عَين كُرُزْلِيّه.. جَنّة وادي الغَور

عَين كُرُزْلِيّه.. جَنّة وادي الغَور
تحميل المادة

مع نهاية عام 2024 وَقَفتُ على أطلالِ ما بَقِيَ مِنْ منطقة كُرُزْلِيّة مُتَأمِلاً المَكان المُردوم ومُسترجِعًا ذكريات مَن عَمّرَه وورث بذرة الحياة التي تكونت فيه مُنذُ عَمَّرَ جَدُّنا الأرض وَفلَحها قبل ما يزيد على 10 آلاف عام، فقد بقي بعضٌ من نَسلِه حول العين يشربون ماءها الصافي الزُلال وشعارهم: "مِنْ هذا لِمراح ما فيه رَواح" حتى حَلَّ الخامس من أيلول/ سبتمبر عام 2021 عندما داهمت جرافات جيش الاحتلال ما بقي من عِزَبٍ وَحظائِر فرَدَمت ما عَلا مِن بُنيانٍ وخيام، وَدَفَعتْ بِأهلها بَعيدًا عن الغَور وَواديه، وفي ذلك اكتملت فصول الملاحقة التي بدأت من العام 1967، وختمت عمليات الهدم التي زادت على 15 عملية هدم وتجريف.

في هذه السّطور أستدعي التاريخ الاجتماعي مُستنطقًا ذاكرة من عَرَفَ كُرزليّة وَسَكَنها، وأعود إلى ما دُوّن عن تاريخ الموقع، وأَتتبّع تضاريس الأرض ساعيًا لأرسم مشهد الحياة الحيّ فيها مُتحسِّسًا نبض الأرض وخفق دمها، مُقدِّمًا وثيقةً عن ذاكرة الأرض والإنسان لتُجيبَ عَن سُؤال الوجود قبل الاستعمار، وتكون مُرشِدًا في معرفة البلاد.

●      نَبعُ حياة مُنذُ الأَزَل

في مُنبَسَطِ وادي الغور عندَ القاع الشّمالي لجبل قرن سَرطبة تَنبُعُ عَينُ ماءٍ صافيةٍ تُعرَفُ باسم: "كُرُزْلِيّه"[1] وَموقِعُها على الطّرفِ الغَربي للوادي الذي يَحمِلُ اسم العَين ذاتها، وهي على مَقرُبَةٍ من مضارب عَرَبِ المَساعيد في مَنطِقَة "قَراوَة الغور" التي تُعرف اليوم باسم الجفتلك[2]، وتبعد العين غربًا من نهر الأردن حوالي (6 كم)، فيما تبعد شرقًا عن بلدة عقربا (12كم) هوائيًا، وقد كانت كُزرليّه شَاهِدَ الحَياةِ وَباعِثُها في المُنحدر المُنخفض في الغور والمُتّصل في اتساعه كالقوس شرقًا بين "تل الأبيض" جنوبًا و "تل الصايغ" شمالاً،[3] في هذه البقعة كانت حياة نابضة استمرت دَهرًا قبل أن يَقتَلِعَ الاحتلال منها مضاربنا بأنياب جرّافاته ويستدعي غزاة البلاد لاستعمارها، وَيُحيلُ ما لنا من أثرٍ لخرابٍ يبكى وجودنا العَتيق.

ارتبطت كرزليّة بِـعِزَب الرّعاة وَمساكنهم ونمط حياتهم، فجَذرُ الكلمة (كُرْزُ) يقصدُ به نَوعٌ من الجَوالق (الأكياس) أو هُو الخُرْجُ بلهجتنا المحلية، وهو ما يَضَعُ فيه الرّاعي مَتاعَهُ وَحاجاتِه على ظهر الدّبابة، والجمع أَكرازٌ وكِرَزَةٌ، والكرز يصنع مِنْ صُوف الأغنام وَشَعرها. وبعض الأهالي يقول: "كُرُزْلِيَّه تعني الرّاعي ذاته لا خُرُجَه أَو جَولقه"، وقد يكون قولهم صحيحًا فَمِن الشّائِع عندنا أن يَغلِبَ نَسَبُ الشّيءِ إلى صاحبه. ويُقال بأن عين الماء كانت سبب التَّشبيه بالكُرُز لِصِغَرِها. ولأن كُرزليّه مَنطِقَة رَعيٍ غَنَمٍ مُنذُ القَدَمِ يَكونُ مَفهومًا سِياقُ التَّسمِيَةِ وَدافِعُها المُرتَبِطُ بنمط الحياة والمَعيشة، مَعَ التّنبيه بأنّ أَسماءَ الأماكن لا تُؤخذُ دائِمًا من المَعنى المُعْجَميِ لها، فاسم المكان قد يكون كاللقب لَحِقَ بالموقِع وَلَصِقَ به لحدث ما أو موقفٍ معين.

