من التفرّد إلى الحراك .. سيرة القانون في مجال الضفة

من التفرّد إلى الحراك .. سيرة القانون في مجال الضفة
تحميل المادة

في العاشر من آب/ أغسطس من العام الجاري، أصدر رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس "قرارًا بقانون" يلغي فيه قرارات بقانون متعلقةً بقطاع القضاء الفلسطيني كان قد أصدرها سابقًا، وأثارت موجة عارمة من الاحتجاج الذي تصدّرته نقابة المحامين لقرابة أربعين يومًا[1]. وبقدر ما يمكن الإشادة بالنتيجة النهائية التي أفضت إلى إلغاء مراسيم (قرارات بقانون) تمسّ استقلال القضاء وإجراءات التقاضي، وأظهرت إمكانية أن تحقق الهيئات المجتمعية، كنقابة المحامين في حالتنا، اختراقاتٍ في جدارِ السيطرة الصلب للسلطة السياسية على الحياة العامة؛ إلا أن الهيئة التي أُخرج فيها الإلغاء تشير إلى محاولة السلطة تكريس منطق تعاملها مع الحياة السياسية في فلسطين، فالقرار بقانون هو قانون البلاد الوحيد، وهو الشكل القانوني الذي خرج من دائرة الضرورة التي لا تحتمل التأخير، إلى التأبيد الذي يحكم حياة الفلسطينيين التشريعية.

في الرابع عشر من حزيران/ يونيو 2006 كان "الانقسام" الفلسطيني الذي تلا فوز حماس بالانتخابات التشريعية قد بلغ ذروته بسيطرة الأخيرة على قطاع غزة. ولسنوات طويلة تالية اصطبغت المساحة الجغرافية والسياسية الفلسطينية "بالانقسام" وإفرازاته، وأسست الأطراف سرديّاتها التي فسّرت بها "الانقسام" أولًا، وفسّرت بها سلوكها بعده ثانيًا، وانشغلت الجماهير بمحاولات إقامة "مصالحة فلسطينية" داخلية، لم تكن تلتئم حتى تنفتق، قبل أن يذوي المصطلح وسرديّاته بعد حروب المقاومة في غزة، لا سيّما حرب "العصف المأكول" عام 2014، وتلاشي الأفق السياسي لمشروع "السلام" الذي تتبناه السلطة بشكل تام. غيرَ أنّ السيطرة التي تأسست على لحظة الانقسام، أو تكرّست به، لم تفقد مفاعيلها.

قرار بـ "إعدام" القانون

بعد 2006، ومع الانقسام الحديّ في بنية السلطات الثلاث، وتشبّث كل طرفٍ بـ "شرعيّته" التي حصّلها بالانتخابات، لجأ الرئيس عباس إلى نصٍ في القانون الأساسي الفلسطيني، ليسحب البساط من تحت أرجل حماس المسيطرة على المجلس التشريعي، ويكرّس التعطّل العملي للمجلس إثر اعتقال الاحتلال لأغلب نواب الحركة، ومنعه من الانعقاد استنادًا لتداعيات أحداث "الانقسام". كانت المادة الثالثة والأربعون من القانون الأساسي الفلسطيني هي السند القانوني الذي وجدت فيه السلطة التنفيذية ضالّتها.

تنصّ المادة على أن: "لرئيس السلطة الوطنية في حالات الضرورة التي لا تحتمل التأخير في غير أدوار انعقاد المجلس التشريعي، إصدار قرارات لها قوة القانون، ويجب عرضها على المجلس التشريعي في أول جلسة يعقدها بعد صدور هذه القرارات وإلا زال ما كان لها من قوة القانون، أما إذا عُرضت على المجلس التشريعي على النحو السابق ولم يقرها زال ما يكون لها من قوة القانون".[2]

يبدو الحديث القانونيّ –الذي ستخوض المادة في سؤالاته وأبعاده اضطرارًا- انحرافًا عمّا يعرفه جلّ الفلسطينيين عن طبيعة القضية مثار البحث، وهي الطبيعة السياسية، فالقانونيّ في حالتنا هو الرداء الذي تستتر تحته قضايا السياسة، ومواجهة الأسئلة العارية أدعى للوصول إلى الجوابات الصحيحة؛ غير أنّ الوصول إلى نقطة الالتقاء مع السؤال الصحيح قد تستدعي –اضطرارًا مرةً أخرى- الانشغال بكشف الستار الذي يتلبّسه.

