قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين وتكتيكات المقصلة الإسرائيلية

قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين وتكتيكات المقصلة الإسرائيلية
تحميل المادة

تهدف هذه المقالة للتعرف على المنطق الكامن خلف سنّ أي سلطةٍ، والسلطات الإسرائيلية في الحالة هذه، لقانون الإعدام، والبحث في أسباب إحجام الحكومات الإسرائيلية عن إنفاذ مثل هذا القانون، وذلك بواسطة إجراء مسح للمراحل المختلفة في تاريخ "دولة إسرائيل" المتعلقة بالتعامل مع قانون الإعدام. تجادل المقالة بضرورة التمييز بين سنّ قانون الإعدام وإنفاذ حكم الإعدام، فنظريًا لا يوجد مانع قانوني من تنفيذ الإعدام بحق الفلسطينيين، وإنما يوجد تعليمات إدارية حكومية واشتراطات قانونية تحول دون ذلك.

قُسّمت المقالة إلى مقدمة وثلاثة أقسام، وتنتهي بخلاصة واستنتاجات. يبحث القسم الأول من المقالة الخلفيةَ النظرية لعقوبة الإعدام، ومن ثم ننتقل في القسم الثاني لتناول التطورات التاريخية لسنّ قانون الإعدام في الكيان الصهيوني، سواء في المناطق المستعمرة سنة 1948 أو 1967، بينما يتعرض القسم الثالث لقرارات الحكومات الإسرائيلية وتشريعات الكنيست المتعلقة بسن القانون، وتُختتم المقالة بخلاصة واستنتاجات.

 

مدخل

صادق الكنيست الإسرائيلي في الأول من آذار/ مارس الجاري بالقراءة التمهيدية على اقتراح قانون عقوبة الإعدام بحق الأسرى الفلسطينيين المتسببين بقتل إسرائيليين، أيّد الاقتراح 55 عضوًا وعارضه 9. وجرى إحالة المقترح للجنة مختصة من أجل إقراره بالقراءة الأولى.

يقضي المقترح بتنفيذ عقوبة الإعدام في "من يتسبب عن قصد أو لامبالاة بوفاة مواطن إسرائيلي لدوافع عنصرية أو عدائية تجاه مجموعة من الناس، وبهدف إلحاق الضرر بدولة إسرائيل، وانبعاث الشعب اليهودي في وطنه". ويشير المقترح إلى أنّ الدافع لسنّ قانون الإعدام هو حصول الأسرى الفلسطينيين المدانين بقتل إسرائيليين "على ظروف أفضل في السجون وأجور من السلطة الفلسطينية وعندما يحين الوقت، يتم الإفراج عن معظمهم من خلال صفقة أو أخرى"، وأن الهدف من هذا المقترح، بحسب وزير الأمن الوطني إيتمار بن غفير هو " قطع دابر الإرهاب، وخلق رادع كبير وذي شأن".[1]

 

أولًا: تأطير نظري ومفاهيمي

       دأبت الأنظمة السياسية على اعتماد عقوبة الإعدام بهدف تحقيق ردع المتمردين على السلطة وقوانينها، وبهدف ضبط السكان والتحكم بهم. لكن وبحسب ميشيل فوكو حصل تحوّل في بداية القرن الثامن عشر من الاستناد على السلطة السيادية "التأديبية/ العقابية" Sovereign power نحو السلطة الانضباطية Disciplinary power، بمعنى حصول تحول من اعتماد عقوبة الإعدام نحو عقوبة السجن. يجادل فوكو بأنّ  "عقوبة الحكم المؤبد أكثر ألمًا من الموت.. يجب اختيار الوسائل التي توقع في أذهان الناس، الإحساس الأكثر فاعليةً والأكثر ديمومةً".[2] فالسجن من وجهة نظر فوكو يعني فرض عبودية دائمة على الأفراد، من خلال التحكم بأجسادهم وضبطهم، وبالتالي فهو أكثر إيلامًا، وأقرب إلى تحقيق الردع.

