مستوطنون في مواجهة الإمبريالية: قراءة ماركسية في منطق المستوطنة
على سبيل التقديم
تهتم هذه المقالة بفهم العلاقة الجدلية بين الرأسمالية والاستعمار من داخل الأدبيات الماركسية وأدبيات حقل دراسات الاستعمار الاستيطاني، موضحة التقاطع بينهما والاختلاف والنقد المتبادل والنظريات البديلة. بداية من توضيح المفاهيم التي اعتمد عليها حقل دراسات الاستعمار الاستيطاني ومنطقه، ومن ثم فهم المنطق الماركسي في التعامل مع مسألة الاستعمار الاستيطاني وتطوّر هذا الفهم من ماركس إلى الماركسيين الجدد. أخيرًا تستعرض المقالة طيفًا من الأفكار النقدية التي وجهتها الماركسية للحقل الجديد والنقد المقابل له.
1. دراسات الاستعمار الاستيطاني
ظهر حقل دراسات الاستعمار الاستيطاني كحقل أكاديمي في الثمانينات والتسعينات أي قبل ٤٠ عام تقريبًا (Foster 2025, 12)، بدأت تتمحور نظريات هذا الحقل حول مقولات باتريك وولف[1] Patrick Wolfe عن "منطق المحو" وهو المنطق الرئيس الذي تظهر بداخله باقي المفاهيم المركّبة له و"الاستعمار بنية وليس حدثًا" (Davies 2023) كسياق ومنظومة يعمل بداخلها هذا المنطق، تحت هذا العنوان نستعرض ثلاثة عناوين فرعية الأول "منطق المحو" والثاني "الاستعمار بنية وليس حدثًا" والثالث "الاستبدال، الأرض، النوماديك"، غير أن هناك مفاهيم أخرى بحاجة لتوضيح في النموذج الاستعماري الاستيطاني لوولف تحديدًا مثل الاستيعاب Assimilation والسيادة Sovereignty والقلق والرغبة عند المستوطنين، كذلك حقل الاستعمار الاستيطاني ما بعد وولف أو عند أكاديميين غيره.
أ. منطق المحو
إن منطق المحو ملازم للاستعمار الاستيطاني ويرتبط بالإبادة للوهلة الأولى كما يوحي المصطلح ولكنّه لا يكون إبادة جماعية دائمًا، إذ تعتبر الإبادة الجماعية واحدة من أشكاله المختلفة، ويكون هو تصنيفًا أوسع لها يهدف في النهاية لمنح الأرض للمستوطن باختلاف الوسائل (Wolfe 2006, 402) بما فيها الاستيعاب أو الدمج Assimilation، يقول وولف أن الاستعمار الاستيطاني بطبيعته يمحو وإن لم يكن بالإبادة (Wolfe 2006, 387). إذ يمحو اختلاف الأصلانيين وإن لم يكن محوًا جسديًا وتهديد الأصلانيين قد لا يكون تهديدًا ماديًا للدولة الاستعمارية وإنما على مستوى الذاكرة التي تتعارض مع السردية الهجينة للمواطن الذي تبنيه (Evans et al. 2013, 204-205). لذا تسعى الدولة الاستعمارية إلى احتكار المجال القضائي من خلال تدمير قوانين الأصلانيين وتوسيع نطاق السلطة القانونية الاستعمارية (Evans et al. 2013, 69). ولا يكون الهدف من المحو عرقي أو ديني إنما السيطرة على الأرض، في حالة العبيد كان تكاثرهم مفيدًا ويعود بالفائدة على الإقطاعيين، ولكن السكان الأصلانيين يحجبون الأرض عن المستعمِرين، وبالتالي يصبح منطق المحو ضرورة استعمارية. والمحو عملية مستمرة يحتاجها المستعمِر لأنه أتى ليبقى. كذلك من أشكال المحو المختلفة تفكيك ملكية السكان الأصلانيين إلى ملكيات فردية وإدخال السكان الأصلانيين في عملية مواطنة واختطاف أطفالهم وتحويلهم دينيًا وإعادة التنشئة الاجتماعية في مؤسسات شاملة، مثل البعثات التبشيرية أو المدارس الداخلية وغيرها من عمليات التطبيع الثقافي (Wolfe 2006, 388). كما يركّز هذا المحو على سيادة الأصلانيين الآتية من خارج نظامه الاستعماري Extraneous Sovereignties، والسابقة عنه في الوجود، أي أن الأصلانيين ينتمون لنظام سابق ومغاير للنظام الاستعماري ولا يخضعون لقوانينه (Wolfe 2016, 171). والطريق المباشرة للتخلص من هذه السيادة من خلال المحو الجسدي Physical Liquidation لحامليها، أما إذا تم احتواء السكان الأصلانيين داخل حدود المستعمرة تقل إمكانية تطبيق المحو الجسدي، وتظهر هنا تطبيقات أخرى كما حصل بين الأمريكان والأصلانيين الهنود من شبه موافقة على نقل الملكية وهو ما لم يحصل في استراليا مثلًا لعدم الاعتراف بملكية السكان الأصلانيين أصلًا. تطبيق أخير وهو الحبس ولكنّه مؤقت إن كان داخل حدود المستعمرة (Wolfe 2016, 47). أيضًا يكون المحو زمنيًا بنقل الأصلانيين إلى الذاكرة سواء بالدمج أو القتل أو التهجير. ولا يعيق الهنود/الأصلانيين كأفراد استمرار الخط الزمني الاستعماري (مسار التاريخ الأوروبي الأمريكي) وليس ذلك لأنهم سيتحولون إلى الملكية الخاصة فقط، وإنما لأنهم كأفراد، سيتوقفون عن كونهم هنودًا/أصلانيين. بنزع انتماءاتهم القبلية، سيندمجون في المستقبل، وسيتلاشى التحدي الذي شكلوه لحكم الملكية الخاصة، بهذا تنقلهم الحضارة من الماضي إلى المستقبل (Wolfe 2016, 188-189). لا يكون منطق المحو\الهدم (منطق سلبي) في الاستعمار الاستيطاني لمجتمعات الأصلانيين دون منطق البناء (منطق إيجابي) لمجتمعات المستوطنين (Wolfe 2006, 388)، فيكون الاستعمار الاستيطاني عملية مستمرة من الهدم والبناء. يبدأ منطق المحو بفترة حدّية Frontier تتسم بأربع عوامل رئيسية (مترابطة) وهي القتل والاعتداء الجنسي والمرض والجوع. يمكن فهم مصطلح Frontiers كحدود تقدّم الاستعمار الأولى (أي بداياته ونشأته) ويمكن فهمها أيضًا بمعنى طلائع المستوطنين وهم ذاتهم من يضع حدود المستعمرة ويمارس القتل الحدّي Frontier Homicide، بحيث يمحو ما يلزم محوه لإقامة الحدود الأولى للمستعمرة قبل توسعها (Wolfe 1999, 27-28).
