من وحي كتاب الحافلات تحترق.. حسن سلامة .. امتداد المسيرة وصناعة الاستثناء

من وحي كتاب الحافلات تحترق.. حسن سلامة .. امتداد المسيرة وصناعة الاستثناء
تحميل المادة

 خلال السنوات الماضية، صدرت مجموعة من نصوص السير والمذكرات لعدد من إسلاميي فلسطين مؤسسين وكوادرَ، لتوفّر مصدرًا رئيسيًا لتأريخ تجربة الحركة الإسلامية المعاصرة في فلسطين وفهمها، خصوصًا وأن الوثائق الأساسية لهذه التجربة اندثرت، لا سيما مع دخول نشاط إسلاميي فلسطين مرحلة السرية. لكنّ ما كان يلحظ في الماضي القريب من ندرة سير إسلاميي فلسطين ومذكراتهم لم ينعكس في كثير من الأحيان على تدوينهم لتجربتهم العسكرية. إذ اعتنت أطيافهم المختلفة بتسجيل جزء رئيسيٍ من تجربتهم العسكرية، متجاوزين في سبيل إحياء فقه الثورة -والتعبير لإبراهيم حامد- والمقاومة والتمرد على الظلم والانتصار للحق، بعض الموانع التي كنت سببًا في ندرة المذكرات العامة، كخشية الرياء. كتب يحيى إبراهيم السنوار في حزيران/ يونيو 1991، من عزله في سجن الرملة مختتمًا كتابه "أشرف البعلوجي":

"اعتذر للفارس أشرف أبو حمزة، الذي كتبت عنه ما كتبت رغمًا عنه، وهو يحاورني حتى اللحظة الأخيرة محاولاً أن يثنيني عن الكتابة خشية أن ينقصه ذلك شيئًا من أجره عند ربه، وشعورًا بالتقصير في دينه ووطنه وأمته، ولأني دون شك لم أستطع، ولن، أن أعبر عن تلك المعاني والمشاعر العظيمة التي تُقدم لينعشها فارسنا الحبيب على وجه التاريخ والمرحلة".

لهذا لم يكن استثناءً، أن يقدم الأسير حسن سلامة بعد شهور قليلة من أسره مذكراته، "عمليات الثأر المقدس"، وقد كتب سلامة آنذاك عن دافعه في نشر النص: "السبب الرئيسي باقتناعي بفكرة الكتابة [...] أن هذا العمل ملك للحركة، وملك لفلسطين، ومن حقّ الجميع الاطلاع على ما حدث، وخاصةً بعد أن أصبح ما حدث مكشوفًا تمامًا، وأيضًا هو شيء بسيط أقدمه لإخواني الذين عشت معهم فترة العمل". ورغم تقادم الزمن على نص سلامة، إلا أن استعادته في مثل هذه الأيام في طبعة جديدة صدرت عن قسم التاريخ العسكري في كتائب القسام، بعنوان "الحافلات تحترق .. عمليات الثّأر المقدّس للشهيد المهندس يحيى عيّاش" بتقديم جديد، كانت دافعًا لقراءة جديدة، خصوصًا وأن النص متجدد ومستمر باستمرار مقاومة أهل فلسطين للمشروع الاستعماري الممتد على أرضهم، وبتجدد الروح المبثوثة في ثنايا الكتاب في هذا الزمن.

الأسير حسن سلامة داخل سجون الاحتلال

 

بين الاستمرارية والاستثناء

نشأ حسن عبد الرحمن سلامة وترعرع في خان يونس، وشكّل مخيمُها وعيه الأول، إذ إن المخيم، كان وما زال دليلاً ماديًا على مجريات احتلال فلسطين في حرب 1947-1949، وكذلك دليلاً ماديًا على مقاومة أهلها للمشروع الاستعماري الصهيوني، ولم تكن لحظة "المخيم" المقاومة، مقتصرةً على لحظة "الثورة" الفلسطينية المعاصرة، وإنما كانت لحظةُ الثورةُ هذه امتدادًا لمسار طويل من المقاومة المستمرة التي لم تتوقف، خصوصًا عند الحديث عن مخيمات بقية فلسطين. ولكن سلامة أثبت في كتابه معالم ماديةً أخرى حفرت في وعيه إثر الاحتلال، حينما تحدث عن احتلال المستوطنة لملعب صباه، عند احتلال بقية فلسطين إثر حرب حزيران/ يونيو 1967، وهو ما جعل المسافة صفريةً بين أهل فلسطين جميعًا والمشروع الاستعماري الصهيوني الممتد.