يفند فوكو إدعاء "التنويريين" بأن التحول من التعذيب والإعدام إلى السجن في أوروبا يعود إلى ظهور النزعة الإنسانية، مدعيًا بأنّ السبب في هذا التحول هو بطلان تأثير "تقنية" التعذيب والإعدام آليةً لردع الجمهور. فبدل أن يصبح حضور الجمهور لتعذيب الخارجين عن السلطة وقتلهم سببًا في أخذ العبرة، تحول الجمهور نحو التعاطف مع الضحية، فتحول الضحية إلى بطل يستحق التضامن معه. فالتعذيب والإعدام في جوهره (من وجهة نظر فوكو) لا يعيد العدالة لنصابها وإنما يعمل على تقوية السلطة. وهكذا، ونتيجةً لفقدان التعذيب والإعدام التأثير المرجو منهما، كان الحل عند السلطة الانضباطية هو التحول نحو السجن مؤسسةً عقابيةً، وذلك من خلال التحكم بالجسد، فالجسد هو الحيز الذي تتمظهر فيه السلطة الانضباطية. ووفق هذا التفسير، نرى كيف أن التحول من القتل إلى السجن يعدّ مؤشرًا للسلطة، وذلك بواسطة ترسيخ استمرار التحكم في الجسد، الذي يعدّ مسرحًا للسلطة، فسجن الخارج عن القانون تجلٍّ لتحكم السلطة بجسده، بذريعة تطويعه وإصلاحه.

تنفيذ حكم الإعدام بحق الخارجين عن "النظام" كان له أثران متضادان، فهو من ناحية يحقق الردع لعامة الناس، لكنه من ناحية ثانية يجعل مِمّن ينفَّذُ فيهم الحكم رموزًا للثورة والتمرد (شهداء)، قد يتسببون بزيادة الاحتقان والغضب ضد السلطة القائمة. ومن ثمّ يمكننا القول بأنّ السلطة الحاكمة عندما تصل إلى قناعة بأنّ الإعدامات فقدت قدرتها على تحقيق الهدف منها (وهو الردع)، تتحول نحو شكل آخر من العقاب وهو السلطة الانضباطية القائمة على سجن المخالفين وسلب حريتهم. والعكس صحيح؛ عندما تستشعر السلطة تآكل تأثير السلطة الانضباطية (السجن) على المحكومين، تعود لاستخدام السلطة العقابية.

 

ثانيًا: التطورات التاريخية لسن قانون الإعدام في الكيان الصهيوني

يمكن تقسيم هذا المبحث إلى قسمين، الأول متعلق بالقوانين المعتمدة في المناطق المستعمرة سنة 1948، والثانيمتعلق بالأوامر العسكرية الصادرة في المناطق المستعمرة سنة 1967:

أ‌)     مناطق 48: 

استند الكيان الصهيوني في منظومته القانونية لإدارة السكان الفلسطينيين في مناطق 48 على جزء كبير من قوانين الانتداب البريطاني. فقد اعتمد قانون الطوارئ لسنة 1945، والذي يسمح بفرض عقوبة الإعدام في حال ارتكاب واحدة من أربع مخالفات وهي:

1-  إطلاق النار على إنسان أو مجموعة من الناس أو على مكان توجد فيه مجموعة من الناس.

2-   إلقاء موادّ متفجرة بهدف قتل أفراد أو التسبب بأضرار في الممتلكات.

3-  حيازة أسلحة أو متفجرات بدون ترخيص.