ب. الاستعمار بنية وليس حدثًا
الاستعمار الاستيطاني ليس حدثًا تاريخيًا حصل مرة واحدة وانتهى وإنما بنية مستمرة، تحمل هذه البنية معها منطقًا ما (منطق المحو مثلًا)، ويكون منطق هذا المشروع عمليّة مؤسسية مُستمرة لمحو الأصلانيين. ودون رؤية هذا المنطق لا يمكن فهم ترابط سلوكيات الاستعمار، بل ستظهر وكأنها متعارضة (Wolfe 1999, 163). عندما يُنظر إلى الاستعمار كبنية وليس حدثًا، فإن تاريخه لا يتوقف حالما ينتهي من فترة القتل الحدّي Frontier Homicide ولا تتحول البداية هذه إلى حدث عادي إنما يبدأ معها سرد تاريخي يتضمن الاستمرارية والانقطاعات والتعديلات والانحرافات، وتظهر أدوات هدم وبناء جديدة لتحافظ على استمرارية البنية (different modalities and institutional forms). بهذا يتحوّل منطق المشروع (الذي دفع للقتل الحدّي وشكّل الحدود الأولى للمستعمرة) إلى خطاب وتمظهرات مؤسساتية مختلفة تدعم نمو مجتمع المستوطنين وتعقيده ولا تكون البنية هذه هرمية (Wolfe 2006, 402). أيضًا لا يمكن فهم بنية الاستعمار الاستيطاني إذا ما قورنت بحدث الإبادة (وإن شملته، فهي تصنيفيًا أوسع منه)، إذ لا يمكن تفسير التماسك البنيوي طويل الأمد لعمليات المستعمر الاستيطاني المستمرة لمحو المجتمعات الأصلانية، فهذه الاستمرارية وبأشكالها المختلفة لا ينطبق عليها نموذج الإبادة حتى بتفريعاته (الإبادة السياسية، الثقافية، العرقية… إلخ) إذا لم يفهم كبنية مستمرة لها زمن وحدود توسّعية (Wolfe 2006, 401-402). إن رؤية السلوك الاستعماري من هذا المنظور (البنيوي المستمر) يخالف المنظور التاريخي (نقطة بداية points of origin، لحظة تاريخية متفرّعة watersheds)، منظور المؤرخين النقطي والتفرّع هذا يحجب بنية الحدث السابقة له وشروط حدوثه وكونه استمرارية لما قبله. إذ يرى المؤرخ الأوروبي انتشار معاداة السامية تجاه اليهود وغيرها كمقدمات للهولوكوست، لكنّه لا يرى أي مقدمات للنكبة بل ويعتبر العنف الصهيوني حينها عنفًا عشوائيًا فرديًا، ولا يرى التجهيزات المسبقة والخطط المعدّة. إن رؤية عنف المستوطنين لحظة إنشاء المستعمرة كبنية يمكننا من جمع الخطوط السابقة والمؤسسة للحظة التقائها معًا consolidations / culminations مشكّلة الحدث (Wolfe 2016, 233). إن هذا المنظور أيضًا يساعد على إدراك أن التركيبات الأيديولوجية ليست ردّات فعل ما بعد الحدث ولكنّها ذاتها فاعلة في تشكيل الواقع الاجتماعي. كما يجعل المنطق الثقافي عند المستوطنين محل بحث لأنها جعلت من تشكّل المستعمرة أمرًا ممكنًا، ومثاله التصريحات الرسمية بشأن عقليات الأصلانيين إذ تصبح محورية في نزع ملكية الأرض منهم (Wolfe 1999, 213).
ج. الاستبدال، الأرض، النوماديك
إن مفهوم استبدال سكان الأرض Replacement من خلال نزع الملكية Dispossession يعارضه بعض الشيء مفهوم استغلالهم Exploitation للعمل Labor. رغم أن استغلال العمال لا غنى عنه للمستعمِر لكن الاستعمار الاستيطاني في جوهره مشروع حدّي يقوم على استبدال السكان الأصلانيين بغيرهم المستوطنين، أي إن الهدف الأساسي للاستعمار الاستيطاني هو الأرض نفسها وامتلاك كل شيء وليس تحقيق فائض القيمة الناتج عن عمالة الأصلانيين. (Wolfe 1999, 163). يفرّق وولف بين الاستعمار الاستيطاني الذي فيه أتى المستوطن ليبقى وبين الاستعمار التجاري\الفرعي Franchise Colonialism والذي يهتم باستخراج القيمة المضافة من عمل الأصلانيين واستخراج المصادر الطبيعية من الأراضي المستعمَرة، فلا يتم استبدال ولا تهجير سكّان هذه الأراضي إنما استغلالهم، ومن أمثلتها الراج البريطاني أو جزر الهند الشرقية الهولندية (Wolfe 2001, 868) أو بعض الصناعات مثل التعدين في الأنديز لصالح الإسبان (Wolfe 2016, 31). وهو ما يتناقض مع أشكال استعمارية أخرى مثل نموذج السيد-العبد وغيرها، إذ يعتمد وجود المستعمِر على عمل المستعمَر. إن العلاقة بين المستعمِر والأرض علاقة تمفصل سلبية Negative Articulation ويصعب الحديث عن تمفصل بين الأصلانيين والمستوطنين (إلا ضمن منطق الهدم/المحو) إنما بين المستوطنين والأرض التي هي ضرورة سابقة على تشكّل المجال الاجتماعي للمستوطنين (Wolfe 1999, 2-3). هذا المنطق السلبي ينص على التخلص من الأصلانيين، أي لا يمكن فهم علاقة الأصلانيين والمستوطنين من منظور طبقي وعلاقات وسائل الإنتاج. وذلك لأن الأصلانيين خارج نمط الإنتاج. هذا لا يعني أن التحليل الطبقي غير ممكن، لأن هناك أصلانيين نجوا من القتل الحدّي في البدايات وأصبحوا ضمن الاستغلال الاستعماري، ولكن هذا الاستغلال ليس عنصرًا أصيلًا في النظام الاستعماري الاستيطاني وإنما حالة تناقض (Wolfe 1999, 27). إن الأرض في الاستعمار الاستيطاني عنصر محوري لقيام الدولة-النموذج وليس العمل، من أجل الاستحواذ على الأرض يظهر مفهوم عقيدة الأرض الخاوية Terra Nullius Doctrine أو الأرض المشاع أو الأرض التي لا صاحب لها Nobody's Land ويسمى ساكنيها بالنوماديك Nomadic وقد تترجم إلى البدو ولكن ترجمة غير دقيقة، لأن الكلمة تحمل معنى الإنسان الذي لا جذور له وهو عكس علاقة البدو بالأرض. إن عقيدة الأرض الخاوية تعتبر أداة أيديولوجية لتبرير الاستحواذ على الأراضي. لأن الأرض الخاوية في الفهم الأوروبي هي غير المزروعة بالتالي تعتبر غير مملوكة ويمكن الاستيلاء عليها ممن يملك القدرة على زيادة إنتاجيتها (Wolfe 1999, 26). رُبط رأس المال الاستيطاني Settler Capital مباشرة بالمشهد الطبيعي landscape الذي نُزع من تراكم الفعل البشري الأصلاني الذي جعله على ما هو عليه (Wolfe 2016, 29). مثلًا في أستراليا، اعتبر الأوروبيون، الأصلانيين كنوماديك Nomadic ليس بالمعنى الرعوي (البدو) إنما كأشخاص يجمعون قوت يومهم كالحيوانات الضالة (Wolfe 2001, 869).