 ولو أردت وصف جُغرافية مَنطِقَةِ كُرزليّة لِمَن لَمْ يَزُرها، لَقُلْتُ: هي هَضَبةٌ مُرتَفِعَةٌ عَمّا دُونها شرقًا من أَرض الغور، وإذا وقفت فوقها من جهة الشّمال ونظرت تجدها كالحَوض الطوليّ المُجوَّف المُنخَفِض، ذلك أنه يُطوِّقُها تِلالٌ وَجبالٌ مُرتفعةٌ حادّةُ التّضاريس. وتمتد مساحتها في أرض عقربا شرقًا حتى منطقة أبو عجاج الفوقا. فيما تمتد غربًا حتى الجبال العالية التي تشرف على كرزلية وَتُظللها. وَتُربَتها صَخريَةٌ جافَّةٌ يَقِلُّ فيها النبت والشّجر صَيفًا، أما شِتاءً وفي الرّبيع المُبكّر فإنها تَتحول إلى مَنطقَةٍ مُعشِبَةٍ مُتنوّعةِ النّباتات.

ويخترق هذه المنطقة وادي عريض متعرج يعرف باسم وادي كُرزليّة، ويَرفُدُه على الأطراف شِعابٌ وأخاديد مائية صغيرة تَصبُّ في الوادي الذي يَحمِلُ مياه الأمطار من الجبال والتّلال باندفاعٍ نحو نَهر الأردن.

وفي مُحيط الوادي تبصر نباتاتٍ وأعشاب متنوعة منها: الزعتر البري والشّيح والعكوب والخُبيزة والحميضة والسلك والعلك والبيسوم والذِّبّح والدّريهمه والمُرار والأَصيبعه والحَندقوق والحِمظ والقُرطم والكُعاب والأَرث والمُصيص والسّنام والحِمحم والغُوصلان واليَنبوت والخويخَه والشتيلّا والخرفيش.. الخ.[4]

وعلى أطرف كرزلية وفي امتداد أرضها تربٌ خصبة كانت تزرع بَصلاً وَخُضَرَاً وَبُقولاً، وفي محيطها المُمتد طُوليًا من الغرب إلى الشّرق تُبصر نُتوءاتٍ صَغيرة مُقبّبة يتخللها انفراجاتٌ سَهليةٌ مُسَطَّحَةٌ ممتدة حتى منطقة أبو عجاج شرقًا، وبعضها أرض خصبة كونها الطّمي مع الزمن وكانت هذه المناطق تُزرَعُ بالقمح والشعير، حتى أنّ العَقاربة عبّروا عن ذلك بقولهم: "راح الغربال من أبو عجاج لحقوه بالعوجا"، وفي أصل هذا المثل حكاية فلاح من بلدةعقربا أَعارَ جارَه غِربالَ قَمحٍ في مَنطقة أبو عجاج، ومن يَدِ جارٍ لجار ظل الغِربال ينتقل جنوبًا على بيادر القمح حتى وصل منطقة العوجا شمال أريحا.[5]

