روزنامة ماء السماء.. مواقيت المطر في فلسطين

يَستدعي فصل الشّتاء كُلما أقبل إرثنا الشّعبي عنه، ويكاد ينفرد هذا الفصل دون غيره بهذه الميزة في الوقت الحاضر، وكأن النّاس رغم الحداثة السّائلة وسطوة التكنولوجيا لا يزال يبهرهم وقع المطر وَتَرقّبه، باعتباره محور دورة الحياة في السّنة كُلها، حتى أنّ الإعلام المحلي لم يمل عن السؤال سَنويًّا عن مربعانية الشّتاء وَخمسينيَّته، وَكُلما أقبل مُنخفضٌ جوي أقبل التساؤل عن اسم هذه الشّتوة في تراثنا. والحق أنّ هذا الاهتمام بفصل الشّتاء على أهميته كان دافعًا لنسأل عن دور التّقويم الفلاحي أو الروزنامة الشّعبية في صياغة هويتنا الثقافية.
ولأننا لا ندرس التاريخ الماضي ولا نهتم بالتراث الشّعبي باعتباره ماضيًّا وقديمًا مهما كان جميلاً ولطيفًا، ولا نُكثر القول عن التراث الشعبي ونرصد تفاصيله حَنينًا وتعلقًا مُجردًا، وإنما نهتم به من باب وعينا لأثره في هويتنا الوطنية، وَلدوره فيما نحن عليه، وتنبهًا لما سَنحتاجه منه في غدنا الحُر، كتبنا هذه السطور عن بعض مواقيت الشتاء.
● الشّتاء الأول والثاني
يبدأ المطر في بلادنا في فصل الخريف وهو ما يعرف بالشتاء الأول، وميقات أول سقوطه يكون بشتوة المساطيح وموعدها في النصف الثاني من أيلول (سبتمبر) و(أيلول ذيله مبلول)، ثم تأتي أمطار تشرين الأول (أكتوبر) المرتبطة بالزيتون وغسل ثماره، وهي باكورة الأشهر السَّبعة المطيرة حسب التقويم الشعبي لفلسطين وبلاد الشام، ولن تتأخر أمطار تشرين الثاني (نوفمبر) المرتبطة بالفلاحة ومواقيتها مثل شَتوة العفير ثم الوَسم البدري والوسم الوَخري والتي معها نزرع الشعير والفول، ثم تهل أمطار بربارة وميقاتها وفيها يكون زراعة القمح "في بربارة القمح يا بذارة".
وتُعدُّ هذه الأمطار على أهميتها من أمطار الشتاء الأول والتي تسقط في فصل الخريف، ثم إذا أقبل فصل الشتاء بدأنا ميقاتنا للمطر الجدّي. يُقسم فصل الشتاء إلى قسمين رئيسين، أولهما ما نعرفه باسم أربعينية الشتاء ونقولها تخفيفًا (مربعانية)، وهي من عدد أيامها أربعون يومًا تبدأ على الغالب في 22 كانون الأول (ديسمبر) وتستمر حتى نهاية كانون الثاني (يناير)، وفيها ثلاثة أقسام متساوية بعدد الأيام وهي: (الإكليل والقلب والشولة)، وتُعدّ المربعانية عمود فصل الشتاء من حيث كثرة المطر وأهمية وقته للزراعة والفلاحة، وهي أيضًا ذروة البرد وشدّته. ولذا فمن شدة برد أولها يُقلِعُ الفلاحون عن الزراعة فيها وَيصفونها بأنها أيام اكحال "لا بِنزرَع ولا بِنِقلَع".
وبحسب الموروث الشّعبي فإن المربعانية إن كانت قليلة المطر والبرد وحدث أن استهان بها الناس، قالت منذرة لهم وَمحذّرة إياهم: "إذا ما عجبكم حالي بوديلكم السّعود خوالي"، والسّعود هؤلاء هم في قسم الشتاء الثاني.
· خمسينية الشتاء
القسم الثاني من الشتاء يعرف باسم الخمسينية، وعدد أيامها من اسمها، وتبدأ من أول شهر شباط (فبراير) وتستمر حتى الثاني والعشرين من شهر آذار (مارس)، وتنقسم الخمسينية إلى أربعة أقسام مُتساوية في عدد أيامها، وتعرف بالسّعود الأربعة، وهي: (سعد ذبح، سعد بلع، سعد السعود، سعد الخبايا)، وميقات كل سَعدٍ منها اثنا عشر يومًا ونصف، وللسّعود قصتها ولكل منها ميقات ومطر وَنبت. وهذه الفترة من الشّتاء أيضًا هي فترة مطيرة فيها من المطر والثلوج ما لا يُستهان به، وبناءً على مطرها يُمكن قياس خَصابِ السّنة وخيرها، وما فات من مطر في المربعانية يُعوض في الخمسينية ويجبر به.
وقد اختلف في أصل تسميتها بالسّعود، فقيل هي نجوم بالسماء، وقيل نسبة لرجل اسمه سعد تباينت قصته وتعددت الروايات حول سفره وترحاله من جزيرة العرب ووقوعه في مطر الشام، وقيل هو معبود للعرب كان في الجاهلية يُستَمطَرُ به. والسّعود الأربعة تبدأ ببرد شديد وتنتهي بحياة ودفئ واقتراب الصيف ونشاط دورة الأرض ونبتها ودخول فصل الربيع.