٣. الفهم الماركسي الأوّل للاستعمار والاستيطان
بينما يمتد الفكر الماركسي لأكثر من قرن ونصف (منذ نهاية القرن التاسع عشر)، تظهر دراسات الاستعمار الاستيطاني في الأربعين عام الماضية (منذ ثمانينات القرن العشرين)، أي بعد مئة عام تقريبًا. هذا لا يعني أن دراسات الاستعمار لم تتواجد قبل حقل دراسات الاستعمار الاستيطاني. في هذا العنوان والعنوان الذي يليه نبحث الفهم الماركسي في فترة ما قبل ظهور حقل دراسات الاستعمار الاستيطاني، ونبدأ هنا بفهم كارل ماركس وفريدريك إنجلس من خلال كتاباتهما المؤسسّة للماركسية.
إن العلاقة بين الاستعمار والرأسمالية علاقة متشابكة منذ ظهور هذه المصطلحات وبالممارسة على أرض الواقع، فمثلًا احتاج المركنتاليين إلى استخدام القوة الاستعمارية من أجل بناء نظامهم الاقتصادي، حيث تعتبر الفترة المركنتيلية إحدى فترات الرأسمالية التي يميزها ماركس عن الرأسمالية الصناعية التي تلتها (Alavi and Shanin 1982, 38). ومن أسباب نشأة النظام المركنتيلي اجتماع عدّة عوامل يذكرها كارل ماركس: "التوسع المفاجئ للسوق العالمية وتضاعف السلع المتداولة والتنافس بين الدول الأوروبية على الاستيلاء على المنتجات الآسيوية والكنوز الأمريكية والنظام الاستعماري" (Marx 1991, quoted in Forstater 2015, 53). وإن لم يكن تركيز كتابات ماركس على مفهوم الاستعمار، بالتالي يصعب فهم التحليل الماركسي في كتابات ماركس تحديدًا للاستعمار (Foster 2025, 2). يعتبر "تراكم رأس المال البدائي - primitive accumulation" من مصطلحات ماركس الرئيسية في التحليل، إذ يقول "يمكن تحديد لحظات التراكم البدائي المختلفة بإسبانيا والبرتغال وهولندا وفرنسا وإنجلترا، بترتيب زمني متفاوت. وقد جُمعت هذه اللحظات بشكل منهجي في نهاية القرن السابع عشر في إنجلترا؛ ويشمل هذا المزيج المستعمرات colonies، والدين العام national debt، والنظام الضريبي الحديث modern tax system، والنظام الحمائي system of protection. تعتمد هذه الأساليب جزئيًا على القوة الغاشمة، كما في النظام الاستعماري. لكن جميعها تستخدم سلطة الدولة […] لتسريع عملية تحول نمط الإنتاج الإقطاعي إلى النمط الرأسمالي" (Marx 1990, quoted in Forstater 2015, 53-54). وفي حديثه عن الآثار الاستعمارية يقول "إن اكتشاف الذهب والفضة في أمريكا، واستئصال السكان الأصليين لتلك القارة واستعبادهم ودفنهم في المناجم، وبدايات غزو ونهب الهند، وتحويل أفريقيا إلى محمية للصيد التجاري للسود، كلها أمور تميز بداية عصر الإنتاج الرأسمالي. تُمثل هذه الأحداث الرعوية أهم لحظات التراكم البدائي. ويليها مباشرة الحرب التجارية للدول الأوروبية، التي تتخذ من العالم ساحةً لمعركتها" (Marx 1990, quoted in Forstater 2015, 53). كذلك يذكر أن تجارة العبيد من أفريقيا عبر المحيط الأطلسي ساهمت في تراكم رأس المال داخل مزارع جنوب أمريكا الشمالية وصناعة القطن البريطانية، أي تراكم زراعي في أمريكا وصناعي في أوروبا (Foster 2025, 8).
أ. التراكم البدائي والتراكم الرأسمالي
إن التراكم البدائي Primitive Accumulation هو العملية التاريخية التي مهدت الطريق لنمط الإنتاج الرأسمالي، وهو افتراض ضروري لنقطة انطلاق دورة رأس المال، وذلك لأنه ومن خلال رأس المال يمكن إنتاج فائض قيمة ينتج المزيد من رأس المال، لكن وجود رأس المال من الأساس بحاجة فائض قيمة أُنتجت من اجتماع رأس المال السابق عليه وأدوات الإنتاج، وهذا يدخلنا في حلقة مفرغة. للخروج منها يمكن افتراض وجود تراكم بدائي سابق على التراكم الرأسمالي (الذي سمّاه آدم سميث) بالتالي خارج نمط الإنتاج الرأسمالي ويعتبر نقطة انطلاق له (Marx 2010a, 704)، تُعد هذه العملية أساسية لأنها تهيئ الظروف اللازمة لوجود الرأسمالية، وتعزى إلى البنية الاقتصادية للمجتمع الإقطاعي في أوروبا. إن عملية التراكم البدائي هذه هي ذاتها عملية فصل العامل عن وسائل إنتاجه وهي عملية انتقال من وسائل الإنتاج الاجتماعية إلى رأس المال ومن العمال الأحرار المنتجين إلى العمّال بأجر (Marx 2010a, 705). إن العامل (المنتج) لا يستطيع بيع سلعته في الأسواق إلا إذا تحرر من نظام الإقطاع. يؤرّخ البرجوازيين لهذا على أنّه تحرر من الإقطاعية ولكن من جانب آخر هذا التحرر لم يكتمل، واضطر العمّال إلى بيع أنفسهم/أوقاتهم بعد أن سلبت منهم وسائل الإنتاج وآليات البقاء التي كانت توفرها لهم البنية الإقطاعية، حصل هذا التحوّل التاريخي بالدم والنار كما يقول ماركس (Marx 2010a, 706). يعتبر ماركس الاستعمار أحد أدوات التراكم البدائي ويذكر هذا تحديدًا في أمريكا، التي هي بالأساس استعمار استيطاني أوروبي، ولكن لا يذكر ماركس مسمى الاستعمار الاستيطاني حرفيًا وإن كان يستخدم مسمى مستوطنين. بالتالي يربط ماركس بين الاستعمار كشرط ضروري للتراكم البدائي والذي هو مرحلة تحوّل عنيفة يُستغل فيها العمّال ويدفنوا في المناجم، وتستعمر الهند الشرقية وتنهب، وتتحول أفريقيا مصدرًا لاصطياد وتجارة العبيد. وكل هذا شرط لظهور الرأسمالية (Marx 2010a, 739). تركزت الأموال في أوروبا مع نضوج النظام الاستعماري وظهور "مجتمعات الاحتكار" كما لعبت المستعمرات دور السوق للصناعات الناشئة ومع الاحتكار زاد التراكم، هذا كله بالإضافة إلى ما نهب ونُقل إلى أوروبا وتحوّل إلى رأس مال. يذكر هنا أن هولندا أول من طوّر النظام الاستعماري ووصل ذروته التجارية عام ١٦٤٨ (Marx 2010a, 741). أيضًا اعتبر فريدريك إنجلز أيرلندا أول مستعمرة بريطانية في رسالته إلى ماركس (Marx and Engels 2010a, 49).
