مقدمة إلى القدس.. سياسات الاستعمار وممانعة المدينة

مقدمة إلى القدس.. سياسات الاستعمار وممانعة المدينة
تحميل المادة

"أَمِن حجرٍ شحيح الضوء تندلع الحروب؟" - محمود درويش

 

يمكن لمدينة واحدة إن كانت القدس، حجرًا وفضاءً وموروثًا إنسانيًا؛ أن تكون بؤرةً يتكثف فيها حتى أَوْجِهِ، أحد أكثر الصراعات في التاريخ الإنساني تعقيدًا وتداخلًا، وأن تظلّ في حدودها الملموسة والمعنوية فضاءً لهذا الصراع الذي تحاول فيه قوة الاستعمار الصهيوني أن تسلب من الفلسطيني كل ما يُشعره بوجوده، وتظلّ خلاله في تأهب مستمرّ لتحطيم أي إمكانية لتشكل خيال أو لغة أو وعي له، أو الارتقاء بهذه الإمكانيات لصور تنظيمية متقدمة تدفع الفلسطيني خطوةً للأمام في معركته على المدينة التي تشكل قلب الصراع على الأرض الفلسطينية كلها. وفي حال تمكّن الفلسطينيّ من ذلك ولو في أبسط صوره، تصبح القوة المفرطة الطريقة المثلى لردعه وإرجاعه خطوات إلى الخلف؛ من هذا مثلًا الأحكام القاسية والعالية نسبيًّا ضدّ الشباب الفلسطينيين الذين شاركوا في أحداث هبّة أيار 2021.

على الطرف المقابل، يظلّ الفلسطيني في حالة من المواجهة المُقاوِمِة، وابتكار الوسيلة أو الحيلة لحماية وجوده وإطالة أمد هذا الوجود وتجذيره في تشكل ذاكرة المجتمع على اختلاف أجياله، والتشكل هنا بطبيعة الحال يكون متأثّرًا بمتغيرات اللحظة الزمنية الراهنة داخل الصراع نفسه، والتي من شأنها أن تُحَفِّز آليات التحطيم والمقاومة أو تثبطها.

وعلى أن هذا المقال يشكل تقديمًا لسلسلة مقالات تتبعه مُحاوِلَةً تحليل واقع مدينة القدس وفهمه من مختلف زواياه، فإنه ينطلق مما يؤطّر له رولان بارت من أن المدينة-أي مدينة- "عبارة عن خطاب، وأن هذا الخطاب هو في الواقع لغة، فالمدينة تتكلم إلى ساكنيها، ونحن نتكلم مُدننا[1]".

ويبني المقال -استنادًا إلى ما تقدّم- أفكاره حول الفضاء والمدينة والممارسات ومدلولها في سياق المعركة القائمة في المدينة المقدسة على مدار الساعة، والنافذة إلى أدّق التفاصيل في حياة الناس والمكان.

 

صراع التدفق

عقب انتهاء شهر رمضان المبارك، شنت قوات الاحتلال هجومًا عنيفًا على مُصلّى باب الرحمة، وأتلفت وصادرت ما فيه من محتويات كان الفلسطينيون قد استخدموها في إعادة إحياء المكان، بعد ما تمكّنوا بجهد شعبي في بدايات عام 2019 من إعادة افتتاح المُصلّى الذي كان مغلقًا لسنوات. ابتكر الفلسطينيون هويةً اجتماعيةً ميزت المصلى إضافة إلى الخصوصية الدينية، وأصبحت هذه الهوية حاضرةً بشكل أكثر كثافة لديهم بحكم وقوعه في المنطقة الشرقية للمسجد الأقصى المبارك، وهي منطقة تعاني من التهميش ويحول الاحتلال دون تطويرها، تمهيدًا لبسط سيطرته عليها بالكامل، لمزاعم امتلاكها قدسية دينية بالنسبة لليهود. وينظر الاحتلال لخطوة مصادرة الشقّ الشرقي من المسجد الأقصى بوصفها عتبةً أولى لإنفاذ كاملٍ للتقسيم المكاني للمسجد على نحو يحاكي المسجد الإبراهيمي في مدينة الخليل، وإن اختلفت  آليات التنفيذ وأدواته.