4-  العضوية في تنظيم يمارس أحد المخالفات السابقة.[3]

توجه وزير العدل الإسرائيلي (بينشاس روزين) سنة 1949 نحو إعداد مشروع قانون للإلغاء الشامل لعقوبة الإعدام بعد تعيينه لجنةً لبحث مشروع القانون. وافق الكنيست سنة 1950 على قانونين ينصّان على عقوبة الإعدام للنازيين ومساعديهم، وفي كلا القانونين كانت عقوبة الإعدام إلزاميةً بحق أشخاص أدينوا بارتكاب جريمة الإبادة الجماعية، وبحسب رأي بعض القانونيين الإسرائيليين يمكن تطبيق هذا القانون على "الإرهابيين". اللجنة التي عينها الوزير لإعداد مشروع القانون الخاصّ بالإلغاء الشامل لعقوبة الإعدام، عارضت الإلغاء الشامل لهذه العقوبة، وكان هذا أيضًا موقف معظم أعضاء الكنيست. ونتيجة لذلك، جرى تغيير عنوان اقتراح تعديل قانون العقوبات إلى (إلغاء عقوبة الإعدام للقتل) لسنة 1954. ألغى القانون إمكانية فرض عقوبة الإعدام على جريمة القتل العمد، لكنه لم يلغِ أحكام القانون التي تسمح بفرض عقوبة الإعدام في ظل ظروف معينة في أوقات الطوارئ أو الحرب، بموجب أنظمة الدفاع.[4]

صدر "قانون القضاء العسكري" سنة 1955، والذي حدّد الجرائم التي قد يُحكم على شخص بسببها بالإعدام، والتي يمكن إدراجها جميعًا تحت بند "الخيانة"، وتُظهر صياغة القانون أن عقوبة الإعدام يمكن أن تُفرض أيضًا على أولئك الذين تخابروا مع "العدو"، ووفقًا لهذا القانون فإنّ الإعدام عقوبة إلزامية، لكنها لا تنفّذ إلا إذا ارتكبت أثناء الحرب.

وفي سنة 1977 نص "قانون العقوبات" (بشكل مشابه لقانون القضاء العسكري) على عقوبة الإعدام بحق من يرتكب "الخيانة"، ومن يخرق سيادة الدولة وسلامتها، أو من يتسبب بالحرب، أو يقدم مساعدةً للعدو، لكن عقوبة الإعدام في هذا القانون ليست إلزاميةً (كما هو  الحال في قانون القضاء العسكري)، ويشترط أن تكون المخالفة قد ارتُكبت في زمن الحرب، كما يشترط أن تُقدم لائحة الاتهام بواسطة المستشار القانوني للحكومة. ثم أضيف شرط آخر لتنفيذ عقوبة الإعدام سنة 2008، مرتبط بقانون القاصرين، حيث يشترط لتنفيذ حكم الإعدام ألا يكون مرتكب المخالفة قاصرًا وقت ارتكابها.[5]

ب‌) مناطق 67:

استند الحكم العسكري الإسرائيلي في مناطق 67 على مزيج من القوانين الأردنية والمصرية وقوانين الانتداب البريطاني. وخوّل الحكم العسكري –استنادًا لهذا المزيج القانوني- المحاكم بإصدار حكم الإعدام وفقًا لـ "أنظمة الدفاع". وفي 5 شباط/ فبراير 1968 نُشر أمر عسكري يتضمن تعديلات على العقوبات في المحاكم، ينصّ على تعديل عقوبة الإعدام "الإلزامية"، لتصبح اختياريةً للقاضي، بحيث يمكن أن يكون السجن المؤبّد بديلًا لها. ومن ثمّ لم تُلغَ عقوبة الإعدام وإنما أصبح القاضي غير ملزم بالحكم بها.[6]

يضاف إلى ما سبق؛ نصَّ الأمر العسكري رقم 378 "بشأن تعليمات الأمن" على حظر فرض عقوبة الإعدام على قاصر (لم يتجاوز 18 عامًا)، وتقييد إصدار الحكم في المحكمة العسكرية بـ "قاضيين على الأقل من قضاته من الضباط المؤهلين أهليةً حقوقيةً، وصدور الحكم بالإجماع".[7] كما نصَّ الأمر العسكري في البند 51 على أنّ "كل من تسبب قصدًا في موت شخص آخر أو ارتكب عملًا تخريبيًا في منشأة من منشآت جيش الدفاع الإسرائيلي يعاقب بالإعدام أو بعقوبة أخرى، وِفقًا لما تقرره المحكمة".[8]

