التّقويم الفِلاحي: ذاكرة الأرض والإنسان

لفلسطين وَعُموم بلاد الشّام تَقويمها الشّعبي الذي يَعتَمِدُ دَورة الفِلاحة، وهو تقويم قديمٌ قدم الحضارة، وجذوره عتيقة مُرتبطة بالبدايات الأولى للحياة على الأرض، إذ حَرِصَ الإنسان على وعي الزّمن وضبطه ليصوغ حياته وفقًا لدورته، وقد تكثف هذا الاهتمام بالزّمن وضبطه عبر تقويم فِلاحي منذ تَحوِّلِ الإنسان إلى الزراعة قبل أَكثر من عشرة آلاف عام، وقد ظل التّراكم في هذا التّقويم والتّطوير عليه مُستمرًا حتى استقر على ما نعرفه عليه، وتوجد نُقوشٌ حَجرية وَنصوصٌ مُتفرّقة تُشيرُ إلى قِدَمه وَعتاقَتِه، وَلعلَّ مما وصلنا مَكتوبًا عن هذا التّقويم نَقشُ "تل الجزر" والذي فيه ما يُعقَتدُ بأنه روزنامة زراعية مكتوبة تعود إلى القرن العاشر قبل الميلاد، وفيه ذكرٌ لمواقيت الزّراعة والفلاحة حَسب الشّهور.[1]
يُجسّد هذا التّقويم الشّعبي الإرث الثّقافي والهوية الحضارية لفلسطين وأهلها، الأمر الذي يجعل منه ذاكرة حيّة وَخزانًا مَعرفيًا ضَروريًا للفلسطينيين لتَعزيز دَور مُقاتِلهم في معرَكَتُهم ضد وحوش العصر وَمجرميه الذين ينحاز لهم كل الظلمة وأرباب الاستعمار، ولذا فإن وَعيَ هذا الإرث الثّقافي مهم لإدامة الاشتباك ومواصلة التّدافع حتى تنتصر الفطرة السّليمة وَتسترد الإنسانية عافيتها في المعركة ضد مُخربي الفطرة وناهبي القارات.
● ثقافة بلاد كنعان
مما يُمكن قوله عن التّقويم الفِلاحي أنّه مِنْ أَجَلِّ العلوم وأكثرها أهميةً في بلادنا في ما مَضى، والعلم فيه مُتوراثٌ وَمكتَسَبٌ بالفطرة بلا تكلفٍ أو إلزامِ حِفظ، رُغمَ كَونِه يَحمِلُ مَعرفَةً عَميقةً بِعِلمَيِّ الفلك والجُغرافيا، حتى صَح فيه قولنا: أنّه كَثافة معرفة "كنعان" الأرض والإنسان، وَمِن خلاله يُمكننا أن نَلمَحَ شَيئًا من بقايا أَثَرِ الأَجداد وَثقافتهم في بلادنا، وَسرُّ بساطة هذا التّقويم وَيُسرهِ أنّه مُمارسٌ وَمتكرِرٌ سَنويًّا، وهو مُرتَبِطٌ بالثّقافة الشّعبية بما فيها من أقوال وأمثال وَتشبيهات، ولذا يَسهل حفظ مواقيته ووعيها.
وقد هالني في تتبعي لهذا التّقويم ومحاولة توثيقه أنَّ أَعْرَفَ النّاس به هُم الذين لم يُفسِدهم التّعليم الغربي، وبقيت حياتهم أقرب إلى حياةِ آبائهم وأجدادهم من حيث اعتمادهم على الزّراعة التّقليدية ورعي الأغنام، لأنّ هذا التّقويم كان وسيلتهم الدّقيقة لمعرفة المناخ وحالة الجو ومواقيت الفلاحة، وفيه حِسبَةُ السّاعات وقسمة الأيام وضبط الأوقات، وهو بابهم لمعرفة مواعيد زراعة الحبوب والثمار والأشتال والأشجار، ومتى تكون مواسم الجني والحصاد، حتى أنّ أهل بلادنا استخدموه في ما مضى على إطلاقهم مُسلمهم وَمسيحيهم، مَدنيّهم وَفلاحهم، حَضَرَهم وَبدويَّهم، ولذا تجد في تتبعك لهذا التّقويم شَيئًا من ثقافاتهم المَحلية بما فيها من عادات وطقوسٍ واعتقاد.