مصلّى باب الرحمة

وعدا عمّا يمكن قوله حول شكل الهجوم والممارسات التقنية التي جرى تنفيذها، فإنه ضمن السياق الأوسع للمدينة يحمل دلالات تحاول ترسيخ السيطرة الاستعمارية بوصفها حديديةً رادعةً، خصوصًا إذا ما أخذنا متغيرات اللحظة الزمنية الراهنة بعين الاعتبار، والتي تشهد بالنسبة للجيل الفلسطيني الجديد تصاعدًا في بناء ذاكرة مؤمنة بذاتها الفاعلة، وقدرتها على الفعل، وتراجعًا لما يسمّيه عبدالجواد عمر "ذاكرة الألم"، كون هذا الجيل بدأ يعي الصراع في مرحلة ما بعد 2007، أي أنه لم يكن على احتكاك مباشر مع دموية الاحتلال خلال الانتفاضتين واجتياح الضفة الغربية[2]، ومن ثمّ فهو جيل يتحرك بعقيلة الندّ المؤمن بقدرته على الفعل والمواجهة دون النظر إلى قوة الاحتلال على أنها "حديدية" بصورة مطلقة تحيل إلى العجز.

مُصلّى باب الرحمة، بخلاف بقية مُصلّيات المسجد الأقصى مقترن في الذاكرة الجمعية للفلسطينيين بقدرة الناس على التحرك الشعبي الفاعل، والذي كان مُلْهَمًا بهبّة الأسباط عام 2017. إضافةً لما يشكّله من فضاء اجتماعي جامع لأبناء فلسطين التاريخية خصوصًا في شهر رمضان المبارك، والمناسبات الدينية على العموم، كونه الحيز الذي يتفاعل معه الفلسطينيون خلال هذه المناسبات على أنه رديف البيت، كما كان خلال فترة اعتكاف الشباب الفلسطينيين -ذكورًا وإناثًا- في المسجد الأقصى في رمضان، خصوصًا في ظلّ صعوبة الحركة التي تواجه الشباب القادمين من الضفة الغربية، والذين يتجنّبون في المعظم الخروج من المسجد تحاشيًا لاحتمالات التعرض لأي تفتيش أو اعتقالٍ على يد شرطة الاحتلال. 

بناءً على ما تقدّم، يصبح المكان في ذاكرة الأجيال التي ترتاده مكانًا افتتح بإرادة شعبية، وهي ذاتها التي أحيته وشكّلت بداخله أنسجةً اجتماعيةً تتفوّق على تشظية الأرض، وما يتبع هذا من علاقة حيوية متدفقة ومتجدّدة مع المكان، إلى جانب قدرتها على الامتداد خارجه مُلْهَمَةً بكل ما حملته من ذاكرة فيه. 

وعلى أن المسجد الأقصى المبارك يشكّل قلب مدينة القدس، ويؤثّر الواقع فيه على صياغة السياسات داخل المدينة، فإنه بوصفه حيزًا عمرانيًا يحمل دلالة أعمق من مجرد كونه بناءً. إنه يتعدّى ليكون حيّزًا مُحتَضِنًا للنسيج المجتمعي المحيط به داخل القدس وخارجها، وفي الوقت ذاته مُغلّفًا بالثقافة التي يستقيها الناس منه ومن بقية مركّبات المدينة رغم كل سياسات التشظية والمحو التي تُمارس فيها، وسياسات العزل والتفريغ التي تُمارس عليها. ومن ثمّ يمكن الافتراض بأن تحرك الناس في الفضاء المحيط بمختلف صور النشاط الإنساني هو أمر مُسْتَلْهَم من المسجد الأقصى المبارك بما هو حيّز مقدس، وأيضًا بما هو حيّز عمراني جمالي يشكّل فسحةً تكاد تكون الوحيدة بالنسبة لجميع سكان المدينة على اختلافهم.

وبناء على أن "العمارة هي نسق تواصلي، فهي تراكيب المعاني التي يستخدمها الناس لإضفاء الشكل على تجاربهم وخبراتهم في العالم[3]". ومن ثمّ فإن جزءًا كبيرًا من آليات السيطرة على المدينة كلّها، ينبع بالأساس من السيطرة على هذا الحيّز العمراني وتكبيل قدرة الناس على عكس تجاربهم وخبراتهم من خلاله، ونزع معناه العميق بوصفه مؤسسةً اجتماعيةً، وتحويل علاقة الناس به إلى علاقة إجرائية تنقضي بانقضاء الصلاة.

كما أن آليات السيطرة هذه تسعى نحو تكبيل للذاكرة والخيال، ترهيبًا للعقل الجمعي الذي يشكّلُ المسجد الأقصى حيّزًا يجمعه من كل أنحاء فلسطين التاريخية، فيجعله غير مؤمن، أو شاكًّا على الأقل، بقدرته على اجتراح أفعال طلائعية من شأنها ترسيخ وقائع جديدة غير تلك التي يسعى نحوها الاحتلال. وهي آليات تأتي حاليًا بعد أحداث مفصلية راكمت في وعي الجيل الجديد أنه من الممكن أن يفعل؛ ابتداءً من هبّة باب الأسباط، مرورًا بفتح مُصلّى باب الرحمة، وصولًا إلى هبّة أيار 2021، وهي أحداث تزامنت أيضًا مع صعود للفعل المُقاوِم في أدواته وقدرته على المبادرة والمفاجأة.