تطوُّرٌ إضافي حصل في سنة 1971 بصدور أمر عسكري ينصّ على أنّه "حيثما نصّ تشريع على وجوب فرض عقوبة الإعدام، تفرض المحكمة المحلية عقوبة الحبس المؤبد عقوبةً وجوبيةً... وحيثما نصّ تشريع على فرض الإعدام عقوبةً غير وجوبية يجوز للمحكمة المحلية أن تحكم على المتهم بالحبس المؤبد أو بالحبس لمدة محدودة".[9] وفي سنة 2009 أُدرج في الأمر العسكري رقم 1651، شروط إضافية على الحكم بالإعدام تتمثل بأن "تكون المحكمة العسكرية من ثلاثة قضاة لا تقل رتبتهم عن رتبة مقدّم.. وأن يكون الحكم بالإجماع"، كما تضمّن الأمرُ أنه لا يجوز للمحكمة العسكرية أن تفرض عقوبة الإعدام على متهم كان وقت ارتكاب الجريمة دون سنّ 18 سنةً. [10]

يدّعي الكاتب الإسرائيلي يارون أنغر في كتابه بأنّ شروط "تقييد" حكم الإعدام تهدف إلى مطابقة أحكام الأوامر العسكرية المتعلقة بحكم الإعدام مع الشروط المنصوص عليها في المادة 68 من اتفاقية جنيف، بشأن حماية المدنيين في أيام الحرب.[11] وهذا يحيلنا إلى ما كشفه تسفي إنبار (العضو في فريق المدعي العام العسكري والنائب العام للقيادة الجنوبية) في مذكراته، عن خطة الادعاء العام العسكري القانونية لإدارة المناطق المحتلة سنة 1967، المبنية على محاولة التوافق مع القانون الدولي واتفاقية جنيف التي لا تسمح بتنفيذ عمليات الإعدام، ومن ثمّ -وبحسب المؤرخ الإسرائيلي إيلان بابيه- لجأ الاحتلال إلى تنفيذ أحكام الإعدام على الفلسطينيين ميدانيًا وخارج إطار القضاء.[12]  

 

ثالثًا: قرارات الحكومات الإسرائيلية وتشريعات الكنيست

يرتبط تنفيذ عقوبة الإعدام بصدور قرار من المستوى السياسي (الحكومة الإسرائيلية)، فقد اتخذت الحكومة في بداية احتلال مناطق 67 (بتاريخ 29 تشرين الأول/ أكتوبر 1967) قرارًا يقضي بتوجيه المدعين العامين والمدعين العسكريين، إلى عدم طلب تنفيذ عقوبة الإعدام بحق أيّ منفذ لعمل فدائي ضد إسرائيلي. [13] لكن ومع تصاعد العمليات الفدائية على يد الفصائل الفلسطينية، دعا بعض السياسيين إلى اعتماد سياسة الإعدام، وكان في مقدمة الداعين لذلك رئيس الوزراء السابق دافيد بن غوريون؛ مصرحًا بأنّه لا توجد حاجة لوضع قانون خاص لشنق "الإرهابيين"، حيث يمكن شنقهم وفقًا لقانون منع الإبادة الجماعية، وذلك في مقال نشره بصحيفة هآرتس بتاريخ 23 كانون الأول/ ديسمبر 1968. لكن وزير العدل آنذاك يعقوب شابيرا، والمدعي العام موشيه بن زيف، عارضا تصريحات بن غوريون، مجادلين بأنّ فرض عقوبة الإعدام سيلحق ضررًا سياسيًا جسيمًا بـ "إسرائيل".[14]