ب. التوسعية الرأسمالية والسوق العالمية
شهد القرنان السادس عشر والسابع عشر توسعًا مفاجئًا في التجارة وظهور سوق عالمية جديدة وهو ما ساهم في سقوط نمط الإنتاج القديم/الإقطاعي وصعود الإنتاج الرأسمالي، إن التجارة كان لها عامل حاسم في التطور الصناعي مع ذلك هذا النوع من نمط الإنتاج الصناعي بحاجة إلى أسواق جديدة وتوسّع مستمر، بالتالي تصبح الصناعة هي ما يدفع التجارة نحو التوسع وليس العكس. يشير إلى هذا الاستنتاج خضوع رأس المال التجاري الذي تزعّمته هولندا أمام رأس المال الصناعي. كذلك لم تحدث التجارة الانجليزية أثرًا مدمرًا على المجتمعات الهندية والصينية وأنماط الإنتاج فيها مقارنة بما فعله انخفاض أسعار السلع البريطانية -نتيجة التطور الصناعي- وهو ما أدى لتدمير صناعتي الغزل والنسيج، بالتالي البنية الزراعية والصناعية القائمة حولهما في المجتمع، مما تسبب بتمزيقه (Marx 2010b, 331-332). ساهم الاستعمار في إجبار الأسواق على فتح أبوابها أمام التجارة، مثل فتح الأسواق الصينية أمام المخدرات البريطانية، وهو دفع باتجاه تبني أنماط إنتاج رأسمالية في هذه الأسواق/المجتمعات (Marx and Engels 2010b, 93-94) كذلك تعتبر الربحية في المستعمرات أعلى منها في المركز الاستعماري لهذا تتوجه رؤوس الأموال إلى المستعمرات (Marx 2010b, 225).
ج. أنماط الإنتاج والتمفصل الاستعمارية
يشير مفهوم أنماط الإنتاج Modes of Production إلى الطرق التي تنظم بها المجتمعات حياتها المادية، وتشمل تكنولوجيا الإنتاج والنقل، وكيفية إنتاج وتبادل الأفراد لضروريات الحياة (Marx and Engels 2010c, 264-265). وهي تُعرِّف شكلًا محددًا من النشاط ونمط حياة الأفراد، إذ يتوافق ما هم عليه مع ما يُنتجونه وكيف يُنتجونه. تختلف الفترات الزمنية والمناطق الجغرافية بأنماطها الإنتاجية فمثلًا هناك أنماط إنتاج آسيوية وإقطاعية وبرجوازية، وتختلف عن بعضها باختلاف العلاقة بين العمال ووسائل الإنتاج (Marx 2010c, 262). غالبًا ما اتسمت أنماط الإنتاج ما قبل الرأسمالية باستغلال مُبطّن، يظهر كعلاقات بين السادة والخدم أو الأحرار والعبيد، إذ يؤثّر ناتج العمل على العلاقات الاجتماعية الأسرية والفردية (Marx 2010c, 275). أما مفهوم التمفصل الاستعماري Colonial Articulation، لم يذكر ماركس هذا المصطلح مباشرة ولكنّه استخدم مصطلحات قريبة مثل الحكم الاستعماري Colonial Rule، أما التمفصل الاستعماري فيشير إلى الطرق التي تفاعلت بها القوى الاستعمارية مع أنماط الإنتاج القائمة في المناطق التي استعمرتها واستغلتها (Marx and Engels 2010b, 126).
د. الطبيعة المزدوجة للاستعمار
يصف ماركس الاستعمار بطبيعته المزدوجة Dual Nature of Colonialism والتي تتمثل بالهدم Destructive والبناء Regenerative. مثالها استعمار انجلترا للهند بإبادة المجتمع الآسيوي القديم وإرساء الأسس المادية للمجتمع الغربي. تاريخيًا مر الكثير من الغزاة على الهند (عرب، أتراك، تتار، مغول…) ولكن لم يفكك أي منهم المجتمعات الأصلانية ويقتلع الصناعات المحلية إلا الغزاة المستعمرين البريطان، وهو ما يتمثل بالهدم كأحد أوجه النظام الرأسمالي الاستعماري (Marx and Engels 2010b, 217-218). أما الوجه الآخر البنائي فيتمثل في أن المنطلق التوسعي للرأسمالية يجبر المستعمرين على تطوير اقتصاد رأسمالي هجين في المستعمرات، وهو ما يحمل بداخله بذور فنائه أيضًا بتشكّل بروليتاريا محلية وبرجوازية وطنية تعزز من مقاومة القمع الاستعماري (Marx and Engels 2010b, XXII-XXIII).
٤. الاستعمار الاستيطاني بعد ماركس
نستكمل في هذا العنوان البحث في الفهم الماركسي للاستعمار الاستيطاني قبل ظهور حقل دراسات الاستعمار الاستيطاني وبعد الكتابات التأسيسية لماركس، إذ استمر ذكر الاستعمار عند منظّري الماركسية وناقديها من لينين (Foster 2025, 3) إلى روزا لوكسمبورغ (Issar 2021, 3) ودي بويس (Robinson 2000, 237) وغيرهم. لكن هنا سيكون التركيز على الماركسيين الجدد Neo-Marxist أمثال بول باران[2] Paul Baran وأريغي إيمانويل[3] Arrighi Emmanuel كذلك هاري ماجدوف[4] Harry Magdoff.