ولد سلامة في آب/ أغسطس 1971، وغزةُ آنذاك تتصدر أخبار المقاومة اليومية المسلحة للاستعمار الصهيوني، وبالذات بعد حوادث أيلول/ سبتمبر 1970 التي انعكست بشكل جلي على قدرة المقاومة المسلحة في مناطق فلسطين الوسطى. كما أنه حمل اسم واحد من أبرز القادة العسكريين الفلسطينيين، الذي قاتل المستعمر البريطاني فالصهيوني واستشهد في ذروة معارك حرب 1947-1949، الشهيد حسن علي سلامة، وكان لهذا التطابق في الأسماء، كما يبرز كتاب سلامة، أثره في تطابق الطرق. يقول سلامة:

"قصة جميلة كان لها الأثر الكبير على حياتي وما زالت، فقد كنت من بين الأشبال المدللين من قبل الشباب الكبار، ووفق ما يبدو أنهم كانوا على أمل أن أكون في المستقبل صاحب شأن. أما القصة ففي أولى جلسات المسجد، وأثناء جلوسي برفقة مجموعة من الأشبال حول أحد الإخوة البارزين في المسجد، يعطينا درسًا تربويًا، ويروي لنا قصة أحد الشهداء العظام، وبعد الانتهاء من سرد هذه القصة أخبرنا أن هذا الشهيد اسمه حسن سلامة، فأدركت حينها مقصده، ما جعلني ارتبط بقوة بهذه الشخصية، وتولّد في داخلي حب كبير أن أصبح مثله".

وبهذا فإن سلامة عندما التحق بالمقاومة المسلحة للاستعمار الصهيوني كان على أكثر من وجه امتدادًا لمسيرة ممتدة لعقود من الزمن، وعندما ارتحل سلامة من القطاع طلبًا للأمن والخبرة والتدريب عام 1992، ورث جزءًا أساسيًا من التجربة العسكرية الفلسطينية السابقة، وكذلك جزءًا أساسيًا من الصلات العابرة للحدود التي ابتدأها مستضعفو الأرض خلال السنوات السابقة، فكانت خبرة سلامة التالية، التي انعكست في عملياته الأخيرة، استمرارًا لهذا المسار الطويل أيضًا.

حسن سلامة الأول

حسن سلامة، أحد قادة الثورة الفلسطينية الكبرى 1936 - 1939، واستشهد أثناء حرب النكبة سنة 1948

لكن هذه الاستمرارية لا يمكنها أن تَحجب "استثناء" حسن سلامة الثاني، كما كان الشهيد سلامة "استثناءً"، ويشترك سلامة مع رفاق دربه، ممن حفظ كتابُه بعض سيرتهم، في هذه الاستثنائية والفرادة، كتب سلامة عن لحظة عودته لقطاع غزة:

"المجاهد في بلاده سجين .. بالفعل كان قطاع غزة يمثل لنا سجنًا من الصعب التنقل أو التحرك خلاله، إضافةً إلى عيون السلطة التي ما برحت تلاحقنا، فقد كانت تعدُّ علينا أنفسانا، ولا تتردد أو تتأخر في القبض علينا لحظة الشك أو تقديم تقرير من أحد عيونهم ضد أحد إخواننا حتى وإن كان كيديًا، فكانوا يعتقلونه ويخضعونه لتحقيق قاس يفقد خلالها المحقق إنسانيته ووطنيته، وبعد انتهاء جولة التحقيق هذه يُلقى به في الزنازين أو ينقل إلى السجن مدةً من الزمن قد تطول أو تقصر، دون أي التزام بجانب قانوني أو إنساني".

كان "استثناء" سلامة الأبرز، أنه وإخوانه أصحاب مبادرة، سواء على المستوى الفردي عند العمل، وهذا ما ظهر جليًا في مبادرة سلامة وإدارته لملف عملياته بعد خروجه من قطاع غزة، أو على المستوى العام، إذ إن سلامة ممثل لثلة من الرجال -ولعل حسن من أبرزهم- رفضوا مسار أوسلو بالدم، وكانت دماؤهم وعذاباتهم ثمنًا لإعادة ضبط البوصلة. وهنا تبرز قيمة استثنائية لكتاب سلامة، ولإعادة طبعه الآن، إذ إن جل الجيل الجديد لم يعاصر هذه التجربة، وإن كان ما زال يكتوي ببعض نيرانها، لكن هذه النيران لا يمكن أن تشبه النيران التالية لأوسلو، الذي كوى وعي كثيرين ممن صار لديهم هذا المسار مشروعًا وطنيًا، دفعهم لحصار سلامة وإخوانه، من رفاق السلاح سابقًا.

فعل سلامة الأخير، خصوصًا عملية الثأر الثالثة، كان مسمارًا آخرَ في نعش مسار أوسلو، بعدما دق الشهيد عياش ورفاقه مسامير كثيرة، وكانت هذه العملية النهاية الفعلية لهذا المسار، وإن احتيج إلى سنين تالية ليُعلن عن ذلك. فالدم الذي ضُخ في الثورة الفلسطينية عندما قادت هذه الثلة دفتها، أثمرت روحًا استشهاديةً ما زالت ظلالها مُعاشةً، روح -وهنا عودة من جديد للاستمرارية- سبق وأوجدها دم الشهيد عز الدين القسام وإخوانه الذي كان ثمنًا لقطع تردد أهل فلسطين آنذاك بين الكفاح المسلح للمشروع الاستعماري البريطاني، والاستكانة والمهادنة.