بدأ النقاش الداخلي في الموقف الحكومي الداعي إلى عدم طلب إعدام "الإرهابيين" بتاريخ 16 تموز/ يوليو 1972، فقد أعادت الحكومة النظر في قرارها السابق، بعد محاكمة الياباني كوزو أوكاموتو، الذي ترأس خليةً فدائيةً نفّذت عمليةً في مطار بن غوريون، أسفرت عن مقتل 24 إسرائيليًا وجرح 78 آخرين. لكن، وبالرغم من حجم العملية الكبير؛ قرر معظم وزراء الحكومة عدم تغيير القرار السابق في هذا الشأن، خشيةً من الإضرار بصورة "دولة إسرائيل"، باستثناء الوزير شمعون بيريس، الذي انحاز إلى تغيير القرار. كما حصل نقاش إضافي في الحكومة لموضوع الإعدام بتاريخ 4 آب/ أغسطس 1974، دون أن يسفر هذا النقاش عن أي تغيير في السياسة القائمة، لكن ملاحظةً سُجّلت على هامش النقاش بأنّ "الحكومة ستعدُّ نفسها حرةً في العودة ومناقشة الموضوع في أيّ وقت، في أيّ قضية محدّدة، لحثّ المدعي العسكري لطلب عقوبة الإعدام أمام المحكمة العسكرية".[15]

طرأ تطور آخر باتجاه التراجع عن قرار الحكومة لسنة 1967، بصدور قرار من الحكومة بتاريخ 22 شباط/ فبراير 1976، ينصّ على تشكيل لجنة سِرّية يعيّنها رئيس الوزراء للسماح للمدعي العسكري بالمطالبة بعقوبة الإعدام.أثار هذا القرار انتقادات عامةً بسبب انعدام الشفافية المحيطة بتشكيل اللجنة وقراراتها، مما ساهم في تعديله سنة 1979، وتقرر بأنه يحق للنيابة العسكرية المطالبة بالإعدام أمام المحكمة العسكرية، بشرط أن يكون ذلك بالتنسيق مع المستشار القانوني للحكومة وجهات سياسية. [16]

سنة 1985 أُبرم اتفاق بين وزير الحرب والنائب العام ووزير العدل، تقرر بموجبه منح النيابة العسكرية "حرية التصرف" في هذا الأمر. بالترافق مع ذلك، حاول بعض أعضاء الكنيست تغيير التشريع الخاص بالإعدام، لينصَّ على أن عقوبة المدانين بتنفيذ عمليات فدائية أدّت لمقتل إسرائيليين هي الإعدام، مستندين إلى أنّ اتفاق العام 1985 لم يؤدّ إلى تغيير في سياسة النيابة العسكرية، ففي ظلّ عدم وجود قرار سياسي واضح، فإن المدعي العسكري غير معني بتولي مسؤولية اتخاذ مثل هذه الخطوة. [17]

دفعت العمليات الفدائية في التسعينيّات الأحزاب السياسية الإسرائيلية إلى إدراج سنّ قانون للإعدام (بحق الأسرى الفلسطينيين) في برامجها الانتخابية، تجلّى ذلك سنة 1992 بواسطة حزب "موليدت" بقيادة رحبعام زئيفي، وهو حزب يميني مختلط (علماني- ديني).[18] وتبعه حزب "المفدال" الممثل للتيار الديني الصهيوني. [19] لكن لم يستطع الحزبان تنفيذ برنامجهما. ويبدو أن هذا التوجه والضغوطات من بعض السياسيين أثمر عن إصدار حكم بالإعدام سنة 1996 بحق الأسير سعيد بدارنة (لكنه لم ينفذ، وسقط القرار في الاستئناف). [20]

صورة من حفل خطوبة الأسير المحرر سعيد بدارنة. اعتقل عام 1994 بتهمة المشاركة في التخطيط لعمليتي الخضيرة والعفولة اللتين نفذتهما كتائب القسام. حكم عليه بالإعدام ثم تراجع الاحتلال عن الحكم إلى المؤبد، وأفرج عنه في صفقة جلعاد شاليط التي أبرمتها حركة حماس عام 2011

ثار الجدل مجدَّدًا حول فرض عقوبة الإعدام سنة 2011، عقب تنفيذ فلسطينيين عمليةً في مستوطنة إيتمار أدت لمقتل 5 أفراد من العائلة نفسها، حيث انتقد القائد العسكري للمنطقة الوسطى الجنرال آفي مزراحي عدم طلب المدعي العسكري فرض عقوبة الإعدام على منفّذي العملية، والاكتفاء بالحكم المؤبد.