أ. باران: التمييز الماركسي لأنواع الاستعمار
لم يذكر باران الاستعمار الاستيطاني صراحةً ولكنّه فرّق بين حالتين من الاستعمار. الأولى مثال عليها أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية إذ دمّر الاستعمار الأوروبي المجتمعات القديمة ما قبل الرأسمالية (Baran 1973, 275)، أطلق عليها باران مصطلح المناطق المخترقة Penetrated Regions ليميزها عن الحالة الثانية للاستعمار. أما الثانية فهي مثال الاستعمار الاستيطاني، إذ اعتبر الأوروبيون أنفسهم مقيمين دائمين في كل من أستراليا وأمريكا الشمالية Permanent Residents. يقول باران، بغض النظر عن نواياهم سواء هربًا من الاضطهاد أم لمجرد التجارة، إذا ما جلبوا معهم رأس مال أم عدوانيتهم ومهارتهم فقط، فهذا لا يهم، وذلك لأن الرأسمالية كانت جزءًا من طريقة تفكيرهم حتى العظم. كذلك لم يكن هناك نظام اقطاعي هم بحاجة لمواجهته ولا تستنزف قدراتهم للتغلب على الحكم الإقطاعي، إنما شكّلوا بنية مجتمع رأسمالي منذ نشأته، أي أنهم أطاحوا بما يسمّيه باران "الهيمنة الأجنبية - Foreign Domination" الأوّلية ويقصد بها وجود حكم ضعيف للسكان الأصلانيين مقارنة بالمجتمعات الآسيوية والأفريقية، ومن ثم أسسوا إطارًا سياسيًا ملائمًا لنمو الرأسمالية (Baran 1973, 273). اعتمدت هذه المستعمرات الاستيطانية على الهجرة لسد فجوة العمالة في البدايات كذلك اعتمدت على استثمارات ضخمة في التكنولوجيا وزيادة إنتاجية العمّال لمعالجة المشكلة (Baran 1973, 185). كذلك من مساهمات باران استخدامه لمصطلح الدول المتخلفة Underdeveloped Countries الذي كان حينها يستخدم في سياق تنموي منفصل عن تاريخ الاستغلال الاستعماري لهذه الدول، لدرجة تسميتها بدول المصدر (أي مصدر للمواد الخام) ورفض إقامة اقتصادات صناعية فيها (Baran 1973, 119). يؤكد جون فوستر هذه الاستنتاجات ويسميها بمسمياتها، الأولى حالة استعمار استغلالي والثانية حالة استعمار استيطاني (Foster 2007) ومجددًا في مقالة حديثة له (Foster 2025, 7-8).
ب. إيمانويل: عداء المستوطن للمركز الاستعماري
يعتمد إيمانويل في كتاباته على باران سواء نقدًا أو موافقةً وإضافةً (Emmanuel 1984, 107, 304)، لكنّه يرى إيمانويل أن الظاهرة الاستعمارية لم تنشأ فقط من جوهر رأسمالي، إنما من دافع ذاتي عند المستعمِرين أيضًا، والمستعمِرين لدى إيمانويل تصنيف واسع يشمل المستوطنين ومنظومة الاستيراد والتصدير والموظفين المحليين في الشركات المحلية وموظفي الخدمة المدنية في المستعمرة. إن هذا الدافع الذاتي عند المستوطنين تسبب لهم بتناقض مع المركز الاستعماري ورفض للإمبريالية ذاتها، أي كانوا داعمين للفكرة الاستعمارية ولكن ضد الفكرة الإمبريالية في تناقض صارخ، لدرجة رفع السلاح في وجه دولتهم التي جاؤوا منها (مركزهم الاستعماري)، مثلًا في الجزائر والكونغو وغيرها. كذلك خاض المستوطنون "نضالًا" ضد رأسمالية بلدهم الأصلية، بهذا كانوا يواجهون من ناحية السكان الأصليين للبلد التي استعمروها ومن ناحية ثانية بلدهم الأصلية. وبسبب هذا العداء للرأسمالية حصل المستوطنون على تقدير الحركات اليسارية في المركز الاستعماري (Metropolitan Countries). لم يتصالح المستوطنون مع المركز الاستعماري ولا استقلال الأصلانيين ولا الأفَرَقة Africanization، إنما رأوا في تأسيس دولة "بيضاء" مستقلة خلاصًا لهم. أما في داخل بلدانهم الأصلية فقد اتهموا بإهدار الموارد والأموال في الخارج وأصبح مجتمع المستوطنين عبئًا اقتصاديًا فضلًا عن أنه مجتمع طفيلي وفوضوي وجشع. أوضح مثال على العداء Antagonism بين المستوطنين والمركز الاستعماري ما حصل في الولايات المتحدة الأمريكية التي حصلت على "استقلالها" كمستوطنين من دولتهم الأساس بريطانيا وأوروبا بالمجمل، ولولا هذا العداء لكانت اليوم أرضًا محتلة من الاستعمار وينتظر السكان الأصلانيين التحرر. يذكر أمثلة أخرى (جنوب أفريقيا، إسرائيل، الجزائر)، كان هناك عداء بين المستوطنين البيض والمركز الاستعماري (Emmanuel 1982, 91-93). يفصل إيمانويل التحليل الطبقي عن حالة الاستعمار الاستيطاني فالصراع بين الأصلانيين والمستوطنين ليس طبقيًا برأيه. يُنتقد فهم إيمانويل هذا للمستوطنين البيض لأنه يجرّدهم من علاقاتهم الطبقية والاجتماعية المرتبطة بتمرّدهم على الإمبريالية وبلدهم الأصلية (McMichael 1980, 324). يطرح كذلك سؤالًا محوريًا بعد استنتاج أن المستوطنين والأصلانيين كلاهما على عداء مع المركز الاستعماري وأن الاستعمار سيتراجع وأحد الفريقين سيعلن الاستقبلال عنه، فما الفرق بين أن يكون الاستقلال لصالح الأصلانيين أم لصالح المستوطنين؟ (Emmanuel 1982, 95). بناءً على هذا السؤال يجيب إيمانويل بأن علاقة المركز الاستعماري بالدول المستقلة عن الاستعمار التي يحكمها الأصلانيون لا تزال علاقة استغلال لصالح المركز الاستعماري مثل تنزانيا لبريطانيا، في المقابل الدول المستقلة التي يحكمها المستوطنون علاقتها تنافسية وإن كانت العلاقات التجارية بينها وبين المركز كبيرة مثل كندا لبريطانيا. كلا الدولتين كانتا مستعمرتين بريطانيتين، الفارق بينهما اليوم بعلاقات التجارة والاستغلال، وهو ما يشكل جدليّة الإمبريالية المركنتيلية Mercantile Imperialism التي يطرحها إيمانويل في مقابل النظرية الإمبريالية المالية التقليدية Financial Imperialism، في محاولة منه لوضع نظريته الأكبر عن التبادل التجاري غير المتكافئ. باختصار، تُحوّل نظرية إيمانويل تركيز الإمبريالية من استثمار رأس المال كمحرك رئيسي إلى التبادل غير المتكافئ المتأصل في التجارة الدولية، مُجادلًا بأن نقل القيمة هذا هو الآلية الأساسية التي تُحافظ الرأسمالية العالمية من خلالها على وجودها. إن طبيعة الحكم الاستعماري، وخاصةً التمييز بين الدول التي يهيمن عليها المستوطنون البيض والدول التي يسيطر عليها الأصلانيون، تؤثر بشكل مباشر على قابلية الاستغلال التجاري لهذه الأراضي ضمن هذا النظام الإمبريالي المُتمحور حول التجارة (Emmanuel 1982, 96). إن مقولة إيمانويل هي أن هناك تعارض في الرأسمالية يكمن بين ضرورة توسيع التراكم (إنتاج المزيد من السلع) وعجز السوق المتأصل عن استيعاب هذا الإنتاج وتحقيق الربح اللازم لاستمرار التراكم، وأن الإمبريالية المركنتيلية هي من يعمل على حل هذا التناقض بالحفاظ على التبادل غير المتكافئ من خلال الاستغلال الفائق Superexploitation للعمّال[5] (Foster 2025, 9). أي نقل القيمة Transfer of Value من أطراف العالم إلى مركزه من خلال التبادل غير المتكافئ، وتوسيع الاستهلاك في المركز الاستعماري مع فارق الأجور بين الأطراف والمركز وموازنة التراكم هناك (Lauesen 2025). إن ما يقدّمه إيمانويل هنا ضروري بشكل أساسي لتسليطه الضوء على على علاقة المستوطنين بالمركز وإن لم يشمل تحليلًا طبقيًا كما سيفعل ماجدوف من بعده، إلا أنه استخدم هذه العلاقة للتمييز بين أنواع الإمبريالية وطرح التغيرات التي لاحظها على النظام الرأسمالي وهو ما سينقده ماجدوف ويوضح جوانبه.