كتب أحدهم في تشرين الثاني/ نوفمبر 1936 منذ سنين طويلة عن مثل هذه الروح في مقالة نشرتها صحيفة مرآة الشرق:

"ونحن الذين نسجّل حوادث الزمان لا يجوز لنا أن نغفل ما كان لثورة القسام من أثر كبير في هذه الثورة. زرَع القسام بذرةً في البلاد لم يكن أحد يعلم أنها ستنمو بمثل هذه السرعة، ومع ذلك نمت بسرعة عجيبة. وقد كان لتلامذة القسام يد كبيرة في الثورة، وهم الذين غذّوها بدمائهم. تصوّر رجلاً من تلامذة القسام كان إذا رجع من معركة سالمًا يجلس يبكي كالنساء، فإذا سُئل لماذا تبكي؟ يجيب: أبكي لأني لم أُقتل بهذه المعركة لألتحق بشيخي القسام. مثل هذه الروح الجديدة لم يكن للبلاد عهد بها قبل قيام القسام واستشهاده بالصورة التي يعرفها القارئ. ولْيتصور القارئ رجلًا آخر من تلامذته يزحف على يديه ورجليه مختبأً هنا وهناك ليفتك بسواق إحدى الدبابات، حتى إذا اقترب من الدبابة ورآه السائق وعلم أنه لا بد من موته، يهجم على الدبابة بالحجارة الكبيرة غير مبال بالرصاص الساقط عليه من كل جانب فيحميه الله وينقذه إخوانه الذين شاهدوه في هذا الموقف الصعب، ولا يرجع حتى يكون قد فتك بالسائق. وهل هناك قوة تستطيع أن تقتل مثل هذه الروح؟ هل هناك قوة تستطيع أن تلاشي تلامذة القسام من البلاد؟ هي بذرة نمت في كل الأوساط العربية وتلامذةُ القسام يتعهدونها لكي لا تموت".

مرآة الشرق

عنوان مقالة في صحيفة "مرآة الشرق" 7 تشرين الثاني/ نوفمبر 1936

الروح الاستشهادية التي تغذت خلال سنوات التسعينيات على كثير من دماء الجند والقادة والاستشهاديين، وكان عياش مصدرها الأول، يمكن أن تُلحظ في ثنايا الكتاب، في المبادرات التي قادت مسار عمليات سلامة، وتتجسد بشكل جلي في حكايات سلامة مع الاستشهاديين الطلبة، الذين كانوا النواة الأصلب في معارضة مسار أوسلو.

 

الوفاء

شكّل نص سلامة، كما جلّ نصوص السِّيَر التي وثقت تجربة مقاتلي الإٍسلاميين الأوائل، نموذجًا عاليًا للوفاء، ولعلّ "الوفاء" أحد أبرز الدوافع لكتابة مثل هذه النصوص، كتب سلامة في تمهيده للطبعة الجديدة من كتابه، مبرزًا دوافعه للتأليف، بالإضافة لما أُثبت أعلاه:

"كما أنه شيء بسيط أقدمه لإخواني الذين عشت معهم مدة العمل، ومنهم من كان مدرسي ومعلمي وقدوتي، كالشهيد المهندس يحيى عياش، الذي هو صاحب الفضل الأول بعد الله فيما حدث؛ لأنه هو الذي خطط لعمليات الثأر لنفسه.

لذلك أتمنى لهذا العمل أن يرى النور؛ تخليدًا لذكرى استشهاد المهندس، وتكريمًا لإخوة وشهداء آخرين، وقفوا بجانبي وساعدوني ولم يبخلوا بشيء، من أجل إتمام العمل، أمثال الشهداء الأبطال محيي الدين الشريف، وعادل عوض الله وأخيه عماد عوض الله، الذين اختارهم الله شهداء عنده، واختارنا لنكون ممن ينتظر بإذنه تعالى، إضافة لإخوة آخرين شاركوا في هذا العمل، بل وهم أساسه، وهم الشهداء الذين قاموا بتنفيذ العمل، وهم الشهداء العظماء، مجدي أبو وردة، وإبراهيم السراحنة، ورائد الشغنوبي".

 

عن معاني السجن!

أخيرًا،

يبرز النص سيرةً ثانية للسجن وللأسرى، إذ يقدم الأسرى بوصفهم رجالاً منتصرين دائمًا، فالسجن الذي وجد لكي وعي الثوار وذويهم، وقهر من بقي منهم، لا يَبرز في النص إلا محطةً من محطات الإعداد والتجهير، فكل خطوط إسناد سلامة بعد انقطاع خطوطه الرئيسية مع قطاع غزة، لم تكن إلا ثمرة من ثمار سنوات سجن سلامة السابقة.

لكن يبقى السجن سجنًا،

ويبقى من الأسى أن يعاد نشر الكتاب بعد عقدين من الزمن تقريبًا، وصاحبه ما زال أسيرًا، ولعل هذا انتقام "أوسلو" و"أهلها" من سلامة وإخوانه، على ما قدموا وبذلوا في سبيل أن لا يصيروا وإخوانهم سجانين جددًا، وأن يحفظوا بدمائهم وعذابتهم وانتظارهم سلامةَ الشهيدَ ومن سبقَهُ، مسيرةً وسيرةً لا تموت.