وعلى العُموم فإن الخمسينية لا يقل أولها بردًا عن المربعانية حتى أن العرب سمت أيامها الأولى "إمبَكية الحصيني" أي مبكية الحصيني، وهو الثعلب، والسبب في أنها تُبكيه، أنه يحفر جحره ويضع باب الجحر ناحية الشرق من أجل تدفئة الشمس له في فترة الشروق، لكن عندما يأتي الهواء البارد القادم من الشرق وَيهبّ في موسم الشبط (أول شباط) من الخمسينية فإن الحصني يبكي من شدة البرد.
● المستقرضات
وفي خمسينية الشتاء تكون أيام المستقرضات (المستقرظات في لهجة فلاحي فلسطين) أو أيام العجوز كما تقول العرب، وهي سبعة أيام شديدة البرد والمطر في الغالب، ولذا يقولون: "في المستقرضات عند جارك لا تبات". وعادة ما يسبق هذه الفترة ارتفاعٌ في درجة الحرارة فيعتقد الناس أن البرد قد انصرف، فيُقال: "لا تقول خلصت الشتوية حتى تخلص المستقرضات المَنكية"، "إذا تأخر المطر في شباط عليك بالمُستقرضات".
وقد سُميت بـ "أيام العجوز" لأنها في جميع قصصها الخرافية تدور حول حكاية عجوزٍ كبيرةٍ في السن، استهانت بمطر شهر شباط وبرده، "ومن برد شباط بتتلفع العجايز في البساط". وقيل لأنها تأتي في عجز الشتاء، وفي اللغة: آخِرُ كل شيء هو عجزه.
أما تسميتها بالمُستقرضات فقد جاءت لأن شهر شباط استقرض عدة أيامٍ من شهر آذار، "مِثل شباط بعير وَبستعير وبيضل ناقص". أما قول بعضهم عنها بأنها: (مستقرضات الروم)، فالرّوم هنا مقصودٌ بها التقويم الغربي (الرومي)، وذلك كما في المثل الشعبي: "ما فيه طرش يقوم، ولا مركب يعوم، إلا بعد مستقرضات الروم"، و "ما في قيامة بتقوم، إلا بعد مستقرضات الروم".
ولعل القصة الأشهر هي حكاية العجوز التي فرحت بانتهاء شباط دون أن تتأذى منه، وراحت تُعَيّره وتسبُّه، وقد حفظت لنا الذاكرة الشعبية عشرات الأمثال عن ذلك، منها: "راح شباط الخبّاط لا أخذ مني عنزة ولا رباط"، ومثله: "راح شباط وضربناه بالمِخباط"، و"أجا شباط وراح شباط وحطينا بظهره المخباط"، والمخباط: قطعة خشبية كانت تستخدم لتنجيد الصوف، فسمع شباط هذا الكلام فغضب وذهب إلى ابن عمه آذار يطلب عونه للانتقام من العجوز قائلاً: "آذار يا ابن عمي أربعة منك وثلاثة مني تا نخلي العجوز تولي" وهكذا استقرض شباط أربعة أيام من آذار للانتقام من العجوز.
● الجمرات الثلاث
وفي خمسينية الشتاء وتحديدًا في شهرها الأول شباط تأتي ثلاث علامات تدل على اقتراب فصل الصيف وتسمى (جمرات الصيف)، وهذه الجمار الثلاث هي: (جمرة الهواء وجمرة الماء وجمرة الأرض)، والمثل يقول: "شباط ريحة الصيف فيه". والجمرات الثلاث قيل بأنها: حشرة تخرج من الأرض عليها بيت مثل العنكبوت، وقيل (دودة) تظهر في (الرجوم والسَّناسل) لها إشعاع مُضيء، وقيل دودة تفقس وَتصبح فراشات وتطير ويَعرفها الناس باسم (حرقص برقص) وقالوا هي نجوم بالسماء اتخذت ميقاتًا للناس، وقالوا هي من أساطير وحكايات العرب القديمة.
ومعنى سقوط الجمرات مرتبط بالدفء في الربيع، فسقوط الجمرة الأولى في 7 شباط كناية عن بداية انتهاء برد الشتاء القارس، أمّا سقوط الجمرة الثانية في 14 شباط كناية عن بدء الشعور بدفء الربيع، وأما سقوط الجمرة الثالثة في 21 شباط فَكناية عن الشعور بحرارة الشمس.
● الربيع وبقية الأشهر المَطيرة
لا ينتهي المطر بانتهاء أيام الخمسينية وانقضاء سعودها الأربعة وَمستقرضاتها المَنكية، بل ينتهي ميقات فصل الشتاء باكتمال أيامه الـ 90 التي تبدأ من 22 كانون أول وتنتهي في الثاني والعشرين من آذار، فيما يستمر هطول المطر بقية شهر آذار، وقد يكون فيه "سبع ثلجات كبار" و"آذار مرة شمس ومرة أمطار ومرة مقاقات الشنار"، ثم يأتي شهر نيسان (إبريل) وفيه مطر مهم حتى قيل: "الشّتوة بنيسان بتسوى كل سيل سال"، ولن تغيب الأمطار حتى عن أول شهر أيار (مايو)، إذ لا بد من نزول شَتوة القَطاني أو شتوة زهر الرمان، وكما قيل: "لا تأمن للوديان في شتوة زهر الرمان".