كما أن الانشغال بالسؤال القانونيّ هو واحدٌ من أعراضِ حالة السلطة المتأسّسة لا على التحرير، بل على الاتفاق مع قوة الاحتلال المسيطرة على المكان والزمان، والتي انحشر فيها الفلسطينيون جميعًا، كلٌّ بقدره، حتى فَرَضَت أسئلتها ونقاشاتها على المجال العام، الذي يُفترض فيه أن يكون مجالًا ثوريًّا لا دولانيًا.

في المادة 43 التي استندت إليها السلطة التنفيذية في إصدار ما يزيد عن 400 قرار بقانون منذ 2007 وحتى اليوم[3]، استشكالات قانونية من جهات عدّة، فالنصّ الذي يبدو مانحًا لرئيس السلطة قوة التشريع، يحمل خلاف هذا المعنى في تأكيده على أن ما يصدره الرئيس هو "قرار يحمل قوة القانون" أي أنه في ذاته ليس قانونًا بل حاملًا لهذه القوة المؤقتة في "غير أدوار انعقاد المجلس التشريعي"، والمنتهية بانعقاده، والمحتكمة إلى حالة "الضرورة التي لا تحتمل التأخير"[4].

وحالة الضرورة التي لا تحتمل التأخير تعرّف بأنها "الحالة التي تنتج عن توافر ظروف فجائية أو حالات شاذة أو خطر داهم يحدق بالوطن، بحيث يتعذر دفع هذا الخطر بالوسائل القانونية العادية، مما يضطر الإدارة إلى اللجوء إلى السلطة الاستثنائية، بصفتها الإجراء الوحيد الذي لا بدّ منه للتغلب على هذه الظروف الشاذة .." [5]

وبنظرة سريعة إلى القرارات بقانون التي صدرت خلال سنوات تعطيل المجلس التشريعي يظهر انعدام حالة الضرورة، من ثلاث جهات: أولها: مضامين هذه القرارات التي يتعلق كثير منها بقضايا عادية تفتقر إلى أدنى درجات الضرورة والاستعجال، وثانيها: صدور قرارات بقانون دون تنفيذها وهو ما لا يُتصوّر معه ضرورتها ولا استعجالها، وثالثها: الكم الكبير لهذه القوانين، فبينما أصدر المجلس التشريعي الأول للسلطة الفلسطينية الذي استمر 10 سنوات (1996-2006) 90 قانونًا فقط [6]، بمعدل 9 قوانين خلال العام، مع كونها قوانين أقرت في ظرف عاديّ يُعتقد معه أن أغلبها قوانين عادية لا تقيّدها الضرورة؛ بلغت القرارات بقانون التي أصدرها أبو مازن خلال 16 عامًا 400، بمعدل 25 قرارًا بقانون في العام، وهو ما يؤكد انتفاء أي شكل من أشكال الضرورة في حدودها الدنيا، لا القصوى.

 

محكمة في الخدمة

يظلّ غياب المجلس التشريعي الحجّة الأساسية للسلطة التنفيذية في استئثارها بسلطة التشريع دونه، وهو المخوّل بها، غيرَ أنّ تعطّل المجلس التشريعيّ، أو تعطيله، انتقل في 22 كانون أول/ ديسمبر عام 2018 خطوة إلى الأمام بعد قرار المحكمة الدستورية حلّه. [7]

حَلُّ المجلس التشريعيّ اتكأ على خطوة سابقة كانت السلطة التنفيذية قد أقدمت عليها، وهي تأسيس أول محكمة دستورية عليا في فلسطين بقرار رئاسي في 31 آذار/ مارس 2016 [8]وقد شاب تشكيل المحكمة من حيث قراره الأساسي، وإجراءاته، والظروف التي نشأ فيها، ثم القرارات التي انبثقت عنه، كثيرٌ من الاستشكالات القانونية الصّرفة التي تقدح في قانونية التشكيل، وأخرى واقعية ترى تشكيل المحكمة في ظرف كالذي أسست فيها تغولًا للسلطة التنفيذية وتكريسًا للانقسام.

