ذاكرة الزيتون: وثيقة النور في الموسم العالق

ذاكرة الزيتون: وثيقة النور في الموسم العالق
تحميل المادة

على سبيل التقديم...

هَلّت أيام التّشارين على بلادنا لا بِوَصفها أيامًا في تقويمٍ زمني، بل بصفتها: "نَفَسُ الأَرض" كما كان يقول أبي -رَحِمَهُ الله- وذلك كُلما شَمَّ رائحة التُّراب بَعد أوّلِ شَتوة، وهي التي يُسمّونها "شَتوة الزّيتون"، تلك الشتوة هي تّحيّة السّماء للأرض وبها تسترد أشجار الزيتون رُوحَها، إذ بعد هذه الشتوة يتنادى الفلاحون لموسم قطاف الزيتون.

هذا الموسم ليس موسم حصادٍ فحسب، بل فعل ولادةٍ مُتجدّدة، هو الزمن الذي يلتقي فيه الإنسان بفطرته الأولى، عندما يعود المرء إلى الأرض، يعود إلى التراب الذي يُعرّفه على نفسه من جديد، ويُذكّره بالمعنى الذي تاه منه في زحمة الحياة. في هذا الموسم يعود الفلاح إلى الأرض كما يعود المُصلي إلى محرابه.

زمن الزيتون ..سرُّ البركة

عالقٌ في رأسي موسم الزيتون بكل أيامه ولحظاته بما فيه من صُحبة الأهل والالتحام مع الأرض والاقتراب من الشجر كأكثر ما نكون، فَنتعربش أغصان الشجر وجذوعها كأننا جزءٌ منها، تلك الأيام تُعيد الحياة إلى الأرض، وتُعيد الأرض إلى الحياة، فنسمع فيها أصوات الناس، حديثهم، ضحكاتهم، نَشُمُّ فيها رائحة النار تحت أباريق الشاي، ونرى العابرين إلى أراضيهم البعيدة يُحييونَ الجبال والتلال بِحَركتهم. هذا المشهد المكثف رغم تغيير الموسم وتبدل أحواله في السنوات الماضية لا يزال ماثلًا أمام عَينيّ كأنني فيه الآن، ولا أقدر أن أصرفه من رأسي، ليس حَنينًا بقدر ما هو ايمانٌ بأهمية الشّجرة وموسمها، فكل شَجرةٍ زيتون هي جُزءٌ من هويتنا، وكل لحظة مرتبطة بالزيتون هي نحن، ولا عجب ففي ظلّ الزيتون تَعلّمتُ من أبي أن: "الفلاحة ليست مهنة، بل هي عبادة، وأنّ اليد التي تُلامس أغصان الزيتون تَسكُنها البركة"، ومن يومها فهمت أن علاقتنا بالزيتون ليست علاقة ملك بل علاقة نسب وأصل.

إنّ عُمق علاقتنا بشجرة الزيتون يتجاوز امتلاك أرض زراعية، فهي ليست أملاكًا أو حيازاتٍ اجتماعية فحسب، إنها وثيقة وهوية. وهي شجرة البركة الموصوفة في قول الله عز وجل ﴿يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾. ومن هذه البركة خرجت مكانتها في الوعي الفلسطيني لتكون مشكاة الفطرة ورمزًا للصمود ودليل البقاء. ولأن البركة ليست معنىً دينيًا فحسب، بل قانونًا اجتماعيًا، صارت الزيتونة ميزانًا لِثباتنا، وصرنا نقول: "صامد مثل الزيتون". وفي وصفها نجد ترجمةً لمعنى التشبيه بيننا وبينها، فالجذر هو هويتنا الراسخة، والجذع الصلب هو صبرنا وجلدنا، والخضرة الدائمة هي دوام عطائنا ونضالنا الممتد قرنًا من الزمان بلا انهزام، وكما تقف الشّجرة المباركة بثبات يأبى اقتلاع عاصفات الريح، يقف الفلسطيني في وجه الابادة الجذرية رافضًا الانهزام أمام عدوّه.