ومن ثمّ، فكون المسجد الأقصى المبارك حيّزًا تفاعليًا اجتماعيًا مُلهِمًا، فإن استهدافه ليس محصورًا فقط بما تقدّم في محاولة لبتر القدرة الجمعية على التدفق، بل يتعدى إلى مناحٍ مختلفة في تعاطي الاحتلال مع قضايا المدينة كلها والتي ستتعرض لها المقالات القادمة بالتفصيل.

من هذا مثلًا سياسات الاحتلال في الاعتقال والإبعاد عن المسجد والمدينة، وكذلك ممارساته المحمّلة برسائل السيطرة والتعجيز والقهر في قطاع التعليم والتمدد العمراني وما يتبعه من تهشيم للنسيج الاجتماعي من خلال سياسات العزل والديموغرافيا. وهو ما ستتتبعه المقالات القادمة على نحو أكثر تفصيلًا.

باب الأسباط

الصلاة باب الأسباط، أثناء الهبة (2017)

 

اللغة والمكان؛ ترسيخ الاغتراب

بالنظر من أعلى إلى الحيّز الأوسع لمدينة القدس، نجد أنه، وبالمنطق الاستعماري الساعي للسيطرة على كل شيء، فإن اللغة تلعب دورًا في تشكيل الواقع، وبالضرورة في تقديمه على نحو منطوق في مختلف مستويات الاجتماع الإنساني في المدينة. وهو ما يمكن أن يُقرأ على أكثر من جانب سواء كان اجتماعيًا، ثقافيًا أو اقتصاديًا، وسياسيًا بالضرورة.

فابتداء بأن يحمل المقدسي شهادة ميلاده خاليةً من أي كلمة عربية، ثم هويته أو للدقة "بطاقة إقامته" -فهو في نظر الدولة ليس مواطنًا- وليس انتهاء باستلامه أمر هدم أو اعتقال أو إبعاد عن المدينة أو أجزاء منها. هذه السياسات تحاول فرض السلطة والقوة لنفي المكان. بكلمات أخرى، فإن إبقاء العبرية لغة التعامل مع الفلسطيني في القدس، سياسيًا واقتصاديًا، ما هو إلا أداة تحاول أن تسلب من الفلسطيني قدرته على امتلاك لسان المكان وذاكرته. وتتلاقى مع هذه الأداة أداة التخطيط الحضري للمدينة ومحاصرة الفلسطيني في إمكانية توسّعه العمراني ومن ثمّ وجوده الديموغرافي الذي يعدّ الثقل الأبرز في كل ما له صلة بالمدينة.

وهي أدوات تحاول العمل بشكل تراكمي عبر محور الزمن لتعميق الشعور بالاغتراب بين الفلسطيني ووجه مدينته الحقيقي، وكل ما قد يذكّره بهذا الوجه سواء كان من خلال شخوص أو أحداث أو خطاب أيًا كان.

لكن ما يظهر في كل مرة تحتدم فيها المواجهة في القدس أن هذا الفلسطيني -مهما ظهر أنه مُسَيطَر عليه- يلتحم بقلب المدينة والخط الناظم لعلاقته بها. بتعبير آخر، يُفْقِد سياسة القهر الاستعماري معناها وفاعليتها في السيطرة عليه وسوقه نحو المحو.

يبقى أن نقول بأن هذه العلاقة هي علاقة متأرجحة، يواجه فيها الفلسطيني، ما استطاع، آلة العنف الاستعماري التي تستغل مقدرات القوة بين يديها، في ظل غياب يكاد يكون كاملًا لرؤية استراتيجية فلسطينية متحررة وجادة قادرة على تجذير وجود هذا الفلسطيني عمرانيًا ولسانيًا وما يتصل بهذين البعدين اقتصاديًا وسياسيًا واجتماعيًا في مدينة لا تزال قلب صراع جاوز المئة عام.

وعليه فإن هذا المقال -الذي هو مقدّمة- وما سيتبعه لاحقًا، هو محاولة لتتبع الأدوات الاستعمارية ودلالاتها في عملها على تحطيم الممارسة الحضرية الفلسطينية في القدس، وما يبتكره الفلسطيني لإعادة نسج هذه الممارسة والإبقاء على وجودها، وما يكتنف هذا الفعل من تحدّيات وأثمان.

 



[1] انظر الإنسان والعمران واللسان لإدريس مقبول، ص 137.

[2] للمزيد انظر: العمليات الخاصة الإسرائيلية: كيف نفهم التصعيد الحالي؟، عبدالجواد عمر، موقع حبر. الرابط: https://bit.ly/3JpP4sd .

[3] المصدر السابق، ص 29، بتصرف.