●      عِزَبٌ وَمنازِل

يتوسط هَضَبَةُ كُرزليّة ما يُشبه التّلة المُستوية تعرف باسم "مراح البَيّوض" نسبة لترابها الأبيض، وعلى سطحها المكشوف لأشعة الشمس والمفتوح لِمَمرات الهواء بقايا عِزِب ومضارب آل ريحان -آخر من غادر تلك البُقعَةِ- وقد عُرفت المنطقة باسم المَنازِل.[6] وكان الحاج فهمي قاسم ريحان (1925-2007) -رحمه الله- قد نَزَلَ في هذا المراح واستقر فيه أوائل خمسينيات القرن الماضي، ولزمه وبقي فيه ثُمَّ فَعَل أولاده وأحفاده من بعده حتى العام 2021. وفي أقصى الجنوب من هذا (لِمْراح) مُنحدرُ قَرن سرطبة، الجبلُ حادُّ الارتفاع، والذي يزيد ارتفاعُ قمّته من قاعِه الشّمالي نحو 400 متر، وإلى الغرب والشمال من منطقة مراح البيوض تتراءى لك سلسلة تلال الغور وجبالها التي تُطوّق المنطقة وَتُخفيها بارتفاعها الذي يتراوح بين 200-330 متر فوق مستوى سطح البحر.

تعيش هذه المنطقة ويستمر البقاء فيها على وجود عين الماء التي تتدفق مياهها النّاعمة في الجنوب الغربي من الوادي، وهذه العين الصّغيرة هي من مَنَحَ الوادي والمنطقة اسمَها، وللعين بِركَةٌ حَجريّةٌ مبنيةٌ بنحو غير منتَظَمٍ من حجرٍ غير مُشذَّب بمساحة (2×3) متر وبعمق يبلغ متر ونصف شتاءً، أما صيفاً فتكون البركة قليلة الماء، ويغلبُ على هذه البركة البساطة إذ الهدف منها جَمعُ الماء الصّافي وَحبسُه ليكون مصدر الرَّيِّ والشّرب للعَزّابَةِ وأغنامهم في الشّمال الشّرقي من غور عقربا.

وبحسب روايات الأهالي فإن عين كُرزليّة لم تكن مصدر الماء الوحيد في هذه البقعة من الأرض، ذلك أن أربعة عيون ماء كانت تنفجر شتاءً من بطن وادي كرزلية، ويستمر ماؤها بالفوران حتى أول الصيف، وذلك في مجرى الوادي على بعد بين 100-150 متراً غرب العين. وبقي الأمر حتى سُحِبت المياه الجوفية من قبل الاحتلال بعد العام 1967، فضعفت العين وانطفأت العيون الشتوية وصار ثورانها نادرًا. وكان آخر مرة تفجرت فيه عيون موسمية في العام 2012 وذلك في منطقة مُلتقى الوديان (وادي أم ظلين ووادي سادة كرزلية) حيث هَفَتَ جبلٌ طيني بسبب كثرة الأمطار فانبعثت منه نبعة ماء ظلت جارية على عرض الوادي أكثر من أسبوع بلا توقف، ومن اللافت بأن هذه المنطقة تشتهر بِنبات (الينبوت) الذي لا يعيش إلا في المناطق التي يكون ماؤها الجَوفي قريبًا من سطح الأرض.

كانت الحياة في كرزلية موسمية بدرجة أولى، إذ يَنزلُ إليها العقاربة وبعض قبائل البدو في الأشهر السَّبعة المَطيرة من كل عام، أي من شهر تشرين أول/ أكتوبر حتى شهر نيسان/ أبريل، ويكون التّعزيب والإقامة في عدة أماكن تتوزع على امتداد كرزلية في مساحة تزيد على عشرة آلاف دونم، وتعرف هذه العزب باسم المِنْزَلِة أو السّادَّة والمِحْبَسْ[7] وفي هذه الأماكن يَسكُن النّاس وَيُقيمون في الخيم أو السّقائف أو المُغر والتّجاويف والكهوف، وَيستفيدون من بقايا الأبنية والصِّيَرِ الحَجرية القَديمة. ومن بين  هذه المواقع التي سُكِنَت في الغور حتى منتصف القرن الماضي: مِنْزَلِة ظَهر العَين، مِنْزَلة البُطمة، مِنْزَلة الرَّتَم، مِنْزَلِة القَطَف، مِنْزَلة البَصل، مِنْزَلة الدّخان، مِنْزَلة الحَردوب، مِنْزَلة الصُّفي، مِنْزَلة القُّلاع، مِنْزَلة الصَلّاج، مِنْزَلة إم ظِلين، مِنْزَلة كُرزليّة الكَبيرة، المِنْزَلة المَحروقَة، مِنْزَلة جَبر، مِنْزَلة إم سَعادَة، مَنزلة سَادِّة كُرزليّة، سَادّة كُرزليّة، سَادّة القَرِن، سادِّة لِحف اللوزة، مِحبَس كُرزليّة، مَغارة الخَنادِق، مِنزَلِة المَدارِج، مِنزَلِة طور خَميس، مغارة أبو كف.. الخ.