ج. ماجدوف: التحليل الطبقي للمستوطنين
بينما يشيد ماجدوف بعمل باران إلّا أنه ينتقد إيمانويل بشدّة، حيث أن الأخير يصوّر الإمبريالية من منظور العلاقات التجارية واستعمار المستوطنين البيض (الذي غالبًا ما يكون في صراع مع الإمبريالية الأوروبية)، مع التقليل من دور الإمبريالية المالية، وخاصةً الاستثمار الأجنبي المباشر للشركات متعددة الجنسيات. يقول ماجدوف بأن مقال إيمانويل هو محاولة تشكيل مفهوم للإمبريالية الاستيطانية البيضاء. يرفض إيمانويل أولًا نظرية لينين في الإمبريالية بناءً على تفسير مُبسط وخاطئ لها. كما يسيء استخدام مسألة المفهوم الاقتصادي لاستثمار رأس المال. كما يدحض مفهوم الإمبريالية المالية باعتماده على فهم آلية انتقال الأموال/القيمة من المستعمرات إلى المركز الاستعماري، ويظهر أن المركز الاستعماري جمع أموالًا أكثر ما استُثمر في المستعمرة، وهو ما تسبب بانفصال هذه المستعمرات ولكن في ذات الوقت استمرت التجارة معها بالتالي يعيد رؤية الأمور من مفهوم الإمبريالية المركنتيلية الذي شكّله إيمانويل (Magdoff 2013). للخروج من الإشكال الذي وقع فيه إيمانويل يدعو ماجدوف إلى دراسة التاريخ الاقتصادي ودراسة ماهية الإمبريالية من خلال اتباع نهج تاريخي شامل، أي باعتبار الإمبريالية عملية تاريخية مرتبطة بالتوسع الرأسمالي، بغض النظر عن تمظهراتها السياسية (Magdoff and Foster 2003, 13). وذلك لأن الإمبريالية مرافقة للرأسمالية من البداية، ويمكن مشاهدة العديد من سمات الإمبريالية اليوم ذاتها ذاتها سمات الإمبريالية والنظام الرأسمالي العالمي منذ أواخر القرن الخامس عشر إلى الآن، مثل: تطور السوق العالمية والانقسام بين المركز والأطراف والسعي التنافسي وراء المستعمرات أو شبه المستعمرات واستخراج الفائض وتأمين المواد الخام لإعادتها إلى الوطن الأم. هذه السمات المشتركة للإمبريالية ضمن مراحل الرأسمالية المختلفة تتوافق مع مقولة لينين بظهور شكل جديد للرأسمالية الاحتكارية Monopoly Stage في نهاية القرن التاسع عشر وهو ما يعني شكل إمبريالي جديد (Magdoff and Foster 2003, 14). يفرّق ماجدوف بين الإمبريالية الرسمية (الاستعمار) والإمبريالية غير الرسمية (إمبريالية بلا مستعمرات)، وهذا التفريق ضروري لفهم سلوك المركز الاستعماري الذي يلجأ إلى تأمين رغباته الاقتصادية في البداية من خلال الإمبريالية غير الرسمية دون مستعمرات ودون استخدام القوّة. لكن عندما يعجز عن ذلك يلجأ إلى الإمبريالية الرسمية (الاستعمار) باستخدام القوة العسكرية (Magdoff and Foster 2003, 12). أما تحليله الطبقي للمستوطنين وعدائهم للمركز الاستعماري، فخلافًا لإيمانويل، يعيد ماجدوف الأمر إلى التحوّل الحاصل داخل النظام الرأسمالي ذاته، وكان المركز الاستعماري مستفيدًا من اتساع مستعمراته التي شكّلت ملاذًا للعاطلين عن العمل مما حد من الثورات الاجتماعية في المركز (Magdoff 1982, 28)، كما زادت الطلب على سلع المصنّعين في المركز. لكن هذا قبل أن تبدأ التحديات بالظهور في وجه النظام الاستعماري القديم حينها (منتصف القرن الثامن عشر) والتي أدّت في النهاية إلى الثورة الصناعية والتحوّل من الرأسمالية المركنتيلية\التجارية إلى الرأسمالية الصناعية مسببةً "أزمة اقتصادية في المستعمرات - Crisis of the Colonial Economy" كما سماها إريك هوبسباوم Eric Hobsbawm حيث يقتبسه ماجدوف (Hobsbawm 1954, quoted in Magdoff 1982, 16-17) يضيف هوبسباوم أن هذه الأزمة تسببت بانهيار النظام الاستعماري السابق ليحل مكانه نظام استعماري جديد ولم تكن عملية تحوّل سلسة (Hobsbawm 1954, quoted in Magdoff 1982, 14-15). هناك أسباب أخرى ساهمت في هذه الأزمة، منها انخفاض أرباح تجارة التوابل (بسبب الإمدادات المحدودة وزيادة تكاليف الدفاع ضد الدول المنافسة) واستنزاف أغنى المناجم في أمريكا الجنوبية، ما أدى أيضا إلى "تجفيف" القوة العاملة المستغلة بإفراط بسبب الاعتماد على تكنولوجيا متخلفة (Magdoff 1982, 14-15). إن أزمة المستعمرات الاقتصادية هذه دفعت المركز الاستعماري للبحث عن مستعمرات جديدة بالتالي إهمال المستعمرات القديمة وهو ما أدى إلى ارتفاع أصوات المطالبين بالحكم الذاتي في الثلث الأخير من القرن الثامن عشر وصولًا إلى حركات اجتماعية وثورية في المركز الاستعماري الأوروبي (Magdoff 1982, 17). بهذا يقدّم ماجدوف تحليلًا طبقيًا أوسع وأكثر اتساقًا مع الماركسية للاستعمار الاستيطاني وعلاقته بالمركز الاستعماري.