والمعرفة العامة في التّقويم الشّعبي هي بِنتُ التّجربة المُمتدة للحياة في بلادنا والتي تكونت بفعل التّراكم الحضاري مُنذ آلاف السنين، كَقولهم مثلًا: إذا طلعت شَمسُ الشّتاء وفيها حُمرة وَسواد دَلَّ ذلك على المطر، وإذا قاربت الشّمس ناحية الغروب وكان قريبًا منها سَحائبٌ فينبغى أن تتوقع المطر، وإذا كانت الغيوم في سماء الشتاء سوداءٌ كثيفة فتلك من علامات الغيث، وإذا سارت السُّحب ببطءٍ شديد فإن ذلك دليل كثرة مائها، وكذلك الحال مع قوس قزح وظهوره، فَطلوعه في الصباح يعني صفاء الجو وقلة مطره، وإن كان ظهوره مع العصر ففيه التّحذير من مطرٍ واقعٌ لا محالة.[2]
ولكل منطقة جغرافية خصوصيتها وَمَنْطِقُها المُختلف في رصد الفلك والأحوال وربط ذلك في تقويمها الشّعبي، فما يصلح لأهل الساحل غير ما يصلح لأهل الغور، بل إنّ كل منطقة ربطت علم الفلك بالجغرافيا التي تحيط بها، فَمثلًا يتتبع أهالي عقربا في جنوب نابلس اقتران نَجميّ الثريا والميزان، فإذا اقترنا معًا فوق سماء الغور استبشروا بالمَطر وأنه يوشك أن يَهِلَّ رغم تأخره فَيدُركون من موسمهم ما تأخر، وحين يتأخر المطر ويقترب شهر شباط فإنهم يُراقبون غياب الميزان وظهوره غَربًا عند قمة جبل الرّاس (قَرِنْ قَبَلان) وساعتها يَقتَصِدون في نَفَقتِهم وَيُدرِكون بأن سَنتهم مُمحِلَة وَمطرُها قَليل.
● تقويم سماوي أرضي
إن العربي في أصل مَعيشته يهتمُ بِبناء علاقَته مع المَوطن الذي يَنزله وَيسكن فيه، واعيًا خصائص المكان وتضاريسه وطبيعته، فيعرف مُرتفع الأرض وَمنخفضها وسهلها وواديها وَوعرها وخصبها وموقع عيون الماء فيها، وأي الأرض أسرع لاستقبال الشمس صباحًا، وأيها تبقى الشمس فيها حتى الغروب..الخ، وكي يضبط هذه المعرفة بحث عن سؤال الزمن، وهو الأمر الثاني في وعيه لوطنه ومسكنه، إذ حرص على وعي علم الفلك بما فيه من مطالع نجوم وَحركة غيوم وَمدارت شّمس وَمطالِع قمر، وانتبه للرّياح والأمطار، ولم يهمل شيئًا مما يحدث في المَبْصورِ والمُدرِكِ مِنه في السّماء التي فوقه. ولذا فإن جَوهَر هذا التّقويم يقوم على طبقتان: طَبقةٌ عُلويّةٌ سَماوية وَطبقةٌ دُونيّةٌ أرضية، وَهذا التّداخل (السَّماوي الأرضي) في التّقويم الشّعبي بما فيه من ربط عميق بين الفلك والجغرافيا هو ناتج ثقافات قديمة وَرواسبٌ حضارية غائرةٌ في القِدم، وقد استطاع فلاحو مَنطقتنا عبر الزّمن صياغتها ووضعها في قالب يضبط وينظم وجودهم ويديم استمرار جنسهم على الأرض.
وَبهاتين الطبقتين السّماوية والأرضية شَكِّل فلاحو منطقتنا طريقة حياتهم وَوَطَّنوا ذاتهم مع موقعهم فعاشوا مُتناغمين عارفين طَبيعته مُسْتَقرِّهم، وأين يجب أن يكون مَسكنهم وبيوتهم صيفًا وشتاءً، وَمتى يكون مَوسِمُ زَرعِهم وميقات حصادهم، وأيُّ الثّمار والحُبوب والأشجار أَنضَج وأخصب وأصلح لتربة بلادهم، وأيُّ الطّرش والبَهم أَصلَحُ للاقتناء والتربية.