فمن ناحية قانونية، وجهت ثلاثة انتقادات رئيسية لقرار تشكيل المحكمة الدستورية، أولها أن هيئتها أقسمت اليمين بغياب رئيس المجلس التشريعي، خلافًا لقانون المحكمة والقانون الأساسي، وثانيها غياب مبدأ الاستقلالية والحيادية عن المحكمة الدستورية مع طغيان حضور لون سياسي معيّنٍ فيها، وثالثها الآراء السابقة المنشورة في الإعلام التي أدلى بها رئيس المحكمة قبل توليه منصبه -والتي تحوّلت بعد توليه إلى قرارات- مثل كون المجلس التشريعي قد انتهت ولايته المقرَّرة دستوريًّا، وأنه "يجزم" مسبقًا حسب تصريحاته بأن من حق الرئيس رفع الحصانة عن عضو المجلس التشريعي، وأن حالة الضرورة تمنح الرئيس صلاحيات شبه مطلقة. [9]

أُسّست المحكمة الدستورية حينها، ورأت المؤسسات الحقوقية أن الأصل ألا يكون تأسيسها مبنيًّا على محاصصة سياسية يسعى من خلالها أي حزب أو جهة سياسية للسيطرة على هذه المحكمة"، وأن يكون تشكيلها خطوة لاحقة تتوج إعادة الحياة الدستورية المتمثلة بإجراء الانتخابات العامة (الرئاسية والتشريعية) وإعادة توحيد القضاء الفلسطيني[10]. غير أنّ شيئًا من هذا لم يتحقق، وانضمت المحكمة الدستورية لترسانة السلطة التنفيذية التي كرّست هيمنتها على السلطات الثلاث، فانفردت بالتشريع والتفسير والتنفيذ، وكان من قرارتِها أولًا منح الرئيس حق رفع الحصانة عن نوابِ المجلس التشريعي [11]، ثم قضت بحلّ المجلس التشريعي جملةً في 2018، في خلاف لنص القانون الأساسي الذي "لا يُجيز حل المجلس التشريعي على الإطلاق حتى في حالة الطوارئ". [12]

 

ما لم يتبقَ من القضاء

تبدو المسارات المتشابكة لتعطيل المجلس التشريعي ثم حلّه، وتشكيل هيئات قضائية داعمةٍ للسلطة التنفيذية، وتكريس القرار بقانون قانونًا وحيدًا في البلاد؛ تعبيرًا واضحًا عن تبعيّة القانونيّ للموقف السياسيّ في الحالة الفلسطينية، بحيثُ يؤسّس الموقف السياسي للسلطة الوقائع على الأرض وفقًا للتقدير السياسيّ، ثمّ تُستدعى الخِلَقُ القانونية لتتغطى بها المواقف السياسية، فالقانون الذي يفترضُ أن يؤسس المسار العملانيّ ويضبطه، تحوّل إلى تابعٍ يُشوَّه ويعاد تشكيله لتغطية الموقف السياسي ومنحه الشرعيّة.

ضمن هذا الإطار، يمكن فهم القرارات بقانون المتعلقة بالقطاع القضائي التي صدرت عامي 2019، و2020، والتي أعادت تشكيل مجلس القضاء الأعلى أولًا، ثمّ منحته سلطاتٍ إضافية كحقه في إنهاء خدمة القاضي خلال السنوات الثلاث الأولى، ومنحه صلاحية إصدار نظام يُبين القواعد العامة لمدد الخبرات الإضافية ونوعها اللازمة للتعيين في كل درجة، وإجازة ندب القضاة للأعمال غير القضائية، وتخويل رئيس مجلس القضاء الأعلى (ضمن شروط معينة) بحق عزل القضاة، وبدا القرار بقانون مفصّلًا على مقاس رئيس المحكمة العليا/ رئيس مجلس النقض، الذي استثني من بند يمنع من تجاوز السبعين من البقاء قاضيًا. كما منحت التعديلات رئيس السلطة حق تعيين رئيس المحكمة العليا/ محكمة النقض وقبول استقالته، وأدخلت السلطةَ التنفيذية في إجراءات متعلقة بالقضاء من خلال مصادقة الرئيس على استقالة القاضي رفقة رئيس مجلس القضاء الأعلى. [13]

مسّت هذه التعديلات قضايا جوهريّة ومركزيّة متعلقة بالقضاء، فقوّضت ما تبقى له من استقلاليّة، ومنحت السلطة التنفيذية هيمنةً عليه بنص القانون مهدرةً مبدأ الفصل بين السلطات، وحرمت القضاة من الاستقرار، وعزّزت من تفرّد رئيس مجلس القضاء، ووفّرت الأرضية الملائمة لإعادة تشكيل المحاكم وفق ما يوافق رؤية الطبقة المهيمنة.

