المقاومة بالحكايات والصمود بالذاكرة: عن حمزة العقرباوي وإرثه

المقاومة بالحكايات والصمود بالذاكرة: عن حمزة العقرباوي وإرثه
تحميل المادة

بعد أقل من أسبوعٍ على رحيله نظمت مكتبة بلدية بيتونيا العامة ورشة في الحكايا للبدء بجمع الإرث الشفوي لحارس الذاكرة والأرض، الحكواتي الراحل، حمزة العقرباوي، خلال الفترة نفسها استحدثت اللجنة الوطنية لمهرجان "عونة" جائرة (حمزة العقرباوي) ضمن المبادرات الثقافية الشبابية للعام الجديد، في ما أطلق محبوه وتلاميذه صفحتي "ذاكرة" و"حكواتية البلاد" على مواقع التواصل الاجتماعية، إحياءً لإرثه وحفاظًا عليه.

هذا الشغف المجتمعي الفلسطيني بميراث حمزة الفكري والتاريخي والإنساني يشير أن الشاب الذي غادر قطار العمر مبكرًا، قد ترك خلفه إرثَا مميزًا، مختلفًا عمن سبقه، ومعينًا للأجيال الفلسطينية اللاحقة في سعيها للحفاظ على تاريخها في مواجهة التجريف "الإسرائيلي" العارم، والإهمال المؤسساتي والرسمي الفلسطيني، وتباعد الأجيال واندثار الإرث والسردية بين الجيل والآخر.

أحاول في هذه المادة استكشاف إرث العقرباوي؛ السياق التاريخي والمعرفي لإنتاجه، وأدواره وتموقعه من منظور المثقف العضوي، ثم نقاط الالتقاء والتباعد بينه وبين مؤرخين فلسطينيين آخرين، في سعيٍ لفهم العقرباوي باعتباره فاعلًا حيًا في بنية علم الاجتماع المقاوم لا ينطق فقط باسم الشعب وإنما باسم حجارة الأرض ونباتاته.

إنتاج العقرباوي: سرد الفلاح وذاكرة الريف

يحتل الريف الفلسطيني موقع المركز وحجز الزاوية في تاريخ المقاومة والنضال، فهو ساحة الاشتباك الأولى مع المشروع الاستعماري الاستيطاني، وعبره تُبنى، سياسات التوسع والسيطرة، ومنه انطلقت الثورات الكبرى من قبيل ثورة 1936، وعلى شبكاته الاجتماعية وجغرافيته اعتمد المقاومون في إمدادهم بالإسناد البشري، والملاذ التنظيمي، والخزان الفكري، وبين جبال ووديانه وكرومه كُتب التاريخ والتراث الفلسطيني، واستُلهمت الأمثال والحكايا والقصص.

لذا كان خروج العقرباوي من هذا المكان، وإصراره على الارتباط به والحديث عنه والإحالة له، إضافة حيوية لإنتاجه، مع ما يحمله الريف وسُكانه من القصص والموروث الشعبي الذي اهتم الفتى باستقائه مباشرة من ألسن حامليه، وتدوينه ونقله دون تقييده وخنقه بأطر البحث الأكاديمي ونظرياته، وأساليبه الحديثة في السرد والتنظيم.

بيئة العقرباوي الأولى التي رفض أن ينفصم عنها وعن مظاهرها رافضًا الانصياع لحالة الحداثة المنتشرة في المجتمع الفلسطيني، إذ تُتعاظم سيطرة المدينة على الريف، والباحث الأكاديمي على الحكاء، والمنهج العلمي على القصة التراثية، والمصطلحات العلمية الاجتماعية على اللهجة الفلسطينية الأصيلة، كانت أول ما ميزه عن غيره، خاصة وأن إيمانه بأن "السرد فعل مقاومة" لم يقترن فقط بالسرد، وإنما بالحالة النفسية والشعورية التي يجب أن يتركها السرد على مستمعيه.

"معارك الفلسطينيين الكبرى كانت توصف بـ "الوَقعات الجَدِّية"- البرقاوي- مؤسسة الدراسات الفلسطينية

لذا كان شديد الالتصاق بلهجة الفلاح وذاكرته " الناس البسطا هدول، هم التاريخ… مش اللي بالكتب"، ونبرة الفلاح "حيوا الضيف"، وهيئة الفلاح "الثوب والعقال والقمباز"، وممارسات الفلاح "قلاية بندورة، شاي ع الحطب" ومواسم الفلاح"، وهو ما منحه امتيازً اختلف به عن غيره، يقول الباحث أحمد عز الدين عن ذلك: " بينما اهتم البعض بالتراث بطريقة فلكلورية، أخرج حمزة التراث من سياق المتحف والجمود، كانت فكرته الأساسية أن هذا جزء أصيل من هويتنا وممارستنا الثقافية اليومية".