إنها شجرة البركة في السماء والأرض، وهي بجذورها المغروسة في عمق التراب رمزٌ وجودي للنضال المستمر، وهي "طابو" التملّك الذي لا يُزوّر، وفي وجودها نشير إلى امتلاك الأرض وغرابة الاستعمار عنها، ذلك أن فيها صورة الآباء والأجداد وأثرُ غرسهم وعطائهم، وما نَمت الأشجار إلا من سَقي عَرَقِهم وَطولِ بَذلِهم، ولولا أنهم زرعوا ما أكلنا، وكل قطرة زيت نَحصلُ عليها هي تاريخٌ مُقَطّرٌ من صبر الأجداد. ولذا لا تعجب إن قُلتُ لك بأن عَمي الحاج عزات القاسم -رحمه الله- سَقط مَغشيًّا عليه، فاقدًا للوعي، حين رأى جرافة الاحتلال تَقتَلِعُ شجرة زيتون من أرضه. ولا تعجب إن قلت لك: بأن الرزق في معناه عندنا هو الزيتون لا غيره من المال، حتى أن قسمة الأرض كانت شجرًا لا مترًا وكيلًا، وذلك كله انعكاس لمكانة تتجاوز البعد المادي ويدخل فيه أثر القداسة والبركة.

وهذا الزيت الذهبي، وهو نورٌ يكادُ يضيءُ بذاتِه، هو الوميضُ الوجوديُّ الذي نَنشدُه ليُبدِّدَ عتمةَ الاحتلال وسوادَ ليله. إنه مَناطُ فخرنا بِموسمنا وبركتِه؛ كيف لا ونورُه يتجلّى على موائدنا كأطيبِ طعام، وهو الضياء الساطع في قَناديل الدار. ومنه ينبع سرّ الشفاء، الذي يُسَكِّنُ أوجاع الجسد ببركة الأمهات، وهن يُمرِّرنَ أَيديهنّ تالياتٍ الأدعيةَ على موضع الألم. وفوق ذلك كله، كان الزيت والزيتون أجمل ما نُهديه للأحبة في أصقاع الأرض، لِيُطيِّبَ موائدهم. إنّه فِعلُ اتصالٍ أزليٍّ مُتَجذِّرٍ في الذاكرة والبركة، وهو ليس فعلًا طارئًا مرتبطًا بكون فلسطين قضيةَ نضالٍ حيّةٍ منذ مائة عام فحسب، بل هو هديةٌ تُطلب لذاتِها ولما فيها من فيض البركة. وقد أورد أبو نعيم الأصبهاني في كتابه "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء" ما ينسب هذه السُنّة لزمن التابعين؛ وذلك لما سُئل يوسف بن عطية: أَكانَ عَطَاءٌ السَّليمِيُّ يَقبَلُ مِن أَحَدٍ هَديَّةً؛ قَالَ: نَعَم مِن عُتبةَ الغُلامِ، فقيل له: وَأيُّ شَيءٍ كانَ يُهدَى لَهُ. قالَ: هَذهِ الجِرَارُ الفِلَسطِينِيَّة فيهَا الزَّيتُونُ وَالكَامخُ يَجيءُ بِهَا تَحتَ كِسَائِه مُعَلِّقُهَا بِيَدِه.

وعليه؛ يكون مفهومًا سبب ادعائنا متانة العلاقة مع شجرة الزيتون، ذلك أنها علاقة لا تُقاس بالزمان الفردي الذي نعيشه، علاقة لا تكسرها القوة الاستعمارية، فَشجرة الزيتون هي وثيقة تتجاوز عمر الاحتلال ودولته الزائلة، وهذه ليست مجرد استعارة، بل قانونٌ وجوديّ، فالزّيتون هو الشجرة التي تَرِثُ الأرض، ولذا كان لها زمنها الخاص، فهي بِعُتقِها أقدم زمانًا وأعمق جذرًا وأَبعدُ تاريخًا من الاستعمار، وهي صديقة أبي وأبيه وهي العارفة بأجدادي مُنذ الأزل. وبقاؤها بهذه الصلابة يُخبرنا بأن الاحتلال مؤقت كأنه "سحابة صيف". وزمن الزيتونة الممتد مئات السنين هو الزمن الذي لا يعترف بالهزيمة، بل يُعيد تعريف النصر بوصفه دوامًا في المكان، فالزمن الذي يُنقِصُ من عُمرنا يزيد الزيتونة عُمرًا، ولذا تُعَمِّرُ الزيتونة في الدّهر وتظل شاهدةً على أن الأرض لا تُسلّم سرّها إلا لمن يمتلك زمنًا يماثل زمنها، زمنًا لا يقوم على الظلم والتخريب، بل يُرسّخ معنى الاستخلاف في الأرض.