وفوق ذلك فقد استدعى العربي دلالة القداسة لمسكنه وموضع إقامته - سواءٌ كان منبع القداسة اعتقادًا دينيًا أو وجدانيًا أو أسطوريًا أو لصلة الموقع بأثر الأسلاف- وألبس هذا المسكن والموقع ثوب هويته وثقافته، ثُمّ أدخلها في صلب التّقويم الذي يَعتمده، والذي فيه خارطة السّماء وجغرافية الأرض، ولذا نجد في التّقويم الشّعبي مكونات لا تنفك عن بعضها، وقد ترجمها في التّقويم من خلال مُعتَقده ولسانه الذي عَبّر عنها بالوَصف والقول، حتى صَح الزّعم بأن المنطوق من نَظمٍ وَمَثل عن هذا التّقويم هو ثالثة الأثافي في هذا التّقويم، فلا يَسهلُ الفَصل بينهما ونزع أحدهما عن الآخر، ذلك أنّ المثل الشّعبي والقول المأثور في وصف التّقويم هو ما يَضبطه وَيُبينه وَيَصِفُه وَيُوضِحُه.
وهذا التّقويم لا معنى له من غير التَّعبير عنه ووصفه ليكون محسوسًا ومفهومًا، فهو ظاهرٌ بائن للنّاس من خلال ما يُوصف به من مثل سائر وقول دارج، وهو مع ذلك فيه الظاهر والكامن، فالظاهر الصريح لنجده في رصد الزمن وَتقسميه وذكر أوقاته كقولنا أربعينية الشّتاء وخمسينية الشّتاء ونحوه، لكن الكامن فيه هو جوهر التقويم إذ يضبط علاقة الإنسان مع الأرض وينظمها وفق دورة حياة الطبيعة.
ولذا فإن من صواب القول إنه لا معنى وازن للتّقويم الشّعبي ولا لوعينا وإحاطتِنا بعلم الفلك دون أن يكون انعكاس ذلك وترجمته مُنطبق على الجغرافيا التي نعيش عليها، فالأرض هي نقطة الارتكاز في هذا التّقويم ومحوره وكل أمره، وما خُلق في مبتدئه إلا ليضبط علاقتنا معها، ثُمّ إنّه لا معنى لكل ما سبق من غير ثقافتنا الشّعبية المحكية التي استطاعت أن تُعبر عن التقويم ومواقيته وتنظمه وفق جميل منطوقها ومنظومها حتى صار التّقويم كله كامن في الأمثال ومؤرخٌ فيها.
● إشْتَا وَقَيظْ
يبدأ التّقويم الفِلاحي في ثقافتنا الشّعبية مع أول شتوةٍ في المَوسِم المَطير والتي تَأتي في آخِر شهر أيلول، وَتُعرَفُ باسم شَتوة المَساطيح[3] وَهي أوّل يومٍ في سَنة الفِلاحَة وَبها تبدأ دورَة الزراعة، ثُمّ تأتي شهور السّنة تباعًا بدءًا من تشرين أول، وفي هذا التّقويم يرصد الفلاح وَيتتبع كل ما يتصل بحركة الشمس والقمر في نظام الفلك الكبير، جاعلًا أثر كل ذلك مُرتبطٌ بمواقيت الأرض ومواعيد زراعتها وإزهارِها. والسّنة في التّقويم الفلاحي تنقسم إلى فصلين أساسيين بشكل عام: (اشتَا وقيظ)، ويتكون الشّتاء من سَبعة أشهر مَطيرة هي: تشرين أول، تشرين ثاني، كانون أول (الأجرد)، كانون ثاني، شباط، آذار، نيسان (الخميس)، أمّا الصّيف فهو من خمسة أشهرٍ تعرف بالقيظ[4] وهي: أيار، حزيران، تموز، آب، أيلول. وبعضهم يجعل لهذين الفصلين الأساسيين (إشتا وقيض) أقسامًا ووحدات أصغر فيذكر مثلًا أن التّشارين هي الخريف (تشرين أول وتشرين ثاني) وَيُسميها الصّيفية الصّغيرة، وَيذكر الكوانين باعتبارها الشّتاء (كانون أول وكانون ثاني)، ويعد شباط وآذار ونيسان باعتبارها (الربيع)، وَطبعًا تختلف هذه القِسمة والتَّسمية من منطقة لأخرى.
وَهذا التّقويم يضبط مواسم الفلاحة والحصاد ومواعيد حراثة الأرض على طول السنة، وهو ما يجعله مُهمًا للفَلاح وأنفع لعلاقته مع أرضه من سواه من المواقيت والتقاويم التي تُعْتَمَدُ فيها التواريخ بثبات أكثر، كما أنه يستند على غيره من التقاويم والروزنامات والمواقيت، ولذا نجد فيه ضبط إيقاع حياة العربي وفق دَورة الطبيعية وبما يخدم علاقته مع الأرض التي تمثل نقطة الارتكاز في معنى وجوده، ولأجل ذلك عمد لتَقسيم الزّمن إلى مجموعات ووحدات وَقتيةٍ وزمنية ثقافية مَضبوطَةٍ ومُتساويةٍ وفقَ معايشتِه ورصده، فَكَوَّنَ روزنامَته السّنوية مراكمًا فيها معرفة متكاملة حَدَّدت له أوقات العمل والعطاء والراحة وأوقات تجديد الاشياء والابتعاد عنها، وَرَبطها بأعياده ومناسباته فَكانَ مُتناغِمًَا مع الطَّبيعة وَمُنسجِمًَا مَع ما يَحدثُ فيها.