د. نمط الإنتاج الاستيطاني
إن مفهوم نمط الإنتاج الاستيطاني The Settler Mode of Production كما يراه كل من فيرنر بيرمان Werner Biermann وراينهارت كوسلر Reinhart Kossler، يوضّح وجود فجوة في العلاقة بين الاستعمار الاستيطاني والرأسمالية من منظور أنماط الإنتاج عند الفكر الماركسي. تأتي هذه الورقة لسد الفجوة وتستخدم روديسيا كحالة دراسية، وتعد روديسيا مثالًا لفهم أنماط الإنتاج وديناميكياتها وصولًا لفهم العلاقات بين حكومة المستوطنين والقوى الإمبريالية (Biermann and Kössler 1980, 106). انتشرت الكثير من المصطلحات التي تحاول توصيف نمط الإنتاج في ظل الاستعمار، منها: أنماط الإنتاج الاستعمارية Colonial Modes of Production والخراجية Tributory والخطية Linear والهجينة Hybrid. جميعها تحاول فهم عملية التحول من أنماط الإنتاج السابقة على الرأسمالية إلى الرأسمالية بواسطة الشرط الاستعماري (Alavi et al. 2023, 3). يختلف نمط الإنتاج الاستيطاني اختلافًا جوهريًا عن نمط الإنتاج الرأسمالي التقليدي. فقد استبعد بطبيعته آليات المنافسة، وأدى إلى ركود منذ نشأته. ويرجع ذلك إلى أن البرجوازية الزراعية لم تكن تحت ضغط التراكم المستمر وإعادة الاستثمار؛ بل كان رأس المال النقدي المتاح يُستهلك بشكل كبير لأغراض أخرى، ما أعاق تطور صناعات السلع الاستهلاكية المحلية. في النموذج الكلاسيكي يتوفر العمل المأجور، بينما في النموذج الاستيطاني يكون نادرًا بسبب قلة العمّال/المستوطنين وهو ما يدفع باتجاه دمج الأصلانيين في الإنتاج الرأسمالي قسريًا، بالتالي يكون نمط الإنتاج الاستيطاني هجينًا حيث ينتج فائض قيمة ولكن من خلال وسائل الإنتاج المتوفرة عند الأصلانيين وهي وسائل سابقة على الرأسمالية. وبينما يخضع للتراكم الرأسمالي ولكن شروطه متحققة خارج الرأسمالية، أي أن النمط الكلاسيكي يعادي أنماط الإنتاج الإقطاعية بينما النمط الاستيطاني يستخدمها لتحقيق فائض القيمة. ولتحقيق هذا النموذج الهجين يحتاج المستوطنون إلى نظام قمعي متواصل للأصلانيين بهدف الإخضاع وليس بهدف تدمير البنية الاجتماعية بالكامل وإلا سيؤدّي هذا إلى نهاية المستعمرة ذاتها. كما يهتم المستوطنون بشق الإنتاج فقط تاركين إعادة إنتاج القوّة العاملة إلى العمال الأصلانيين أنفسهم في شكل يشبه أشكال الاستغلال البدائية في الرأسمالية الصناعية المبكّرة، وكان هناك وفرة في الفلاحين العاطلين. يختلف هذا النموذج أيضًا عن نموذج السيد-العبد لتحقيق فائض القيمة حيث أن نموذج السيد-العبد بحاجة لمراعاة شروط إعادة الإنتاج التي تقع على عاتق الرأسمالي، بينما في النموذج الاستيطاني تكون هذه من مسؤولية النموذج غير الرأسمالي الأصلاني الموجود قبل الاستعمار، بالتالي تقل تكاليف إعادة الإنتاج الاجتماعي وفي نفس الوقت تزيد من إفقار مجتمع الأصلانيين. إن تعريف الطبقة في مجتمع المستوطنين يعتمد على التمييز العرقي وهو ما يكون بديلًا عن الصراع بين العمّال والبرجوازيين، وهو ما يسمح لطبقة البروليتاريين المستوطنين من الحصول على بعض من الفائض الناتج عن استغلال الأصلانيين بالتالي تتماهى مع البرجوازيين المستوطنين بالتالي تعمل على بقاء الوضع الاستعماري كما هو حفاظًا على امتيازاتها في المستعمرة مقارنة بالمركز الاستعماري (Biermann and Kössler 1980, 110-112).
في النهاية، يقدّم هذا العنوان مراجعة للفهم الماركسي للاستعمار الاستيطاني، متتبعًا تطوره عبر مفكرين نيوماركسيين. ميّز باران بين الاستعمار الاستغلالي والاستعمار الاستيطاني، مسلطًا الضوء على كيف أن المستوطنين، على عكس المستعمرين الآخرين، أسسوا مجتمعات رأسمالية بشكل من البداية. وسّع إيمانويل هذا الطرح بتقديم فكرة العداء بين المستوطنين والمركز الاستعماري، مدفوعًا برغبة المستوطنين في إقامة دولة "بيضاء" مستقلة، وهو ما وصفه بأنه أدى إلى شكل جديد من "الإمبريالية المركنتيلية". بينما أثنى ماجدوف على عمل باران، انتقد تركيز إيمانويل على المركنتيلية بدلًا من الإمبريالية المالية، مؤكدًا على تحليل تاريخي وطبقي أوسع للتطور المستمر للإمبريالية جنبًا إلى جنب مع الرأسمالية، بما في ذلك تجلياتها الرسمية وغير الرسمية. أخيرًا، تم تقديم مفهوم "نمط الإنتاج الاستيطاني"، موضحًا نظامًا اقتصاديًا هجينًا يحدث فيه التراكم الرأسمالي من خلال استغلال عمالة الأصلانيين ما قبل الرأسمالية، مع الحفاظ على تسلسل هرمي عنصري قمعي يفيد حتى البروليتاريين المستوطنين.
٦. خاتمة
تستعرض هذه الورقة العلاقة المعقدة بين الرأسمالية والاستعمار الاستيطاني، مستفيدة من نظريات ماركسية ودراسات الاستعمار الاستيطاني على حد سواء. وتبرز أن الاستعمار الاستيطاني، الذي يتميز "بمنطق المحو" الهادف إلى إحلال السكان الأصليين للاستحواذ على الأرض بدلًا من مجرد استغلال العمل، هو عملية هيكلية مستمرة وليست حدثًا تاريخيًا منفردًا. بينما يظهر الفكر الماركسي المبكر، وخاصة مفهوم ماركس "التراكم البدائي"، بأهمية الاستعمار لظهور الرأسمالية، ميّز الماركسيون الجدد لاحقًا بين الاستعمار الاستغلالي والاستعمار الاستيطاني. كما بحث إيمانويل عداء المستوطنين للمركز الاستعماري، مجادلًا بأن هذا الصراع، وليس الصراع الطبقي، هو الذي شكل الديناميكيات الإمبريالية، على الرغم من أن هذا المنظور انتقد من قبل ماجدوف، الذي أعاد التأكيد على الدور المركزي للإمبريالية المالية والتحليل الطبقي ضمن التوسع التاريخي الأوسع للرأسمالية. تكشف الورقة في نهاية المطاف عن تقاطعات واختلافات في هذه الأطر النظرية، ما يوفر فهمًا للمستوطن والمستوطنة.
٧. المراجع
Alavi, Hamza, P. L. Burns, G. R. Knight, and P. B. Mayer. 2023. Capitalism and Colonial Production. Routledge Library Editions: Colonialism and Imperialism. London: Routledge.