ليس هذا فحسب، بل جال "أبو العجائز" على القرى الفلسطينية، جامعًا حكايات عجائزها قبل شبابها، مسابقًا الزمن والموت لتحصيل قصصهم وأمثالهم وحكاياتهم عن المواسم وعلاقتهم بالأرض والمطر، بالحصاد وبالطعام، متتبعًا مناسباتهم، أفراحهم وأتراحهم، مرددًا المثل الإفريقي: "كل شيخ يموت هو مكتبة تحترق".

بهذه الأدوات حدد العقرباوي معالم إنتاجه، قادمًا من الريف بلغة الريف، معتمدًا على الحكاية الشعبية وتجربته المباشرة مع الأرض والحقول والتلال، منطلقًا من أفواه المهمشين وأصوات المغلوبين، مقدمًا الأساطير و"الخراريف" على الحقائق، ومتمترسًا بها جميعًا كأفعال مقاومة خاصة به.

العقرباوي: الحكاء كمثقفٍ عضوي

بالعودة إلى إرث العقرباوي المتزاحم على شبكة الإنترنت، ما بين مكتوب كما في منصات مثل ألترا فلسطين وإطار ومتراس وبنفسج، وفسحة ومؤسسة الدراسات الفلسطينية، ومرئي كما في المقاطع المصورة لحكاياته وقصصه ولقاءات الإعلام معه، يظهر أن العقرباوي -وغالبًا دون أن يدري- عمل مثقفًا عضويًا يعبر عن وعي الفلسطينيين، وينخرط في صراعاتهم من أجل البقاء، ويساهم في تنظيم تموقعهم ورؤيتهم للعالم.

"الفلسطيني لا يملك ترف الصمت، فالرواية هنا ليست ترفًا ثقافيًا بل ضرورة ونجاة ووصية تسلم من جيل إلى جيل"-العقرباوي- قناة العالم

بمعنى أن العقرباوي، القادم من عمق الأرض الفلسطينية، وُلد من التجربة الاجتماعية والإنسانية نفسها التي يكتب عنها، وتجاوز أدوار المثقف التقليدي وسيط للهيمنة، ليغدو نتاجًا مباشرًا للريف وصوته وحكاياته، بل ومؤديًا لوظيفة المثقف دون أن يتخذ لقبه، انطلاقًا من نظرته للمعرفة باعتبارها مسؤولية فلسطينية فردية وجماعية، إلزامية وأخلاقية.

 يلتقي العقرباوي أيضًا مع المثقف العضوي في انخراطه، وتنقيبه في الأرض، وتقليبه لحجارتها، وملاحقته لموروثها ومواسمها، واستعادة مساحته من المحتل بإعادة تسمية المكان من منظور أصحابه، حراسته من المحو.

ورغم أن المثقف العضوي عند غرامشي مرتبط بالبنية والطبقة، بالحزب أو بمشروع هيمنة مضادة إلا أن العقرباوي يتجاوز ذلك كله، فهو لا يرتبط بإطار تنظيمي، ولا يعمل في التعبئة الأيديولوجية، ولا يصبّ إنتاجه في صالح خطاب سياسي معين، بل يرتبط بالأرض باعتبارها إطارًا له، بالقرية والحكاية مساحة ومضمونًا للتعبئة، وبالزمن الفلسطيني المهدد والذاكرة الجماعية كمقاومة.

"فالراوي من غزة، وإن لم يختر ذلك، هو مفوّض من الجماعة ليحكي قصتهم ويسرد حكايتهم وينطق بلسانهم في وسائل التواصل الاجتماعي" -العقرباوي- مؤسسة الدراسات الفلسطينية

العقرباوي ما بين كناعنة وزريق

في سعيي لتحليل إنتاج الراحل الحكواتي، طرأ على خاطري مقارنته بأفذاذ التأريخ والتراث الفلسطيني، شريف كناعنة وإيليا زريق، أساتذة الأرشفة والتحليل والسردية والمعرفة الفلسطينية، ربما لحداثة سن العقرباوي وأثره مقارنة بالباحثين الكبار، إلا أن المقارنة لا تستهدف الانتقاص، بقدر ما تهدف إلى ملاحظة الفروق بين باحثٍ منهجي يحول الحكاية إلى نص خاضع للتفسير والتحليل، ورحالة حكاء يحوّل الحكاية إلى خارطة للمكان والسرد.