وهذه المَنازِل على كثرتها وانتشارها كانت مواقع أساسية شِبه ثابتة للتّعزيب، كما يوجد منازل ومساكن للتّعزيب المؤقت، حيث ينزل الناس من عقربا وجوارها إلى الغور وَيُعزّبون ولو كان لأحدهم رأس غنم أو بقرة واحدة، بل إنّ بعضهم كان يُعزّب في السّنين القاسية ليكون طعامه من خيرات الأرض وَخُضَرِها.

وكان من جملة من ينزل في كرزلية ومحيطها مع أهالي عقربا بعض العشائر البدوية كانت ترتحل متنقلة بين شرق النهر وغربه كعرب الحناحنة الذين ينزلوا أقصى شرق كرزلية في مناطق: المدارج وطور خميس، وعرب البصيلات (ابصيلة) الذين ينزلون في أقصى غرب كرزلية حتى سهل افجم.

●      دمٌ يَروي الأَرض

 جُبلت بِلادُنا بدَمِ الفِداء، وَلذا صار للأَرض في فلسطين معنى كَثيفَ القَداسَةِ بهذه التَّضحيات، وقد صَحَّ فيها قَولُ أبي العلاء المعري: خَفّفِ الوَطءَ ما أَظُنُّ أَديم الأَرض إِلَّا من هَذه الأَجساد. وهذا وصف دقيق الدلالة على الأغوار ذلك أنها رويت في سنوات المُطاردة للعمل الفدائي 1967-1970 من دماء أبطال كُثر عبروا نهر الأردن ومن وإلى البلاد، فكانت دروب الغور طَريقًا للموت في سَبيلِ الحَياة.

  يروي الحاج نافز أحمد أبو ناصر (1938) بعض ذكرياته عن طريق الموت في محيط وادي كرزلية، ذلك أنّه نَجا عِدّة مرات وبعض رفقته الذين انطلقوا إلى الغور عبر درب السلطية ليقطعوا نهر الأردن، يقول الرجل الثّمانيني: "انقتل من بلدنا بالغور عِدّة شباب وهم جايين من النهر أو رايحين عليه،[8] وفيه ناس كمان من القرى اللي جنبا، ومن اللي بتذكره بعد الحرب نزلنا من بلدنا مجموعة بدنا نروح نجيب مهربات، وقطعنا درب السلطية ومرقنا على كرزلية عند المغرب، وإنه الحاج فتح الله أبو الصوص وأحمد النجم حاطين أكل وَبتعشّوا عبين الدنيا تعتّم ويقطعوا النهر، فَعزموا علينا واحنا رفضنا، ومشينا قدامهم «دَرب إمشرق»، ولمّا صرنا عند عين جوزَلة شرق الجفتلك سمعنا إطلاق النار وصارت التّناوير تضوي بالسّما، واللي عرفناه بعدين إنه الجيش في معسكر الجفتلك انتبه عليهم، فأطلق النار وقتل أحمد نجم، أمّا أبو الصوص فزحف ع بطنه وصار يقلب حاله على التراب حتى أَبعَد عَنهم وَنفد من الموت، طبعًا الجيش أخذ الجثمان وحجزة، واللي مرق من كرزلية بعد أيام شاف دم ابو نجم مروي التراب".[9]