أسرى السجن الكبير

جاء موسم الزيتون لهذا العام غَريبًا، كأنه تاه عن معناه، وفقد بصولة المسير، كأن الزمن تَعطل، فأصبح عنوان الموسم: "موسمٌ جاء... لكنه لم يبدأ بعد". فالشّجر مُثقلٌ بالحنين لنا، لكن الأيادي مُحاصرة. تُنادينا الشّجرة وتئنُّ حَنينًا لأصحابها، غير أنّا نقف قِبالَتها نحسُّ بها وَنُبادلها الشّوق وَتغلبنا الدّموع حَسرة وأسى على عجزنا عن بلوغها، نَشتاق إلى بقيّة العائلة من شَجرنا المَنفيّ عَنا في هذا السّجن الكبير، نشتاق لكننا كما هي أَسرى بلا حِيلةٍ على الوُصول.

فهذا الموسم مُعلقٌ ويقف على عتبة التشارين لا يمضي وقته وإن مضت أيامه، ذلك أن موسم الزيتون ليس زمنًا يضبطُه تقويمٌ، بل هو حالةٌ روحيةٌ، فقد يأتي الموسم ولا يبدأ، وقد يبدأ ولو لم يأتِ. ففي السنوات التي يقل فيها إنتاج الزيتون ضمن دورة عطاء الشجر، لم نفقد روح الموسم قط، وفي هذا العام جاء الموسم لكنه لم يبدأ.

في هذا الموسم المُعطل لا أَدّعي حين أقول: إنَّ أقسى ما فيه أننا ننظر إلى المُستعمر يسرق حياتنا ويشوهها تحت ذات الشّجرة التي جُلبنا من فطرة العلاقة معها، وَتَشكَّلت هَويتنا في ظِلّها، أمرٌ لا أستوعبه ويكاد العقل يضيق به، وَكُلما فطنت له شعرت بألمٍ في قلبي وَغصّة في صدري، فكيف أُمنَعُ أنا صاحب الشّجرة وابن حضارتها ووريث ثقافتها منها. في ما يُتاح للقاتل اللّص أن يكون طبيعيًا في كَنفها، أأمنَعُ أنا من أَرضي وَيَستَلِذُّ عَدوّي بحياته تَحتَ ظِلّها. أقول ذلك وأنا الفلاح الذي خُلق في الأرض وَيمنعُ حتى اليوم من الوصول إلى أرضه وَيُحال بينه وبين شجرها، فيظل الموسم بالنسبة لي عالقًا وكأن الزمن كُله انقلب ولن يبرح الدّهر عتبات تشرين أبو الزيت والزيتون.

متانة الجذور ودوام الخضرة

إنّ جوهر شجرة الزيتون بوصفها وثيقة "لِنورِ الفِطرة" يحمل في طياته وعدًا بالانبعاث يتجاوز الاجرام الاستعماري، فالاحتلال يمكنه أن يُلاحِقَ شجرة الزيتون، لكنّه لا يملك القدرة على محو النّور الذي تتغذى منه الشّجرة، لأنها "مُباركة" بنص الله عز وجل، كما هي صفة الأرض التي نحن فيها. لذلك فإنّ محاولات إزالتها ليست نهاية المطاف؛ فمن رحم تلك الجذور المقطوعة، سرعان ما تنبعث الزيتونة وتتجدد وهذا ما خَبرتُه كَفلاح وأَبصرته بالممارسة والمعايشة، وإن هذه القوة على التّجدد والانبعاث في الشجرة هي ما نحتاج تَمَثّلَه مِنها بصفتها شَجرتنا التي نُعَبّر عن ذواتنا من خلالها.

