمًا محددًا: "إنكار الفظائع."

المذنبون يكشفون أنفسهم

إن بناء السرد – أي رفع بعض القصص وإهمال غيرها، وتكرار بعض الحقائق أو الأكاذيب بينما يتم تجاهل أخرى عمدًا – ينطوي على درجة كبيرة من الحكم، مما يخلق مشكلة للمسؤولين الأمريكيين الذين دعموا الإبادة الجماعية في غزة: فالواقع الذي انكشف أمام العالم لا يتماشى مع روايتهم المفضلة.

ومن بين الأشخاص الأكثر تورطًا في تزويد إسرائيل بالأسلحة الأمريكية، كان وزير الخارجية الأمريكي السابق أنتوني بلينكن، الذي كاد أن يعترف بذلك خلال مقابلة نهاية ولايته مع صحيفة نيويورك تايمز في يناير، قبل الإعلان عن وقف إطلاق النار الأخير بقليل.عندما سُئل عمّا إذا كان قلقًا من أنه كان يشرف على إبادة جماعية سيراها العالم قريبًا بوضوح، قدم استنتاجًا نادرًا: "لا، ليس كذلك." لكنه لم يقدم أي تفسير لهذا التصريح، الذي يتناقض مع تقييم المجتمع المدني الفلسطيني، ومنظمة العفو الدولية، والمركز الأوروبي للحقوق الدستورية وحقوق الإنسان، وهيومن رايتس ووتش، ومعهد ليمكين لمنع الإبادة الجماعية والأمن البشري، والعديد من خبراء الأمم المتحدة، وعشرات الباحثين في مجال الإبادة الجماعية. أما عن حكم بقية العالم، فقد أقر بلينكن قائلاً: "لا يمكنني الإجابة بشكل كامل… على الجميع أن ينظر إلى الحقائق ويستخلص استنتاجاته الخاصة منها."

التحذير من الرفض المطلق للحكم[13]

قبل ما يقارب ستين عامًا، حذرت حنة آرنت في إحدى محاضراتها من أنه: "يكمن خلف عدم الرغبة في الحكم… الشك في أن أي شخص مسؤول أو يمكن توقع محاسبته على ما فعله."

إلى جانب اللامبالاة، رأت آرنت أن أخطر أشكال التجرد الأخلاقي يتمثل في "النزعة الواسعة النطاق لرفض الحكم على الإطلاق"، وهو فشل لاحظته بين أولئك الذين ارتكبوا أعظم الجرائم في القرن العشرين.

من عدم الرغبة أو العجز عن اختيار الأمثلة والرفقة، ومن عدم الرغبة أو العجز عن الارتباط بالآخرين من خلال إصدار الأحكام، تنشأ الفضائح الحقيقية، والعثرات الحقيقية التي لا تستطيع القوى البشرية إزالتها، لأنها لم تنجم عن دوافع بشرية مفهومة على نحو إنساني. وهنا يكمن الرعب، وفي الوقت نفسه، تفاهة الشر.

تفاهة الشر والمسؤولية عن الفظائع[14]

يُستشهد كثيرًا بمفهوم "تفاهة الشر" الذي صاغته حنة آرنت باعتباره تحذيرًا من أن الأشخاص العاديين يمكن أن يرتكبوا جرائم كبرى، لكنه كان أيضًا تنبيهًا إلى أن الفظائع الجماعية لا تصبح ممكنة إلا عندما يصبح الفشل في التفكير وإصدار الأحكام أمرًا شائعًا.

نتيجة لذلك، تمكنت آرنت من التعرف على الشر العظيم بعيدًا عن مواقع العنف المباشر، فقد رأت أنه يكمن في "المذنبين الذين يرفضون التفكير في أفعالهم بأنفسهم، والذين يرفضون أيضًا، بعد وقوعها، التفكير فيها." لقد وجدت آرنت في المقاومة المتعمدة لاستخلاص الاستنتاجات والتصرف بناءً عليها انهيارًا في الحياة الأخلاقية والسياسية لا يمكن العفو عنه.

انعكاسات الماضي على الحاضر[15]

الظروف اليوم مختلفة، لكن في أولئك الذين قدموا دعمًا ماديًا للإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل ضد الفلسطينيين، بينما يرفضون الحكم على نتائج أفعالهم، هناك أكثر من صدى لجرائم المجرمين العظام في زمن آرنت.

بالتنصل من مسؤولية التمييز بين الصواب والخطأ، يأمل صانعو السياسات لدينا ومؤيدوهم، مثل القتلة عديمي التفكير في العصور الماضية، في أن يبدو الأمر في النهاية "وكأن أحدًا لم يعد موجودًا ليُعاقب أو يُغفر له." لكن، كما كان الحال آنذاك، في جهودهم اليائسة لطمس العلاقة بين أفعالهم والفظائع الجماعية، لا يكشف المذنبون سوى عن أنفسهم.


[1]. جيك سونينبيرغ طبيب مقيم في كاليفورنيا. (إطار).

[2]. نشرت بتاريخ 31 كانون الثاني/ يناير 2025:

https://jacobin.com/2025/01/genocide-denial-israel-us-gaza (إطار).

[3]. مايكل بينيت (Michael Bennet) هو سيناتور أمريكي ديمقراطي يمثل ولاية كولورادو في مجلس الشيوخ الأمريكي منذ عام 2009. وهو معروف بكونه "سياسيًا معتدلًا" داخل الحزب الديمقراطي، وله خلفية في القانون والسياسات العامة. (إطار).

[4]. مقالة إدوارد سعيد "إذن بالرواية": https://www.palestine-studies.org/ar/node/1651452 (إطار).

[5]. هذا العنوان الفرعي من صنع هيئة تحرير إطار.

[6]. هذا العنوان الفرعي من صنع هيئة تحرير إطار.

[7]. معسكر الإبادة النازي "أوشفيتز-بيركيناو"، وهو أحد أشهر وأكبر معسكرات الاعتقال والإبادة التي أقامها النظام النازي خلال الحرب العالمية الثانية. كان المعسكر جزءًا من الهولوكوست. (إطار).

[8]. هذا العنوان الفرعي من صنع هيئة تحرير إطار.

[9]. هذا العنوان الفرعي من صنع هيئة تحرير إطار.

[10]. هذا العنوان الفرعي من صنع هيئة تحرير إطار.

[11]. هذا العنوان الفرعي من صنع هيئة تحرير إطار.

[12]. هذا العنوان الفرعي من صنع هيئة تحرير إطار.

[13]. هذا العنوان الفرعي من صنع هيئة تحرير إطار.

[14]. هذا العنوان الفرعي من صنع هيئة تحرير إطار.

[15]. هذا العنوان الفرعي من صنع هيئة تحرير إطار.