فالأستاذ شريف كناعنة (مواليد 1935) نموذج الباحث الأكاديمي المنهجي، مختص بالأنثروبولوجيا الفلسطينية، له العديد من المؤلفات الخاصة بالهوية الفلسطينية والحكاية الشعبية والتراث الشعبي، يُعرف بأنه: "كل ما يتناوله عامة الشعب شفويًا ويتناقلونه بالتقليد، مثل اللهجات والحكايات والأمثال والأغاني".

ومن خلال كتبه ومؤلفاته، العربية والإنجليزية، تناول كناعنة الحكايات الشعبية عبر ربطها بالمفاهيم الإنسانية العامة وتحليل التحولات التي طرأت عليها، كما أشرف وأدار في الوقت نفسه مشاريع بحثية حول القرى والبلدات الفلسطينية المهجرة منذ عام 1948، ثم انطلق مع طلابه في توثيق الحكايات منذ عام 1977، مصدرًا ستة عشر دراسة عن ستة عشرة قرية فلسطينية، وقد أثمر جهده لاحقًا اعتراف منظمة اليونسكو عام 2005 بالقصة الشعبية الفلسطينية باعتبارها أحد روائع التراث الإنساني غير المادي للحفاظ عليها.

وبينما يرى كناعنة أن الحكاية الشعبية هي "رواية نسوية" لأنها بالأساس تُنقل عبر النساء، وتكتسب الكثير من أمالهن وآلامهن، إلا أنه يرى فيها هوية بحد ذاتها ورابطًا للإنسان بمحيطه، ومكونًا ناشئًا عن هذا المحيط والانتماء له، لأرضه وشخوصه ومكوناته.

أما المفارقة بينه وبين العقرباوي فهي النظرية الأكاديمية التي تمترس خلفها كل منهما، فكناعنة انطلق من دراسات ما بعد الاستعمار قاعدةً أكاديمية لعمله، بينما انطلق العقرباوي من التجربة اليومية وألسنة العجائز، رغم اشتراك كليهما في اعتبارهما الشعب مصدرًا للمعرفة، وانطلاقهما في التأريخ من الأسفل، من قاعدته الشعبية.

"قد يكون مِن أشدِّ ما ابتلي به حقل التّراث الشَّعبي بدلالته الرمزية بعد توقيع اتفاق أوسلو والتورط بمسار التّسوية، هو تحويل الرّموز التّراثية من كونها أدوات نضالية تعبر عن حالة المُقاومة والاشتباك إلى ديكور سياسي ثقافي، فَأُفقرت الرّموز من جوهر مَعناها، وَنُزِعَت الصِّفة الأساسية التي تكونت في سياقها وارتبطت بها طوال مراحل النّضال الفلسطيني" – العقرباوي -إطار

أما إيليا زريق (1939-2023)، فيتقاطع مع كناعنة في نظرية ما بعد الاستعمار، وفي المناهج الأكاديمية الراسخة المستخدمة في إنتاجه، لكنه يقدم مساهماته من منظور علم الاجتماع، باعتباره "إسرائيل" مشروعًا كولونياليًا صارخًا، وباعتبار الحالة الفلسطينية تستوجب الوعي بمفاهيم الاستعمار والاستيطان.

بينما يتقاطع الثلاثة، العقرباوي وكناعنة وزريق، في حرصهم على الدفاع عن الذاكرة الفلسطينية وتأكيد هوية الشعب وأرضه. فجميعهم يشددون على قيمة التوثيق الشفوي أداة لمقاومة النسيان، ويرون في الحكاية الشعبية والموروث الشعبي سلاحًا للحفاظ على التاريخ والثقافة، فقد تبنّي كناعنة معارف الشعبيَّات بمنهج تحليلي، بينما جسّد العقرباوي ذات المفهوم من منطلق ميداني وجداني، واعتبر زريق الكتابة الأكاديمية حول الاستعمار نفسه نوعًا من المقاومة الفكرية.

أما الاختلاف، فهو طبيعة الممارسة المعرفية، بالرغم من أن كُلًا منهم يكتب عن فلسطين، إلا أن العقرباوي مارس البحث كفلاح روى حكايات من الداخل، من خلال تجربته اليومية وزياراته الميدانية للأراضي، انطلاقًا من فطرته وانغماسه في أرضه، لا عبر التحليل النظري الصريح، في حين كان كناعنة وزريق يكتبان عبر مسار أكاديمي واعٍ بالأطر النظرية، معتمدان على مناهج علمية، وهكذا، جاء إنتاج العقرباوي أكثر انسيابية وبُعدًا عن الورقة والقلم الأكاديمي، مقارنة بالأطروحات التقليدية لكناعنة وزريق.