  وحين سألته عن الفدائيين وعبور المنطقة تردد الحاج أبو ناصر في البدء، ثم قال: "شوف يا ابني مرق ناس كثير من هناك مَهي كانت كل الدوريات تُعبر من النّهر وبدها تروح ع جنوب نابلس إما تمرق على طريق كرزلية أو طريق عيون مانع عشان يكونوا بعاد عن الشارع وقريب من عيون المية، واللي كانوا يقطعوا الغور كان معهم شباب من بلدنا أو ناس بدو بعرفوا المنطقة، هذا كثير حصل مش مرة ومرتين، وبتذكر مرة أَجوا من النهر على كرزلية وطلعوا مع الواد على بير أبو الدرج وطلبوا من الغنّامة خبز وناموا في مغارة في "وادي أم حجر" ومن هناك شرقوا بعد أيام ع الأردن..".

 ثم يتذكر الحاج أبو ناصر حكاية معركة كرزلية التي وقعت في العام 1969: "فيه معركة صارت في سادّة كرزلية، غرب العين، هذه المعركة أنا وغيري شفنا اللي صار، الظاهر الفدائية قطعوا من كرزلية ومشوا مع الواد ومن التعب ناموا في المُغر في سادّة كرزلية، الجيش لحقهم وصار بينهم اشتباك، وصارت الطيّارات تنقل بالجنود وتنزل على الجبال غرب سادة كرزلية، كنا نشوف الطيّارات وهي تنقل رايحة جاية، ما ظل جيش يومها إلا ونقلوه، وصار إطلاق نار، وبالعلامة ليلتها الجيش طخوا بقرة للحج عبد الغني أبو شحادة. بعد أيام روحت أَسرَح بالغنم هناك أنا وعقل الدّلة -الله يرحمه-، ولما جينا ع مُغر السّادة وكان مبين الهدم وأثر المعركة، عقل الدّلة لقي يومها خاتم مدفون بالتراب وصرنا نفتش فلقينا بطاقة هوية مدفونة لفدائي من دورا قضاء الخليل واسمه مكتوب فيها وعمره 20 سنة، ففهمنا أنه الفدائيين خبوها مع الخاتم على أمل يلاقيها الرعيان فَيبلغوا جماعتهم شرقا، إحنا ما قدرنا نجيب سيرة ونحكي لأي بني آدم، اليهود ساعتها راح يحبوسنا وَيهدو الدور، فدفنّا الهوية وما جبنا سيرة).      

   تأخذنا حكاية أبو ماهر لتفاصيل كثيرة لها علاقة بدوريات العمل الفدائي التي جرت بالأغوار الفلسطينية بين بعد العام 1967، وكانت هذه الدوريات من الكثرة والأهمية أن سلطات الاحتلال سمّت المنطقة التي تجري ملاحقتهم بها بـ (أرض المطاردات).

●      الأرض المَسلوبَة

لم تَعُد الجُغرافيا في كُرزليّة طَيِّعَةً بِيَدِ أصحابها مُنذ حَلَّ الاستعمار ببلادنا، فَقد قيّدت السياسيات الاستعمارية الأرض وطوقتها بالمستعمرات، وَعَمِلَت على إفراغِها من أَهلها بِفعلِ سياسات الجيش وَهجماتِه المُنظَّمة، ولذا هُجِرَت الأرض وَرُحِّلَ غالبية أهلها عُنوةً، وأجبر كُثرٌ عن التّخلي عن مهنة رعي الأغنام وَأَقْلَعوا عَن نَمَط التّعزيب للأبد بِفعلِ إقفال المَنطقة في وجوههم ومنعهم من الرعي فيها أو حتى مجرد الوصول إليها باعتبارها منطقة عسكرية ثم مطاردتهم من محيط النبع باعتباره محمية طبيعية.

وقد شَرَعَ الاحتلال بالسَّيطرة على الحدود الغربية لنهر الأردن بشكل عام، الأمر الذي ينبطق على المنطقة من فصايل جنوبًا حتى الجفتلك شمالاً، وقد تركز وجود جيش الاحتلال على طول الحدود بين نهر الأردن وشارع الجفتلك - أريحا، كما أقيمت مراكز للجيش ونقاط ثابتة، منها معسكر فصايل، ومعسكر الجفتلك، اللذان كانا مُعسكرات سابقة للجيش الأردني. ثم أقيمت معسكرات وأبراج صغيرة بين الجفتلك- فصايل إما على الحدود الشرقية أو غرب شارع الجفتلك - أريحا، ويمكننا مشاهدة بقايا عدة مواقع فيها خنادق وتحصينات، منها نقطة الجيش شرق كرزلية وأخرى جنوب غرب مستعمرة (شلومتصيون).