وَميّزة هذا التّقويم أنّه مَرنٌ يتحرك بتحرك الأحوال المَناخية والعوامل الجوية ومواقيت المطر، ولذا لا تقول فيه بأن موعد البذار يكون يوم 14 الشهر مثلًا وَتعتمده تاريخًا سنويًا، وإنّما هناك مواقيتٌ مرنة تتماشى مع طبيعة الجو وَما يَطرأ عليه من تقدم أو تأخر للمَطر أو تغيير في الحرارة والبرودة، فإذا تقدم موعدها أو تأخر أيامًا فلا إشكال في ذلك.
والتقويم الفلاحي يحتمل الظن في المواقيت ولا جزم بيقينها، ولذا سُمي الفلاح بـ "أبو الندامة"، فهو نادم إن قدّر هطول المطر فأَمسكت السّماء وراح زرعه وبذره، وهو نادمٌ إن اعتقد محل السّنة فامتنع عن البذر والزّرع فَصبّت السّماء بركاتها وأَخصبت الأرض، في كِليهما يندم ولذا فإنه أبو الندامة. ولذا يبنى التّقويم الشّعبي في أساسه على المشاهدة والإِبصار لا على المعرفة المُسبقة، فما نُشاهده وَنراه رأي العين هو المُحدد في التقويم الفلاحي وَروزنامة الزراعة، لا ما نعرفه مُسبقًا من تواريخ نحفظها، وما لا يُبصر بالعين والنّظر يُقدر تقديرًا في وقته ويومه لا مُسبقًا، والأمر شائع حتى في التّقويم الهجري كما في رؤية هلال رمضان، ففي الحديث: "فإنْ غُمَّ علَيْكُم فَاقْدُرُوا له".
خلاصة القول: يُجسّد التّقويم الفِلاحي خُصوصيّة فلسطين ببعدها الحضاري وطبيعتها الزّراعية، وما اتصفت به من ثقافة لها خصوصيةٌ وَفرادة، ولذا فإن من الأهمية بالنسبة لنا أن نَعي من جملة تراثنا الشّعبي حكاية التّقويم الشّعبي، وَأن نحرسه من التّشويه والتّدمير، وأن نهتم بتوثيقه ورصده والدفع به للناشئة والأجيال، إذ فيه تكثيف معنى فلسطين بغناها وتنوعها الثقافي والإنساني والحضاري. فهذه الثقافة الفِلاحية تنتمي إلى جذر حضاري وليست جهلًا وعبثًا، وفيها تراكم حضاري وإنساني جدير بأن يُفهم، وفوق ذلك فالوطن الذي تنتمي له هذه الثقافة ليس مجرد جغرافيا لها تاريخ مميز يمكن تعويضها بمثلها، الوطن بنية ثقافية متكاملة تَشكلت منا كما تشكلنا منها مُنذ الأزل، فلا يصلح الوطن إلا بنا ولا نصلح إلا به، ولذا نتمسك به تمسكنا بالحياة، وما الموت لنا وله إلا انفكاك أحدنا عن الآخر.
[1] انظر تفاصيل ذلك في: التراث اللغوي الكنعاني المكتوب في فلسطين، د.عصام الحلايقة، تحرير د. حمدان طه. إصدار المكتبة الوطنية الفلسطينية 2024. الصفحات: 117-118.
[2] في الامثال الشعبية يقال: (إن قوست صبحية إحمل عصاة الرعية، وإن قوست عصرية دورلك مغارة دفية)
[3] هناك تسميات أخرى تذكر لهذه الشتوة أو للأمطار الخفيفة التي تتبعها حتى نهاية أيلول ومن هذه التسميات: شتوة الذبانة، شتوة النقطة، شتوة الصليب.
[4] موسم القيظ يبدأ في أصله مع بدء موسم التين المكبر (الدَّيفور) وذلك في أول حزيران، إلا أن القيظ يغلب التمسية على الصيف جميعه.