Alavi, Hamza, and Teodor Shanin, eds. 1982. Introduction to the Sociology of “Developing Societies”. London: Macmillan Education UK. https://doi.org/10.1007/978-1-349-16847-7.
Banaji, Jairus. 1972. “For a Theory of Colonial Modes of Production.” Economic and Political Weekly 7 (52): 2498–2502.
Baran, Paul A. 1973. The Political Economy of Growth. Harmondsworth: Penguin Books Ltd.
Biermann, Werner, and Reinhart Kössler. 1980. “The Settler Mode of Production: The Rhodesian Case.” Review of African Political Economy 7 (18): 106–116. https://doi.org/10.1080/03056248008703430.
Davies, Jack. 2023. “The World Turned Outside In: Settler Colonial Studies and Political Economy.” Historical Materialism 31 (2–3): 197–235. https://doi.org/10.1163/1569206x-bja10015.
Emmanuel, Arghiri. 1982. “White-Settler Colonialism and the Myth of Investment Imperialism.” In Introduction to the Sociology of “Developing Societies”, edited by Hamza Alavi and Teodor Shanin, 85–100. London: Macmillan Education UK. https://doi.org/10.1007/978-1-349-16847-7.
Emmanuel, Arghiri. 1984. Profit and Crises. New York: St. Martin’s Press.
Englert, Sai. 2023. “Settler Colonialism and the Birth of Global Capitalism.” rs21, November 7, 2023. https://revsoc21.uk/2023/11/07/settler-colonialism-and-the-birth-of-global-capitalism/.
Evans, Julie, Ann Genovese, Alexander Reilly, and Patrick Wolfe, eds. 2013. Sovereignty: Frontiers of Possibility. Honolulu: University of Hawai‘i Press.
Forstater, Mathew. 2015. “Taxation and Primitive Accumulation: The Case of Colonial Africa.” In The Capitalist State and Its Economy: Democracy in Socialism, 51–64. Published online March 8, 2015. https://doi.org/10.1016/S0161-7230(04)22002-8.
Foster, John Bellamy. 2007. “The Imperialist World System: Paul Baran’s Political Economy of Growth After Fifty Years.” Monthly Review 59 (1): 1–16. https://doi.org/10.14452/MR‑059‑01‑2007‑05_1.
Foster, John Bellamy. 2025. “Imperialism and White Settler Colonialism in Marxist Theory.” Monthly Review 76 (9): 1–21. https://monthlyreview.org/2025/02/01/imperialism-and-white-settler-colonialism-in-marxist-theory/.
Issar, Siddhant. 2021. “Theorising ‘Racial/Colonial Primitive Accumulation’: Settler Colonialism, Slavery and Racial Capitalism.” Race & Class 63 (1): 1–28. https://doi.org/10.1177/0306396821996273.
Lauesen, Torkil. 2025. “Arghiri Emmanuel and Unequal Exchange: Past, Present, and Future Relevance.” Monthly Review 76 (10). Published March 1, 2025. https://doi.org/10.14452/MR-076-10-2025-03_3.
Magdoff, Harry. 1982. “Imperialism: A Historical Survey.” In Introduction to the Sociology of “Developing Societies”, edited by Hamza Alavi and Teodor Shanin, 115–132. London: Macmillan Education UK. https://doi.org/10.1007/978-1-349-16847-7.
Magdoff, Harry. 2013. “Primitive Accumulation and Imperialism.” Monthly Review, October 1, 2013. https://monthlyreview.org/2013/10/01/primitive-accumulation-and-imperialism/.
Magdoff, Harry, and John Bellamy Foster. 2003. Imperialism Without Colonies. New York: Monthly Review Press.
Marx, Karl. 2010a. Capital: Volume I. In Marx & Engels Collected Works, Vol. 35. London: Lawrence & Wishart, Electric Book. ISBN 978-1-84327-979-2.
Marx, Karl. 2010b. Capital: Volume III. In Marx and Engels Collected Works, Vol. 37. London: Lawrence & Wishart, Electric Book. ISBN 978-1-84327-981-5.
Marx, Karl. 2010c. Marx 1857–1861. In Marx and Engels Collected Works, Vol. 29. London: Lawrence & Wishart, Electric Book. ISBN 978-1-84327-973-0.
Marx, Karl, and Frederick Engels. 2010a. Marx and Engels Collected Works, Volume 40: Letters 1856–1859. London: Lawrence & Wishart, Electric Book. ISBN 978-1-84327-984-6.
Marx, Karl, and Frederick Engels. 2010b. Marx and Engels Collected Works, Volume 12: 1853–1854. London: Lawrence & Wishart, Electric Book. ISBN 978-1-84327-956-3.
Marx, Karl, and Frederick Engels. 2010c. Marx and Engels Collected Works, Volume 50: Letters 1892–1895. London: Lawrence & Wishart, Electric Book. ISBN 978-1-84327-994-5.
McMichael, Philip. 1980. “Settlers and Primitive Accumulation: Foundations of Capitalism in Australia.” Review (Fernand Braudel Center) 4 (2): 307–334.
Robinson, Cedric J. 2000. Black Marxism: The Making of the Black Radical Tradition. Rev. ed. Chapel Hill: University of North Carolina Press.
Wolfe, Patrick. 1999. Settler Colonialism and the Transformation of Anthropology: The Politics and Poetics of an Ethnographic Event. London: Cassell.
Wolfe, Patrick. 2001. “Land, Labor, and Difference: Elementary Structures of Race.” The American Historical Review 106 (3): 866–905. https://doi.org/10.2307/2692330.
Wolfe, Patrick. 2006. “Settler Colonialism and the Elimination of the Native.” Journal of Genocide Research 8 (4): 387–409. https://doi.org/10.1080/14623520601056240.
Wolfe, Patrick. 2016. Traces of History: Elementary Structures of Race. London: Verso.
[1] كان باتريك وولف (١٩٤٩-٢٠١٦) مؤرخًا وباحثًا إنجليزيًا عاش وكتب في أستراليا. ويُعرف على نطاق واسع بتأسيسه مجال دراسات الاستعمار الاستيطاني.
[2] كان بول باران عالم اجتماع واقتصاديًا ماركسيًا بارزًا، وكان أستاذًا للاقتصاد في جامعة ستانفورد حتى وفاته عام ١٩٦٤.
[3] كان أرغيري إيمانويل اقتصاديًا ومنظرًا ماركسيًا يونانيًا بارزًا، اشتهر بعمله حول التبادل غير المتكافئ وإمبريالية التجارة.
[4] كان هاري ماجدوف عالم اجتماع بارزًا ومنظرًا ماركسيًا. ارتبط ارتباطًا وثيقًا ببول باران، وعمل محررًا مشاركًا في مجلة "المراجعة الشهرية" منذ عام ١٩٦٩.
[5] هذا يعني استخراج كمية كبيرة من الفائض surplus من العمالة دون توسيع القوى الإنتاجية productive forces بالضرورة، على عكس الرأسمالية في الدول المتقدمة حيث يتم الحصول على الفائض من خلال زيادة إنتاجية productivity العمالة وخفض أسعار السلع (Banaji 1972, 2500).