كان المعسكر الأقرب على منطقة كُرزلية هو معسكر الجيش الأردني الواقع على بعد 3 كم شمالاً [10] والذي أصبح قاعدة عسكرية متقدمة لجيش الاحتلال عرف بعد العام 1968 باسم معسكر آريه (أريك)، وفيه مقر قيادة الجيش في الأغوار جميعها.[11] وإلى الشرق الجنوبي منه على الطريق نحو مُستعمرة مسواه يوجد معسكر آخر للتدريب يعرف باسم معسكر جاد[12] ويتبع له مدرسة تدريب ما قبل الخدمة العسكرية في جيش الاحتلال وتعرف باسم "مركز ليال للتدريب".[13]

إلى الشرق من كرزلية وعلى بقعة الأرض التي كانت تُعرف باسم: "المدراج" أقيمت مستعمرة مسواة (2كم شرقًا)، وقد أسست في العام 1969 لتكون نقطة عسكرية لسلاح الناحال (ناحال مسواه)، ثُمّ تحولت في العام 1974 لمستعمرة زراعية. وفي أقصى الجَنوب الشرقي من كرزلية على بعد 3 كم تقع مستعمرة المجلس الإقليمي التي أسست عام 1979 لإدارة شؤون مستعمرات الأغوار وتقوم في موقع كان يعرف باسم "الضِّرْس" على الجانب الغربي من شارع الجفتلك - أريحا. ويتولى هذا المجلس إدارة 21 مستعمرة من مستعمرات الغور وفيه مرفقات ومنشآت ومساكن وبجانب المستعمرة الطريق إلى رادار عمره وجبل قرن سرطبة. ويتداخل معها مستعمرة شلومتصيون والتي تقع في الجهة الجنوبية الغربية. وهي مستعمرة صناعية ريفية أنشئت عام 1977 وهدفها خدمة المستعمرات الصهيونية في الغور.

وفي العام 2023 أنشأ عدد من المستعمرين الصهاينة بؤرة رعوية بالقرب من الموقع رجم الصايغ الأثري، وأقفل الطريق نحو عين كرزلية، وأقيم بالقرب منه مطل يُشرف على المنقطة. كما يُمكن مشاهدة عدة مطلات للمستعمرين في الجهة الشمالية والشمالية الغربية التي تطل وتشرف على منطقة كرزلية على جانب الطرق الترابية من الجفتلك إلى أبو الدرج. وسبق ذلك تحويل معسكر جاد (مدرسة التدريب) إلى مستعمرة حيث نقل للإقامة فيها مئات المستعمرين. وبذلك يكون الاحتلال قد طوّق المنطقة وأقفلها بوجه العرب وَأباحها للمستعمرين.

●      الحنين الذي يخلق الأمل

  سألت الشاب صلاح ريحان الذي ولد وعاش طفولته في كرزلية عن اشتياقه لتلك الأرض بعد أن أجبر عن الابتعاد عنها. فأجابني بجملة قد تختصر كل ما يصح لأن يقال: "احنا انخلقنا من طينتها، لما بتذكرها بحن زي حنين الولد لأمه، ولما بسرح بالغنم بحب أكون قريب منها لأنه بس أشوفها من بعيد برقص قلبي، ونفسي أنام ع ترابها وأرجع أتحمم من ميتها، وهذا اشي بحلم فيه بالليل وبنتظره بالنهار القريب".


[1] بعضهم يلفظها بالجيم بدل الكاف فيقول: جُرزلية أو جروزلية، وهذا شائع في بعض اللهجات عندنا، حيث تصبح القاف\ الكاف جيمًا مُخففة، فيقولون: (الجَريَة) بدل القرية، و(رفيجي) بدل رفيقي، و(المَذيجة) بدل المَذيقة والجِدِر بدل القدر.