فعليًا ومنذ العام 1967 وحتى العام 2011 طلب الادعاء العسكري 10 مرات فرض عقوبة الإعدام،[21] لكن، لم ينفّذ أيّ قرار بالإعدام لعدم وجود إجماع لدى الهيئة القضائية، وهو أحد شروط صدور الحكم، ودومًا كان المبرر هو الخشية على أمن مواطني دولة الاحتلال من ردود الفعل الفلسطينية. [22](أما طوال تاريخ "إسرائيل" فنُفّذ الإعدام في حالةٍ واحدةٍ، وهي بحق النازي أدولف ايخمان سنة 1962).

صورة من المحكمة الصهيونية التي عقدت لأدولف آيخمان، وقد أعدم عام 1962

تقدم حزب "إسرائيل بيتنا" بقيادة أفيغدور ليبرمان سنة 2015 بمقترح للكنيست، لتعديل قانون عقوبة الإعدام، وبموجب التعديل المقترح يمكن إصدار حكم بإعدام الأسرى الفلسطينيين المتسببين بمقتل إسرائيليين دون الحاجة إلى وجود إجماع من القضاة، والاكتفاء بأغلبية نسبية، ودون الحاجة لقرار من الحكومة أو تعليمات من المستشار القضائي، وعدم السماح بتخفيف حكم الإعدام إلى السجن المؤبد.[23] لكنّ محاولة ليبرمان باءت بالفشل لعدم وجود أغلبية داعمة للمقترح في الكنيست. تكررت محاولة حزب ليبرمان سنة 2018، وبالفعل نجح بتمرير المقترح في الكنيست بالقراءة الأولى، وبأغلبية 52 عضو كنيست مقابل معارضة 49 عضوًا، لكن المعارضة القوية للقانون داخل المؤسسة السياسية والأمنية، وخصوصًا من الشاباك والجيش، ومعارضة المستشار القضائي للحكومة (خشية من ردة فعل الفلسطينيين والمجتمع الدولي)، حال دون إقرار القانون بالقراءة الثانية والثالثة.[24]

 

الخلاصة والاستنتاجات

نظريًا؛ ومن ناحية قانونية، واستنادًا للقوانين الإسرائيلية المعمول بها حاليًا، لا يوجد ما يحول دون الحكم بإعدام الأسرى الفلسطينيين، لكن الخشية من ردة فعل الفلسطينيين والمجتمع الدولي، دفعت "إسرائيل" لتقييد إصدار مثل هذه الأحكام، من خلال وضع اشتراطات قانونية وسياسية تحول دون تنفيذها. وما نشهده في الوقت الحالي من سعي لتعديل القانون الحالي ما هو إلا محاولة لإرضاء ناخبي اليمين المتطرف أولًا، واستعادة حالة الردع التي تآكلت بفعل العمل الفدائي الفلسطيني المتواصل ثانيًا.