إن ما يفعله الاحتلال بمنعنا من الوصول إلى أراضينا المغروسة بشجر الزيتون في هذا الموسم، لأجل كسرنا المادي وإطفاء نور الفطرة الرافض لوجوده، سيكون وَهمًَا منه وفشلًا مُركبًا؛ إذ علينا أن نحيل قَسوته وبطشه علينا وعلى الشجرة إلى فعل يُشبه "العَصر"؛ فالعصر هُنا ليس فِعلًا قَهريًّا سَلبيًا فَحسب، بل هُو شَرطٌ وُجوديٌّ لاستخلاص الجوهر، ويمكن أن نُعَبّر عن ذلك بالمثل الشعبي: "ما بطلع الزيت إلا من كثر العصر". وفي المقابل، شجرة الزيتون لا تمنح بركتها مجانًا، بل تتطلب البذل والوفاء، وكأنها تهمس لنا: "الزيتونة مثل ما بدك منها بدها منك"، لتجعل النّضال علاقة تبادلية بين الإنسان والشجرة.

لذا علينا أن نُحوّل فقدنا لكل حَبّة زيتون وقطرة زيت إلى حالة غضب ورفض للذّوبان والاقتلاع، علينا أن نصون جذورنا من التّشويه حتى وإن أحرقت الفروع، كما تُعلمنا شجرة الزيتون بأن المَحروق منها سيظل يَحمِلُ في جذره وعدًا بالنبت من جديد، علينا أن لا ننكسر وأن نُصرّ على الاستمرار. إنّ هذا التّماهي في الربط بين معنى وجودنا وضرورة صُمودنا وبين شجرتنا المباركة ليس مجرد قول مثالي نقوله ليُطَمئِنَ النّفسَ أمام الخسارة الكُبرى للأرض وللمَوسم، بل هو هندسةٌ للصمود الأبدي، إذْ إنَّ الحفاظ على الجذر هو حمايةٌ لوعيِنا الجمعيِّ؛ فالجذرُ في الأرض كالعصبِ في الجسدِ؛ إذا قُطِعَ، اختلَّ الوعيُ.

إنَّ هذا الموسم العالق الذي يكاد يكسر قلوبنا، ليس نهايةَ الطريق؛ فنحن نعي في ظل انكسارنا الكبير ووجعنا الأكبر الذي نمر به بفعل الإبادة الجذرية، أنَّ واجبنا هو مواجهة الاعتداءات المُنظمة التي تُعطّلُ الموسمَ وتقتلُ الأبناءَ وتستبيحُ الوجودَ. وهذه المواجهةُ تكون بالإصرار على العودة إلى الأرض، لا كفلاحين فحسب، بل كأبناء أوفياء للذاكرة التي تشعُّ من بركة الزيت. مؤكدين أن موسم الزيتون، في جوهره، هو موسم انبعاثٍ للروح ومسارٌ متواصل، يُعيد تعريف الإنسان لا بما يملك من أرض، بل بما يحمل في قلبه من نور الزيت الذي لا ينطفئ.

إن ديمومة نضالنا تُصاغ بـ "الألم والبذل والاستمرار"، ولا تُصاغ بـ "القلم والشكاية والتحسر على ما فات"، ولهذا يجب أن يتحول حرق الشجرة واقتلاعها في خطابنا إلى "ثمن وجودي" و"فعل فداء"؛ فالاحتلال لا يهدف لكسر المادة، بل لكسر الروح. ولذا فإن كل غصن يُكسر يجب أن يتحول إلى أداة تُطهّر وعينا وتُعمّق رفضنا للمحتل، فالزّيت الذي نُحرم منه تجاوز صفته كطعام، وهو قطعًا لم يعد مادة سائلة في زجاجة، بل صار جزءًا من التركيب الوجودي ورمزًا للدم المتشبث بالتراب، ولذا وجب أن يكون موسم الزيتون فرصة الانبعاث والتجدد والاستعداد للتغيير.