[2] من اللافت بأن هناك عين ماء في أرض المساعيد إلى الشرق من شارع الجفتلك - أريحا على مقربة من نهر الأردن (جنوب غرب جسر دامية) تعرف باسم عين الجَوْزَلَة ولها وادي يحمل اسمها. وقد يكون هناك أصل ما يربط بين التسميتين (جَوزلة وجروزلية).

[3] تل الأبيض وتل الصايغ: تلّان أثريان عليهما أبراج وقلاع مهمة، وهما يحرسان الطريق التاريخية التي تصعد من بينهما نحو جبل قرن سرطبة المشرف على الأغوار جميعها. وفي محيط كل منهما عدّة معالم دارسة جرت فيها حفريات، وذكرت في المسوحات الأثرية.

[4] صلاح زهير ريحان بني منيه (1990) مقابلة بتاريخ 28\12\2024

[5] تبلغ مساحة أراضي عقربا 144 ألف دونم وتبدأ جنوبًا في الغور من منطقة البغيلات بين قريتي العوجا وفصايل، وتمتد شمالاً حتى قناة الماء في الجفتلك، ومن الشرق فإن حدودها في جزء من الأرض نهر الأردن.

[6] المِنْزَل - المِنْزَلَة: (بِكَسرِ الميم وَتسكين النّون وَفتحِ الزّاي) موضع النزول والإقامة، وجمعها منازل، ومنه قولهم: مَنْزِلَةُ القَافِلَةِ أي مَوْضِعُ نُزُولِهَا، وَمِنْزَلًةُ الرُّعاة: أي موقع إقامتهم وَتعزيبهم، والنُّزُلُ: البيت أو الفندق، ينزل به الناس ويقيمون. ومنازِلُ القمر: مدارتُه التي يدور فيها حولَ الأرضُ.

[7] السّادة (السّادّات): السّادة مصدر قولك سَدَدْتُ الشيء سَدًّا، وهي من السّد (سد يسد سدًّا) وهي تسمية تقال في الأغوار للعزب التي تكون على طرف وادي أو بجانب طريق قديم فكأنها تَسدّه وتغلقه وَتُحكِمُ السيطرة عليه، ومثلها سد حريز، في الواد الأحمر وهو السد الذي يصد الماء وَيحبسه ومثلها المحبس.

[8] من هؤلاء الشباب: 1- ربحي رشدي أبو سليم، 2- عادل عبد العزيز نجم، 3- عبد الله حسين أبو عودة، 4- محمد محمود أبو سهيل، 5-يوسف حسن الصالح، 6- جمال محمود القطعية، 7- أحمد محمد النجم، 8- حسين جبر صالح.

[9] الحاج نافز ناصر بني جابر (أبو ماهر) مواليد 1938م، مقابلات بتاريخ" 15/11/2021- 28/11/2021.

[10] حتى اليوم يمكن مشاهدة بقايا معسكر الجيش الأردني، مثل بعض الغرف والأبنية ومنها المسجد الذي يقع على طرف المعسكر في الشمال الغربي. وكان الجيش الأردني قد نظم في معسكر الجفتلك ومعسكر فصايل في العام 1966 دورات للمُكلفين بالخدمة العسكرية وجرى تدريبهم على السلاح وألحقوا بالجيش على الجبهات، وأثناء حرب 67 تعرض المعسكران للقصف والتدمير.

[11] سُمي بذلك نسبة للمقدم أَرييك ريجيف قائد لواء وادي الأردن في جيش الاحتلال (البقاع والأودية) الذي قتل في الواد الأحمر على يد الفدائيين الفلسطينيين في 26 تموز/ يوليو 1968.

[12] يحمل اسم قائد سلاح المدفعية في جيش الاحتلال النقيب جاد مانيلا الذي قتل مع أَرييك ريجيف في الواد الأحمر بتاريخ 26 تموز/ يوليو 1968 على يد الفدائيين.

[13] سُميت مدرسة التدريب على اسم الرقيب "ليال جدعوني" الذي قتل في غزة في حرب 2014.