يمكننا الاستنتاج بأنّ عقوبة الإعدام وإن كانت مؤشّرًا على جبروت السلطة ودمويتها، إلا أنها تحمل في طياتها محاولة من السلطة لاسترجاع حالة الردع بعد تآكلها. فالسلطة الحاكمة تهدف للتأكيد دومًا على قدرتها على التحكم بجسد الأفراد حتى تضمن انضباطهم، وعدم ثورتهم، لكنها في الوقت الذي تُرسّخ فيها سطوتها وتُحقّق الانضباط بواسطة الدم تزرع بذور الثورة والتمرد عليها. ومن ثم يمكننا القول بأنّ عدم تنفيذ الكيان الصهيوني لعقوبة الإعدام بحق الأسرى الفلسطينيين (حتى الآن)، لا يعود لكونها دولةً رحيمةً تؤمن بالقيم الإنسانية، وإنما السبب في ذلك خشيتها من تحوّل وسيلة الإعدام من آلية ردع إلى وسيلة لتحفيز الثورة والمقاومة. وهذا لا يعني أن الكيان الصهيوني لا يستخدم "تقنية" الإعدام، فهو يمارسها بشكل عام عبر إعدام (اغتيال) المقاومين والقيادات الفلسطينية بدون محاكمة، في الوقت الذي يكون باستطاعته القبض عليهم أحياء وإيداعهم في السجن.

 

 



[1] موقع الكنيست الإسرائيلي، الكنيست تصادق بالقراءة التمهيدية على اقتراح قانون يقضي بعقوبة الإعدام للمخربين، 2/3/2023. https://bit.ly/3ZqjksM

 

[2] ميشيل فوكو، المراقبة والمعاقبة: ولادة السجن، ترجمة: علي مقلد، بيروت: مركز الانماء القومي، 1990، ص: 120.

[3] يارون أنغر، عقوبة الموت: خلفية نظرية ومقارنة، مكتب القانون في الكنيست الإسرائيلي، 25/9/2013، ص: 25. (بالعبرية) https://bit.ly/3JhLSzd

[4] المصدر نفسه، ص: 25.

[5] يارون أنغر، مصدر سابق، ص: 26.

[6] المصدر نفسه، ص: 29.

[7] منظومة القضاء والتشريع في فلسطين "المقتفي"، أمر 378 بشأن تعليمات الأمن، ص: 745.

[8] المصدر نفسه، ص: 749.

[9] منظومة القضاء والتشريع في فلسطين "المقتفي"، أمر 395 بشأن المحاكم المحلية، ص: 2237.

[10] يارون أنغر، مصدر سابق، ص: 30.

[11] المصدر نفسه، ص: 29.

[12] Ilan Pappe, The Biggest Prison On Earth: A History of the Occupied Territories, North America, Great Britain and Australia: Oneworld Publications, 2017, p: Xv.

[13] بارون أنغر، مصدر سابق، ص: 30.

[14] جلسة الكنيست، الجلسة 36 للكنيست العشرين، 15/ 7/2015. (بالعبرية) https://bit.ly/41NAy4W

[15] بارون أنغر، مصدر سابق، ص: 30.

[16] المصدر نفسه، ص: 31.

[17] المصدر نفسه، ص: 31.

[18] البرنامج الانتخابي لحزب موليدت، لانتخابات الكنيست 13 لسنة 1992، ص: 12. (بالعبرية) https://bit.ly/3mpwUhj

[19] برنامج الحزب الديني القومي (المفدال)، لانتخابات الكنيست 13 لسنة 1992. (بالعبرية) https://bit.ly/3IU19V8

[20] محمود الصفدي، قانون الإعدام: أبعاد وخلفيات، شبكة قدس، 7/1/2018. https://bit.ly/3L0W7sM

[21]  موقع القناة 12، قائد المنطقة المركزية: "كان يجب ان تفرض عقوبة الاعدام على قتلة عائلة فوغل"، 27/9/2011. (بالعبرية) https://bit.ly/3mm8dlW

[22] محمود الصفدي، مصدر سابق.

[23] موقع الكنيست الإسرائيلي، مقترح قانون العقوبات (تعديل حكم الموت للمدان بتنفيذ أعمال إرهابية)، 15/7/2015. (بالعبرية) https://bit.ly/3F4OkXg

[24] أطلس للدراسات، حكم الإعدام: بحث عن ردع إسرائيلي مفقود، 6/1/2018. https://bit.ly/3F1TNhx