كما اختلف نطاق اهتمامهم واتجاهه، فبينما اهتم العقرباوي بذاكرة الريف والمهمشين (القرى المهجرة والريف الفلسطيني)، تعامل كناعنة مع ذاكرة القرى والقصص الشعبية ضمن مشروع كبير لتوثيق التراث عبر إصدارات علمية، بينما ركّز زريق على البنى السياسية والاجتماعية الكبرى للتداخل الاستعماري على الفلسطينيين.

يقول الباحث علي حبيب الله عن العقرباوي: "لم يكن باحثًا تقليديًا يرى فلسطين كموضوع بحث، بل كان يراها قضية ووجدانا".

ليس في ذلك انتقاصٌ من أحدهم، لكنه وفاء لفلاحٍ تجاوز وعيه سؤال البحث إلى حقيقة الوجود، من أننا يجب ألا ننسى هذه الحكاية، من أن هذه الأصوات يجب ألا تصمت، من أن المعرفة يجب أن تُنتج من داخل فلسطين وليست عن فلسطين، من أن البلاد شرط للحياة وليست موضوعًا لها.

"ما بدكم تعرفوا التفاصيل؟" "شفت مدرسة قريبة قلت أروح أحكيلهم حكاية"- العقرباوي

لم يفكك حمزة الحكاية، لم يشرح رمزيتها، بل آمن -خلافًا لغيره- أنها تعمل بقوتها الذاتية، وأن بهجة اللهجة الفلاحية وقربها من الذاكرة، وحكاياتها الأثير والمثيرة، المفاجئة والمضحكة، المؤلمة والقاتلة، كفيلة بمنحها تصريح عبورٍ من اللسان إلى القلب.

ولم ير نفسه أيضًا باحثًا، بل حكواتيًا ومهتمًا وقارئًا نهمًا وأصمًّا في إنصاته لغيره، فلم يُطالب بشرعية أكاديمية، ولم يسع للاعتراف المؤسسي، ولم يكتب ليُستشهد به، ما جعله حُرًا من رقابة المنهج وسياسات البحث وأُطر النقد، ما أنتج نوعًا مختلفًا من المعرفة لا يقوم على التفسير أو التحليل أو التصنيف، بل على الحفظ والتوريث والإنقاذ، فإعادة الإحياء، وهكذا تفاعل حمزة مع الحكاية كمهمة بديهية، يجب على الفلسطيني ممارستها كفعل بقاء.

لحظة!

بالعودة إلى حكايات حمزة ماذا يعني ذلك؟

"كل ما يُذكر يحيا. كل ما يُنسى يموت".على هذا الأثر مضى من بعد حمزة أصدقاء وتلامذة وزملاء، بعضهم رعى خُطى حمزة، آخرون انطلقوا في جمع وتوثيق أعماله، وآخرون تتبعوا دروب سيره بين حشاش الأرض التي أحب، تتحدث آيات عبد الله، المتطوعة في مبادرة "ذاكرة"، التي جمعتها مع الراحل حمزة منذ سنوات عن هذا الفعل، فتقول: "بدأ حمزة المبادرة لنشر التاريخ والتوثيق الفلسطيني، ونحن سنكمل العمل في المبادرة، كما أحب وكما أراد، قد نستخدمها لنشر أعماله، لكنها منذ البداية وُجدت لنشر ما يهتم به حمزة "الذاكرة".

أما عما تشترك به المبادرة مع مشاريع أخرى، فتؤكد آيات أنها تتفق مع عددٍ آخر في الأهداف والسعي، مثل مبادرة الرواي، ومشروع "جونة العافية"، بينما يتم حاليًا العمل على إنشاء موقع إلكتروني، وإصدار المطبوعات، للحفاظ على إرث حمزة حيًا، وتوثيق ما قام به، وتوفيره للباحثين من بعده.

أما الغرابة فتكمن في أن هذه الجهود والمشاريع والمبادرات الكثيفة لا تحظى باهتمام أو دعمٍ مؤسساتي، ما يطرح علامات الاستفهام، حول استمرار حالة التهميش المؤسساتي لجهد الأرشفة والتوثيق، في وقتٍ قضى فيه حمزة عمره بأكمله، مهرولًا خلف فتات الذاكرة، وأقاصيص السرد، خوفًا عليها من الضياع. تقول آيات: "لا يوجد دعم مؤسساتي لا في عهد حمزة ولا الآن طبعاً".

"عندما يعود المرء إلى الأرض، يعود إلى التراب الذي يُعرّفه على نفسه من جديد، ويُذكّره بالمعنى الذي تاه منه في زحمة الحياة. في هذا الموسم يعود الفلاح إلى الأرض كما يعود المُصلي إلى محرابه." -العقرباوي -إطار