في 2022 أصدر الرئيس قراراتٍ بقانونٍ جديدة متعلقة بالقضاء، تعدل قوانين الإجراءات الجزائية والمدنية، وقانون التنفيذ، واشتملت القرارات بقوانين وفق مؤسسة الضمير على انتهاك لمبدأ الرقابة القضائية من خلال منح القاضي صلاحية توقيف المتهم غيابيًّا لوجود قوة قاهرة.. وانتهكت مبدأ المساواة المكفول بالقانون الأساسي، من خلال تمييزها معاملة الموظف العام خاصة أفراد الضبطية القضائية الذين اقترفوا جرائم، ومنعت إحالتهم للمحاكمة دون إذن خطي من النائب العام، إضافةً لرفع رسوم المحاكم، الأمر الذي يُعد عائقًا أمام الحق في الوصول للعدالة، وإلى غير ذلك من الملاحظات. [14]

 

الحراك .. الفرصة

لم تكن القرارات الأخيرة إلا انسجامًا مع السياق العام للحالة "القانونية" في الضفة الغربية، لكنّ الذي بدا خارجًا عن السياق هو الحراك القوي والممتد لنقابة المحامين، والذي انضمت إليه 16 نقابةً وحراكًا شعبيًا [15]، ومع أن الحراك انحصر في مطالب محدودة متعلقة بالقرارات التي صدرت في 2022، وانتهى بإلغائها وحدَها، بقرار بقانون آخر، دون أن يستطيع أن يمسّ جوهر الحالة التي تتكرّس فيها سطوة السلطة التنفيذية، ويُهمشّ معها حضور السلطتين الأخريين، أو يعاد تشكيلهما بما يخدم السلطة التنفيذية؛ إلا أنّه لم يكن ينتظر لحراكٍ محدود لا تنخرط فيه قطاعات واسعة من الشعب الفلسطيني أن يفضي إلى إصلاح خلل بنيوي عميقٍ ومخدومٍ وممتدٍ في الزمان.

غير أن حراك نقابة المحامين يُظهر إمكانيّات المجتمع، وطاقته الكامنة، وقدرته على العمل المنتج الفعّال -وإن بحدود ضيقة- في حال توافر حالة منظّمة جامعة، وإمكانية تراجع السلطة السياسية عن تموضعها في حال توافر هذه الحالة، كما يُظهر غياب النجاعة عن مسارات المعارضة الكلاسيكية التي بذلت فيها سنواتٍ طويلة، وإمكانية العمل خارجها لتوفير بيئة أكثر صلاحية لخلق حالة وطنية جامعة.

 يلي ذلك إصلاح كثير من المسارات والخطابات المتعلقة بالحالة الفلسطينية، والتي استسلمت لحالة السلطة التي أقيمت تحت الاحتلال، واغترت بمؤسساتها، وعَلِقَت في توجهاتها ونقاشاتها، وتراجع بسبب ذلك حضور الثوري لمصلحة الدولانيّ بأبعاده السلطوية والقانونية، وغاب عن المخيال إمكانيات العمل من خارجه، فكانت مثلًا الدعوة إلى إجراء الانتخابات الخطاب الأساسي لقوى المعارضة طوال سنواتٍ طويلة، وخلال ترتيبات الانتخابات التي كان من المقرر أن تعقد منتصف 2021، جُمّعت كلّ الخيوط في يد السلطة، التي لم تتوانَ عن سحب البساط من تحت أرجل الجميع، وتأجيل الانتخابات استنادًا لتقديرات حزبها الداخلية.



[1] https://bit.ly/3SRHERn

[2] https://bit.ly/3AAQWKn

[3] https://bit.ly/3T1O0On (أحصى الكاتب 177 قرارًا من موقع الجريدة الرسمية منذ 2006 حتى 2017، بينما لم تدرج البقية) https://bit.ly/3Ke8JKD

[4] file:///C:/Users/A.K.C/Downloads/1849-7601-1-PB.pdf

[5] https://bit.ly/3Ab2HWv

[6] https://bit.ly/3pyYWFz

[7] https://bit.ly/3K8fFJo

[8] https://bit.ly/3AARekr

[9] https://bit.ly/3AA4FkQ

[10] https://bit.ly/3cc1maa

[11] https://reut.rs/3ACoIix

[12] https://bit.ly/3TiTSD5

[13] https://bit.ly/3T8jEJM

[14] https://bit.ly/3QH6CBp

[15] https://bit.ly/3QGQNec